abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
لمحه عن العلاقات الثقافيه الليبيه التونسيه فى العصر القرمانلى
لمحه عن العلاقات الثقافيه الليبيه التونسيه فى العصر القرمانلى
عدد : 10-2013
رحلات الحج والعلم :

كان الحج أحد أهم قنوات الاتصال بين مناطق العالم الإسلامي ؛ وهو بالنسبة لطلاب العلم رحلة علمية ؛ ينفعون وينتفعون منها ، ولما كان معظم أهالي المغرب العربي يفضلون الحج البري ؛ فكان عليهم عبور الأراضي الليبية ، فكان الليبيون يستفيدون من علم المغاربة في طريق الذهاب ومن نسخ المخطوطات التي تحصل عليها المغاربة في طريق الإياب ، وهكذا كان يتم لعلماء طرابلس الاطلاع على نتاج العلوم المشرقية والمغربية. وقد اشتهرت بعض الأسر الليبية بكونها أسر علمية ؛ حيث كانت تحرص على استضافة العلماء من الحجاج المغاربة ، ومن أشهر هذه الأسر أسرة المكني والغلابنة ، وقد أثرت هذه الأسرة في المجتمع الليبي ، وخرج منها القضاة ورجال الإفتاء ، ولم يقتصر الأمر على قوافل الحجاج فقط ؛ وإنما تعداه إلى قوافل التجارة التي لعبت دوراً مهما في إحداث التبادل الحضاري بين تونس وليبيا.

أسماء بعض الليبين الذين نزلوا إلى تونس في العصر القرمانلي من أجل الحصول على إجازات علمية :

(1) محمد بن حسين الدرناوي ( ت 1797 م ) :
من درنة ؛ وهي مدينة تتبع بني غازي ، هاجر إلى تونس وحصل على إجازة من جامع الزيتونة وصار رئيساً لقلم الكُتّاب في عصر حمودة باشا 1782 م (2) .
(2) محمد بن محمد الغرياني ( ت 1801 م ) :
من غريان بالجبل الغربي ، هاجر إلى القيروان وصار عالماً ومحدثاً في جامع عقبة ، ورجع إلى ليبيا في زمن علي القرمانلي ، وعاد إلى القيروان أثناء حوادث علي برغل ، وتخرج على يديه العديد من مشايخ ليبيا وتونس (3) .
(3) محمد بن أحمد الطويبي ( ت 1803 م ) :
من الطويبية ؛ غرب طرابلس ، من مواليد 1739 م ، وحصل على الإجازة من الزيتونة ، وتولى القضاء في الحاضرة في عصر حمودة باشا (4) .
(4) محمد بن أحمد بن عثمان الحضيري ( ت 1813 م ) :
ولد بمدينة سبها 1732 م ، وتتلمذ على يد الشيخ محمد بن غلبون الحفيد ، وحصل منه على إجازة (5) ، وارتحل إلى تونس ، علّم وتعلم ، ثم جلس للتدريس في زاوية طيبة (6) .


الإجازات العلمية المتبادلة و انتقال الكتب و المؤلفات :

بالإضافة إلي انتقال العلماء و الطلاب والمتصوفين في رحلات علمية وما ينشأ عن ذلك من علاقات شخصية و معرفية و تبادل الإجازات العلمية ، و الرسائل ، و التساؤلات المختلفة بين العلماء ، فضلاً عن الدراسات اللغوية ، و الفقهية ، و التاريخية المتعقبة للمؤلفات السابقة و التي ظهرت علي شكل حواش و تذييلات ، و استدراكات ، و اختصارات ، و شروح من قبل مؤلفين علي غيرهم في هذه الولاية أو تلك ، و كذلك ظهور المؤلفات العلمية و انتقالها من بلد إلي آخر ، وعلي ضوء ذلك فهناك مؤلفات تونسية كانت قد عرفت و تداولها علماء طرابلس الغرب و العكس ، و قد تنوعت هذه المؤلفات ، فكانت منها الدينية ، و التاريخية ، و الجغرافية ، و اللغوية و غيرها ، و هو ما شكل حركة نقدية ساهمت في تطور الحركة الثقافية في الولايتين مما ساهم في وجود علاقات ثقافية متميزة بين الولايتين .

