abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
قراءة في كتاب.." الصراع بين القوميتين العربية والتركية وأثره في إنهيار الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين "

قراءة في كتاب..- الصراع بين القوميتين العربية والتركية وأثره في إنهيار الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين -
عدد : 11-2014
حدد المؤرخ الموضوعي سعادة الدكتور سعد بن ثامر الحميدي الخطوط التاريخية الدقيقة للصراع بين القوميتين العربية والتركية وأسبابه ونتائجه كاشفاً للغموض الذي يعتري مراحل تاريخية متعددة كانت وما زالت تتناول بالدراسة والتحليل هذا الصراع، وأوضح المؤلف بدراسته ومؤلفه عن الصراع بين القوميتين العربية والتركية وأثره في إنهيار الدولة العثمانية جوانب البحث التاريخي المعتدل وتميز المؤلف بهدوئه العلمي ومنهجه التاريخي الفلسفي وحسه الأدبي في الحرص على تحقيق ودراسة الأحداث التاريخية بغية الوصول إلى الحقائق التاريخية المهمة التي تعد مـن مصـادر دراسـة علم الآثار والتاريخ.

يحتوي كتاب الصراع بين القوميتين العربية والتركية وأثره في إنهيار الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين على مقدمة وفصل تمهيدي وثلاثة أبواب، تناول الباب الأول مدخــل حول نشوء الفكرة القومية عند الأتراك وتطورها، وناقش الفصل الأول: رواد الفكر القومي التركي ودار الفصل الثاني حول الجمعيات والأحزاب القومية التركية. وتناول الباب الثاني تطور الفكر القومي العربي ورواد الفكر القومي العربي أيضاً، بالإضافة إلى الجمعيات والأحزاب القومية العربيـة.

هذا ودرس الباب الثالث: المؤثرات الدولية والمحلية وأثرها في ظهور وتصادم التيارات القومية العربية والتركية، وذلك من خلال مدخــل تمحور حول التأثير الأوروبي الفكري والسياسي على التحديث في المجتمعات ثم عرض الفصل الأول: المؤثرات الأوروبية وأثرها في تأجيج الصراع القومي العربي والتركي، وشرح الفصل الثاني : مظاهر الصراع القومي العربي التركــي وأشتملت الخاتمـة على النتائج المهمة التي توصلت إليها الدراسة والسياسة الكمالية وأثرها على علاقة القوميتين بعد الإنفصال.

تتلخّصُ قراءتي لهذا الكتاب فيما يلي:-

شَكّلَ سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية فى الربع الأول من القرن العشرين، حالة عصية عن الاستيعاب للعقل والوجدان العربى والإسلامي ، وطيلة العقود التالية حاول البعض تحميل التيارين القوميين العربي والطوراني المسئولية التاريخية لما آلت إليه السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية في أخريات سنواتها قبيل السقوط والتلاشي .

لكن في الحقيقة هناك ثمة أبعاد جدلية للعلاقة ما بين التيارات القومية والإنهيار المروع لمؤسسات الدولة العثمانية وإفلاسها الإيديولوجى والاعتبارى : أيهما كان سبباً أو نتيجة للآخر ؟ فى علاقة طردية تشي بمغريات محفزة على البحث والاستقصاء بغية الوصول إلى الحقيقة التاريخية النسبية أو المطلقة التي من شأنها فك رموز إحدى معضلات هذا الكتاب على خلفية السببية التاريخية في صنع حركة وأحداث الزمن وتفسير متغيراتها وكان الباعث المحفز على مثل هذا التساؤل المطروح سلفاً ولا يزال قائماً بطريقة مباشرة أو بديلة : هو هل كان تنامي أطراف الدولة العثمانية وتعدد الانتماءات السلالية والهويات الثقافية والحضارية لشعوبها الأمر الذي يصعب معه السيطرة السياسية والإيدييولوجية على كافة هذه المتناقضات في إطار سياسي واحد أو معيار ثقافي محدد ؟
ومن ثم هل كان طبيعياً أن تواجه الدولة العثمانية إنفجاراً وإنكساراً حاداً فى ولايات الأطرف، خاصة وأن الثورات والحركات التى أرتدت مسوحاً دينية أو قومية كانت تعبيراً صارخاً عن هشاشة المشهد السياسى والثقافي بالدولة العثمانية .

