abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
غوطة دمشق
غوطة دمشق
عدد : 06-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

غوطة دمشق هي سهل ممتد يحيط بالعاصمة السورية دمشق من الشرق والغرب والجنوب وهو يشغل الثلث الغربي من حوض دمشق الواقع إلى الشمال من هضبة حوران التي تحد سهل حوران الذى قامت عليه الكثير من الحضارات منذ القدم حيث كان ولا يزال سهلا خصبا وكان الرومان يعتمدون عليه في الحصول علي إحتياجاتهم من المحاصيل الزراعية المختلفة وكانت هذه المنطقة في زمنهم تسمى مملكة إهراء روما وذلك لخصوبة أرضها ووفرة محاصيلها الزراعية وخاصة القمح ويعد سهل حوران من السهول المهمة في سوريا فهو السهل الذي يغطي حاجة سوريا تقريبا من القمح والخضروات ولذا فهي تحتل المركز الأول في إنتاج البندورة والخضراوات بشكل عام حيث يحتوى هذا السهل غابة من بساتين أشجار الفواكه المثمرة وسط بساط أخضر ممتد فيه كل أنواع الخضروات والزهور إلي جانب الذرة الشامية الشهيرة ومن أشهر فواكه وثمار الغوطة المشمش بأنواعه البلدي والحموي والتوت الشامي والخوخ والبرقوق والكرز والجوز وكان القدماء يعدون غوطة دمشق من عجائب الدنيا وهي تعد من أخصب بقاع العالم وقد جاء في كتاب عجائب البلدان الغوطة هي الكورة التي قصبتها دمشق وهى كثيرة المياه نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار مونقة الأزهار ملتفة الأغصان خضرة الجنان إستدارتها ثمانية عشر ميلا كلها بساتين وقصور وتحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها ومياها خارجة من تلك الجبال وتمتد في الغوطة عدة أنهار وهى أنزه بقاع الأرض وأحسنها وهى إحدى جنات الدنيا وذلك لكونها تشتهر بخصوبة الأرض وجودة المياه حيث تغذي بساتين الغوطة مجموعة من الأنهار الصغيرة من فروع نهر بردى وشبكة من قنوات الري وربيع الغوطة له رونقه وجماله المميز حيث تبدو به مظاهر الربيع بكل معانيه هذا وتنقسم الغوطة إلى قسمين متصلين هما الغوطة الغربية والغوطة الشرقية .


أما الغوطة الغربية فهي تبدا من مضيق ربوة دمشق وتمتد غربا وجنوبا إلى مناطق محيط المزة وكفر سوسة وداريا ومعضمية الشام التي تشتهر بكافة أنواع العنب والكسوة التي تشتهر بزراعة الثوم وتسمى الكسوة أيضا ووادي العجم ويمر بها نهر الأعوج الذي ينبع من سفوح جبل الشيخ وتنتهي ببحيرة الهيجانة وعموما فهي تشمل مناطق وبلدات كثيرة محاطة بالأشجار المثمرة وأشجار الحور وكافة أشجار الفاكهة مثل المشمش والخوخ والتوت الشامي والجوز البلدي وغير ذلك من فواكه الغوطة والبساتين والمروج بإمتداد رائع أخضر يحتضن الطبيعة أما الغوطة الشرقية فمركزها وبدايتها هي مدينة دوما وتمتد نحو الشرق والجنوب وتحيط بمدينة دمشق ببساط أخضر تتخلله أشجار كثيفة تشمل أشجار الفواكه الشامية الشهيرة الجانيرك والمشمش والخوخ والبرقوق والكرز والتوت والجوز وغيرها كما تتخللها زراعات الذرة الشامية وجميع أنواع الخضروات إلي جانب أشجار السرو وأشجار الحور الباسقة الممشوقة وتواصل الغوطة الشرقية إمتدادها إلى مناطق وقرى وبلدات أصبحت مدن الآن مثل زملكا وجرمانا والمليحة وعقربا و حزة وكفر بطنا وعربين إلى أن تلتقي بالغوطة الغربية لتكمل إحتضان دمشق بالبساتين والحدائق المثمرة هذا وقد إجتذبت الغوطة بجناتها وبساتينها وهوائها العليل الكثير من عشاق الطبيعة وأقيمت داخل بساتين الغوطة مجموعة من الفنادق والمنتجعات والمنتزهات ومدن الملاهي ومجمعات المطاعم الكبيرة المتنوعة المنتشرة في مناطق مختلفة منها حيث بساتين الفاكهة والخضروات والزهور وعذوبة الماء ورقة الهواء وروعة المكان وجمال الطبيعة الساحرة .


