abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
أبو الهول ينتفض
أبو الهول ينتفض
عدد : 03-2017
بقلم الدكتور/ إبراهيم حسن الغزاوي
مدير مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب
eommar@hotmail.com
algh0031@umn.edu

ترددت كثيرا قبل أن اولى وجهتي ناحيته .. لا لشيء ..إلا لأنني ابتعدت عنه طويلا... ابتعدت عنه فترة ليست هينة ..وما كان ذلك بمرادي..لكنني لم أستطع أن أقف أمامه مرة تلو مرة وأنا أسمع ألمه يشق الأفق رغم صمته...وأشعر بأناته تسري في الأجواء رغم ابتسامته الوقورة التي لم تفارق وجهه من فجر تاريخه وتاريخنا وتاريخ حضارة الوطن ..مصر .. وكيف لا وهو الشاهد على تلك الحضارة...
كانت زياراتي السابقة له قد استغرقتها أنات الهجر والنكران التي يشعر بها هذا الرمز المحبب للنفوس والمقرب للقلوب ..ليس في مصر فقط ..ولكن في العالم المعمور بأسره ... وبقدر ما له من قدر وقيمة ومحبة في نفوس البشر ..بقدر ما شعر هذا الرمز بالهوان والضعف وقد انشغل الناس عنه..وانصرف السياح عن مودته ومؤانسته... ولم تفعل الدولة الكثير لكي تجعل له دوره التاريخي في نشر ثقافة الأبدية والسلام والبقاء على جموع البشر في أقاصي الأرض ...
ولعلني وإن كنت حاولت جاهدا أن أخفف ألمه وألطف شجونه ..إلا أنني قد حملت منها ما لا أطيق ..أرهقتني كل تلك الآلام التي أوجعته عندئذ..فآلمتني ... ربما أيضا لأنني تمنيت أن أذهب إليه بجديد يسر خاطره كان أيضا سببا لابتعادي عنه ..ولم يكن هناك ما يقويني على احتمال لقائه ..والحال كما كان الحال ...
لعلني إذن قد تحججت بذلك كي أغيب عنه ...
استجمعت قوتي وقررت أن أراه ...لأنني في جعبتي عدة أمور طيبة ..ربما سوغت لي أن ألقاه هذه المرة ..وأنا على أمل طيب ورجاء في القادم من أيام المحروسة...
وأنا اقترب منه ...شعرت برهبة الاقتراب التي شعرت بها للمرة الأولى عندما حاورته للمرة الأولى منذ عدة سنوات ... رأيته من بعيد في أفق الرؤية .. جسده رابضا في ثبات ورأسه قائما في شموخ ..كعادته ...ثابتا ثبات الدهر ..نجما يهتدي به في سماوات المعمورة ...
وأنا أقترب منه ..تدافعت في مخيلتي الخواطر ..والعبرات ...
صحيح ..كيف ذلك؟
كيف لمن يمتلك هذا الرمز الأبدي للحضارة أن يتركه مهموما ومهجورا؟
كيف لمن يمتلك الأهرامات التي يحرسها هذا الحارس القوي أن يكون مجتمعا فقيرا وواهنا ..تعتصره الأزمات ؟
كيف لمن يمتلك رمسيس وتوت عنخ آمون وحتشبسوت وأحمس وخوفو وخفرع و منقرع أن يقضوا أيامهم يتحيرون في المعايش ؟
هكذا كانت آلامه التي بثها إلي في المرات السابقة ..استعدتها وأنا اقترب منه بترو المتهيب للقاء من يحب ..والراني لحديث من يجل ويقدر ... وهو كما هو ..مهيب في مجلسه ..لا يتغير مهما تعاقبت عليه المحن ...
وأدركت وأنا أقترب منه أننا نقبل على مغيب الشمس ..ولم أقصد توقيتا بعينه ..فقد تخيرت من وقتي ما استطيع فيه أن أعوده وأحاوره وأستعيد سجالا طويلا ..أعطاني فيه من رحيق الحكمة ما ينير لنا الطريق للأمام ..في شئون السياحة وغيرها ...
نعم ..أفادني كثيرا وهو يحاورني في لقاءاتنا السابقة .. واليوم وأنا اقترب منه لدي في إرضائه كل الأمل والرجاء ..وقد آلمني كثيرا نبرة التألم التي غلبت عليه في لقاءاتنا السابقة ..
وعندما اقتربت منه وأصبح مني قاب أمتار لا تزيد ..بهرتني ابتسامة وادعة على وجهه ..ابتسامة افتقدتها على محياه الجميل في لقاءاتنا السابقة ... فانفرجت أساريري ..وتخلت عني تخوفات اللقيا به ..وكيف لا وابتسامته تنير وجهه ..ووجه البسيطة حوله ...
