abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
بائع العرقسوس
بائع العرقسوس
عدد : 03-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
من موسوعة كنوز أم الدنيا
tbadrawy@yahoo.com



بائع العرقسوس المتجول مهنة كانت موجودة في مصر بشكل مكثف إلي وقت قريب وإن كانت قد تراجعت تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة فلم يعد موجودا في الشوارع والأماكن الشعبية إلا بشكل نادر وإن كان المشروب نفسه مايزال موجودا لدى محلات العصير ولدى بعض الباعة الذين يبيعونه للمارة من خلال عربة يد يقفون بها علي أحد النواصي وتوضع عليها أواني معدنية لها حنفيات تحوى هذا المشروب ويقومون بصبه في أكواب بلاستيكية لراغبي تناوله وذلك بالإضافة إلي بعض المشروبات الأخرى التي أصبحت تنافس شراب العرقسوس كشراب الخروب والتمر هندى والدوم وبذلك أصبح في الوقت الحاضر بائع العرقسوس بمثابة شخصية فلكلورية تراثية تستعين به أغلب الفنادق والمنتجعات السياحية والخيام الرمضانية ويلقى قبولا من روادها لما له من طابع مميز وهو يوزع على روادها شرابه المميز لذيذ الطعم أثناء تناولهم طعام الإفطار .

وهكذا يبقى بائع العرقسوس جزءا من الحياة الشعبية المصرية لن نستطيع أن نفصله عن شكله المتميز في تلك اللوحة التراثية وهو يمشي كأنه في مهرجان تسبقه نغمات طاساته الذهبية وهو يحمل إناء العرقسوس بحجمه وإمتلائه والمشهد المتكرر له وهو يباعد بين الكوب في يده وبين بزبوز هذا الإناء وهو يصب هذا المشروب المنعش اللذيذ في الكوب لتظهر الرغوة المميزة للعرقسوس وكان هذا المشهد يبدو وكأنه رقصة فنية حيث يقوم بائع العرقسوس بالدوران بجزعه دورة أو دورتين ثم يميل كثيرا ناحية اليمين وهو يحمل في يده اليمنى كوب العرقسوس ثم يقربه ويبعده عن الإناء بحساب لكي يضمن أن تعلوه رغوة ذهبية تتوج الكأس الزجاجي المثلج وهذه الرقصة لم تكن طريقة لجذب الإنتباه فحسب ولا هي محاولة لإستعراض مهارات خاصة بل كان لها فائدة محددة فمن خلالها يعيد بائع العرقسوس تقليب مشروبه في الإبريق فيضمن توزيعا مناسبا لتركيز المشروب فلا يظلم ولايظلم كما ظهرت شخصية بائع العرقسوس في بعض الأعمال الفنية لبعض الفنانين التشكيليين منهم الفنان الكبير محمود سعيد والفنان الكبير سيف وانلي والفنان عصمت داوستاشي وأخيرا الفنان المعاصر محمد الشيشيني والذين جسدوه في العديد من أحد لوحاتهم الفنية الزيتية بزيه المميز وإنائه وأكوابه النحاسية بما يمثل ويجسد مشهد فني أصيل من المأثور الشعبي المصرى .