ويوجد بالغوطة الكثير من الآثار القديمة التي تعود لعصور قديمة متعددة حيث يوجد بها عدد 15 دير تاريخي أثري إلي جانب مجموعة من التلال والمواقع الأثرية الأخرى نذكر منها تل الصالحية وهو يقع على بعد 14 كم من دمشق وفيه آثار من العصر الحجري القديم وتل أسود ويقع إلى جهة الشرق ويحتوى على آثار تعود للعصر الحجري الوسيط والقديم وكذلك تل المرج ويقع في منطقة حوش الريحانة وتل أبو سودة بالقرب من المرج وآثار كثيرة في جسرين وهي قرية بريف دمشق وحران العواميد وهي بلدة تابعة لمنطقة دوما تقع جنوب شرق مدينة دمشق وتبعد عنها حوالي 25 كيلو متر ويحيط بها من الشرق وديان الربيع والعتيبة ومن الغرب الغسولة والأحمدية ومن الشمال القيسا ومن الجنوب الكفرين والباركة ولذا فهي تعتبر نقطة إتصال بين القرى المحيطة بها في المنطقة وقد سميت بهذا الإسم نسبة إلى الشيخ العارف بالله حياة بن قيس الحراني ونسبة للأعمدة الثلاثة البازلتية القائمة في وسط البلدة القديمة بإرتفاع حوالي 10 أمتار وهذه الأعمدة هي بقايا معبد يعود للعصر الروماني إختفت معظم أجزائه ولم يبق منه إلا تلك الأعمدة المنتصبة فوق قواعد ضخمة وتنتهي بتيجان كورنثية جميلة وكانت هذه البلدة في العصر الروماني مزدهرة وتضم إضافة إلى المعبد مجموعة أخرى من المنشآت إختفت معظمها حاليا ولم يبق منها إلا بعض الحجارة والأطلال المتناثرة هنا وهناك كالتيجان والأعمدة والقواعد وبقايا الأسقف وبعض القطع الحجرية المزخرفة التي أعيد إستخدام بعضها في الأبنية الأحدث كما نشاهد في واجهة جامع البلدة حيث وضعت في الواجهة مجموعة من الحجارة المزخرفة القديمة .


ومن المناطق الأثرية أيضا في الغوطة بلدة أو قرية حمورة التي تعرف الآن بإسم حمورية وعين ترما وهي قرية أيضا تقع على ضفة نهر بردى الشمالية وتتبع إداريا ناحية عربين بمنطقة مركز ريف دمشق في محافظة ريف دمشق هذا غير الآثار الدينية حيث تنتشر في غوطة دمشق العديد من المزارات الدينية والمقامات وقبور الصحابة مثل مقام السيدة زينب في قرية السيدة زينب في الغوطة جنوب دمشق وقبر الصحابي مدرك بن زياد الفرازي ومقام إبراهيم الخليل في منطقة برزة وقبر الصحابي عبد الله بن سلام في منطقة سقبا وكذلك قبر ومقام سعد بن عبادة الأنصاري سيد قبيلة الخزرج في المليحة وعدد من المقامات في داريا منها مقام أبي مسلم الخولاني ومقام أبي سليمان الداراني وتعد داريا مدينة سورية عريقة وهي تقع بالقرب من دمشق في ريفها من ناحية الغرب وتبعد عنها حوالي 8 كيلومترات وهي قريبة جدا من حي المزة الدمشقي ومدينة معضمية الشام كما أنها تعد أكبر مدن الغوطة الغربية ويعود تاريخ المدينة إلى فترات قديمة حيث أنه مرتبطٌ بتاريخ دمشق نفسها وقد إستوطنت منذ فترات مبكرة وكانت أكبر قرى الغوطة على أيام الفتح الإسلامي وأما إسمها فهو مشتق من كلمة دار وفي عام 2011م أدت الإحتجاجات التي إندلعت في المدينة إلى سقوط عشرات القتلى وإعتقال المئات من الأهالي بها ومن الآثار الدينية أيضا في الغوطة جامع المقداد بن الأسود في ببيلا ومقام الخضر في جرمانا ومزار عبد الله بن عوف في معضمية الشام .