من الوجوه الأخرى للتواصل الثقافي بين الولايتين تبادل الإجازات العلمية و هي شهادات يمنحها العلماء للطلبة الذين تلقوا عنهم أي نوع من أنواع المعرفة و هي براءة علمية و تفويض للإنابة في أي علم أو كتاب ، و عندما يجيز الشيخ أي طالب معني ذلك أنه تأكد كل التأكد من إتقانه لما سيجيزه عنه من علوم ، و يذكر الشيخ المجيز الكتب التي درسها عنه الطالب و عدد مرات العرض ، كما يذكر المجيز سنده في تدريس هذه العلوم ، و تتنوع الإجازات ، فهناك الإجازة الخاصة أو المنفردة ، و هي التي يجيز فيها الشيخ تلميذه في علم واحد يتقنه ، كأن يجيزه في علم التفسير ، أو علم الحديث ، أو الفقه مثلاً ، و هناك الإجازة العامة أو الشاملة ، و تكون فيما قرأه الطالب و حصله جملة من علوم الشريعة أو علوم اللغة مرفوعة بالسند المتصل إلي شيوخه إلي أن ينتهي ذلك إلي أحد علماء الأمة الكبار و تمنح الإجازة شفهياً للحضور من الطلبة ، و بعض الإجازات ليست عن طريق حلقة الدرس و إنما عن طريق المكاتبة و إهداء بعض المؤلفات ، ليتمكن المجيز من تقييم هذا التأليف و إجازة مؤلفه ، و من أمثلة هذه الإجازات التي كانت متبادلة بين علماء و مشايخ الولايتين نذكر :

إجازة الشيخ موسي بن عمر بن عبد الرحمن الجمني ، لمحمد بن عبد الحفيظ بن عبد النبي ، و هي مؤرخة في آواسط جمادي الثاني 1165هـ / 1759م ، وقد بين فيها المجيز الكتب التي تلقاها عنه الطالب المذكور فقال : سمع مني عدة كتب فوفق في كلها بذهنه الثاقب علي المراد ، ومن تلك الكتب "الشيخ خليل في الفقه" مرتين من أوله إلي آخره مع مطالعة شروحه للزرقاني و الشيخ الخرشي و الشراخيتي و صغري السنوسي في التوحيد و حاشية السكتاني و شرح الغدامسي ... إلخ ، و إجازة الشيخ أحمد بن علي بن عبد الصادق الجبالي الطرابلسي لأحمد بن الصغير السوكنى التونسي في سنة 1764م ، و إجازة الشيخ عبد الله بن محمد الغدامسي القيرواني البلوي ، لعبد الرحمن ضوي الغدامسي ، مؤرخة في أوائل ربيع الثاني 1180هـ / 1764م ، وهي إن كانت إجازات سبقت فترة الدراسة ، إلا أنها تؤكد استمرار التواصل العلمي و الثقافي بين مشايخ و علماء الولايتين ، ومنها إجازة الشيخ محمد بن أحمد الحضيري المتوفي بتونس سنة 1813م لمحمد بن محمد البخاري الغدامسي بتونس في نفس السنة ، و مما جاء في إجازته : ( ذلك أبو عبد الله محمد البخاري بل الله ثري حماه بوابل شهده الزلال ، و أسكنه بمد كويل من غرف الجنان الدورج العوال ، و جمع شمله بالأحبة و العشيرة و العيال ، قد طلب مني أن أجيزه في تدريس العلوم وما سمعه مني من منطوق و مفهوم .
كما جرت العادة بين ذوي المعرفة و النوال فأجبته و إن كنت غير أهل لذلك ، رجاء ثواب ذي الإكرام و الجلال ، و أجزته إجازة مطلقة شرطها المعتبر عن آثمة الأثر ، و مراجعة النقول عند نوازل الأحوال ... ) .
و من ذلك إجازة الشيخ إبراهيم الرياحي بجامع الزيتونة للشيخ حسين بن محمد بن عبد الكريم الأنصاري الطرابلسي المتوفي سنة 1881م ، و إجازة شيخ الإسلام مفتي الديار التونسية الشيخ أحمد بن الخوجة لمحمد كامل بن مصطفي بجميع مروياته ، و كذلك إجازة الشيخ محمد المختار شويخة لمحمد بن مصطفي أيضاً .
وفي هذا السياق فقد أجاز الشيخ محمد كامل بن مصطفي الشيخ أحمد بن الخوجة و أخاه محمود في الطريقة القادرية ، كما كتب إجازة أخري للشيخ محمد المختار شويخة في صحيح البخاري .

