abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
أبو الهول ...يؤذن في مصر
أبو الهول ...يؤذن في مصر
عدد : 12-2016
بقلم الدكتور/ إبراهيم حسن الغزاوي
رئيس مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب

عدت إليه بعد حين ....اشعر بالخجل لابتعادي عنه لفترة طويلة....لكنني لم أجد بد من أن أعوده .... وقد ضاقت بي نفسي ...ليس لأنه يحتاجني...بل لأنني أحتاجه ....نعم ...فقد أعياني التفكر فيما يدور في بلاد الفراعنة....وغلبتني شقوة الفكر والعقل معا...وأنا أتحسس طريقي إليه في ليلة قاهرية ليس فيها قمر ...وتفكرت فيها كثيرا ..هل مازالت بلاد الفراعنة؟هؤلاء الذين حكموا الدنيا بعقلهم وحكمتهم ....وتركوا لنا إرثا ثريا من الحضارة التي لا نكف نفاخر بها الدنيا ...لكننا في حالتنا هذه ..نستحق الرثاء ...لقد أرقني العقل فيما يحدث في مصر...ولأن العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر...... كما قالها ديكارت .. والسؤال الممل يطرح نفسه اليوم بلا استحياء ... كيف يعيش المجتمع بكل صنوف الوهن الذي تضربه اليوم إذا كان له عقل جمعي وعقل مصلحي وعقل مسئول؟

والكلمة "يعيش " كلمة شائكة في الواقع... فالفقير يعيش والغني يعيش..والمتعلم يعيش والجاهل يعيش..والمثقف يعيش والأمي في الثقافة أيضا يعيش...إذن كلمة يعيش هذه ليست بالكلمة التي نأخذها على حالها ونصمت..لكن لابد أن يتبعها كلمات أخرى توصفها...وعلى سبيل المثال ...هل يريد المجتمع أن يعيش كما تعيش الهوام؟ أم يرضى أن يعيش في مستنقع الفساد وهزيمة الاستقامة في المسلك والمنهج؟ أم ترانا نرتقي ونبغي أن نعيش عيش العقلاء المنتمين للوطن؟

والسؤال فرضته حالتان في مصرنا هذه الأيام..الحالة الأولى مستدامة ومعقدة لم تكشف كل خيوطها ، والثانية حالة منفردة ومعقدة كشفت خيوطها ..والحالتان متداخلتان وتشكلان معا شبكة عنكبوتيه قاتمة المظهر والمخبر ..ولو لم نتعامل معهما تعامل العقلاء لما تأتى لنا ولو بصيص أمل في اعتدال أمور الحياة في البلاد ..ولو بعد حين.... والحالة الأولى هي حالة التردد في مواجهة آفة الفساد في العمل الإداري في مصر.... وأنا أقارن بين مشروعات قومية عملاقة...تشق الآفاق ليل نهار..وتهدر بقوة وتصميم في رسم ملامح تنمية شمولية مصرية أصيلة .... وبين أداء مؤسسي هزيل مترنح...يسود فيه المعوِق والمعوَق ...فيحيل مسارات العمل العام في مصر لحركة هزيلة بلا ملامح....تنشر الإحباط وتشيع الركود والقتامة...والحالة الثانية، ما كشفته لنا الرقابة الإدارية في الساعات الماضية، قضيتان بارزتان ....أول تلك القضايا لموظف مرتشي، ضبط في منزله مئات من الملايين من الجنيهات المصرية والعملات الصعبة في حادث مثير للسخرية والشفقة والتعجب....أما السخرية ..فلما لا؟ والسؤال الأهم هنا يطرح نفسه : كيف وأين ومتى تأتي لهذا الموظف أن يكون هذه المتحصلات الهائلة وهو يعمل في أهم أجهزة الدولة القضائية وهو مجلس الدولة؟أما الشفقة..فهي على حال المجتمع والمال العام والخاص..وكيف يمكن أن يتمكن إنسان ، مهما بلغ نفوذه، من التنكيل بكل معايير القانون والشفافية والرقابة والعدالة والحق في بلادنا المكلومة لمدة 15 سنة متواصلة ..دونما رقيب أو حسيب؟.. أين كان رئيسه ؟ وأين كان رئيس رئيسه؟ وأين كانت كل دوائر المحاسبية طوال هذه الفترة؟

