abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
عندما اختفى أبو الهول ...‏
عندما اختفى أبو الهول ...‏
عدد : 01-2018
‏بقلم الدكتور/ إبراهيم حسن الغزاوي
المهنة: مواطن مصري ‏
eommar@hotmail.com

لا يكاد يمر يوم إلا ويأتي على عقلي ويقيني أن أعوده ..‏ولا أبالغ أنني اشتاق إلى مجالسته... ففي حديثه رؤية جدية وتحليل صادق..‏ صادم أحياناً .. ربما ...لكنه صادق ..ويقطر حكمة وإخلاصا..وهو ما نحتاجه في مصر بشدة اليوم...‏ إنه أبو الهول ... حارس مصر الحضارة و التاريخ...‏وعندما تضيق نفسي بما فيها .. يأتي هو مباشرة إلى خاطري دون أن أستدعيه...‏هل لأنه رمزا يجسد الثبات في العطاء الإنساني المصري الذي لا يعرف حدودا زمنية ولا مكانية؟.. وارد...‏

وحتى لا يأخذني السياق ..انطلقت إليه ...متشوقا لكلامه.. وعندي له بعض الحديث أنا أيضا..فأنا أحب دائما أن أناقشه ..أو ‏أبدو كمن يناقشه... فأنا في محرابه لست سوى نقطة صغيرة في محيط الأبدية التي يشكلها هذا الرمز العملاق...‏

وبمقدم الشتاء ..أجدني منساقا إليه في ضوء نهار مشمس ..تبثه شمس الأهرامات الدافئة ..تنساب في نعومة حانية على ‏ربوع الوطن الأكثر قيمة والأغنى تراثا ...‏

أطلقت لقدمي العنان تسوقني إليه ..ولم أصدق عيناي ...عندما وصلت إلى مقربة من سفح الأهرامات ...‏

كنت أراه من هنا عادة شامخا حاضرا ..لكني هذه المرة لم أجده ...فواصلت المسير حتى أدركت محله ..وأنا غير مصدق ‏أنه ليس هناك...‏

وجدت مكانه خاليا ...وتجمدت في محلي لبرهة غير مصدق...ثم إن هي إلا لحظات حتى رأيته يهل مرفرفا في انسيابية ‏هادئة وادعة مستقرا في مكانه مرة أخرى ...ليعود للمكان رونقه وبهاؤه...فلا يمكن أن أتخيل الأهرامات في غير وجود حارسها ‏الأمين أبو الهول...‏

أين كنت يا حارس الحضارة؟.. أبتدرته متسائلا ومندهشا ...‏

عدت لتوي من منطقة قناة السويس ...‏

ازدادت دهشتي..وماذا كنت تفعل هناك يا سيد الزمان ؟ ‏

رفع الرمز العظيم حاجبيه تعجبا من سؤالي ..وأحسست بالخجل ...وأدركت أن سؤالي ساذجا ..لكن لا بأس ...‏

أنا هنا أتعلم منك يا سيدي ..فلا تؤاخذ ضيق معرفتي بما تعرفه ولا تضن علي بما أعطاك الله من علم ونور...‏

هل تقصد أن افتتاح الأنفاق وكل تلك المشروعات الضخمة هناك أنها سوف تحدث نقلة نوعية في الاقتصاد المصري؟ ‏.. أنا اتفق معك يا حكيم الحجر والبشر ...‏

لا يا بني ..ما هكذا قصدت ...‏وما هذا الأثر في ذاته يجعلني أترك محلى هنا كما وضعني أجدادك العظماء ...لأذهب لأي مكان آخر ...‏إنه لأمر لو تعلمون عظيم ...‏

ازدادت دهشتي ...واعتدلت قامتي أكثر في حضرة الحكيم البهية...اعتدال من غابت عنه أمور ما كان لها أن تغيب ... ‏

زدني من علمك يا سيد التنوير بالصمت ...علمني ما لا أعلمه من أمر وطني ...أكن لك شاكرا...‏أجبته في صوت خفيض ...وأنا أتحسس كلماتي ...‏

لا بأس يابني ...أعلم انك أتيت إلي بعد غيبة.. وأعلم أنني يجب أن أكون هناك حيث أرى قلب مصر ينبض من جديد بشكل ‏غير معتاد...‏

كلماته رفعت من سقف دهشتي ..ولم تعطني إجابة بقدر ما ألقتني في حيرة ...فلم أفطن لما يعنيه من كلامه...‏

يا قاهر الزمان ...رفقا بي ...ويسر لي الأمر حتى يصلني ما تريده بغير لبس أو غموض...‏

يا بني ..تمهل ...ابتدرني ...وتململ واعتدل في مجلسه الأسطوري البهي ..وكأنه يستعد لكلام عظيم .. واستطرد في لطف ‏ويقين ...‏