و لم تقتصر الحركة الثقافية بين تونس و طرابلس الغرب علي تبادل الإجازات و منحها ، بل كان التفاعل الثقافي بينهما نشطاً ، و هو ما يؤكده تبادل الرسائل العلمية وما تؤكده تلك المؤلفات التي يقع تأليفها إجابة عن سؤال أو أكثر تردد من هذا العالم أو ذاك أو تكون تعليقاً علي تأليف سابق و مثال ذلك الرسالة التي أرسلها الشيخ عبد السلام بن سليم الفيطوري الأسمر إلي أصحابة بتونس و هي رسالة و إن أرسلت في القرن السادس عشر الميلادي ، فإنها تبين عمق التواصل الثقافي بين الولايتين ، و هي رسالة طويلة فيها الكثير من الوصايا المهمة لأتباعه و مريديه بتونس منها : حفظ القلوب من الخواطر المذمومة ، و تنظيفها من الأخلاق القبيحة ، و الإكثار من تلاوة القرآن ، و تجريد النية ، و القصد لحج بيت الله الحرام ، و غيرها ، ومن ذلك ما كتبه الشيخ علي النوري من تعليق علي كتاب الجبالي المعروف ب ( تحفة الأخوان في التحذير من حضور حضرة فقراء الزمان ) ، و الذي تعرض فيه بالنقد للكثير من البدع التي انتشرت في عصره ، و قد أثار ذلك الكتاب ضجة بطرابلس و نتيجه لذلك فقد لجأ المؤلف إلي شيخه علي النوري الصفاقسي فأرسل إليه هذا الكتاب طالباً إبداء رأية فيه ، فأتي الرد مسانداً لكتاب الشيخ عبد الصادق الجبالي مؤيداً لموقفه ، واصفاً المؤلف و الكتاب بأوصاف تشيد بالمؤلف و مكانته العلمية ، مما ساهم في تثبيته و تشجيعه علي الاستمرار في منهجه ، و مما جاء في ذلك التعليق : ( الحمد لله ، قال كاتب هذه الحروف علي النوري : ألف الشيخ الفقيه علي بن عبد الصادق الجبالي العيادي تأليفاً نحو خمسة عشر كراساً في الرد علي ما يقع من فقراء الزمان من المخالفة ، و سماه بتحفة الأخوان في التحذير من حضور حضرة فقراء الزمان ، و كتب إلينا أن نكتب عليه فكتبنا عليه ما لفظه : الحمد لله الذي قيد لنصر الحق وإتقان بنيانه رجالاً ، و جعلهم نجوماً في سماء الشريعة يهتم بهم حالاً ومألاً ، ... ( و يستمر حتي يصل إلي قوله ) أما بعد فإن الصدر الشهير و العالم النحرير سيدي علي بن عبد الصادق العيادي الطرابلسي ، صاحب التأليف المرقوم قبل هذه الكتابة كتب إلي أن أتصفح كتابه هذا و أكتب ، فطالعته في زمن قريب مع انشغال البال و كثرة الأشغال ، فوجدته قد بلغ الغاية في حسن المبادئ و النهاية في إظهار أسرار المعاني و كشف عما أراد الحجب و السطور ( و يواصل الشيخ النوري تعليقه إلي قوله ) و كفا هذا المؤلف وما ألفه شرفاً أنه داع لأحياء السنة .
و في آواخر القرن الثامن عشر أرسل أهل جربة إلي علماء طرابلس يسألون عن مسائل شرعية و أحوال دينية ، و قد ساهم أحمد بن عبد الدائم الأنصاري الطرابلسي و اشترك في الجواب الشرعي في أبيات نظمها و أرسلها بصورة جواب إلي أهل جربه . ورغم أننا لم نعرف نص السؤال ، إلا أن هذه القصيدة كانت مثلاً لذلك الجبال الصادر عن التعصب الكلامي الذي تعظم خطرة في عصرالتخلف و الابتعاد عن منبع الشريعة الاسلامية في تلك الفترة .