مرحبا بك يا بني ..غبت كثيرا لعلك بخير؟
ابتدرني أبو الهول بوداعة ولطف المحب ..وأنا المتهيب للقياه ...فانطفأت في نفسي أية هواجس أو هموم تجاه ما يعانيه ..وفتحت عبارته الطيبة آفاقا للحوار ممتدة...
تغيبت عنك وأنا بك وفيك ومنك قريب يا سيد الزمان ...فعذرا لابتعادي .. أجبته في تودد حقيقي أدركه هو قبلي...
أعلم يا ولدي ..وأنتظرك منذ أيام مضت ..وعلمت أنك قادم ..وتبسم أبو الهول وهو يفصح عن علمه المسبق بزيارتي ..رغم أني عادة ازوره في توقيت أحدده ولا اخبر به أحدا...
وكيف ذلك يا حارس الحضارة ؟ سألته ..
أجابني : يا بني ..لقد علمت بمقدمك ..وقد شعرت به بعدما توالت علي هنا زيارات زواري ..وقد هجروني لوقت ليس قريب ..علمت بانسياب الزيارات أنك ستأتي ..وأنك ستراها عاملا إيجابيا يحرك الساكن والراكد من أمر مجتمعكم المصري الطيب والمقصر في حق نفسه ....
طيب ؟ ومقصر في حق نفسه ؟ كيف يا سادن التاريخ ذلك ؟

يا بني ...أما إنكم شعب طيب ...فهذا لا خلاف عليه ..وهل يا ولدي تعتقد ما الذي يحفظكم أقوياء على أقدامكم حتى اليوم .. والدول حولكم تنهار يوما بعد يوم ...وهم أغنى منكم وأكثر عزا ...وانتم تمرون بكل تلك المحن ...ولديكم كل أسباب التذمر والسقوط ..لكنكم واقفون في قوة وتحد وثبات ..إلا معدنكم الطيب المحب للخير والسلام..ولكنكم مقصرون في حق أنفسكم ...
هل تقصد الحكومة يا سيدي الحكيم ؟
الحكومة دعها الآن يا ولدي ..سأعود إليها لاحقا ..لكنني أقصد المواطن المصري ..أنتم قد قصرتم في حق أنفسكم وأهدرتم تاريخكم ... وهذا عار عليكم ... لأنكم تحملون بين ضلوعكم عروق الحضارة وروافد التاريخ والعظمة ..لكنكم اثاقلتم إلى الأرض ..
هل يا ولدي لديك تفسير لسلوك البعض ممن يتعاملون مع زواري من المطار والتاكسي والبازار ...وغيرها وغيرها ؟ هل يصح أنكم تتعاملون مع زواري بهذا القدر من المادية والغلظة ..وتنسون أنكم بذلك تنفرون الزوار منكم ..وتقلصون ارتباط الجموع بتاريخكم ...
هل يمكن لك أن تفسر لماذا يتم التضييق على زواري بسوء المعاملة أحيانا أو عدم الدقة أو احترام المواعيد والمسارات ...؟
هل يمكن لك أن تفسر لي لماذا يتم التضييق على زواري للتسوق أحيانا رغما عنهم ؟ هل هذا يصح؟
وهل تجد من يبرر لماذا يقوم البعض من التجار والبازارات بالمغالاة في الأسعار ؟ وهؤلاء الذين يجاوروني في المقام ..المصريون أصحاب الدواب التي تعد سمة واضحة مرتبطة بالأهرام ومرتبط بي..هل سلوكهم الغير منضبط مقبول لكم؟ وهل البيئة غير المواتية بمنطقة الأهرامات حيث أعمل منذ فجر التاريخ ..هل هي بيئة نظيفة ومقبولة ؟
هل يعلم المواطن المصري في الشارع أنه مسئول عن الترويج للسياحة في بلدكم ..وأنه بحسن التعامل مع السياح ولطف التواصل وإنسانيته يكون خير سفير مصري بمصر لكل المصريين ؟
يا سيدي أرهقتني بمنطقك ولا أكاد أجد ردا ... جاوبته متألما ... وأنا أعلم أن ما يقوله كل الحق فيه ... ولكن يا سيدي ...
صبرا يا ولدي ..أوقفني الرمز بإشارة من يده ... اعلم انك ستقول لي أن الأمور تتغير للأفضل ..ولكني لا أرى حمية ولا مسارا واضحا للتغيير ...يا بني ..زيارة ميسي ..وبعدها الممثل الشهير ويلي سميث ، ثم رئيسكم ومعه ضيفتكم الألمانية الكبيرة لي وللأهرامات أثلجت صدري ..وبعثت الأمل في القادم من الأيام أن تعود لي سعادتي ..ويرتادني عشرات الآلاف من الزوار كل يوم ....لكنني أريد الأمر أن يكون منضبطا ..وله معالم مخطط لها جيدا يا أحفاد الفراعنة ..لا يليق بكم هذا التواكل والركود ...