ولا يمكننا ونحن نتكلم عن غوطة دمشق أن نغفل الحديث عن فتح المسلمين لدمشق وهو الحلم الذى طالما داعب خيالات وأمنيات المسلمين منذ أن خرجت أولى طلائعهم لفتح بلاد الشام من أجل نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية موطن الوحي ومهد الإسلام حيث كانت دمشق التي حباها الله بجمال ساحر وطبيعة خلابة تأخذ بالألباب وتستحوذ على القلوب وتتميز بمروجها الخضراء ومراعيها الخصبة وجناتها المثمرة ومياهها الصافية وغدرانها المتلألئة وحدائقها الغناء وكأنها قطعة متجددة من الربيع الخالد والحسن الأبدي وقد حرص المسلمون على الإسراع إليها وفتحها ولكن كيف السبيل إلى تلك المدينة المنيعة الحصينة التي إكتسبت مجدها وحضارتها منذ فجر التاريخ وضربت بجذورها في أعماق الزمن السحيق فهي من أقدم مدائن العالم إن لم تكن أقدمها جميعا وقد توالت عليها حضارات عريقة وعهود مجد تليد وبلغت من التحصين والمنعة حدا يفوق الخيال فأسوارها العالية التي بنيت من الحجارة الصلدة ترتفع إلى نحو 11 مترا وتحيط بالمدينة من كل جانب ويزيد سمكها على ثلاثة أمتار وحصونها بالغة الإرتفاع كثيرة الشرفات يحتمي بها الرماة بسهامهم والمجانيق ويحيط بأسوارها خندق عميق يزيد عرضه على ثلاثة أمتار ولها أبواب منيعة ضخمة يحكم إغلاقها من الداخل فكانت بقوتها وحصانتها تتحدى أطماع الغزاة وتبدد أحلام الفاتحين وقد بدأ تفكير المسلمين نحو فتح الشام يتخذ خطوات عملية منذ عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق فقد سعى إلى تكوين جيش قوي يجمع صناديد العرب وأبطال المسلمين وجعله في أربعة ألوية إتجهت إلى غزو الشام جعل على أحدها أبا عبيدة بن الجراح ووجهه إلي حمص وعلى الثاني شرحبيل بن حسنة ووجهه إلي الأردن وعلى الثالث يزيد بن أبي سفيان ووجهه إلي دمشق وعلى الرابع عمرو بن العاص ووجهه إلي فلسطين وذلك إلي جانب جيش صغير تحت قيادة عكرمة بن أبي جهل يكون عونا لأى من تلك الجيوش إذا تحرج موقفها وإحتاجت إلي الدعم والمساندة .