و من ذلك أيضاً أن الشيخ محمد بن يونس ، و هو أحد علماء غدامس ، كان قد أخذ العلم بجامع الزيتون ، و تتلمذ علي مشايخه من أمثال إبراهيم الرياحي ، ثم عاد إلي بلاده و بدأ مسيرة التعليم و التأليف ، قام بإرسال أحد مؤلفاته للتقييم إلي قيم جامع الزيتونة الشيخ محمد بن المقدم ، الذي علق بقوله : ( رأيته علي الصواب و أنه علي نهج قويم و صراط مستقيم) ، فكتب عليه منظومة ... إلي أن قال :

بحر من العلم قد جاد الزمان به علي غدامس فهو الآن كالعلم .
أحيا معالم توحيد الإله لمن يرجو النجاة من النيران و الظلم .

و بالإضافة إلي ذلك كان تبادل الكتب و المؤلفات العلمية بين العلماء و الشيوخ و الفقهاء من أبرز مجالات التواصل الثقافي بين الولايتين ، حيث أصبحت مكتبات البلدين تزخر بالعديد من النسخ المتعددة لبعض الكتب المتداولة في مختلف العلوم هنا و هناك ، لمؤلفين عاشوا في ولاية طرابلس الغرب أو في تونس ، و أخري لغيرهم ولكنها معتمدة في التدريس و الفتيا في الولايتين ، وقد كان اقتناء الكتب شيئاً مألوفاً بين علماء الولايتين ، حيث كان بالبلدين العديد من المكتبات الزاخرة بأنواع الكتب ، و خصوصاً في المؤسسات العلمية الكبري كجامع الزيتونة و غيره ، و قد وصلت مؤلفات العلماء التونسيين إلي طرابلس و ذاع صيتها ، فيما وصلت مؤلفات علماء طرابلس إلي تونس و اشتهر أمرها ، هذا فضلاً عن انتشار المكتبات في مختلف مدن الولايتين .

وقد تنوعت هذه المكتبات ، فمنها ما كان بالمساجد ، و منها ما كان في المدارس و المعاهد العلمية ، و منها ما كان بالزوايا ، وقد غصت هذه المكتبات بمختلف أنواع الكتب و المخطوطات ، الأمر الذي جعلها تسهم هي الأخري في نشاط الحركة العلمية و الثقافية في الولايتين ، و من أهم هذه المكتبات :( جامع الزيتونة، جامع عقبة بالقيروان، رباط سوسه ، رباط المنستير ، بيت الحكمة برقادة ، الصادقية بولاية تونس، الكاتب، الزاوية الأسمرية، الزروق، آل منيع ، ضوي، زاوية أبي ماضي بولاية طرابلس الغرب)، بالإضافة إلي أن أغلب الزوايا و المساجد الكبري في الولايتين كانت بها مكتبات مهمة، فضلاً عن المكتبات الخاصة و هي كثيرة و متعددة في مدن و قري البلدين .

