abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
السياحة وقانون الطوارئ ... فلسفة الضارة النافعة
السياحة وقانون الطوارئ ... فلسفة الضارة النافعة
عدد : 05-2017
بقلم الدكتور/ إبراهيم حسن الغزاوي
خبير دولي في إعادة تهيئة المؤسسات وإدارة مراحل الانتقال
رئيس مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب

لا نستطيع مطلقا، كمصريين ، أن نتقبل بسهولة فكرة الاستثنائية في المعايش ....فالإنسان بطبعه يميل إلى الدعة والاستقرار ... وتجنب الصدمات والتضييق..ولا تثريب علينا في ذلك ....لكن ... لكل زمان مقال ... ويرافق الزمان مقام..

ولعل هناك الكثيرون منا لم يبلغ علمهم أن قانون الطوارئ ليس غريبا على مصر... حيث فرضت في حرب 67 ، وفترات متقطعة قبلها، منذ إصدار القرار الرئاسي بقانون 162 لسنة 1958...ثم استمرت حتى رفعها السادات عليه رحمة الله، قبل اغتياله ب 18 شهرا، لتعود لتفرض عقب اغتياله في1981، وحتى نهاية عصر مبارك في عام 2011...وبعدها فرضت بشكل متقطع حتى تم فرضها مؤخرا لمدة ثلاثة أشهر ..وما يشغلني هو ، ليس قانون الطوارئ ، بقدر ما يشغلني كيفية استعدال ما اعوَج من الشأن السياحي المصري.

لقد ظلت صناعة السياحة في مصر منذ بداياتها وحتى اليوم ..تفتقر للإبداعية والتنمية الشمولية للفكر والتخطيط والمصادر والأدوات ....فظلت صناعة تقليدية...لا تعطي لنا إلا في فترات لا تطول ، وعطائها كان شديد التواضع عادة، ويهزها أقل الاضطرابات الأمنية شأنا ..لأننا لم نتعامل معها كمصلحة قومية عليا...تهم كل فرد مصري ..وليس فقط هؤلاء القريبين والعاملين بالنشاط السياحي...

وأقصد بالتقليدية، التعامل مع شئون السياحة تعاملنا المصري النمطي كموظفين مع أي شأن مصري معتاد.... وهو وضع نكبوي لا يجب أن نرضى به في قادم أيامنا.. لو أردنا أن يكون لنا بين المجتمعات شأنا غير شأننا الحالى...والنتيجة لهذا النمط التقليدي بائسة في السياحة مثلما هي بائسة في شأن العمل الإدارى المصري ..وما يعانيه من مشكلات مزمنة تراكمت عبر عشرات السنين ، دونما مواجهة جادة منهجية....

وهنا تأتي أهمية الظرف الزماني الذي نعيشه اليوم....وهنا أيضا ربما يكون لقانون الطواريء بعض الفائدة لصناعة السياحة على وجه الخصوص.

وإذا كان القانون قد فرض في توقيت السياحة فيه ليست في حالة جيدة ...وتعاني معظم المرافق السياحية من الهجر والانعزال ...فإن نفس هذه الظروف يمكن إعادة توظيفها لعدة أهداف محورية ، إن كان لدينا نية خالصة لتطوير صناعة السياحة المصرية..

أول هذه الاهداف ...هي إعادة تأهيل المرافق السياحية المصرية العامة ...المتاحف وغيرها ... ويشمل ذلك ليس المباني ، بقدر ما يجب أن يشمل تطوير الأداء البشري، وتعميق فكر الخدمة السياحية المحترفة لدى العاملين فيها ...لأنهم وببساطة شديدة يمارسون علمهم كوظيفة مثلها مثل أي وظيفة حكومية ، وهذا ما يؤثر سلبا على مجمل الأداء العام لهذه المرافق..ويجعلها طاردة اكثر منها جاذبة ..ناهيك عن غيبة النشاط الإبداعي المحترف فيها ..مما يجعلها رتيبة ، ومملة ، ويفقدها بريق التاريخ والثروة الحضارية التي تحملها تلك المرافق بين اجنحتها وأروقتها ....ثم إننا علينا أيضا أن نعيد تأهيل المرافق العامة في الشوارع والميادين ، وخاصة المدن الكبرى...لكي يبدو منها ما يشي بكونها أماكن حضارية محترمة ، تحترم البشر ، وتقدر الإنسان..بغض النظر عن كونه سائح او غيره...وعلى رأسها ، خدمات الاتصالات وشبكة المواصلات ودورات المياه والنجدة والإسعاف وغيرها من مرافق الدول الحيوية، كى يجد كل العالم في كفائتها وانضباطها ، رسالة قوية بالطمأنينة والقوة ، تبلغ غايتها بلا أي دعاية، لمجرد حضور الناس وتجربتها على أرض الواقع...وهو ما يفرض علينا الجدية والصدق ، وتحرى الموضوعية في الاعلانات والتسويق ، حتى لا نتحول إلى تعاملات الفهلوة الغير منضبطة ، والتي سرعان ما تتكشف للزوار ، فتأتي الرياح لديهم بما لا تشتهي السفن لدينا..ويضاف إلى ذلك مكاتب التمثيل السياحي خارج مصر...التي يجب اليوم قبل غدا أن يعاد رسم خريطتها ، ليكون تواجدها فقط في المجتمعات الأجنبية التي يصدر منها أغلب الحركة السياحية الوافدة لمصر ، مع تخطيط موضوعي لتوسيع وعاء الجذب السياحي ليشمل دولا مصدرة للسياح ، وحظنا من ارقامها ضئيل ، مثل معظم الدول العربية الثرية ، إضافة للصين والمكسيك وكوريا الجنوبية ، على أضيق الحدود ، وتقليص العاملين فيها، مع ربط وجودهم بأداء ونتيجة، من يحققها يستمر في عمله، ومن يتخلف عنها، يعود إلى محل عمله الأصلي، حتى لا يغلب منطق النفعية والمحاباة ، في وقت يجب أن يتغلب منطق الجدية والعطاء.... مع ما يفرضه ذلك من تحري منطق الكفاءة وليس المحسوبية في الاختيارات ...وكفانا ما لحقنا من المحاباة والمجاملات والمحسوبية على حساب مجتمع كامل يحتاج بشدة لكل نبضة اخلاص من كل مسئول ...ثم ننتقل بالضرورة لخطوة شديدة الأهمية، وهي تتعلق بمقدمى الخدمات الاختيارية للسائح.... من غير التابعين للحكومة ... مثل اصحاب البازارات والمركبات التقليدية والجمال والخيول بالمناطق السياحية ...وسائقي التاكسي وموظفي الفنادق ...والمطاعم والكافيهات ...وغيرهم .... وأذكر على سبيل المثال أنني ارتكبت خطأ من عدة أشهر بارتيادي أحد المقاهي الشهيرة في الحسين ..واحتساء كوبا من الشاي مع فنجان قهوة لا غير ...ومثلهما لصديق كان معي...لتصدمني المفاجأة بأنني ادفع فاتورة بلغت أضعاف ما اعتدت أن ادفعه لمثل تلك المشروبات وأفضل منها في اعرق وأجمل المقاصد السياحية الأمريكية أو الكندية أو الاوروبية .... في غيبة كاملة للرقابة على تلك المقاهي المتواضعة ..وفي حضور مستفز من العديد من المسئولين في المنطقة في كل مكان ..لكنه وجود بلا قيمة .

