abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
صاحبة القرآن
صاحبة القرآن
عدد : 02-2017
بقلم الدكتورة / نورا عبد المهيمن

واحدة من أعظم الشخصيات النسائية في التاريخ العباسي بل الإسلامي, ولدت السيدة زبيدة في الموصل عام 145هـ, ولم تحظ إمرأة بما حظيت به فهي زوجة الخليفة هارون الرشيد وحبيبته, وأم الخليفة الأمين, وزوجة الأب للخليفة المأمون, وأحفادها من زوجها الخلفاء الواثق والمتوكل, وعمها الخليفة عبدالله السفاح وابن عمها الخليفة الهادي. اسمها الحقيقي "أم العزيز" ولقبها زبيدة لأن جدها أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني كان يداعبها وهي صغيرة ويقول:(إنما أنتي زبيدة ) تصغير كلمة "زبده" لبياضها فغلب عليها هذا اللقب وأصبح إسمها الذي تعرف به.

زواجها

لما خطبها هارون الرشيد وتزوجها سنة 165هـ, ملئت المحبة قلبيهما واستطاعت بذكائها ولباقتها أن تزيد من حبه لها حتي أصبح لا يطيق فراقها ولا يمل من صحبتها ولا يرفض لها طلباً, وولدت له محمداً الأمين، فأحبته حباً عظيماً وكانت شديدة العطف والرفق به, وسعت لدي هارون لتوليته الخلافة بعد أبيه وكان يري أن ابنه المأمون من الجارية الفارسية أحق بالخلافة لذكائه وحلمه رغم أنه أصغر من الأمين, وعلي الرغم من ذلك فقد إنصاع لرغبة السيدة زبيدة وعهد بولاية العهد في نهاية الأمر لإبنه الأمين ثم المأمون من بعده.

مقتل ولدها

لكن جري خلاف وصراع بينهما حول منصب الخلافة وكانت السيدة زبيدة غاضبة من إبنها ولم تؤيده في هذا الصراع الذي تسبب في دمار بغداد وتفكك عُري الخلافة وانتهي الخلاف بمقتل الأمين وتولية المأمون, ولما قُتل ابنها الأمين دخل إليها بعض خدمها فقال: (ما يُجلسك وقد قُتِل أمير المؤمنين محمداً؟ )، فقالت: (ويلك وما أصنع؟)، فقال: (تخرجين فتطلبين بثأره كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان)، فقالت: (إخسأ لا أُمَّ لك, ما للنساء وطلب الثأر ومنازلة الأبطال؟)، وهذا ليس طعناً بالسيدة عائشة إنما إستفادت السيدة زبيدة من دروس التاريخ وهذا يدل علي رجاحة عقلها, ثم أمرت بثيابها فسودت, ودعت بدواة وقرطاس وكتبت إلي المأمون:

لخير إمام قام من خير عنصر وأفضل راق فوق أعوادِ منبرِ
ووارث علم الأوَّلين وفخرهـم وللملـك المـأمـون من أُمّ جعفرِ
كتبتُ وعيني تستهل دموعهـا إليك ابن عمي من جفوني ومحجري
أصبت بأدنى النَّاس منك قرابة ومن زال عن كبدي فقلَّ تصبُّـري
أتى طاهر لا قدَّس الله طاهراً فما طاهر في فعله بمطهَّــــر
فأبرزني مكشوفة الوجه حاسراً وأنهب أموالي وأحرق أدؤري
يعزُّ على هارونَ ماقد لقيته وما نالني من ناقص الخلق أعورِ
فإن كان ما أُسدى لأمر أمرتَهُ صبرتُ لأمر من قــديرٍ مقــــدَّرِ
وقــد مَسَّني ضَرٌّ وذلُّ كآبـــة وأرَّق عيني يا ابن عمي تفكُّري
وهمتُ لما لاقيتُ بعد مُصابه فـأمري عظيم منكر جدَّ منكـر
سأشكو الَّذي لاقيته بعد فقـده إليــك شَكاةَ الْمُسْتَهــام المقهـرِ
وأرجو لما قد مرّ بي مذ فقدتـه فـــأنت لِبَثِّي خيـرُ ربٍّ مغيـر

فلما قرأ المأمون شعرها بكي ثم قال:"اللهم إني أقول كما قال أمير المؤمنين عليّ لما بلغه قتل عثمان: والله ما قتلت, ولا أمرت, ولا رضيت, اللهم حَبِّل قلب طاهر بن الحسين حزناً", وإعتذر إليها من قتل أخيه محمد.