و قد تعددت الوسائل التي حصل منها علماء و أهل البلدين علي هذه الكتب منها :

1- من خلال موسم الحج الذي كان فرصة كبيرة بالنسبة للعلماء و الطلاب للحصول علي مجموعة من الكتب ، حيث كان الحجاج ينقلون معهم الكتب و المؤلفات ، إما لبيعها أو الاتجار بها ، أو للاحتفاظ بها ، أو لأهدافها .
2- عن طريق القوافل التجارية ، فقد شجعت الحركة التجارية النشطة بين الولايتين علي انتقال الكتب ، حيث حرص التجار علي أن تتضمن بضائعهم الكتب و المخطوطات التي كانوا يحملونها من بلاد شتي ، ولعل هذا ما يفسر وجود مجموعات من الكتب المخطوطة و المطبوعة في أماكن بعيدة ، فضلاً عن أن بعض القوافل كانت تحمل الرسائل و الكتب لأشخاص معينين .
3- عن طريق النسخ ، الذي كان من أهم الرسائل التي يتم بها الحصول علي الكتب ، فقد انتشرت في هذه الفترة حرفة نسخ المخطوطات بشكل واسع .
4- كذلك حصل علماء الولايتين علي نسخ من الكتب و المخطوطات عن طريق الإهداء المتبادل بينهم ، فقد كان علماء طرابلس لا يأنفون من أن يطلبوا من العلماء التونسيين المشهورين بأن يعطوهم نسخة من مؤلفاتهم ، و العكس ما يحدث مع علماء تونس .
5- فضلاً عن ذلك فإن بعض البايات و الولاة بالولايتيين عني باقتناء الكتب ، خصوصاً الشهيرة منها ، فقد كانت الولايتان تتوافران علي بعض الولاة و البايات الذين كانت لهم ميول ثقافية و اهتمام بالعلماء فيغدقون الأموال علي شراء الكتب أو تشجيع النسخ.
و تعتبر الكتب من الوسائل المهمة في نقل الثقافة ، و ظهورها في بيئة معينة يدل علي وجود حركة علمية ، و كذلك وجود بعض المكتبات العامة أو الخاصة لدي بعض الأفراد و ربما تكون الكتب في العصور السابقة من أهم وسائل التعليم و الثقافة ، رغم صعوبة وجودها آنذاك قبل ظهور الطباعة الحديثة ، حيث كان يتم نسخها باليد ، و من ثم تداولها في نطاق مكان تأليفها أو انتقالها من بيئة إلي أخري ، غير أن انتشار الكتب في هذه الحالة لا يكون إلا للجيد منها ، أي التي تغطي الحاجة المعرفية المطلوبة ، و كذلك لأهمية المؤلف و ذيوع صيته أو ما تثيره من قضايا فكرية ، و تدلنا فهارس المخطوطات التي تصنف الكتب القديمة و تبين مكان وجودها أعداد ليست قليلة من مؤلفات العلماء التونسيين بالمكتبات المنتشرة بولاية طرابلس الغرب ، كما تشير إلي وجود العديد من المخطوطات لعلماء من طرابلس بالمكتبات التونسية ، و هذا يمثل أحد روافد الاتصال الثقافي ، إن لم يكن أهم مظاهره ، وقد تنوعت هذه المخطوطات و الكتب فشملت علوم شتي مثل : ( التفسير ـ و الحديث ـ و الفقه ـ و أصوله ـ و المواريث ـ و علم الكلام ـ و التصوف ـ و اللغة ـ و الأدب ـ و الفلك ـ و التاريخ ـ و الجغرافيا ) و غيرها .

ولا يمكن لأي باحث يتناول العلاقات الثقافية بين الولايتين أن يتجاهل هذه الظاهرة التي أسهمت في إثراء الحركة الفكرية في البلدين ، فقد كان لها إشعاع كبير في تاريخ الثقافة فيهما ، و إذا ما تجاوزنا المادة المكتوبة عن العلاقات الثقافية بين الولايتين ، إلي الواقع من خلال ما تزخر به مكتبات تونس و طرابلس الغرب من أدلة علي العلاقات الثقافية بينهما نلاحظ ما يلي :

1- نُسخ متعددة من كتب متداولة في العلوم المختلفة نجدها هنا و هناك لمؤلفين أو نُسخ من تونس أو من طرابلس ، و أخري لغيرهم ولكنها معتمدة في التدريس و الفتيا في الولاياتين .
2- كتب لمؤلفين عاشوا في تونس أو في طرابلس مدة طويلة ، و وضعوا مؤلفاتهم التي انتشرت في مختلف مكتبات الولايتين .
3- خطوط متشابهة في مخطوطات الولايتين ، و نساخ من الولايتين لهم آثار هنا و هناك .
4. وثائق متنوعة و رسائل متبادلة بين علماء و طلاب و سكان الولايتين ، تؤكد تلك العلاقات الثقافية المتبادلة .