أما التعجب ..فهو المضحك المبكي في معادلة ذلك الرجل...كيف واتته الفرص تتهادى في يسر ودعة ولطف واسترسال ..فرصة وراء فرصة لكي يكون هذا الرصيد المهول من المال..معظمه عملات صعبة ..يحار في تحصيلها ربما رجال الأعمال ..... أما القضية الثانية، فهي لرئيس حي بمدينة 6 أكتوبر، ضبط وهو يتلقى رشوة مائة ألف جنيه .... وهي وإن كانت تبدو تافهة في معيار الرقم المضبوط محل الجريمة إذا ما قورنت بالقضية الأولى...إلا أنها في عمقها ربما تفوق الأولى على ضخامتها ...لأنها كاشفة عن حقيقة تغلغل الفساد في أهم مرافق العمل الشعبي في مصر..وهي المحليات..ولأنها ليست الأولى ..بل ربما الألف أو المائة ألف ..وخطورتها في استمراريتها بوتيرة لا تهدأ وكأن هؤلاء المسئولين يعملون في بلاد بهلول والمجتمع المخلول ...لا خشية ولا رقيب ولا حسيب .

وعدت لنفسي عندما اقتربت من أبو الهول ..تحيطه الظلمة .. ظلمة الليل من ناحية... ومن ناحية أخرى ظلمة قهر الظروف التي يعيشها في ظل ندرة السياحة وتدني أعداد زواره على مر الفترات الأخيرة .... حيث تضاءلت حركة السياحة القادمة لمصر..مثلما تضاءلت قيمة الرحمة، وتأثير الضمير الوطني، وقيم الحلال والحرام لدى من توسدوا مسئولية العمل العام..فطفقوا ينهبون ويسرقون ويستبيحون دماء الغلابة من أبناء الوطن ومعهم عشرات الملايين من الشباب البائس الذي تخرج ويقبع في المقاهي في انتظار فرج الله ...حيث لم يعد لديهم كبير أمل في فرج العدالة والقانون وانضباط التوجه للصالح العام لدى قطاع كبير من البشر الذين يعتلون ظهورنا ويضربوننا بسوط البغي والسرقة والنهب بلا هوادة أو رحمة أو حتى تهيب من ولي الأمر .

وعندما اقتربت منه ...وأصبحت قاب قوسين أو أدنى ... تبينت ملامحه العظيمة....هادئا كعادته...وقورا في طلعته....على محياه إمارات التاريخ ...لا تخطئها عين ...
السلام عليكم يا حارس الخير في بلاد الخير ...ابتدرته....
ابتسم ابتسامة عريضة ...وسألني في حذق الساخر وتدبر الحكيم ..هل مازالت بلادكم بلاد خير؟ أم تراك تبغي إخراجي من مجلسي الوادع غضبان أسفا؟
لا يا بني ..أنت فعلا محق ..هي بالفعل بلاد الخير والخيرات....لكنكم تصموا أذانكم وتضعون غلالة من السواد علي أعينكم ..فلا تكادوا تبصرون ما أنتم فيه تغرقون ..ليلكم ونهاركم...دبرني فيما أرهقني الفكر فيه يا حكيم الخير وحارس الأبدية في بلاد الحكمة والحضارة ..لماذا نحن في هذا الظلام من المسار والعمل والمعيشة؟ ... سألته وأنا متحير من أمرى ...يابني ....أمركم فيكم ذو شأن عظيم ..وشئونكم تدبرونها تدبير المرتاب والمتردد في قراره، والمتحين والمنتهز والباحث في عجلة عن المخارج ..لكنه لا يكاد يبصر أهم المفارج ..تلك التي تنشر الرضا ..وتعمم القناعة لدى الناس..وتبذر الأمل في نفوس شبابكم ..بدلا من أن تتركوهم نهبا للإرهاب والجريمة والهجرة غير الشرعية التي يسوقون أنفسهم إليها سوق اليائس البائس القانت من الأمل في وطنه ....
ماذا تقصد يا سيد الزمان ... سألته ...
أتراك حقا لا تعلم؟ ابتدرني بنظرة فاحصة ...
يا بني ..إنما هلك من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيه الغني القوي تركوه ..وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد..أليس هذا ما حدثكم به رسولكم ؟
عليكم أن تعملوا القانون ..لكن قبل القانون ...على ولي الأمر أن يدرك أن قانونكم بوضعه الحالي غير منتج ..لأنه ممتد ومتطاول في زمنه ...ولا يجسد منطقا للحزم ..وعدالته متثاقلة ...تقنت المظلوم ..وتجريء الظالم على مخالفته .
لم أعقب...