صاحبة القرآن

وكانت تلقب بصاحبة القرآن والمهندسة المعمارية, فأما اللقب الأول لكثرة تلاوة القرآن في قصرها حيث كان لديها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وكان وِرد كل واحدة عشر القرآن, وبلغت نفقاتها في بعض حجاتها ألف ألف دينار, وبلغت نفقاتها في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف درهم فرفع إليها وكيلها حساب النفقة فنهته عن ذلك وقالت:(ثواب الله بغير حساب).

المهندسة المعمارية

ومن أعظم أعمالها مشروعها العظيم "درب زبيدة" عندما شارفت علي الهلاك وهي في طريقها لأداء مناسك الحج 186هـ, ونذرت علي نفسها ألا يعاني الحجاج بعد ذلك العطش وهم في طريقهم للحج, فدعت خازن أموالها وأمرته أن يجمع المهندسين والعمال, وقالت له:(إعمل ولو كلفت ضربة الفأس ديناراً), فأحضر أكفأ المهندسين ووصلوا إلي منابع الماء في الجبال ثم أوصلوه بعين حنين بمكة, فأسالت الماء عشرة أميال من الجبال ومن تحت الصخر ومهدت الطريق للماء في كل خفض وسهل وجبل وعرفت العين ب"عين الشماس", وقد تكلف هذا العمل مليوني دينار ذهبي, ولما انتهي المشروع وجاء الوكيل ومعه الحسابات الختامية للمشروع فرحت السيدة زبيدة فرحاً شديداً لما رأت الناس تشرب وتدعوا لها بالخير, فأخذت الدفاتر التي عليها الحسابات وغسلتها بالماء وقالت(الحساب يوم الحساب), ومازالت آثار عين زبيدة موجودة حتى اليوم وهناك فى مكة إدارة خاصة لها, وأقامت الكثير من البرك والمصانع والآبار والمنازل علي طريق بغداد مكة أيضا, كما بنت المساجد والأبنية في بغداد واستحقت لقب المهندسة المعمارية.

خلافها مع زوجها

ومما كان بينها وبين الرشيد أن قال لها يوما: أتزوج عليك؟ قالت السيدة زبيدة: لايحل لك أن تتزوج عليَّ, قال: بلى, قالت بيني وبينك من شئت, قال: ترضين بسفيان الثوري؟ قالت: نعم, فوجه إلى سفيان الثوري, فقال الرشيد: إن السيدة زبيدة تزعم أنه لا يحل لي أن أتزوج عليها وقد قال الله تعالي ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) ثم سكت, فقال سفيان: تمم الآية يريد أن يقرأ (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) (النساء 3) , وأنت لا تعدل, فأمر لسفيان بعشرة آلاف درهم, فأبى سفيان أن يقبلها.
وقعد وقع خلاف بين هارون الرشيد والسيدة زبيدة في بيت من الشعر هو:

إن العيـــون الَّتي في طَرْفهـــا حور قتلتنـــا ثمّ لم يُحيينَ قتلانــــا

فكان الرشيد يقول:"يحيين" والسيدة زبيدة تقول:"يجنن" بالجيم والنون, فتخاطرا على ذلك بألفي دينار ودعوا مسرور الخادم وأعطياه على أن يخرج فيسأل أفضل من ببغداد من أهل العلم , فإن صوب قول الرشيد أعطاه ألفاً, وإن صوب قول السيدة زبيدة فألفُها, فخرج مسرور يطلب من يفتيه فدلوه على الكسائي وكان قريب عهد القدم من الكوفة إلى بغداد, وكان يأوي إلى مسجد فدخل مسرور عليه بخيله وحشمه فتحفز له الكسائي, فقال مسرور:( لا بأس إنه بيت أشكل علينا) واستفتاه في الكلمتين فصّوبهما جميعا فأعطاه الألفين, فأصبح وقد استفاد بكلمة أوضحها ما أغناه وهذا دليل على حسن تصرفه ولطافة أدبه.