وهكذا ، فقد ضمت المكتبات التونسية المختلفة العديد من مؤلفات العلماء الطرابلسية و التي قدرها قدرها الأستاذ أبو القاسم كرو بحوالي خمسمائة كتاب و رسالة و نص تضمها أكثر من ثلاثين مكتبة خاصة و عامة ، و من بين هذه المخطوطات من تعددت نسخها فتجاوزت النسخة الواحدة لتتوزع علي أكثر من مكتبة ، نذكر علي سبيل المثال : مخطوط كفاية المتحفظ و نهاية المتلفظ للشيخ إبراهيم بن إسماعيل الإجدابي ، و مخطوط الوصية الكبري للشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري ، و مخطوط اتحاف المريدين بعقيدة أم البراهين للشيخ أحمد بن عبد الله الغدامسي ، و مخطوط إرشاد المريدين لفهم معاني المرشد المعين للشيخ علي بن عبد الصادق الجبالي ، و للشيخ محمد بن علي الغرباني مجموعة من المخطوطات بعدد من المكتبات التونسية منها مخطوط حاشية علي خطية خليل ، و مخطوط شرح البسملة و غيرها
.
كما لاقت مؤلفات الشيخ عبد السلام الأسمر قبولاً في ولاية تونس ، و من هذه المصنفات كتاب الوصية الكبري ، و روضة المريدين بجامعة العروسين ، و العظمة في التحدث بالنعمة و العديد من الأحزاب و القصائد ، وقد لاقت هذه المصنفات رواجاً و شهرة في ولاية تونس .

هذا ، و قد اشتهر العديد من النساخ الطرابلسيين الذين عملوا علي نسخ و حفظ الكثير من التراث العلمي ، ويوجد بدار الكتب الوطنية بتونس الكثير من المخطوطات التي عمل علي نسخها كُتّاب و علماء يعودون في أصلهم إلي ولاية طرابلس مثل : الشيخ أحمد بن عبد الصادق الجبالي الطربلسي ، و محمد بن حسين الدرناوي و محمد بن محمد الزليتني ، و محمد بن منصور الغرباني ، و عبد الجواد بن عبد الرحمن الطرابلسي و غيرهم كثير ، وقد قام الأستاذ الفرجاني الشريف بإعداد كتاب حول المخطوطات الليبية بالمكتبات التونسية و المغربية ، تناول فيه أسماء الكثير من المؤلفين و النساخ الطرابلسيين الذين كان لهم دور مهم في المحافظة علي الإرث الثقافي ، و إثراء الحركة الفكرية ، و دعم أواصر التواصل الثقافي بين الولايتين.

و لم يقتصر الأمر علي انتشار الكتب و المخطوطات الطرابلسية بتونس ، فقد ضمت مكتبات طرابلس الغرب العديد من النسخ لمؤلفات تونسية نذكر علي سبيل المثال : اشتمال مكتبة مصطفي خوجة بمدينة طرابلس علي كتاب النوازل لابن عظوم القيرواني في مجلدين ، و كتاب بشائر أهل الإيمان بفتوح آل عثمان لحسين خوجه ، و كتاب الحلل السندسية في الأخبار التونسية لمحمد بن أحمد الوزير السراج ، و رسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي و غيرها .

كما ضمت مكتبة الجغبوب بعض المؤلفات التونسية منها ديوان الشيخ قابادو و تاريخ الشيخ محمد بن يوسف الباجي المعروف باسم المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي.

