بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
عبد الرحيم باشا الدمرداش هو مؤسس مستشفي الدمرداش وكان رجل أعمال وإقتصادى مصرى عصامي شريف تعلم بالأزهر الشريف وقد تجاوزت ثروته في فترة العشرينيات من القرن العشرين الماضي نصف مليون جنيه وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الوقت كما كان أيضا شيخا للطريقة الدمرداشية وكان أيضا من المشتغلين بالحركة الوطنية المصرية حيث كان عضوا في مجلس شورى القوانين المصري والجمعية العمومية المصرية وقد ولد عبد الرحيم باشا الدمرداش إبن الشيخ مصطفى إبن البكباشي صالح بك الجركسي في مدينة القاهرة عام 1849م ونشأ بها وتلقى مبادئ العلم في أحد الكتاتيب ثم إلتحق بالأزهر الشريف وتعلم علي يد الشيخ عبد الرحمن الرافعي الحنفي والشيخ عبد المعطي الخليلي كما أخذ التصوف عن والده الذي كان شيخا للطريقة الدمرداشية في مصر وصاحب كثيرا من العلماء وجالسهم وإنتفع بعلمهم كثيرا ومنهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن سلمان والشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر الشريف وقد أولع بمطالعة الكتب وخاصة الكتب التاريخية والجغرافية حتى أصبح واسع المادة في تاريخ الأمم ومواقع البلدان ولما توفي والده الشيخ مصطفى عين في مكانه شيخا للسادة الدمرداشية وكان عمره أربعة وعشرين عاما فقط فنهض بالطريقة الدمرداشية نهضة لم ينهض بها شيخ من قبله بمثلها حتى دخل في مسلكها كثير من العلماء والوزراء والأعيان وكبار الموظفين .
وقد قام عبد الرحيم باشا الدمرداش بتجديد زاوية الطريقة الدمرداشية وجعلها مسجدا كبيرا وزاد في عدد الخلوات المعدة لإختلاء الدمرداشيين وكان مما يتميز به عبد الرحيم باشا الدمرداش أنه كان كثير الأصحاب والخلان حلو الحديث والهندام يميل إلى الفكاهة والعمل الجاد في نفس الوقت ولا يعتمد إلا على نفسه في جميع أعماله وقد نجح في تنمية ثروته إلى الحد الذي رفع به من شأن بيته الكريم من الناحية الإقتصادية حتى أنه إعتبر من أوائل رجال الأعمال في زمانه ومن كبار إقتصادييه وكان عبد الرحيم باشا الدمرداش يقرأ ورده في فجر كل يوم وكان مواظبا على إحياء الحضرات أي حلقات الذكر الصوفية مرة كل أسبوع وعلى إقامة المولد في كل عام وكانت مدة مشيخته للطريقة أربعا وخمسين سنة وهو والد الأديبة المشهورة قوت القلوب هانم الدمرداشية وقد توفي عام 1348 هجرية الموافق عام 1929م ودفن في قبر أعده لنفسه في مستشفاه الذي أنشأه وله من العمر ثمان وسبعون سنة وتم تشييع جنازته في مشهد مهيب ولم يطل به العمر لكي يشهد إفتتاح المستشفي الذى أسسه حيث كان لا يزال في طور البناء عند وفاته وقد تم إفتتاحه بعد ذلك بحوالي سنتين خلال عام 1931م .
وقد بدأت قصة إنشاء هذا المستشفي بدعوة من صاحب السعادة السيد عبد الرحيم باشا الدمرداش وجهها ذات ليلة في شهر نوفمبر عام 1928م إلى دولة رئيس مجلس الوزراء حينذاك محمد محمود باشا ومعالي الوزراء وسلمهم كتابا يتضمن تبرعه بمبلغ 25 ألف جنيه وتبرع كريمته قوت القلوب هانم بمبلغ 50 ألف جنيه والسيدة قرينته بمبلغ 25 ألف جنيه قيمة بيع مجوهراتها والتي قدمتها له قائلة قد سمعتك تتحدث عن معهد تريد تأسيسة للمباحث الطبية والعلمية فأردت أن أخبرك بأن تأخذها وتبيعها وتتبرع بثمنها لتشييد ذلك المعهد لكى يديم لنا الله سعادتنا وهنائنا وبذلك وصل إجمالي مبلغ التبرع إلي 100 ألف جنيه وذلك بالإضافة إلي مساحة من الأرض تبلغ مساحتها 15 ألف متر مربع بشارع الملكة نازلي سابقا شارع رمسيس حاليا أمام جامع الدمرداش بحي العباسية بالقاهرة كانت في الأصل حديقة للقصر الذى كان يقيم به عبد الرحيم باشا الدمرداش مع أسرته لكي يبني عليها مستشفى خيرى بتكلفة قدرها 40 ألف جنيه والمتبقي من إجمالي مبلغ التبرع وقدره 60 ألف جنيه يخصص دخله للإنفاق علي المستشفى وتجهيزه بأحدث الأجهزة المعدات .