وخرجت هذه الجيوش كل إلي وجهته ولكنها لقيت مقاومة شديدة من الروم وهنا قال أبو بكر الصديق قولته المشهورة والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد وتم إستدعاء خالد بن الوليد الذى كان علي رأس جيش العراق وإستطاع خلال عام 12 هجرية أن يكتسح حوض نهر الفرات من أقصي الجنوب إلي أقصي الشمال ثم يبدأ في التجهيز لفتح عاصمة الفرس الرئيسية فتحرك خالد بنصف جيش العراق إلي الشام تنفيذا لتعليمات الخليفة وعندما وصل إلي الشام تولي القيادة العامة للجيش وتحرك على رأس الجيش وأقام شهرا على ضفة نهر اليرموك دون أن يتعرض له الروم وتوفي أبو بكر في أثناء ذلك وتولى عمر بن الخطاب الخلافة فكان أول ما إستفتح به عهده أن أمر بعزل خالد وتولية أبي عبيدة حينما رأى إفتتان المسلمين به بعد الذي حققه من إنتصارات وما أذيع حوله من بطولات وهناك روايات عديدة فيما حدث بعد ذلك منها أن أبا عبيدة كتم الأمر ولم يذع نبأ عزل خالد حتى لا يفت ذلك في عضد خالد وجنوده خاصة وهم مقبلون على معركة عظيمة فاصلة هي معركة اليرموك وإستطاع جيش المسلمين بقيادة خالد أن يحقق إنتصارا حاسما في تلك المعركة بعد قتال شرس إستمر لمدة 6 أيام علي الرغم من أن عدد جيش الروم كان يفوق عدد جيش المسلمين بستة أضعاف وتجلت عبقرية خالد الحربية في هذه المعركة في كيفية أن يتمكن جيش قليل العدد من التصدى لجيش أكثر منه عدة وعتادا وفي كيفية التوظيف الأمثل لما لديه من إمكانيات وكيفية الإستفادة من سلاح الفرسان كقوة سريعة الحركة تستطيع أن تتدخل في الوقت المناسب من أجل تدعيم أى قسم من الجيش يتعرض لضغط عدوه ولذلك فإن خطط خالد في هذه المعركة وفي غيرها من المعارك ما زالت تدرس حتي اليوم في الأكاديميات والكليات العسكرية حول العالم وحينما علم بنبأ عزله لم يبد تأثرا فهو فارس ميدانه القتال وهو في طليعة المحاربين سواء كان قائدا أو جنديا وإمتثل لأمر الخليفة عمر بن الخطاب لكن ابا عبيدة كان يعرف قدره ومدى فطنته الحربية فكان يعتمد عليه ويعول عليه الكثير وبعد إنتصار المسلمين في اليرموك إستطاع المسلمون أن يسيطروا علي منطقة الأردن وفلسطين بعد هروب جيش الروم إِثْرَ هزيمتهم النكراء في معركة بيسان في شهر ذى القعدة عام 13 هجرية الموافق شهر يناير عام 635م والتي وقعت بعد اليرموك بحوالي 4 شهور ومن لم يقاتل منهم إستسلم ورضي بدفع الجزية للمسلمين عدا ثلاث مدن هي القدس وعكّا وحيفا فلم تستسلم في هذا الوقت وكان للقدس أسوار عظيمة حالت دون دخول المسلمين إليها آنذاك ومكث المسلمون في الأردن لمدة 3 شهور منذ إنتصارهم في بيسان حتى منتصف شهر ربيع الأول عام 14هـجرية الموافق شهر مايو عام 635م .


وقبل أن نكمل الحديث عما فكر فيه المسلمون بعد اليرموك تعالوا بنا نلقي بعض الضوء علي الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح والذى ولد عام 40 قبل الهجرة الموافق عام 584م في منطقة تهامة بشبه الجزيرة العربية وإتصف في العصر الجاهلي بعدد من المناقب والصفات الحميدة التي ميزته عن أبناء سنه من قريش حيث كان يتصف بالدهاء والإحترام وصواب الرأي وكان يعتبر ثاني دواهي قريش بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبعد بعثة النبي صلي الله عليه وسلم كان أبو عبيدة من السابقين الأولين إلى إعتناق الإسلام حيث أسلم في المراحل الأولى من إنطلاق الدعوة الإسلامية فأعلن إسلامه في اليوم التالي من إسلام أبي بكر الصديق وعلي يديه وتزامن إسلامه مع إسلام كل من عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون والأرقم بن أبي الأرقم وهو من العشرة المبشرين بالجنة وقد شكل هؤلاء المسلمون الأوائل القاعدة الرئيسية التي قام عليها صرح الإسلام العظيم ويذكر أن ذلك كان قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة وقد هاجر أبو عبيدة بن الجراح الهجرتين الأولي إلي الحبشة والثانية إلي المدينة المنورة وقد شهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها بداية من بدر فأحد فالخندق وبيعة الرضوان وصلح الحديبية وخيبر ثم فتح مكة وحنين وكان ممن ثبتوا مع الرسول يوم أحد وفي عهد الخليفتين أبي بكر وعمر شارك في جميع فتوحات الشام من البداية وحتي النهاية وقد توفي في غور الأردن في السنة الثامنة عشر للهجرة الموافق عام 639م بعد صراع مع مرض طاعون عمواس الذى ضرب الشام في ذلك الوقت وورى جثمانه الطاهر ثرى هذه المنطقة وكان حينها عمره يناهز الثمانية وخمسين عاماً فقط .