ويتميز بائع العرقسوس بأدواته المميزة وهو الإبريق الزجاجي أو النحاسي كبير الحجم الذي صنع خصيصا ليحافظ على برودة مشروب العرقسوس طوال اليوم والذى يحمله بواسطة حزام جلدي عريض يحيط بالخصر يسمي الحميلة والذي يحكم ربط الإبريق حول الوسط بما يوزع الثقل على الجسم كله ويتدلي من هذا الحزام إناء صغير للأكواب ووسادة صغيرة محاكة من جميع الجوانب بداخلها مواد حشو كالقطن أو الفيبر توضع بداخل هذا الحزام الذي يحيط بالخصر لتساعد البائع في حمل الإبريق الكبير وتعزل عنه برودة العرقسوس بينما يمسك بيده اليمنى صاجين من النحاس يصدران صوتا مميزا وكل منهما عبارة عن دائرة من النحاس يثبتان بواسطة أربطة تمر من خلالهما وتدخل في أصابع اليد بشكل يسهل إستخدامهما معا فيتراقصا بين يديه محدثين نغمات رائعة يعرفها الكبير وتجذب الصغير ويحمل بائع العرقسوس أيضا في يده اليسرى إبريقا بلاستيكيا صغيرا مملوءا بالماء لزوم غسل الأكواب الزجاجية التي إستبدلت بعد ذلك بالأكواب البلاستيكية التي تستخدم مرة واحدة فقط محافظة علي صحة الناس كما يستخدم بائع العرقسوس شريط من الجلد يسمي حزام صف يحيط بالخصر يحتوي على درج معدني لوضع النقود داخله وغالبا يرتدى مريلة عبارة عن قطعة من القماش مستطيلة الشكل يقوم البائع بتثبيتها عند وسطه بواسطة الحزام في شكل درابية فنراه يتحرك بين أدواته كراقص محترف رشيق في حركاته علي الرغم من أنه يحمل أثقالاً فوق صدره كما كان لبائع العرقسوس نداء مميز وهو شفا وخمير يا عرقسوس وبارد وخمير وإتهنى يا عطشان وبهذه العبارات البسيطة التي كان يغنيها بائع العرقسوس للإعلان عن شراب عرف منذ القدم بمذاقه الحلوالذي يقبل عليه الكبار والصغار خصوصا في شهر رمضان وفي فصل الصيف عندما تشتد حرارة الجو ويزداد إحتياج الجسم للسوائل وكثيرا ما يتناوله المسلمون بعد أذان المغرب لا سيما في الأحياء الشعبية لكنه يبقى شرابا يقبل عليه الفقراء والأغنياء .

وهكذا بهذا النداء الجهورى المميزالعرقسوس شفا وخمير بالإضافة إلي نغمات طاساته الرنانة وملبسه المميز كان يجوب بائع العرقسوس شوارع المدينة أو القرية ويضفي بطقوسه الخاصة لونا من البهجة والسرور على الشوارع والأزقة ويصبح بطلا في تلك اللوحة الشعبية الفريدة منذ نشأة الجنس البشرى فكان بذلك بائع العرقسوس إذن هو أحد الباعة المتجولين والذى يقوم ببيع مشروب مثلج هو شراب العرقسوس الذى يعد واحدا من أهم المشروبات الشعبية وقد عمل بهذه الحرفة كثيرون وكانت الحكومة المصرية في الماضي تمنح أصحاب هذه الحرف رخصا أو تراخيص تمكنهم من ممارسة هذه الحرف أو المهن لفتح محل شربتلي أو عرقسوس في أيام الأعياد والمولد النبوي وينتهي الترخيص بإنتهاء تلك الفترة الزمنية المحددة له حيث كانت هناك تخصصات دقيقة لباعة المشروبات مثل العرقسوس والشربات والليمونادة وذلك للتأكد من الحالة الصحية لمن سيعمل في هذه الحرف وضمان خلوهم من الأمراض المعدية التي قد تصيب من يتعامل معهم .

وملابس بائع العرقسوس التراثية تعد أفضل إعلان يقدمه البائع لإظهار عراقة تاريخ الشراب الذي يبيعه وتتكون من لباس سفلي يسمى السروال يغطي الرجل يبدأ من السرة ويكون غالبا طويلا يصل إلى القدمين وواسع فضفاض لسهولة الحركة وذو حجر منخفض ساقط وواسع ويضيق عند القدمين ويشد حول الوسط بتكة أو أستك ويعلوه قميص يغطي الجزء العلوي من الجسم مفتوح من الأمام ويقفل بأزرار وله نصف ياقة وأكمام طويلة كما يرتدى بائع العرقسوس صديري وهو يعتبر قطعة ثانوية وغالبا ما كان هذا الصديرى ذو لون أسود من الخلف وبأقلام طولية أو عرضية بيضاء وملونة من الأمام أو ذات لون واحد ومطرزة بالخيوط المعدنية الذهبية في شكل زخارف رائعة والتي قد تتكرر على السروال أيضا كما توجد مكملات لزي تلك المهنة منها غطاء للرأس والذى قد يكون طربوشا أو طاقية دلالة على إعتناء بائع العرقسوس بنفسه وبمظهره المتميز .