كما حوت مكتبة الشيخ محمد أحمد منيع حوالي ( 800 ) مخطوط ، ضمت كل ما كتب في الفقه المالكي من شروح و حواش ، و مجاميع ، و مسائل ، و مختصرات ، من أمثال : شرح الخرشي علي خليل ، و حاشية الدردير ، و مختصر البرزي لحلولو ، و غيرها من كتب الحديث ، والفرائض ، و الأدب ، و المواعظ ، و اللغة ، و التصوف و السيرة لمؤلفين تونسيين ... ألخ ، و غيرها مما لا يسعنا المجال لتعدادها و التفصيل فيها .
وهكذا فقد كانت الصلات الثقافية بين ولايتي طرابلس الغرب و تونس عظيمة و مثمرة تجلت آثارها و انعكست علي الحياة الثقافية و الاجتماعية للبلدين ، و رغم أنه من المستحيل هنا أن تأتي علي مجموع التأثرات الثقافية بين الولايتين ، فإننا نستطيع من خلال المعطيات السابقة أن نؤكد علي النقاط التالية :

1.بدأت الصلات الثقافية بين الولايتين في فترة مبكرة ، قد تكون مع دخول الإسلام للمنطقة ، و ظلت هذه الصلات تزداد عمقاً و استمر تواصلها .
2.كانت هناك بعض العوامل شجعت علي زيادة التواصل الثقافي و عمقت الصلات بين علماء
الولايتين ، الذين فتحوا المجال لتلقي التيارات الفكرية و الثقافية المتنوعة .
3.اتخذت الصلات الثقافية بين الولايتين عدد مظاهر ، أبرزها رحلات العلماء و طلاب العلم ، و تبادل الإجازات و الكتب و الاستفسارات العلمية .
4.إن العلماء الذين كانوا يقومون برحلاتهم العلمية إلي طرابلس أو تونس لم يكونوا خاضعين لأي نوع من الوصايا أو التأثيرات ، و إنما كانوا يقومون بهذه الرحلات بهدف الدراسة و التحصيل و تبادل الآراء و الأفكار ، و من ثم العودة إلي بلادهم لنشر ما تلقوه من معارف و علوم ، و القيام بدورهم الثقافي و التعليمي المنوط بهم .
5.حققت الصلات الثقافية بين ولايتي طرابلس و تونس تقارباً ملحوظاً بين شعبيهما و ساهمت في زيادة معرفة أهالي طرابلس الغرب بالشعب التونسي و بالبلاد التونسية و العكس ، خصوصاً أن كثيراً من أبناء الولايتين فضل الإقامة في هذه الولاية أو تلك لتلقي العلم ، و منهم من انخرط في الحياة العامة للمجتمع الذي استقر فيه ، و شارك الأهالي في حياتهم و أعمالهم .
6.و من أبرز نتائج الاحتكاك الثقافي بين علماء الولايتين ، تأثرهم بدروس و كتب و طريقة تفكير بعضهم البعض ، فكان لذلك أثره في ظهور رجالات من العلماء قاموا بدور مهم في الناتج الفكري و الثقافي ، فظهرت منهم مجموعة من العلماء أثروا الحركة الثقافية بالبلدين ، و تولد عن ذلك ظهور كتابات و تعليقات و دراسات نقدية ساهمت هي الأخري في إثراء الحركة الفكرية .

وهكذا فقد عرفت الصلات الثقافية بين طرابلس الغرب و تونس خلال هذه المرحلة تطور ملحوظاً أكد أهمية الروابط الثقافية التقليدية و استمراريتها عبر العصور ، و تميزها بالعمق ، و مهما يكن من أمر فإن الواضح من خلال استعراض هذه الصلات بين الولايتين في العصور الحديثة ، فإنها قد عرفت تطوراً مطرداً حتي بداية الاحتلال الفرنسي لتونس سنة 1881م ، و إنها كانت مستمرة بالرغم من تقلب الأوضاع السياسية ، بل إنها تفوقت حتي علي العلاقات السياسية ، و الاقتصادية ، و الاجتماعية

 
 
بقلم الدكتور/ عبدالعزيز الفضالى