وبعد أن إستقرت الأمور في هذه المنطقة فكر المسلمون في المرحلة التالية ولم يكن أمامهم من عقبة سوى مدينة دمشق التي لا تزال تتمتع بوجود أكبر حامية رومية فيها فبدأ الجيش الإسلامي يتجه لحرب الروم في دمشق وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسلمين تركوا القدس وكانت تسمي أيضا مدينة إيلياء آنذاك وإتجهوا إلى دمشق على الرغم من وجود المسجد الأقصى فيها وهو مسرى الرسول صلي الله عليه وسلم وكان من المفترض أن يهتموا بفتحه إلا أن المسلمين مع عظم قدر المسجد الأقصى في قلوبهم إلا أن همهم الأكبر لم يكن المباني والمنشآت وإنما إيصال دعوة الله إلى الأرض ومنطقة القدس لم يكن بها الكثير من السكان في حين كانت دمشق عامرة بالسكان ومحصنة وبها أكبر حامية للروم آنذاك فآثر المسلمون أن يتركوا القدس إلي حين وينتقلوا إلى دمشق حتى يكسروا شوكة الروم في هذا المكان وينشروا الإسلام في هذه المنطقة ومن ثم يعودون لفتح القدس وجاءت الأخبار إلى المسلمين أن هرقل إمبراطور الروم قد أمد دمشق بقوات من حمص وكان أبو عبيدة يريد تتبع فلول الروم المنهزمين من إجنادين واليرموك بعدها والذين تجمعوا في فحل بالأردن فأرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب يعرض عليه الأمر ويستشيره فكتب إليه عمر يأمره بالسير إلى دمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم وأن يرسل إلى أهل فحل خيلا تشغلهم عن وجهة المسلمين وتحركهم .

وتنفيذا لتعليمات الخليفة سار أبو عبيدة وخالد بن الوليد في قوة كبيرة من جيش المسلمين متجهين إلى دمشق ولم يجد المسلمون مقاومة من الروم ولم يعترض طريقهم أحد وبلغ المسلمون غوطة دمشق فإزدادوا حماسا وحمية وقويت عزيمتهم على التقدم نحو دمشق التي بهرهم ما تتمتع به من سحر وجمال ودخل المسلمون الغوطة فوجدوا قصورها ومساكنها خالية بعد أن هجرها أهلها ليحتموا بأسوار المدينة المنيعة من أُسود المسلمين الذين إنطلقوا لا يعوقهم شيء وحاصر المسلمون مدينة دمشق وقدر أبو عبيدة أن هرقل قد يبعث بمدد من حمص لمحاصرة قواته بين حصون دمشق وجيوش الروم فأرسل جيشا من المسلمين ليعسكر في الطريق بين حمص ودمشق وجيش آخر بين فلسطين ودمشق ووزع أبو عبيدة قواته على أبواب المدينة لإحكام الحصار عليها فجعل شرحبيل بن حسنة على باب توما وعمرو بن العاص على باب الفراديس ويزيد بن أبي سفيان على باب كيسان وقيس بن هبيرة على باب الفرج وخالد بن الوليد على الباب الشرقي وكان هو على باب الجابية وصدقت فراسة أبي عبيدة فقد أرسل هرقل بالفعل عددا كبيرا من القوات لنجدة الروم المحاصرين في دمشق ففوجئت هذه القوات بجيش المسلمين الذي كان في إنتظارهم ودارت معركة عنيفة بين الجانبين وإستمر القتال الشديد بين الفريقين حتى إنكشف الروم ولحقت بهم هزيمة منكرة فإرتدوا منهزمين إلى حمص وكان لإنتصار المسلمين في هذه المعركة أكبر الأثر في نفوسهم حيث قويت عزيمتهم على القتال وتحمل الظروف القاسية التي مر بها جيش المسلمين مع قدوم الشتاء ببرودته الشديدة ودرجة الحرارة التي تكاد أن تقترب من الصفر والتي لا يطيقها أبناء الصحراء الحارة وطال إنتظار الرومان المحاصرين للمدد وأرسلوا إلى هرقل يستعجلون مدده قبل أن تخور قوتهم وتضعف عزيمتهم على الصمود والمقاومة فبعث إليهم هرقل يطمئنهم ويحثهم على الثبات والمقاومة فقوى ذلك من عزيمتهم وبعث الأمل في قلوبهم وشجعهم على الثبات وصد هجمات المسلمين .