ويناقش هذا الكتاب فرضية أساسية وإن كانت تطرح تساؤلات عديدة مفادها : هل كان الصراع بين التيارات القومية التركية والعربية بخاصة سبباً فى ضعف الدولة العثمانية ومن ثم إنهيارها ؟ أم كان نتيجة لطبيعة الدولة العثمانية ؟ كدولة عالمية مترامية الأطراف ومن ثم تعجز في الدفاع عن ولاياتها البعيدة الممتدة في آسيا وأوربا وأفريقيا، ومما جعلها دائماً عرضة للأطماع الأجنبية والثورات المحلية والحركات الإنفصالية خاصة في ظل التنوع البشري الفسيفيسائي - العرقي والديني – لرعاياها الناتج عن الإستيعاب القسري" الغزو " أو الضم " الطوعي" ، حالتي الحجاز والجزائر" للجماعات البشرية التي دخلت رعويتها على مدار القرنين الأول من عمرها، وصلت في الإجمالي إلى 60 قومية وشعب وطائفة وملة مختلفة العقائد الدينية : مسلمين (سنة ودروز وزيدية وعلويين وأدارسة)، ومسيحيين (أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت ومارونيين وكلدانيين ونساطرة وأقباط) ويهود (سفاردين وقرائين ودونمة)، مقتبسة في التعاطي مع تلك الجماعات على اقتباسها النظم الحاكمية القديمة ( الفارسية والعربية الإسلامية والبيزنطية ) وتطوير نظام " الملل " لدولة المماليك السابقة في مصر والشام.
إلا أن النهضة الأوربية الحديثة شملت بتأثيراتها على الدول العثمانية جميع النواحي خاصة بعد أن تجاوزت أوروبا المعوقات الظلامية القروسطية، لتعيش طوراً إجتماعياً سياسياً قومياً، تمخض عن تبلور الدولة القومية الأوروبية ، فى الوقت الذي كانت الدولة العثمانية لا تزال ترزح في طبيعتها الإمبراطورية القروسطية التي عجزت بها عن التعايش مع النظام العالمي السائد في القرن التاسع عشر– المعروف بـ : عصر القوميات – فأضحت بهذه الطبيعة والعالم من غيرها يتغير عرضة للأطماع الأجنبية والحركات الإنفصالية والهزائم العسكرية المتتالية.

ما دفع النخبة العقلانية الحاكمة إلى السعي لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة الهرمة فتبنت النموذج الأوربى للتحديث على كافة المستويات وبالتدريج ، وإن كانت بدأت بالمؤسسة العسكرية الذراع الحامي لممتلكات الدولة ووحدة أراضيها.

معتبرة في ذلك بالتجربتين الروسية والمصرية في التحديث واللتان سبقتاها بعشرات السنين وانتصرت عليها الأولى في معارك وحروب لا حصر لها، وأيضاً انتصرت عليها التجربة المصرية في بضع معارك.
فكانت المحاولات العثمانية للتحديث بمثابة إستجابة لتحديات إقليمية في الأساس متخذة في ذلك آليات ومفاهيم تحديثية أوروبية غريبة كلياً عن المجتمعات العثمانية الشرقية، فلقيت هذه الآليات والمفاهيم قبل أن تترسخ معارضات محلية قومية وبدلاً من أن تستفيد النخبة العثمانية من الإصلاح والتحديث لإنجاز تجديد بنيوي ومؤسسي من الداخل ضمن شروط الواقع العثماني الموضوعية وميراثه التاريخى والإسلامى فإنها – إضطرت نظراً لإلحاح الضغط الخارجي وفقدها للرصيد الحضاري – للاستسهال بإستيراد النماذج الأوروبية الجاهزة للإصلاح ، مما عرضها لشروط إخضاع جديدة دون الإعتبار للكلفة الإجتماعية والإقتصادية لهذا الأداء الذي وضع الامبراطورية قاب قوسين أو أدنى من الهاوية .

وكانت الهاوية في التاريخ العثماني الحديث بمثابة التنظيمات التي أعلنت إعتراف السلاطين نهائياً بشروط الإستسلام الحضاري للغرب.

وهكذا وضعت النماذج الأوروبية للتحديث الدولة العثمانية على طريق نهايتها كدولة إسلامية، فعلمنة القوانين قد سحب من الدولة العثمانية شرعيتها في أنظار المسلمين ناهيك أن عدو الدولة أصبح داخلياً، فالتوغل الأوروبى شمل جميع المستويات حيث كان المؤثر الأوروبى كاسحاً في التعاطي الأدبي مع الأنماط والمدارس الأوروبية وبلورة وعي ومفاهيم النخب المثقفة التي تاهت في محاكاة منقطعة النظير مع السائد الأوروبى في التطور الإجتماعي والتغيير السياسي، وبخاصة الإتجاهات القومية والوطنية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وكانت بداياتها الأولى كحركات أدبية ولغُّوية ثم صارت تظهر في الأبحاث التاريخية ومن بعدها إنتقلت إلى العمل السياسي .