الحبيبان ومفتى مصر

وبينما كان هارون الرشيد والسيدة زبيدة يتحدثان ذات يوم فقالت السيدة زبيدة لهارون ولعلها كانت تعاتبه على إسرافه في حياته اللاهيه "أنت لن تدخل الجنة", فقال لها:"أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة", وندم أمير المؤمنين هارون الرشيد ندماً شديداً على هذة العبارة التي صدرت منه وإنتابته الحيرة هل مازالت السيدة زبيدة زوجة له؟ أم أنها طالق؟ وإبتعد عنها ولم يقربها , وحزنت زبيدة حزناً شديداً.

وجمع الفقهاء يستفتيهم في أمر هذا اليمين الذي أوقعه على زوجته وحبيبته زبيدة, فاختلفوا وازدادت حيرته, وكتب إلي البلدان يستحضر علمائها إليه كي يستفتيهم, وجاء العلماء من مختلف بلدان العالم الإسلامي, فلما إجتمعوا جلس إليهم يسألهم فاختلفوا أيضا وتكلموا جميعاً ما عدا شيخاً واحداً بقي صامتاً لم يتكلم كان يجلس بعيداً في آخر الصفوف, وكان هذا الشيخ هو الإمام الليث مفتي أهل مصر.

فسأله هارون الرشيد:(لماذا لم تتكلم؟) , فقال الإمام الليث:(يخلي أمير المؤمنين مجلسه إن أراد أن يسمع كلامي في ذلك), فانصرف من كان بالمجلس من الفقهاء والناس, ثم قال: (يُدنيني أمير المؤمنين), فسمح له هارون الرشيد فاقترب.

فقال الإمام الليث: (يا أمير المؤمنين اتكلم على الأمان وعلى طرح الهيبة والطاعة لي من أمير المؤمنين في جميع ما آمره به ؟), قال هارون الرشيد: (نعم تكلم ولك ذلك), فطلب الإمام الليث مصحفاً فأحضروه, فأخذه وقدمه إلي هارون الرشيد, وقال له: تصفحه يا أمير المؤمنين حتي تصل إلى سورة الرحمن, فتصفحه هارون الرشيد حتي وصل سورة الرحمن, فقال الإمام الليث:(إقرأ يا أمير المؤمنين), فأخذ هارون الرشيد يقرأ إلى أن وصل قوله تعالي: "ولمن خاف مقام ربه جنتان".

فقال الإمام الليث:(أمسك يا أمير المؤمنين), فتوقف هارون الرشيد, فقال الإمام الليث: (قل يا أمير المؤمنين وأقسم بالله), فسكت هارون الرشيد واشتد ذلك عليه وتردد, فقال الإمام الليث (لقد اشترطنا يا أمير المؤمنين), فقال :(والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم, إلى أن بلغ آخر القسم), فقال الإمام الليث: (قل يا أمير المؤمنين وانت تردد القسم "إني أخاف مقام ربي"), فقال هارون الرشيد:(إني أخاف مقام ربي).

فابتسم الإمام الليث وقال: (يا أمير المؤمنين لك جنتان وليست جنة واحدة), ففرح هارون الرشيد وتهلل وجه بالسرور وإطمأن إلى أن السيدة زبيدة مازالت زوجته وليست طالقا, وأطلقت الزغاريد بالقصر, وكانت السيدة زبيدة تجلس خلف ستار مسدل ففرحت فرحاً شديدا, وقال للإمام الليث :(أحسنت والله بارك الله فيك, إختر ما شئت وسل ماشئت تجب فيه), ثم أمر بالجوائز والخلع للَّيث بن سعد وأمرت له السيدة زبيدة بضعف ما أمر به الرشيد فَحُمِل إليه واستأذن في الرجوع إلى مصر فحمل مكرماً.

وفاتها

عاشت السيدة زبيدة 32عاماً بعد وفاة هارون الرشيد وتوفيت فى بغداد سنة 216هـ, بعد أن عاشت فى ظل المأمون معززة مكرمة كما كانت فى عهد أبيه, وكان المأمون يعاملها معاملة الأم وكثيراً ما كان يلجأ إلى مشورتها في أمور الدولة ويقبل برأيها حتى لو كان مخالفاً لما يراه هو شخصياً.
كانت رحمها الله كما وصفها ابن تغري بردي:" أعظم نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانة ومعروفاً, ولقد تركت على طريق الحج مرافق ومنافع عمّت الجميع قروناً, وهكذا كانت بحق من فضليات النساء وشهيراتهن", تغمدها الله برحمته وأجزل لها الثواب.

 
 
الصور :