ومع مرور الوقت عاد اليأس يسيطر على قلوب الروم وبدأ القلق على مصير المدينة ينتاب قادتها فإجتمع عدد من هؤلاء القادة وذهبوا إلى توماس القائد العام لجيش الروم في دمشق وهو في نفس الوقت زوج إبنة الإمبراطور هرقل وأخبروه بمخاوفهم وعرضوا عليه الصلح مع خالد إلا أنه رفض هذه الفكرة مؤكدا لهم قدرته على الدفاع عن المدينة وأنه سيطرد المسلمين قريبا من حول دمشق وقرر توماس أن يشن هجوما قويا على المسلمين فجمع قوة كبيرة تجمعت عند باب توما ثم أصدر أوامره إلى الرماة فإنهالوا من فوق الحصن على شرحبيل وجنوده بالسهام والحجارة ليبعدوهم عن باب الحصن وإندفع خارجا من باب الحصن في نحو خمسة آلاف فارس وإستطاع الرماة إلحاق خسائر كبيرة في صفوف المسلمين وإستشهد عدد كبير من فرسانهم فإضطر المسلمون إلى التراجع بعيدا عن مرمى سهام الروم وسرعان ما نشب قتال عنيف بين قوات شرحبيل وقوات توماس وبالرغم من تفوق قوات الروم فقد ثبت المسلمون حتى إضطر الروم إلى التراجع داخل الحصن بعد أن أصابوا قائدهم بسهم في عينه ولكن توماس لم يياس حيث باغت المسلمين بهجوم ليلي آخر ولكنه في هذه المرة كان هجوما واسعا من عدة أبواب في آن واحد وخص الباب الشرقي بأكبر عدد من القوات لمنع خالد من نجدة شرحبيل بن حسنة أو غيره من القواد وقبل منتصف الليل سمع المسلمون قرع النواقيس وكانت تلك الإشارة التي أعطاها توماس لفتح الأبواب وفجأة إندفعت قوات الروم نحو المسلمين وتصدى لهم المسلمون في شجاعة وإستبسال وقتل عدد كبير من الروم وإستمر القتال إلى الساعات الأولى من الصباح الجديد وتجلت بطولات قادة المسلمين وفرسانهم الذين راحوا يقاتلون بلا هوادة حتى أدرك الروم أنه لا فائدة من الإستمرار في القتال فأسرع توماس يأمرهم بالإنسحاب بعد أن كاد أن يلقى حتفه على يد شرحبيل وإندفع جنود الروم إلى داخل أسوار حصونهم ولم يحاول المسلمون اللحاق بهم مكتفين بما كبدوه لهم من هزيمة مزرية .