وقد صرح يومها عبد الرحيم باشا الدمرداش لرئيس مجلس الوزراء محمد محمود باشا قائلا إن سرورى عظيم يا باشا ولكني خائف من أن تدركنى المنية قبل أن أرى المستشفى قائما فأرجوك أن تستعجلوا فى عمل مناقصة بناء المستشفي ولو أدى الأمر إلى تبرعى بخمسة آلاف جنية أخرى من أجل ذلك وكان رد محمد محمود باشا رئيس مجلس الوزراء علي ذلك مانصه تلقيت كتاب سعادتكم الذي تفضلتم فأفدتموني فيه بالهبة الجليلة التي جدتم بها وأسرتكم الكريمة عطفا علي الفقراء وشفقة علي المرضي ولئن أكبرت هذه الأريحية النادرة فهي إلي ما فيها من رحمة وإحسان وبر لله وحنان تخلد لإسمكم أجمل الذكري وأطيب الأحاديث علي وجه الزمان مثال بديع يحتذيه أغنياء البلاد وداع قوي يحفز هممهم إلي فعل الخير ويستنهض نفوسهم إلي البذل والتضحية في سبيل المصلحة العامة وهي إلي جانب ذلك فخر لمصر إذا تفاخرت الأمم بعظمائها المحسنين ولم تمض سوي أيام قليلة حتي عقد مجلس الوزراء إجتماعا لبحث الشروط التي وضعها صاحب الهبة العظيمة وكانت هذه الشروط التي إشترطها السيد عبد الرحيم باشا الدمرداش عند التبرع بتكاليف إنشاء المستشفي أن يتم تصنيع تمثال نصفي له يوضع في مدخلها وكان غرضه من ذلك ليس التفاخر أو تمجيد إسمه بل كان هدفه أن يكون أسوة وقدوة لغيره من الأغنياء والموسرين والأعيان من أجل توجيه تبرعاتهم إلى الأعمال الخيرية مثل إنشاء المستشفيات والمدارس بدلا من التبرع للأسبلة والتكايا والأضرحة كما إشترط أيضا أن يكون هناك مصلى بالمستشفي وأن تبني له فيها حجرة لكي يدفن فيها هو وأسرته وأن يكون المستشفي عاما لجميع الأمراض فيما عدا الأمراض المعدية وأن يتم علاج جميع الفقراء به مجانا دون النظر إلى دياناتهم أو جنسياتهم أما المرضى القادرين فيتم علاجهم نظير رسوم توجه إلى الإنفاق والصرف علي صيانة وتحديث وتجديد المستشفي وشراء مايلزمها من أجهزة ومعدات ودفع رواتب العاملين بها وقد وافق مجلس الوزراء علي هذه الشروط دون تردد وبدأت إجراءات وضعها موضع التنفيذ وعليه تم البدء الفورى في إنشاء المستشفي .
وقد ظهر عدد مجلة كل شئ والعالم في ذلك الوقت وعلى الغلاف صورة رجل الإنسانية كما وصفته المجلة عبد الرحيم باشا الدمرداش المتبرع بأرض وقيمة مبانى مستشفى الدمرداش للبحث الطبى وعلاج الفقراء وداخل العدد حوار بدأه عبد الرحيم باشا الدمرداش قائلا بأنى لم أشعر قط بمثل هذا السرور الذى أشعر به الآن وقد بلغ من شدة فرحى أننى لا أستطيع النوم طويلا فى هذه الليالى فإنى وقعت فى حياتى على شيكات كثيرة وعلي وصولات عدة ولكننى ما أحسست يوما بمثل الغبطة التى خالجت فؤادى وأنا أوقع كتاب هبتى ومما لا ريب فيه أن هذه إرادة من عند الله وأنا نفسى مش قادر أتصور إنى عملت اللى عملته ولا يسعنا هنا إلا الترحم علي عبد الرحيم باشا الدمرداش وعلي زوجته وإبنته والدعاء لهم بأن يدخلهم الله فسيح جناته جزاء ماقدموه من صدقة تعتبر صدقة جارية مازال ينتفع بها الملايين من الفقراء الذين يعالجون في المستشفي الذى قاموا بتأسيسه وجعل ذلك في ميزان حسناتهم وأن يكون مافعلوه قدوة وأسوة حسنة لأغنياء وأثرياء هذا الزمان وأن يقتدوا بعبد الرحيم باشا الدمرداش وأسرته ويوجهوا جزء من أموالهم وتبرعاتهم إلي المشاريع الخيرية التي ينتفع بها أفراد الشعب من مدارس ومراكز صحية ومستشفيات وقصور ثقافة ومكتبات وغيرها .
