abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
عائشة الحرة وذكري سقوط الأندلس
عائشة الحرة وذكري سقوط الأندلس
عدد : 01-2017
بقلم الدكتورة/ نورا عبد المهيمن


واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الأندلس, فهي زوجة الملك علي أبي الحسن الملقب بالغالب بالله وابنة عمه الملك الأيسر ووالدة آخر ملوك المسلمين في الأندلس أبو عبدالله محمد حاكم غرناطة.

وكان أبو الحسن شجاعاً يعشق الحرب والجهاد وأبدي همه فائقة في تحصين المملكة وتنظيم شؤنها وبث فيها روح جديدة من القوة والتفاؤل والطمأنينة واسترد العديد من الحصون والقواعد التي إستولي عليها النصاري, وكان محباً لزوجته عائشة وقد رزقت منه بولديها أبو عبدالله محمد وأبو الحجاج يوسف, إلا أنه ركن في أواخر أيامه إلي حياة الترف واللهو واسترسل في ملذاته وقد إستهوته فتاة نصرانية تدعي إيزابيلا دي سوليس وكانت إبنة لأحد أكابر القشتاليين أُخِذت أسيرة وتربت في قصر الحمراء واعتنقت الإسلام وتسمت بثريا الرومية وكانت فائقة الحسن والجمال فأغرته بجمالها ودلالها حتي أوقعته في حبها وتزوجها وأنجبت هي الأخري منه ولدين هما سعد ونصر وكانت ترجوا أن يكون الحكم لأحدهما, وأصبحت الآمرة الناهية بالقصر فحزنت عائشة لذلك وتألمت ولم يعد يؤنسها سوي ولديها وكذلك حب الناس وتأييد الشرفاء لها, وعُرفت بعائشة الحرة تمييزاً لها عن الجارية الرومية, أو إشادة بطهرها ورفيع خُلقها.

وكانت ثريا فضلاً عن حسنها الفائق شديدة الدهاء والأطماع وتمكنت من السيطرة علي أبو الحسن الذي كان قد شاخ وأثقلته السنون وأصبح أداة سهلة في يديها فاستأثرت بالسلطان والنفوذ, وإستخدمت كل السبل من أجل إقصاء عائشة الحرة وولديها محمد ويوسف عن كل نفوذ أو حق في الملك وكان أكبرهما أبو عبدالله محمد ولي العهد المرشح للعرش, وكان أشراف غرناطة وكبارها يؤثرون ترشيح سليل بيت الملك علي أولاد النصرانية, ولكن ثريا لم تيأس فما زالت بأبي الحسن حتي نزل عند تحريضها ورغبتها وأقصي عائشة الحرة وولديها, بل زاد الأمر إلي الحد أن أمر أبو الحسن بإعتقال عائشة الحرة وولديها والزج بهم في سجن برج قمارش أمنع أبراج الحمراء وشدد في الحجر عليهم وعوملوا بمنتهي القسوة, فأثار هذا التصرف الأرعن غضب الكثير من كبار الأمراء الذين يؤثرون الأميرة الشرعية وولديها, وانقسم الزعماء والقادة إلي فريقين أحدهما يؤيد الأميرة الحرة ويرفض سجنها مع ولديها وفريق يؤيد السلطان وحظيته ثريا الرومية التي أضحت سيدة غرناطة الحقيقية واستأثرت بكل النفوذ والسلطة وذهبت في طغيانها إلي أبعد حد فحضت الملك الشيخ علي إزهاق روح ولده أبي عبدالله عثرة آمالها.

إلا أن الأميرة عائشة الحرة كانت إمرأة قوية وافرة العزم والشجاعة لم تستسلم إلي قدرها الجائر فقد عقدت العزم علي الهرب والنضال لإسترداد ما تراه حقها وحق إبنها وعمدت إلي الإتصال بعصبتها وأنصارها وفي مقدمتهم بني سراج أقوي أسر غرناطة وأخذت تدبر معهم وسائل الفرار والمقاومة, واستطاعت الأميرة بمساعدة بعض أصدقائها المخلصين الهرب مع ولديها فأخذت بقماش الفراش وربطته علي هيئة حبل أنزلت أحد أبنائها بواسطته إلي الأسفل ثم أنزلت إبنها الآخر, كما أنها نزلت بواسطته بعد أن ربطته في أحد الأعمدة لديها, وكانت قد أعدت فرسين لنقلهما خارج المدينة تحت جنح الليل فتم لها ما أرادت وتحررت من المعتقل وسارت إلي وادي آش وأعلنت الدعوة لإبنها أبي عبدالله محمد , وكان أبو الحسن في أحد غزواته وبعد عودته وجد أن الأمر قد تغير فقد مال الناس إلي أبي عبدالله لما لحق به من ظلم بسبب عشق والده الشيخ لتلك الفتاة الحسناء ثريا الرومية, ففر أبو الحسن إلي مالقة حيث أخاة أبوعبدالله محمد بن سعد المعروف بالزغل, ولم يغفر أبو الحسن لبني سراج هذا الموقف قط ويقال أنه عمد فيما بعد إلي تدبير إهلاكهم في أحد أبهاء الحمراء, وجلس أبي عبدالله محمد مكان أبية علي عرش غرناطة وأطاعته غرناطة ووادي آش وأعمالها, وبقيت مالقة وغرب الأندلس علي طاعة أبية, وكان أبي عبدالله يومئذ فتي في نحو الخامسة والعشرين.