" ثم أنكم عليكم أن تحاكموا هؤلاء الفجرة بأموالكم محاكمة عادلة ..لكنها عاجلة... لا تكاد تبلغ الأسبوع ..وأن تجردوهم من أموالهم التي هي أموالكم .. "

" ثم عليكم ألا تتركوا من ترأسهم فالعقاب يجب أن ينزل بهم.... فلو كانوا يعلمون بجرائم تابعيهم..فعاقبوهم بعقوبتهم..ولو لم يكونوا بها عالمين فأقعدوهم في بيوتهم ... فلا حاجة لكم بأجولة القطن تشغل مقاعد الإدارة ومسئولية وطن في واحدة من أحلك مراحل حياة بلادكم الميمونة بخيرها البائسة بموظفيها...."

" ثم ليشهد عقابهم طائفة من الناس....ألم يأمركم ربكم بذلك فنسيتم؟ "

سألته ..ماذا تقصد يا آمر الحكمة ...
"بدلا من أن ينزلق إعلامكم المضلل في مشاكل تافهة وساذجة يتبارى فيها في استضعاف يد الدولة على المواطن..على الإعلام أن يكرس الكثير من وقته لطرح هذه القضايا إعلاميا..ونشرها على الكافة..بأسماء هؤلاء المنتهكون لفضيلة الرحمة و فريضة العدل في مساكنكم ...."
من يفعل ذلك؟ سألته ..
يفعله من تولى أمركم ..ومن يقوى على التبعة ، ومعه فريق من الأقوياء الواثقين الذين لم يتسلل الشيطان لنفوسهم وجيوبهم... ممن يختارهم ويندبهم لهذا العمل الجليل الذي لن تقوم لكم قائمة بدونه... يفعله رئيسكم ...وقد أتيتم به لسدة الحكم، فأصبح رهينا بعمله مستقبلكم واستقراركم ...وبيمينه جيشكم القوي ...وقوتكم البادية للعيان..نعم أنتم أقوياء اليوم بالفعل وانظروا للبلاد حولكم لتدركوا قوتكم...في عهد وهنت فيه كل قوة أخرى غير قوى الفساد... فأنتم أقوياء لكنكم تحتاجون لمنطق القوة مدعوما بالقانون لكي يسيران بكما نحو العدالة والرضا ... أتراني أؤذن في مالطا ؟ ليتكم كمالطا اليوم..لكنني أؤذن في مصر ...فهلا تسمعون الأذان؟.. يكفيك مني هذا اليوم يا ولدي ...والآن دعني ... فأنا مرهق بأوزار ملايينكم المنهوبة وآلام مجتمعكم الفقير الغني ...
تململ أبو الهول في ضجر واضح مني ومن مشاكلي ...وأشاح بوجهه بعيدا ..وكأنه يقول لي حان وقت الانصراف .