abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
ست الملك والخليفة الحاكم بأمر الله
ست الملك والخليفة الحاكم بأمر الله
عدد : 08-2016
بقلم دكتورة/ نورا عبد المهيمن

تبقي الأميرة ست الملك هي أهم وأبرز شخصية نسائية في العصر الفاطمي كله , والأميرة ست الملك هي إبنة الخليفة الفاطمي العزيز بالله , الخليفة الفاطمي الخامس (365هـ/975م -411هـ/1020م) , وأخت الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله , الذي تولي الخلافة وصار أميراً للمؤمنين وهو في الحادية عشر من عمره .

وهي دون غيرها من أميرات وملكات العصر الفاطمي التي انشغلت بأمور السياسة والحكم , وتذكر المراجع التاريخية أن أمها كانت سيدة مسيحية رومية تزوجها العزيز بالله فولدت له إبنته ست الملك في بلاد المغرب سنة 359هـ , أما أخوها الخليفة الحاكم بأمرالله فقد ولد بقصر الخلافة في القاهرة سنة 375هـ , أي أنها كانت تكبر أخوها بنحو خمسة عشر عاماً .

كانت للأميرة ست الملك منزلة كبيرة عند أبيها الخليفة العزيز بالله , وعرف عنها ما كانت تتحلي به من الحزم والعقل وقوة العزيمة والتبصر بالأمور , وكان والدها يحبها ويقربها ويستمع إلي نصائحها وأرائها التي كانت تؤخذ بعين الإعتبار في كثير من الشئون , كما إشتهرت بالتسامح الديني في معاملة أهل الذمة مثل والدها .

وقد أهلتها هذة الصفات منذ البداية لتلعب دوراً كبيراً في سياسة مصر في عهد أخيها الخليفة الحاكم بأمر الله وابنه الظاهر لدين الله , فعندما توفي والدها الخليفة العزيز بالله في مدينة بلبيس عندما خرج علي رأس الجيش الفاطمي لقتال القرامطة , كان قد اشتد عليه المرض وأدرك أن نهايته قد حانت فاستدعي إلية القاضي محمد بن النعمان المغربي وأبا محمد الحسن بن عمار زعيم كتامة واستشارهم في تولية ابنه الحاكم بأمر الله الخلافة , والذي كان في ذلك الوقت صبياً صغيراً عمره أحد عشر عاماً وشهوراً وكان عمرها ستة وعشرين عاماً , وقد كانت الأميرة ست الملك برفقة والدها وما كادت أن تتأكد من وفاته حتي سارعت بالسفر إلي القاهرة لتأمين العاصمة علي رأس طائفة من الجند فوصلتها عند منتصف الليل .

وفي اليوم التالي وصل الصبي الصغير الحاكم بأمر الله يصحب جثة أبيه الذي دفن بإحدي حجرات القصر الشرقي الكبير , وهكذا حافظت الأميرة ست الملك علي عرش الخلافة لأخيها الصغير وكانت إحدي دعامات حكمه .

فقد تولت تدبير أمور الدولة والقيام بأعباء الحكم يساعدها في ذلك برجوان الصقلي الذي كان يتولي الوصاية علي الخليفة الصغير , واستمر الأمر علي هذا النحو حتي بلغ الحاكم بأمر الله الخامسة عشر , وأخذ يتطلع إلي السُلطة وتعويض ما فاته منها عندما كان صبياً تحت الوصاية , فبدأ بنبذ برجوان الصقلي ثم قتله لإزاحته عن الطريق , وإلتفت إلي أخته ست الملك وبدأ يضيق عليها ويقول في حقها لعزوفها عن الزواج وعدم رغبتها فيه , وأرسل إليها مراسلات قبيحة يقول فيها : بلغني أنَ الرجال يدخلون إليك , وتهددها بالقتل فزدادت الفجوة بينه وبينها , وإزداد احترازها وتخوفها منه أيضاً بسبب إسرافه في قتل كبار رجال الدولة الواحد تلو الآخر, فاعتكفت في دارها بالقصر طلباً للسلامة وقد ضمت إليها طفلاً صغيراً هو ابن الحاكم بأمر الله وأمه خوفاً عليه من أبيه , وراحت ترقب الأحداث وما يجري من بعيد .

ويقول ابن الأثير أن سكان القاهرة كانوا يكرهونه بسبب الأذي الذي سببه لهم , وكانوا يرسلون له رسائل يشتمون فيها أجداده , وأنه تبعاً لهذه الرسائل أمر بإحراق القاهرة ففي عام 410هـ /1020م أمر الحاكم فعلاً بإحراق الفسطاط ونهبها عندما غمره المصريون بفيض من النشرات المشينه بعد الهياج الذي تلي إدعائه الألوهية , وقد ذكر ابن العماد في شذرات الذهب أن سكان القاهرة قد صدموا بإعلان الحاكم ألوهيته ليس بسبب سخافة المبدأ نفسه ولكن وبصورة خاصة لأنهم " أجبروا علي السجود كل مرة يذكر اسمه في إجتماع أو مسجد أو حتي في الشارع , كل من كان يسمع اسمه كان عليه أن يسجد ويقبل الأرض للإحتفال بعظمته ".