لا أشك لحظة أن تنمية منطقة قناة السويس ..وإنشاء عاصمة جديدة ..وإنشاء شبكة طرق ..وإنشاء محطات استزراع ‏سمكية ..وإنشاء محطات كهرباء ...واعتدال ميزانكم التجاري بشكل واضح..وتزايد احتياطيكم من النقد الأجنبي ليضرب حاجز ‏‏37 مليار دولار للمرة الأولى في تاريخكم ..وانجازات إنتاج حقل غاز ظهر التي ستكفيكم منها خلال عامين وتوفر لكم عدة ‏مليارات أخرى ..كل ذلك وغيره مما لا يتسع المقام لسرده ..أمر عظيم تستحقون عليه التهنئة..لكن موضوع الأنفاق ‏بالإسماعيلية يختلف ...‏

كيف يا سيدي؟

أقول لك ...هذه هي المرة الأولى في تاريخكم القديم والحديث الذي تشعرون فيه بشكل عملي واقعي بأن سيناء هي قطعة من ‏مصر ..وأنها كانت دائما منطقة أطماع لبعدها عن قلب مصر..و تاريخيا شكلت محط انتهاك حدودكم ..ومنها اخترقتكم معظم ‏غزوات أعدائكم التاريخيين والحاليين ...ولكنكم اعتدتم على خطط التنمية الظاهرية التي تترك رمادا على الأرض ..ولا تحدث أي ‏نقلة حقيقية في الحياة في سيناء...‏

بدأت استشعر ما يريده الحكيم ...ولكنه لم يسكت ...‏

إقامة منظمة الأنفاق العملاقة التي رأيتها بعيني رأسي وهي تشق باطن الأرض في قوة هادرة من غرب القناة لشرقها ‏‏..لتفتح مسارات حركة وانتقال بشر ومياه ومواد بلا حدود ...هي التمهيد المنطقي الذي لم يكن هناك أي بديل عنه لإحداث تنمية ‏استراتيجية لسيناء...وإقامة سيناء مصرية كاملة من الألف للياء بلا انتقاص...‏

تنمية استراتيجية؟ ماذا تعني يا سيدي؟

أعني تنمية ليست مجرد اقتصادية ..لأنها أسهل بكثير من التنمية الإستراتيجية..وتعني تنمية تحول بين أعدائكم وبين ‏الانقضاض عليكم ..تعنى بالاقتصاد من ناحية لكنها تعني أيضا بالبشر بسيناء وتعني بأمور تمس حالة التبعية الواقعية بمصر ‏وليست فقط الجغرافية .. وكلما أقمتم مشروعات تنموية حقيقة تربطكم بسيناء كلما اتجهت أمور الاستقرار لديكم إلى منتهاها ‏الهادئ و المستقر...لأن سيناء بخوائها شكلت الخنجر الذي تطعنون به على مر التاريخ...‏

والبشر يا سيدي ما ذا تقصد بهم؟

قصد أن تفتح مناطق للسكنى على نطاق واسع هناك..لتمتص ملايين كثيرة من العشرات التي اثقلت ظهركم بالقاهرة وغيرها...لأنكم أدركتم مؤخرا حقيقة أن أهم معاني التأمين الاستراتيجي لأي أرض هو وجود مجتمعات نابضة بالحياة المستمرة ‏والمستقرة عليها..وليست مجرد تواجد لموظفين بشكل دوري متغير ومتقطع ...وللأسف لم تفلح أي حكومة سابقة أن تترجم هذه ‏الأهمية الإستراتيجية ترجمة حقيقية في حب مصر...‏

أرك مبتهجا بما تحقق يا سيد الحضارة وراعي الأبدية...‏

لا يا بني ليس بعد...‏

ماذا يبقى يا سيدي؟ سألته...‏

يا بني الاستثمار في الحجر لا يكون صحيحا إلا بحسن الاستثمار في البشر...وأنتم مازلتم تتحركون ببطء في سبيل تغيير ‏أنماط الشخصية المصرية التي نالها الكثير من العطب في السنوات السابقة ...يجب أن تهتموا بالثقافة وبالتعليم أكثر..وبالتنوير ‏العقائدي لدى البسطاء..قبل المتعلمين ...لأن التنوير العقائدي يفضي بكم إلى الهدوء النفسي ، وإلى التصالح مع زمنكم ‏وعالمكم...ويرفع من قدرة شبابكم على العمل الجاد المخلص لخدمة وطنه ومجتمعه ..وليس للتناحر والوقوع فريسة للفكر ‏الانشقاقي والمتطرف ... ‏
ولكن يا سيدي......... ‏

هنا لمحت يده ترتفع بدلالات لا تخفى عني .. تشير لى أنه كفى ...‏أدركت أنني قد تجاوزت في معيته ما كان يجب .. وأنني علي أن أنصرف الآن ...‏
أشكرك ياسيدي شكرا لا حدود له ... واعذرني أني اطمع دوما منك وفي معيتك بالمزيد...‏

لا بأس يابني ...أهلا وسهلا بك ...لكنني الآن مشغول ...‏

قدمت له انحناءة المحب والعارف بقدره ... وأدرت وجهي وغادرت في هدوء شديد..‏ وقد أدركت أنه ربما يكون في حاجة لبعض الراحة من رحلته الطويلة ...‏لكنني عدت من حديثه بالكثير ... وهكذا هو دوما ..‏اللهم بارك لنا في رمز بلادنا للبقاء ..‏