ومما يحسب لعبد الرحيم باشا الدمرداش أنه رفض دعوات كثيرة من جريدة الأهرام وبعض المؤسسات الأخرى في مصر لتكريمه على تبرعه الضخم وأصر علي أن يكون عمله خالصا لوجه لله تعالي بعيدا عن أي شبهة من رياء أو نفاق ومما يحسب له أيضا أن المائدة التي أعدت للضيوف في حفل وضع حجر الأساس للمستشفى الذى شرفه بالحضور محمد محمود باشا رئيس مجلس الوزراء حينذاك نائبا عن الملك فؤاد الأول وأيضا اللورد جورج لويد المندوب السامي البريطاني في مصر حينذاك لم يوضع عليها أى طعام أو شراب ولكن وضع عليها الطوب ومواد البناء وكان ذلك في يوم السبت الموافق يوم 25 نوفمبر عام 1928م وقد ألقي يومها عبد الرحيم باشا الدمرداش كلمة نوه فيها بأن قصده من هذا العمل هو تخفيف آلام الحياة علي المرضي والمنكوبين من بني الإنسان إجابة لنداء الضمير وتحقيقا لأسمي أغراض الدين الإسلامي الحنيف الذي يوجب مواساة المرضي ومساعدة البائسين وإن اللذة التي يشعر الآن بها لا تساويها كل مسرات الحياة ولذاتها من جاه ومال وحسب ونسب وقد إهتمت الصحف والجرائد المحلية والأجنبية بهذا الأمر إهتماما كبيرا وعلي رأسها جريدة الأهرام المصرية وجريدة التايمز البريطانية كما وصفت مجلة النير إيست هذه الهبة بأنها باهرة ورأت أنه لم يسبق لها مثيل في مصر وأنه من المأمول أن يقتدي كثيرون من الأعيان الموسرين بهذه القدوة الشريفة وقد تم إعداد التصميمات الهندسية للمستشفي بمعرفة مصلحة المباني المصرية بالإشتراك مع إدارة الصحة العامة وكان يسع حينذاك عدد 90 سريرا ويحتوي علي عدة أقسام هي الإدارة مع سكن للطبيب المقيم ورئيسة الممرضات وعنبرين للمرضي وقسم للعمليات وقسم للعيادة الخارجية وقسم للمطابخ وقسم للمغسلة وقسم للمشرحة وقسم العزل أو الحجر الصحي وأخيرا المنشآت الملحقة بالمستشفي وهي المسجد ومقبرة لعبد الرحيم باشا الدمرداش وزوجته وإبنته كما إشترط علي الحكومة المصرية .
وقد تم إفتتاح مستشفى الدمرداش بالفعل عام 1931م بعد حوالي سنتين من وفاة عبد الرحيم باشا الدمرداش وتم صنع تمثال نصفي له وتم تثبيته يوم الإفتتاح علي قاعدته الرخامية الكائنة أمام مدخل المستشفي تنفيذا لشرطه الذى إشترطه علي الحكومة المصرية وقت تبرعه ببناء المستشفي وبعد سنوات عديدة ومع إنشاء جامعة عين شمس وإفتتاحها عام 1950م وكانت تسمي حينذاك جامعة إبراهيم باشا أنشئت كلية الطب التابعة لها بداخله لتكون ثالث كلية طب في مصر بعد كلية طب القصر العيني التابعة لجامعة القاهرة والتي كانت تسمي حينذاك جامعة فؤاد الأول وكلية طب الإسكندرية التابعة لجامعة الإسكندرية والتي كانت تسمي حينذاك جامعة فاروق الأول وجدير بالذكر أن البعض من الأغنياء والموسرين وأعيان مصر حذوا بالفعل حذو عبد الرحيم باشا الدمرداش وتسابق الكثير منهم في الإعلان عن هباتهم وتبرعاتهم كان منهم محمد بك سلطان الذي نفذ وصية أبيه بإنشاء مستشفي في القسم البحري من مدينة المنيا بصعيد مصر وهي المنطقة المحرومة من المستشفيات مع أهمية هذا القسم وقد بلغت نفقاته 52 ألف جنيه عدا الأرض التي بلغت قيمتها خمسة آلاف جنيه وهو عمل إنساني جليل يذكر بالشكر الوافر للمرحوم عمر باشا سلطان وبالشكر الجزيل لنجله محمد بك سلطان وكان ممن حذوا حذو عبد الرحيم باشا الدمرداش أيضا محمد بدراوي عاشور باشا الذي أنشأ مستشفي بناحية طيبة نشا مركز طلخا التابع حاليا لمحافظة الدقهلية والذى أوقف مساحة من أطيانه بلغت ثلاثمائة فدان للإنفاق عليها وتجهيزها وكان مافعله كل هؤلاء يعد تطورا هاما حدث في طرق الإحسان التي لم تكن تعرف منها الأمة حينذاك إلا إنشاء المساجد والتكايا والأسبلة وقد تم إعتبارهم دعاة للإصلاح ورسل للنهضة بأن قاموا بإستحداث طرق أخرى للبر والإحسان .
|