ورغم أن الأتراك العثمانيين كانوا – حكومات وشعباً – مرتبطين بفكرة الوطنية العثمانية "إرتباطاً شديداً وبعيدين عن الشعور بالقومية التركية واستمرت الأحوال على هذا المنوال حتى أواخر القرن التاسع عشر، بل وحتى أواخر العقد الأول من القرن العشرين، إلا أنهم عندما تبنوا الفكر القومي، حرقوا مراحل تطور النشاط القومي بسرعة ماراتونية من تتريك اللغة والأدب والتاريخ إلى تترييك الدولة ومؤسساتها ومحاولات تتريك الشعوب العثمانية جميعها.

بعكس الفكر القومي العربي الذي مثل في آخريات سنوات الدولة العثمانية إستجابة للتحديات التي واجهت الأمة العربية في هذه الفترة المتمثلة في الإحتلالات الإستعمارية التي تزامنت أو نتجت عن ضعف الدولة العثمانية اقتصادياً وعسكرياً .

وبدأ القوميون العرب بالإهتمامات الأدبية وإستعادة الأمجاد الغابرة في المدارات الثقافية والفكرية وكردات فعل للشوفينية التركية الطورانية. ومثلت سنوات الحرب العالمية الأولى، مرحلة فارقة في تاريخ العلاقات العربية / التركية الممتدة لأربعة قرون مضت، حيث تبلورت فكرة الإنفصال، وأضحت تتجاوز ما سبقها من أفكار وتوجهات في العلاقات القائمة، من نيل الحقوق والمساواة ثم اللامركزية في الحكم على القول الفصل في علاقات بين قوميتين تشكلان عنصري دولة امبراطورية قروسطية على أعتاب القرن العشرين، رغم أن فكرة الإنفصال لم يتم الإعلان عنها فجأة، لأنها بدأت فى أولها غامضة ومشوشة ومتوترة، إلى أن جاءت الحرب وفرضت نتائجها المروعة تغييراً قسرياً لواقع مترهل.

فعندما تدخل دولة هرمة حرباً دائرة بين فرقاء أقوياء، كل ما تملكه فيها من أسلحة هي أعباء ميراثها الإمبراطوري المتداعي، ومراهنات واهية على قوة وفرص انتصار أحد الفرقاء يكون حالها هو ما آلت إليه الدولة العثمانية من مصير.

فبعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، وأفرزت نتائجها واقعاً جديداً في الشرق العربي بعد زوال الحكم العثماني منه ومن الوجود كله ولم يتبق من الدولة العثمانية سوى أشلاء ولايات جميعها خاضع لقوات احتلالات أوروبية منتصرة في هذه الحرب تسعى لتنفيذ أجندتها السياسية وفق مشاريعها الإستعمارية عبر وعود تسويات واتفاقيات أبرمت أثناء الحرب ( وعد للعرب باستقلال مبهم، ووعد لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، واتفاقية سايكس/بيكو) وبعد الحرب ( مقررات مؤتمر المنتصرين بفرساي 1919، ومعاهدة سيفر1920، ومعاهدة لوزان 1924 ) لم يتبق من الدولة العثمانية أثناءها من 1918 – 1924 إلا السلطان ( بقصر لا يملك الدفاع عن أسواره، واسم منصب بدون أي حيثيات ) أما رعاياها فلم يجنوا إلا قبض الريح بعدما تحصلوا على كيانات ورغم ما تملك رموز وقادة القوميتين ثمة استعدادات مسبقة للتعاطي مع الإنفصال بينهما من خلال فصل الخلافة عن السلطنة، وتباين استيعابهم لإلغاء الأخيرة، بعكس ما وقع من تغيير قسري فرض عليهم بإلغاء الخلافة وهو ما لم يكن لهم استعدادات لقبوله، أو تصورات لواقع حالهم ومصيرهم بدون الوحخلافة ، التي مثّل إلغاؤها – إلى جانب كونها صدمة مروعة – الأداة الناجعة التي حققت الإفتراق التاريخي بين القوميتين العربية والتركية.


 
 
بقلم د.محمود رمضان
مدير مَرّكَزُ الخَلِيجَ للبُحوثِ وَالدّرَاسَاتِ التَّارِيخيَّةِ
خبير الآثار والعمارة الإسلامية
الصور :