abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
فلسفة التدين المواتي والمعاكس في أمة العرب ‏
فلسفة التدين المواتي والمعاكس في أمة العرب ‏
عدد : 08-2017
بقلم الدكتور/ إبراهيم حسن الغزاوي
خبير دولي في إعادة تهيئة المؤسسات وإدارة مراحل الانتقال
محاضر القانون الدولي وحقوق الإنسان

‏ ليس من الملائم أن أترك أجواء الحج هكذا تسير سيرا ديناميكيا في مسار العقل الذاتي ..فما هكذا أريد لها أن تسير ممن ‏ملك الإرادة والدين والخلق...وعلى قدر ما يبهرني تجمع الحجيج بالملايين في شعيرة الحج المقدسة بأم القرى ومدينة النور ‏النبوية المشرفة، على قدر سخطي على حال أمة العرب التي لم تترك مسلكا للشقاق إلا اتبعته ، في تجرد مقيت للتفرق...وكأننا ‏نسير موجهين نحو غايات إضعافنا، ونهايات إنهاك مقادير الحياة فينا ومقدراتها...‏

ولأن الحج ركن ركين في ديانة الإسلام...‏ كان التعقل فيه ليس نزهة، بل حتما مقدورا..وإلا وقعنا جميعا في محظور الاستسهال والتسطيح ...واستحققنا واقعنا ‏المزري المهين، والحج كونه ركنا ركينا في الدين ..يستتبع مكاشفة ما خلفه وما فيه وما أمامه من مسالك البشر ...وتدابير القدر ‏في حياتنا..‏

والحج كما قدره الخالق ، وبينه النبي محمد(ص) هو الشعيرة الأوحد التي تعتبر بغاياتها الأعلى تنقية وتصفية لكشف ‏حسابات السلوك البشري للمسلمين في شتى أصقاع المعمورة...‏ ففيه يرتجي العباد صفحا ومغفرة... لا تصح إلا بخلوص النية وثبات العزم واستقامة الفعل ...‏ ولست ممن يقدح في نيات البشر واستقامة مقاصدهم ..وهي من أخص خصائص الربوبية والتسليم بأوحدية الواحد ‏الديان، وأنه وحده هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور...‏ ‏"يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ" غافر (19) ‏

وعلى قدر يسر المعنى في تلك الآية الكريمة، على قدر ما يقع البعض في العالم الإسلامي في سقطة الحكم على الآخر ‏من منطلق معرفة النوايا وتقرير ما في الصدور، فنرى بعضنا يدين البعض لأنه سيء النوايا أو خبيث المقاصد، دون أن يكون ‏ذلك مستندا لفعل مادي خارجي، هو في سياقنا هذا ، مسارا حتميا لتقرير مدى الاستقامة أو الاعوجاج في شأن صاحبه...‏ هذه واحدة... فليس لأي منا أن يحكم على نية الآخر...ولا أن يقيم خبيئة نفسه، وإلا فقد أعطى لنفسه حقا ربانيا ‏صرفا...وضرب عرض الحائط عن جهل وتسطح أو سوء فهم وتبلد عقل، بناموس من نواميس الحياة الهادئة بين الناس في ‏المجتمع الإسلامي...‏ ولا مبالغة في ذلك..فالولوج في يقين الناس وأنفسهم نقيصة بائسة، لأنها تؤدي بالضرورة لأحكام بائسة أيضا، في رفع ‏أو خفض الناس بأقدارهم، على أساس نواياهم ، وما تخفي صدورهم... وما لنا ذلك ..لا مراء ...‏

ولننظر في نبينا الكريم ..كيف عالج تلك المسألة...في حديثه الشريف:‏ ‎"‎ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، إن قومًا خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا: إنا كنا ‏نحسن الظن بالله، كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل‎".‎ ففيه قول فصل في عدم الارتكان إلى النية في نفس الإنسان، بل على العمل، وأن يكون عمل المسلم مصداقا لما في قلبه..