وهنا يجب أن نذكر أن التاريخ الحرفي والمهني في مصر يعد بلا شك وبدون منازع مركز إشعاع حضاري وثقافي وفني بإعتبار أن الحرف والمهن وخاصة التراثية تعد مدرسة الشعب التاريخية وصاحبة الدور الأكبر في تحقيق المنفعة للأفراد وللمجتمع وأيضا تشكيل الجوانب الإقتصادية الفعالة للمجتمع المحلي والقومي على مر التاريخ وقد إختلفت المهن التقليدية من بيئة إلى أخرى وبين مدينة وأخرى متى ظهرت الحاجة إليها وتوافرت العوامل والإمكانيات والموارد الداعمة لها وصاحب هذه المهن والحرف نداءات وأغان وأمثال وعادات وسلوكيات وأزياء وشارات يعرف بها أهل كل حرفة ومهنة والإنسان عموما يطوع يده وقواه العضلية وهيئته وشكله ومظهره العام وملابسه لصناعة أشيائه وأغراضه وليشبع حاجاته الأساسية في حياته وفي عمله ومهنته التي تعد مصدرا لكسب قوت يومه .

والعرقسوس كلمة عربية الأصل تعني إمتداد جذور النبات في الأرض أو الخشب الحلو وهي مكونة من مقطعين عرق أي جذر وسوس وهي تعني متأصل وبذلك فالمقصود بالكلمة أصل السوس وهو نبات معمر من الفصيلة البقولية ويعتبر من الأعشاب المعمرة ويتميز بأزهار زرقاء ناعمة ويستخدم في تصنيع الأدوية لإخفاء النكهة غير المستساغة لها أحيانا كما يضاف إلى التبغ والسيجار والمشروبات الغازية والحلوى كما أن لخلاصة ألياف جذوره فائدة كبيرة في تصنيع رغاوي إطفاء الحريق كما أنه نبات ذو قيمة علاجية عالية وقد تم العثور على جذور العرقسوس في مقبرة الملك الفرعون توت عنخ آمون وكان يقتصر إستخدامه وشرابه في زمانه على ملوك الفراعنة وكان الأطباء المصريون القدماء يخلطونه بالأدوية المرة لإخفاء طعم مرارتها وكانوا يعالجون به العديد من الأمراض منها أمراض الكبد والأمعاء والسعال الجاف والربو والعطش الشديد بما يدعم وجهة النظر المؤكدة لوجود مهنة بائع العرقسوس في مصر منذ القدم وقد عرفه البابليون أيضا منذ أكثر من أربعة آلاف سنة كعنصر مقوي للمناعة وكذلك عرف قدماء العرب هذا النبات وورد وصفه في كثير من المراجع القديمة حيث ورد بها أن منقوع العرقسوس المخمر يفيد في حالات القيء وتهيج المعدة والأمعاء وحرقة البول حيث يحتوي العرقسوس علي نوع من الأحماض يحمي الجسم من نمو البكتريا وعلاج عسر الهضم وعلاج التهاب المفاصل الروماتويدي وعلاج تصلب الشرايين وإضطرابات التنفسي وتكيس المبايض عند النساء و إلتهابات الكبد والقرحة المعدية والإكتئاب كما يفيد أيضا في العناية بالشعر والمحافظة علي صحة الأسنان ومعالجة الإضطرابات العصبية وفي المحافظة علي صحة القلب والأوعية الدموية كما يساعد الجسم علي التخلص من السموم وعلي العناية بالبشرة .

وقد إعتبر العرقسوس شرابا ملكيا حتى جاء الفاطميون إلي مصر خلال النصف الثاني من القرن العاشر الميلادى فأقبل عليه الناس ليصير مشروب العامة خاصة في شهر رمضان حيث يتناوله المسلمون بعد أذان المغرب لأهميته في القضاء على الإحساس بالعطش وكان تحضير العرقسوس في الماضي يستغرق وقتا طويلا حيث ينقع النبات في إناء زجاجي ليلة كاملة ومن ثم يتم تصفيته عن طريق قطعة قماش نظيفة تسمى الشاشة بعدها تبدأ عمليات التحلية والتعبئة في الإبريق الزجاجي أو النحاسي الخاص به أما الآن فقد أصبح التحضير أكثر سهولة ولا يستلزم نقع ولا إعداد بعد أن تدخلت الآلات الحديثة لطحن العرقسوس وبيعه على هيئة مسحوق سهل التحضير وبالتالي بإمكان الأسرة في شهر رمضان المعظم أن تعده بنفس السهولة وتضيف الماء الساخن أو البارد إليه وتضعه في إناء زجاجي لتقديمه ساعة الإفطار .
 
 
الصور :