الأمر منضبطا..كيف ذلك يا سيدي ؟
هنا يبدو الدور الحكومي يا بني ...لديكم حكومة جرارة كبيرة العدد ..ووزارات بلا حصر ، وزارة للسياحة بها جيش من الموظفين .. ومكاتب التمثيل بالخارج ..التي تتعاملون معها على أنها أماكن مميزة للخدمة ومكافأة ذوي الحظوة.. وإهمال الكفاءات المعطاءة ..عليكم أن تعيدوا رسم مسارات العمل العام في السياحة وغيرها ..وأن يعاد رسم واجبات كل موظف لخدمة حقيقية مرسومة ومقدمة للناس ..ومنهم السياح ... وأن يكون منطق الإنتاجية والجدية والعطاء والإبداع هم معايير المفاضلة وليس غير ذلك ..فالعمل العام ليس تكية لمن يستطيع خرق القوانين ..أو مرتعا لذوي النفوذ ...وعليكم حماية حقوق المجتمع المصري في عمل عام محترم ومنضبط.. وهذا هو قلب برنامج رئيسكم الانتخابي ..ولعلكم تترجموه لعمل جاد ومنضبط...
مطلوب منكم أن تراعوا النزاهة والمصلحة العامة في اختيار المسئولين عن العمل السياحي وغيره ..وليس أصحاب الحظوة والقرب من ذوي النفوذ..وقلصوا إنفاقكم على البذخ والرفاهية وزيدوا إنفاقكم على دعم المهارات وصقل السلوكيات للموظفين وغيرهم...
اغرسوا مبادئ الشفافية والنزاهة والعدالة والقانون قوية بينكم في العمل العام ..وجعلوا الجدية والعطاء هما أساس الثواب ..ومن لا يقدر عمله فلا حاجة لكم به ..واجهوا الفساد بحب لوطنكم ..لأن كل مفسد هو مخرب ومجرم في حق كل فرد مصري منكم ..
فتحت هموما كثير يا سيدي ... ابتدرته في حسرة...
يا ولدي ..سألتني عن الحكومة في أول لقائنا ..والناس على دين ملوكهم كما تقولون .... على الحكومة أن تكون حازمة في تطبيق القانون وعادلة وحريصة على العمل العام أن يكون في أفضل أحواله ...ليس فقط لخدمة السائح لكن لخدمة المواطن المصري قبل السائح..وصدقني يا ولدي ..لو أحسنت الحكومة أدائها في الشارع المصري وشعر المواطن المصري بالأمن الحقيقي سيكون ذلك أفضل دعم لسياحة غنية ومستقرة ومستديمة..وهذا بالتوازي مع روح المسئولية واحترام القانون والجدية التي يجب أن يتحلى بها كل مواطن مصري شريف يحب بلده...
اتفق معكم يا سيدي تماما ..زدني من الحكمة...
يا ولدي ..على وزارة السياحة أن يكون لديها رؤية كاملة لكل خريطة السياحة المصرية ، وأن يكون لديها العزم على تطوير الأداء السياحي لكل أطراف العمل السياحي من سائق وعامل نظافة ومرشد وسائق حنطور ومراكبي وجرسون بفندق ..وغيرهم..هؤلاء يجب أن يتم تدريبهم على العمل السياحي المحترف ..لكي يحسنوا التعامل بشكل يليق بكم ...
ولكن يا سيدي الحكيم ..
استوقفني الحكيم بإشارة أعلمها جيدا ..تعني أنه قد فرغ من حديثه معي ...وقال ...ولدي ..أرهقتني بحوارك ..لكني يجب أن أكون بمفردي الآن في استقبال مغيب قرص الشمس على صفحة صحراء الأهرامات العظيمة ..يا ولدي دعني وشأني الآن ...
ثم رأيته ينتفض من مجلسه ..ويهتز في زهو وقوة ويقين ...وهو ينظر لقرص الشمس ..على وشك المغيب ..رأيته ينتفض وكأنه يستحم في أشعة الشمس الذهبية وقت المغيب ..في مشهد أسطوري ..ينقله وينقلنا معه في رحلة عبر الزمان لا نهاية لها ..رحلة الأبدية والخلود ....
اعتذر لكم يا حافظ المكان وناظر الزمان ... لكنني لكم في دوام الحاجة .. أترككم يا سيدي في رعاية الله وأمنه ...
وتركته في صمت يمارس طقوس العشق الأزلي في محراب شمس الوطن ..مصر ...