‏ولأننا لا نقدر على معرفة النوايا، وهي أمور اختص الخالق نفسه بها ، إلا أننا لنا فقط أن نحكم على الناس بما يفعلون ...‏ فالأمر إذن في شأن الحج صنوان لا يفترقان...‏ شأن النية والمقصد، وعند الله حكمهما..ولا يظلم ربك أحدا...ونحسب أن كل من تاقت نفسه إلى بيت الله الحرام قد ‏صفت نيته وخلصت سريرته إلى تلك الزيارة الميمونة ...وهذا على إطلاقه أمر طيب وجميل ويتسق مع الفطرة الدينية السوية، ‏التي تربط المسلم بخالقه من خلال شعائر التدين والقربى من الله ، ومنها الحج ...‏

والصنو الثاني هو الفعل، وما صدقه العمل.. وهنا لنا وقفة....‏ فمراد الدين ابتداءً هو لطف بالعباد وترقية للعنصر البشري، وجعله أكثر استحقاقا للإنسانية ، و مناطه العقل والحكمة ، ‏فالدين يرتكز على الاختيار الحر للعقيدة، والاختيار الحر منشئه عقل الإنسان... والعقل إذن هو الشاهد في المسئولية والفهم ‏والاستيعاب في مضمون الدين وجوهر كينونته لدى الناس...‏ وهنا تكون المعضلة الأكبر في تاريخنا العربي مع الإسلام ...‏

وقد خلصنا إلى أن الإيمان محله القلب، في شقه الرباني، ومحله السلوك في شقه البشري الذي هو ظاهر لنا ونقدر ‏بيسر على الحكم عليه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر...‏

ونظرة عابرة لحال الأمة العربية تفضي بنا إلى الواقع المأساوي للناس في بلاد العرب الإسلامية...‏ فقد شح الإبداع ..ونضب العلم الخلاق...وقلت قيمة الجدية والإخلاص..وارتفعت قيم الفهلوة والاستسهال...وشاعت فتن ‏الدنيا على كافة صنوفها، والتبست بفتن الدين..فليست هناك دولة عربية إسلامية إلا وعلى شقاق مع غيرها من باقي الدول ‏الإسلامية العربية أيضا، رغم وحدة الدين واللغة والمصالح ...‏ وقد تراءت في مخيلتي كثيرا علاقة السببية بين التدين المعوج والواقع الراهن البائس لدول العرب الإسلامية...‏

فالتدين على استقامته، بمفهوم الحديث الشريف، هو واقع النية الطيبة بالرضوخ لأحكام الخالق، ملتمسا، ابتداء وانتهاء، ‏لواقع العمل الذي يعمله المسلم في كافة أرجاء المعمورة..ولا افتراق بينهما ...فإن حدث ذلك التوازي في النية والعمل..كانت ‏النتيجة الحتمية للتدين هو استقامة حياة المجتمع الإسلامي على السوية..وارتقاؤه بانضباط أفراده على مسار العمل الجاد في ‏الدنيا والدين، بقانون الدنيا الوضعي وقانون الدين العقائدي....فيزداد إبداعنا ويتعمق فكرنا، وتنجح في حياة الأمم الأخرى فلسفتنا ‏في التدين والقربى الصائبة من الخالق... ‏ وللأسف هذا لم يحدث...إلا في المجتمع المسلم الذي يعيش في غير الدول العربية ...وعلى التحديد في المجتمع الغربي.. ‏وبعض دول آسيا ذات الأغلبية الإسلامية مثل ماليزيا واندونيسيا..ويجمع بينهم أنهم ليسوا عربا، فنجد المجتمع المسلم في الغرب ‏مثلا محققا بشكل عملي ونظري لمنهج التدين الصحيح..وعلاقتهم سوية وطيبة بغيرهم من الناس، ويتعلمون وينتجون ‏ويبدعون...وينطلقوا في مساعي الحياة لا تحدهم حدود وزادهم الأهم ليس النية الصادقة، التي لا أقدر على رصدها، لكن عملهم ‏الجاد وإخلاصهم في منظومة حياة المجتمع العامة التي يعيشون فيها وهم جزء منها...‏ وهنا تكون الفلسفة الدينية بالعمل قد أحدثت أثرها مواتيا لصالح الناس أجمعين، ليس المسلمين فقط، بل كل من ‏يخالطهم...‏