ومن شطحات الحاكم بأمر الله الكثيرة علي سبيل المثال لا الحصر أنه قد أصدر أمراً عام 395هـ بصيد منظم وقتل لجميع كلاب القاهرة , ويذكر المقريزي أن ما قتل من الكلاب كان كبيراً لدرجة إبادة الجنس , وقد شرح بعضهم قراره هذا بسبب أن نباحها كان يمنعه النوم ليلاً .

ومنع النساء من الخروج من بيوتهن وقتل من خرج منهن , فشكي إليه من لا قّيم لها يقوم بأمرها فأمر الناس أن يحملوا كل ما يباع في الأسواق إلي الدروب ويبيعوه علي النساء , وأمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفه بساعد طويل يمدُّه إلي المرأة وهي من وراء الباب , وفيه ما تشتريه فإذا رضيته وضعت الثمن في المغرفة وأخذت ما فيها لئلا يراها , فنال الناس من ذلك شدَّه عظيمة , وأمر الإسكافيين بألاّ يصنعوا لهن أحذية وأغلقت حماماتهن , ويذكر ابن العماد أن النساء بقين سجينات ولم يضعن أرجلهن في الشارع علي مدي سبع سنوات وسبعة أشهر حتي وفاة الحاكم .

كما أمر بسبّ الصحابة وكتب إلي سائر عمَّالهِ بذلك , ثم أمر بعد ذلك بمدَّه بالكفّ عن السب وتأديب من يفعل ذلك , ولم يسلم أهل الذمه من اليهود والمسيحين من الخليفه الحاكم بأمر الله فقد حملهم علي الإسلام أو المسير إلي مأمنهم أو لبس الغيار ومنعهم من ركوب الخيل وسمح لهم بالحمير وفرض عليهم أن يحملوا صليباً كبيراً من الخشب وعلي اليهود أن يحملوا حرسا صغير معلق في رقابهم , وصرف كل الموظفين الكبار المسيحين واليهود من الخدمه وبعضهم أعدم , وللتخلص من هذا التعذيب والإهانة طلب المسيحيون واليهود أن يعتنقوا الإسلام وقد شوهد إعتناق للإسلام بالجملة , ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له : أريد العوده إلي ديني فيأذن له .

ثم أمر في سنة تسع وتسعين بترك صلاة التراويح , فاجتمع الناس بالجامع العتيق وصلي بهم إمام جميع رمضان فأخذه وقتله , ولم يصلي أحد التراويح إلي سنة ثمان وأربعمائة , فرجع عن ذلك وأمر بإقامتها علي العادة مرة أخري .

ثم تمددت قائمة المحظورات سريعاً لتطال هذه المرة بعض الأغذية والمأكولات كالملوخية فقد منع الحاكم بيعها لأن معاوية وعائشة أعداء الشيعة كانا يحبانها , بالإضافة إلي الترمس وبعض أنواع السمك , كذلك حظرت الأعناب الطازجة التي منها يمكن صناعة الخمر وكذلك الجافة (الزبيب) وبدؤوا في إتلاف المخزون منها وأطنان منها ألقيت في النيل , وحرقت كميات كبيرة منها ومنع نقلها , ومخالفة هذه المحظورات كانت عقوبتها الموت مما إدي إلي إعدامات بالجملة.

ونأتي للحدث الأكبر الذي أثار حفيظة الأميرة ست الملك وهو إقدام الحاكم بأمر الله علي جعل ولاية العهد إلي ابن عمه عبد الرحيم بن الياس وليس الصبي أبو الحسن الذي كان يعيش مع عمته الأميرة ست الملك , ولتأكيد هذه الخطوة خصص الحاكم بأمر الله لولي العهد الذي إختاره مكانا للإقامه في القصر , وفوض إليه الكثير من أمور الدولة , وأمر بأن يكاتب عبد الرحيم باعتباره ولي العهد وأن ينقش لقبه علي النقود, وأغضب هذا التغيير في ولاية العهد الأميرة ست الملك , كما أغضب الكثيرين من رجال الدولة واعتبروه مخالفاً لمذهب الشيعة الإسماعيلية الذي هو مذهب الدولة , والذي سار عليه الخلفاء الفاطميين وهو توريث أبنائهم .

كان غضب الأميرة ست الملك من هذا التغيير في ولاية العهد ليس فقط لأنه مخالف لمذهب الشيعة وإنما لأنه قضي نهائياً علي أحلامها وطموحاتها في إسترداد بعض نفوذها السابق إذا تولي السلطة ابن الحاكم الذي احتضنته وأشرفت علي تربيته ورعايته بنفسها .