وقد حاول القشتاليون غزو مالقة فحاصروها لكن أبو عبدالله الزغل إستطاع ردهم وهزيمتهم في معركة تسمي الشرقية, فحاول أبو عبدالله محمد محاكاة عمه فعزم أن يخوض معركة مع القشتاليين فسار إلي قرطبة محارباً إلا أنه مُني بهزيمة ساحقة في موقعه تسمي اللسانة, وانتهت المعركة بأسره وعودة الجيش إلي غرناطة بدون ملكه, ففرح به ملك قشتالة وأكرمه وعظمه ورفض إطلاق صراحه وعلم أن به يصل إلي مراده من أخذ بلاد الأندلس.

فقرر كبار غرناطة وقاداتها إستدعاء والده أبو الحسن المخلوع الذي تسلم السلطة مجدداً, وكان السلطان أبو الحسن قد أصبح شيخاً فانياً ضريراً فتنازل عن الملك لأخيه محمد أبو عبدالله الزغل, وانتقل إلي المنكب حيث توفي بعد أن فشلت مساعية لدي فرناندو ملك قشتالة لإفتداء ولده, لا بدافع الحب أو الشفقة عليه إنما ليحصل عليه في يده ويأمن شره ومنافسته وعرض نظير تسليمه أن يدفع فدية كبيرة وأن يطلق عدداً من أكابر النصاري المأسورين عنده, فأبي فرناندو وآثر الإحتفاظ به إلي حين, ووسط كل ذلك ظلت والدته الأميرة عائشة الحرة محتفظة بهدوئها وسكينتها وبذلت مجهوداً آخر لإنقاذ ولدها فأرسلت إلي ملك قشتالة سفارة علي رأسها الوزير ابن كماشة ليفاوض في الإفراج عن الملك الأسير مقابل الشروط التي يرضاها, وانتهت المفاوضات بعقد معاهدة سرية تتلخص نصوصها في أن يعترف أبو عبدالله بطاعة الملك فرناندو وزوجته الملكة إيسابيلا, وأن يدفع لهما جزية سنوية قدرها إثنا عشر ألف دوبلا من الذهب, وأن يفرج في الحال عن أربعمائة من أسري النصاري الموجودين في غرناطة يختارهم ملكهم, ثم يطلق بعد ذلك في كل عام سبعين أسيراً لمدة خمسة أعوام, وأن يقدم أبي عبدالله ولده الأكبر رهينه مع عدد آخر من أبناء الأمراء والأكابر ضماناً بحسن وفائه, وتعهد الملكان الكاثوليكيان من جانبهما بالإفراج الفوري عن أبي عبدالله وألا يكلف في حكمه بأي أمر يخالف الشريعة الإسلامية, وأن يعاوناه في إفتتاح المدن الثائرة عليه في مملكة غرناطة وتصبح هذه المدن واقعه تحت طاعة ملك قشتالة, وأن تستمر هذه الهدنة لمدة عامين من تاريخ الإفراج عن السلطان الأسير.

وبعد فك أسر أبي عبدالله نشبت بينه وبين عمه أبوعبدالله الزغل حرباً أهلية إستغلها ملك قشتالة فاستولي علي الكثير من الحصون والقلاع, وقام بحصار مالقة التي استبسل عبدالله الزغل في الدفاع عنها وأستغاث بملوك المغرب وسلطان مصر الأشرف قايتباي الذي وجه سفارات إلي الممالك الأوربية يطالب فيها بالكف عن مسلمي الأندلس ومهدداً بالإنتقام من مسيحي الشرق ويبدوا أنهم لم يكترثوا لهذا التهديد, وسقطت مالقة بعد دفاع مجيد استطال ثلاثة أشهر ودخل عبدالله الزغل تحت طاعة ملك قشتالة.

أما أبي عبدالله الصغير إبن عائشة الحرة فقد أظلمت الدنيا في وجهه ورأي أن نهاية الفردوس الأندلسي قد أزفت, ورغم إستبساله الشديد في الدفاع عن غرناطة بعد حصارها من ملك قشتالة ومحاولاته المستميتة في إنقاذها إنتهي الأمر بالإستسلام بعد حصار دام سبعة أشهر, وتم التوقيع على معاهدة التسليم, وغادر أبو عبدالله قصره ومعه أهلة وبعص أصحابه نحو منطقة البشرات, وقد توقف في تل البذول المشرف على غرناطة والحمراء وراح يُسرح بصره لآخر مرة على مواطن عزه وسلطانه فانهمر دمعه وأجهش بالبكاء, فصاحت به أمه عائشة الحرة "إبكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال"وعرفت تلك التلة بإسم"زفرة العربي الأخيرة".

 
 
الصور :