أما مسلمي دول العرب..فشتان بيننا وبين غيرنا... فسيادة سلوكيات التسطح وندرة قيم الإجادة والصدق، وشيوع ‏سلوكيات التملق والنفاق، وذيوع الرشوة ، والتبعية البغيضة للشر، بلا مسار واضح لقيم صحيحة للعمل أو اجتهاد وعلم وأخلاق ‏وتحضر وتسامح..فوصلنا بسلوكنا إلى أن يكون سمة لمجتمعات شديدة التخلف والرجعية، وشديدة التطاحن فيما بينها..وتتعاون ‏مع الشيطان ولا تتعاون مع بعضها البعض؟ فهل هذا هو الإسلام؟

هنا اختلف العمل عن النية...فحدثت الفرقة وانفلق الصدع متسعا...يباعد بيننا وبين مراد الحق في إنزال الدين ، ليبني ‏بها حياة آمنة هانئة مستقرة ورغدة للعيش..لأننا وببساطة وتبلد وتعنت حولناه إلى تكئة للتمايز والإقصاء والتقديم والتأخير ‏والتعلية والخفض، ليس عل أساس العمل، ولكن على أساس النية والحسب والنسب والجاه...ونصب البعض منا نفسه بمجرد نيته ‏وليا وسيدا على الباقي..فحدثت القطيعة الواقعية بيننا وبين السلام والرحمة..وزادت الخصومة بيننا وبين التقدم..وقد أهملنا العلم ‏وانبرينا ننغمس في الاستهلاك البغيض مثلنا مثل الدواب...يومهم كغدهم كأمسهم...وهنا يكون التدين معاكسا لمراد الحق من الدين ‏في الخلق...‏

وأغلب الظن ، والله يقينا هو الأعلم، أن نوايانا ، أو كثير منا، ربما ليست صادقة، لأننا لو صدقنا النوايا لأحسنا ‏العمل...ولو تصورنا صدق نوايا داعش أو النصرة أو الإخوان أو الجهاديين أو أنصار بيت المقدس أو غيرهم من آلاف ‏المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، لو تصورناها صادقة لله الواحد القهار فلما اختلفوا هذا الاختلاف البين والدين الأصل ‏واحد؟ ولماذا أمعنوا في العنف والدماء والإقصاء والتكفير في دين قوامه الرحمة وعماده حسن الخلق؟ ربما هنا أيضا يجب أن نتحدث عن العمل ..كيفيته، وليس شكله، لنستعيد جوهر الصدق والجدية والالتزام والانضباط ‏والاحترام والقانون والعدالة في عمل المسلم اليومي وفي كافة أطوار حياته مع الآخر من مسلم أو غير مسلم ...وليس لنا عن ذلك ‏بديل...‏

ربما يكون الحج هذا العام سببا لنا لكي نعيد التفكير..حكومات وأفراد في مسارات الحياة بيننا...علينا أن نبحث عن ‏العمل الذي يجمعنا ويثرينا ولا يفرقنا ويباعد بيننا وبين قطار الإنسانية...فقد تخلفنا اكثر مما يجب...‏ ومع تخلفنا ..تتزايد أعداد الحجيج عاما بعد آخر..في مظاهرة دينية رائعة، لا تخلف ورائها إلا إمعان في التشتت..ليعود ‏عام جديد، يحمل بين طياته دولا عربية تنهار، ومجتمعات إسلامية عربية تتفتت ويتصارع بعضها مع بعض...‏

اللهم اجعل عامنا هذا وحجنا فيه منطلقا لتغيير حقيقي، في القصد، وليخلص للعمل الجاد والعبادة الإيجابية، وليست ‏الديناميكية البحتة، التي تجعلنا مثلنا مثل ممثلي المسرح ...نتقمص أدوار المسلمين وما نحن بمسلمين...‏

سنكون مسلمين بحق لو تسامحنا ، وتعاونا ورحم بعضنا الآخر، ولم نصنف الناس على عقيدتهم، ولو انشغلنا ننشئ ‏حياة آمنة مستقرة، رغدة بالعمل والإنتاج، ولو أسهمنا في سلام دائم بين كل أقطار العالم العربي، يمكن من خلاله أن نستأنف ‏دورنا في الإنسانية المعاصرة...فقد لفظتنا تلك الإنسانية، ووضعتنا في خانة الرواكد والتخلف ...‏
يا رب تقبل ... وكل عام وانتم بخير. ‏