وعاد المسلمون يضربون حصارهم من جديد على المدينة وكان خالد بن الوليد مقيما على الباب الشرقي دائم اليقظة والإستعداد يتربص أي فرصة سانحة للإنقضاض على العدو وقيل عنه إنه كان لا ينام ولا ينيم وكان يدرك بخبرته العسكرية الطويلة والفذة أن هذه المدينة لن تسقط إلا بثغرة أو خطأ من أهلها فبث العيون التي تأتيه بالأخبار ليل نهار بحيث لا يخفى عليه شيء فقد جعل عيونه ورجاله ينقلون له كل ما يدور وراء تلك الأسوار بدقة شديدة حتى لكأنه يعيش بينهم وتوافرت لديه المعلومات التي تشير إلى إشتغال الحامية في حفل عند بطريرك المدينة الذي ولد له ولد فدعا الجميع إلى الإحتفال بتلك المناسبة فأفرطوا في الشراب وتخلى كثير منهم عن مواقعهم وهنا إستعد خالد لكي ينتهز هذه الفرصة الذهبية التي لاحت له لذلك صنع السلالم والحبال اللازمة لتسلق السور فلما هدأ الليل وأرخى سدوله على المكان عبر خالد ورجاله الخندق المتواجد أمام السور عائمين على القرب وكان معه القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى وهؤلاء الثلاثة كانوا قادة المسلمين في حروب الفرس فلم يكلوا هذا الأمر إلى صغار الجنود بل تولاه قائدهم خالد ونائبه القعقاع وأحد كبار قواده مذعور بن عدي ولما عبروا الخندق ألقوا بالحبال في شرفات السور وإرتقوا إلى أعلاه وإنحدر خالد وكتيبة الأبطال على حراس السور السكارى فقتلوهم جميعا وأسرعوا نحو الباب فعالجوه بسيوفهم حتى تمكنوا من فتحه ثم رفعوا أصواتهم بالتكبير فلما سمع المسلمون تلك الإشارة إندفعوا داخل المدينة وهم يكبرون حتى إرتجت أجواء المدينة بأصداء التكبير الهادر الذي شق سكون الليل فإنتبه القوم فزعين ليجدوا الجنود المسلمين قد إنتشروا في أنحاء المدينة ودار قتال شرس بين الطرفين في شوارع دمشق وكان قتالا صعبا على المسلمين لأنهم كانوا لا يعرفون تفاصيل شوارع المدينة ومع ذلك فقد إنتصر المسلمون وكتب الله لهم النصر ولما علم قائد الروم بذلك قام بحيلة ذكية وماكرة بأن فتح الباب الغربي وهو باب الجابية لأبي عبيدة والباب الصغير ليزيد وباب الفراديس لشرحبيل وهي الأبواب الثلاثة البعيدة عن خالد بن الوليد وقال لأبي عبيدة إني قد عاهدتك على الصلح .


ولم يكن أبو عبيدة يعلم أن خالدا قد دخل من الباب الشرقي في ذلك الوقت وربما يرجع ذلك لسرعته ولأنه خشي أن يستأذنه فتضيع الفرصة منه فلما خرجت الجيوش الرومية إلى أبي عبيدة ويزيد وشرحبيل تطلب الصلح وهو ما أراده المسلمون منذ البداية وافقوا وأعطاهم أبو عبيدة الأمان إلا أنه كان متعجبا لماذا هذا الصلح في هذا الوقت تحديدا ومن ثم دخلت الجيوش الإسلامية من غرب دمشق ومن شمالها صلحا حتى وصلوا إلى جيش خالد بن الوليد وهو يقاتل فلم يكن منهم إلا أن إجتمعوا وكان واضحا أن جيش خالد قد دخل المدينة قبل أن يعقدوا الصلح مع المسلمين وأن الروم قد قاموا بهذه الحيلة لكي يحفظوا دماء قومهم بإعطاء الجزية لكن المسلمين لم يتأكدوا من ذلك فقالوا والله إن أخذنا ما ليس لنا فسفكنا الدماء وأخذنا الأموال لنأْثمن ولئن تركنا بعض ما لنا لا نأثم فأخذوا بالسلامة إيثارا للعدل فأنفذوه صلحا مع دمشق وأمنهم أبو عبيدة دون أن يعلم بما فعله خالد وطلب منه الكف عن القتال لأنه صالح الناس وأمنهم فلم يكن من خالد إلا الطاعة لقائده وأجرى الصلح على الجانب الذي فتحه عنوة من المدينة ولم تمض ليلة 16 من شهر رجب عام 14 هجرية الموافق ليلة 5 من شهر سبتمبر عام 635م حتى كانت دمشق قد إستسلمت للمسلمين بعد حصار دام 70 يوما وصارت درة جديدة تزين قلادة الإمبراطورية الإسلامية الفتية وتضاف إلى عقد دولته الواعدة ولتنتقل إليها بعد عدة سنوات عاصمة الخلافة الإسلامية في عام 41 هجرية الموافق عام 661م مع تأسيس الدولة الأموية علي يد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان ولكي تزداد نموا وإزدهارا ويشيد بها الجامع الأموى الكبير في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك ولتظل هكذا حتي سقوط الدولة الأموية عام 132 هجرية الموافق عام 750م حيث تم نقل العاصمة إلي بغداد في عهد الدولة العباسية .
 
 
الصور :