وهؤلاء وإن لم يكونوا جزءا من الدائرة الرسمية للتعامل مع السائح...إلا أنهم يقومون بالدور الأهم في ترك انطباعات قد تكون طيبة ، وقد تكون غير ذلك لدى السياح ... وهنا يجب أن يكون هناك مخطط لتغييرعقيدة العمل السياحي لدى هؤلاء..من خلال دورات تعليمية وتدريبية وتثقيفية إجبارية ، تقوم بها وزارة السياحة ، إضافة لتشريعات عقابية ثقيلة لمن يخالف هذه القواعد .. فما لم تردعه الكلمة الطيبة أو مصلحة الوطن ..يجب أن تردعه الدولة بسيف القانون ومطرقة الالتزام الوطني ..وبسرعة، لكي تستطيع خلال عام على الأكثر أن تعد هؤلاء بشكل منضبط ومحترم لكي يكونوا عنوانا للتعامل المصري المحترم والسلس مع السائح..وليس حلقة من حلقات تعذيبه واستحلابه وتفريغ جيوبه بالفهلوة والحداقة والالتفاف والمواربة ....وهي خصال انتشرت اليوم بين هؤلاء في شبه تغيب كامل للدولة، في شكل وزارة السياحة ، عن المشهد ، وكأنها مسئولة عن السياحة في دول أخرى غير مصر!!

نعم...قانون الطوارئ ربما له بعض السلبيات لكنه بالقطع سيعطينا الجرأة والشجاعة كحكومة وكمتخذي قرار ..أن نواجه مشاكلنا بشكل منهجي أمين ....لنلحق ما قد فاتنا من كعكة السياحة العالمية التي بلغت عام 2015 نحو 1.3 مليار سائح ...كان نصيب مصر منها مجرد بضعة ملايين ..وهو رقم هزيل وشديد التواضع .. حققته مجرد بعض البنايات أوالمرافق السياحية المنفردة في دول ذكية سياحيا مثل فرنسا أو أسبانيا أو أمريكا... وهو رقم بالقطع لا يعكس قوة مصر السياحية ، لكنه يعكس وبوضوح فكر مصر الإداري السياحي ، وكيف أنه شديد التواضع وسجين الروتين والبيروقراطية والتردي التخطيطي ، وأن الشأن السياحي مثله مثل أي شأن إداري مصري..مازال رهينة في انتظار من يطلقه من محبسه التقليدي المؤلم .

بالقطع هناك وزارة في مصر ، لو أحسنت أدائها ، بشكل منهجي مستنير، ستعود بكل الخير على كل مصر..هي وزارة السياحة...التي يفترض أنها تدير سحارة ثروات بلاد الحضارة مصر...والتي يجب أن تعيد رسم سياساتها بما يجعلها محورية في التخطيط العام السياحي ، باعتبارها المسئول الأول عن صناعة السياحة..وما يستلزمه ذلك من اعادة رسم رؤيتها لتكون بانورامية .... تدخل في سياقها عنصر الأمن في الشارع وعنصر ثقافة المواطن وعنصر نظافة الشوارع وعنصر الطاقة الاستيعابية للمرافق وعنصر كفاية الأداء الإدارى ...وكلها ربما بعيدة نسبيا عن السياحة بشكل مباشر..إلا أنها تؤثر فيها تأثيرا سلبيا بالغا....ولعل غيبة هذه الرؤية الشمولية الواقعية ...هي سبب ما تعانيه بلادنا من ركود فكري واقتصادي وإنساني متنوع ...
وبالقطع هذا لن يتحقق ما لم نتعلم كحكومة ثقافة التعاون والتخطيط المترابط بين دوائر العمل العام ..لكي نحقق اهداف السياحة المصرية .. وبالقطع ..لن ننجح بغير هذه الثقافة .... الرؤية والتعاون والتخطيط الموضوعي المنضبط ... ترى هل يفيدنا قانون الطوارئ، وتكون رب ضارة نافعة؟