ووسط هذا الجو المملوء بالغضب والسخط والتربص خـرج الحاكم بأمر الله في ليلة الإثنين لثلاث بقين من شوال سنة 411هـ , كعادته إلي جبل المقطم لرصد النجوم والكواكب في مرصده الذي أنشأة لهذا الغرض , ممتطيا حماره المسمي ب " القمر " وكان من عادته إذا وصل إلي سفح المقطم أن يرد الحراس إلي المدينة ويكتفي ببعض الخدم ,

ولم يعد الحاكم بأمر الله إلي قصره منذ تلك الليلة التي مضي عليها أكثر من ألف عام , وكان عمره ستاً وثلاثين سنة وتسعة أشهر , وولايته خمساً وعشرين سنة وعشرين يوماً , وكثرت الإشعات والأقاويل عن إغتياله في مؤامرة , وقد أيد فريق كبير من المؤرخين علي رأسهم ابن الأثير إشتراك الأميرة ست الملك في قتل أخيها الحاكم , وجعلوا منها العقل المدبر, إذ كان لديها أكثر من سبب للقضاء عليه , فقد أقصاها عن امور الحكم والسياسة وأرسل لها يتهمها بالزنا وتوعدها بالقتل , فأرسلت إلي قائد كبير من قواد الحكم يقال له ابن دواس والذي كان يظنه حبيباً لها , وكان أيضا يخاف الحاكم , وقالت له : "قد جئت إليك في أمر تحفظ فيه نفسك ونفسي , وأنت تعلم ما يعتقده أخي فيك , وأنه متي تمكن منك لا يُبقي عليك وأنا كذلك , وقد إنضاف إلي هذا ما تظاهر به مما يكرهه المسلمون ولا يصبرون عليه , وأخاف أن يثوروا به فيهلك هو ونحن معه وتنقلع هذه الدولة فأجابها إلي ماتريد " , ويذكر أبو المحاسنأنها قالت في ختام لقائها له : " فإذا تم لنا ذلك (قتل الحاكم بأمر الله ) أقمنا ولده موضعه , وبذلنا الأموال , وكنت أنت صاحب جيشه ومدبره والقائم بأمره , وأنا إمرأة من وراء حجاب , وليس لي غرض سوي السلامة منه وأن أعيش بينكم آمنه من الفضيحة " .

ويري فريق آخر من المؤرخين أن ابن دواس هو الذي قتل الحاكم بأمر الله دون مشاركة الأميرة ست الملك في تدبير عملية القتل , ويقول هذا الفريق أن الأميرة ست الملك استدعت ابن داوس شيخ قبيلة كتامه إلي القصر بعد مقتل الحاكم بأمر الله , فجاء فرحاً ظناً منه أن مقتل الحاكم قد أراح الأميرة , لكنه أُخِذَ علي غرة وقتل بأمر منها , وقيل أن قتله كان إنتقاما لقتل أخيها .

لكن المؤرخ المسبحي , وهو من المعاصرين للحاكم بأمر الله يذكر في كتابه أخبار مصر عن سنتي 414هـ و 415هـ , أنه قد ألقي القبض في محرم سنة 415هـ علي رجل من بني حسين يصفه بأنه ثائر بالصعيد الأعلي , وأن هذا الرجل قد إعتـرف بقتلة للحاكم بأمر الله وهو وأربعه آخرون , منهم من مضي إلي برقة ومنهم من مضي إلي العراق , وأظهر قطعة من جلد رأس الحاكم بأمر الله , وقطعة من الفوطة التي كانت علية , وعنما سُئل عن السبب قال غيرة لله والإسلام , وقد أيد المقريزي في خططة هذه الرواية .

بعد مقتل الحاكم بأمر الله عملت الأميرة ست الملك علي مبايعة ابن الحاكم للخلافة ولقبته بإسم الخليفة الظاهر لدين الله وكان عمره دون السابعة عشر , وهكذا تحققت رغبة الأميرة ست الملك في ممارسة السلطة والحكم في عصر ابن أخيها , وإستمر الأمر كذلك لمدة أربع سنوات أي حتي وفاتها , وقد قامت في هذه السنوات بتدبر أحوال الدولة بمهارة فائقة , فقام الخليفة الظاهر بوحي منها بإلغاء أحكام التحـريم الشديدة التي كان قد فرضها والده , وسادت سياسة التسامح الديني , وابتعد الحكم عن سياسة العنف التي انتهجها الحاكم بأمر الله , كما قامت بالعديد من الإصلاحات عن طريق إعادة النظر في الإقطاعات والمنح التي كان الحاكم قد أسرف في منحها , وأصلحت الأحوال المالية فعمرت خزائن الدولة .

كما أمرت بمطاردة الملحدين والمتطرفين من الشيعة الذين أذاعوا الخرافات عن ألوهية الحاكم بأمر الله , واهتمت أيضاً بالسياسة الخارجية فبعثت نيقفور بطريرك بيت المقدس سفيراً إلي باسيل الثاني قيصر القسطنطينية لعقد أواصر الصداقة بين الدولتين .

ونجحت في التغلب علي الأمير عزيز الدولة والي حلب الذي كان يعد للعصيان والإستقلال عن الخلافة في مصر واستطاعت أن تُغري غلامه بالتخلص منه ثم وضعته مكانه .

وظلت الأميرة ست الملك تقوم بأعباء الدولة نيابة عن ابن أخيها الخليفة الشاب حتي وافاها أجلها في أواخر سنة 414هـ ولها من العمر خمس وخمسون سنة .