abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
عبد اللطيف أبورجيلة
عبد اللطيف أبورجيلة
عدد : 08-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


بعد تقدم شهورالحمل إستأذنت الأم من زوجها وهو أحد رجال أعيان مدينة إسنا أن تعود إلي السودان لتضع مولودها الأول لتكون بعد الولادة في رعاية أهلها المقيمين في مدينة أم درمان حين كانت المدينتان في هذه الآونة فى بلد واحد حيث كانت السودان تحت التاج المصرى وكان للأم ما أرادت ووضعت طفلها الأول الذى عاش سنواته الأولي بين الكتاتيب والمدارس الأولية فى السودان وقنا قبل أن تنتقل به الأم إلي القاهرة ليلحقه والده بالمدرسة السعيدية الثانوية ليكتسب شخصيته العسكرية الجادة وتظهر مواهبه كحارس المرمي الأول للمدرسة ولاعب التنس ذي الشخصية الإجتماعية المرحة المحبوبة بين زملائه ويواصل الشاب عبد اللطيف أبورجيلة مشوار إغترابه في القاهرة ويلتحق بكلية التجارة ويمارس العمل الحر أثناء دراسته ليعول نفسه وبعد تخرجه ساعده الحظ حيث حصل علي فرصة للعمل في بنك مصروأخذ يتعلم ويستفيد من تجربة أستاذه طلعت حرب باشا حيث كان أبو رجيلة يعتبر نفسه تلميذا في مدرسة طلعت حرب الذي لم يصل يوما إلى قائمة أغنى أغنياء مصر بالرغم من دوره الإقتصادي الكبير وكان يؤمن بأن النجاح كهدف ينبغي أن يسبق جمع الثروة لدى أي رجل أعمال وأن المال يجب أن يجري في مشروعات طول الوقت ولا يتكدس في البنوك لحظة واحدة ولذلك أنشأ من خلال بنك مصر حوالي 26 شركة كانت تعمل في مجالات وصناعات متعددة مثل الغزل والنسيج والزيوت والصابون والسياحة والطيران وغيرها وإستطاع أبورجيلة أن يوفر مبلغ 34 جنيها بعد جهد جهيد إشتري بها آلة كاتبة ومكتبا وطوابع بريد وعين لديه موظفا ليعاونه علي الأعمال الحسابية بمرتب خمسة جنيهات في الشهر وليبدأ العمل في نشاط التصدير والإستيراد وكانت هذه هي بداية عبداللطيف أبورجيلة الذى شق طريقه نحو لقمة العيش المستقلة متأملا ومستفيدا من تجربة أستاذه ومعلمه صاحب بنك مصر طلعت حرب باشا ثم سافر في منحة من البنك لتأهيل العاملين إلي العاصمة الإنجليزية لندن فإكتسب الثقة والخبرة العملية ثم عاد بعدها ليقدم إستقالته من الوظيفة وليتفرغ للعمل في نشاطه المستقل في التصدير والإستيراد لينافس الأجانب في هذا النشاط الذى كانوا يحتكرونه وكان يعد نشاطا ومجالا جديدا بالنسبة للمصريين .


وقد صار مبلغ الأربعة وثلاثين جنيها الذى قام بتوفيره بجرأة في حياته كما يقول أبو رجيلة فى أوراقه كالحبة التي أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة وكانت السنة الأولي كفاحا والسنة الثانية نجاحا وبعد ثلاث سنوات إتجهت سفينة العمل الي بر الأمان وصار يمتلك رأس مال بالملايين وفي غمرة الفرح بالنجاح والمال إندلعت الحرب العالمية الثانية فضاع كل شيء في غارات طيران الحلفاء علي الموانئ الإيطالية التي كانت فيها كل بضائعه حينذاك فتحول الحال من نجاح وصعود الي إفلاس وهبوط حتي صارالرجل علي الحديدة كما يقول عن حاله في ذلك الوقت وعلي الرغم من أهوال الحرب لم يغادر إيطاليا وتزوج من فتاة إيطالية تسمي لندا والتي قال عنها إنها صعيدية من كالاباريا التي تقع في جنوب إيطاليا مثلما هو صعيدي من إسنا بجنوب مصر ويقول عن حياته في هذه الفترة إنه عاش مع زوجته حياة جميلة وسعيدة داخل منزلهما وإنه لم يكن يصحب زوجته إلي السينما إلا كل ثلاثة أشهر وإنهما كانا يدخلان في منتصف الفيلم ثم كان يتركها ويخرج قبل نهاية الفيلم وفي أثناء جلوسه في السينما كان يفكر في برنامج عمله في اليوم التالي وبعد مجهود وعمل شاق ومثابرة أصبح له نشاط تجاري واسع وثروة طائلة قبل أن يقرر العودة إلي القاهرة مرة أخرى بعد غياب طويل وكان ذلك خلال عام 1949م وقام بعد عودته بشراء قطعة أرض في منطقة وسط القاهرة ومزرعة مساحتها 400 فدان في منطقة عين شمس وتوسعت أعماله بين التجارة في الحاصلات والحبوب الزراعية وصناعة الخزف والصيني وتيل الفرامل كما قام بتأسيس شركة القاهرة للتأمين كما شارك في توريد الأسلحة للجيش المصري خلال الفترة بين عام 1948م وعام 1952م وخلال العدوان الثلاثي عام 1956م بادر إلى وضع حافلات شركته تحت تصرف القوات المسلحة وتكفل بمسؤولية تموينها ودفع أجور سائقيها كما شارك في إمداد مصر بالأسمنت اللازم لإعادة تعمير مدينة بورسعيد بعد العدوان الثلاثي عام 1956م حيث قام بعد إنتهاء الحرب بإهداء مصنع أسمنت إلي الحكومة المصرية كان قد أسسه بمشاركة آخرين وذلك بهدف تخصيص إنتاجه بالكامل لإعادة تعمير مدينة بورسعيد بعد العدوان ونظرا أيضا لعشقه وحبه الشديد للعمل الزراعي وإستصلاح الأراضي أتيحت له الفرصة لتصدير المانجو والموالح إلي الأسواق الأوروبية .


ونستطيع هنا أن نقول إنه هكذا صار أبورجيلة واحدا من أنجب تلاميذ طلعت حرب باشا الذين قادوا سفينة العمل الوطني المشبع بالروح المصرية والرغبة الصادقة في إقتحام كل جديد في مجالات شتي فالنجاح المهنى أن تعمل وتفكر في النجاح وتكون شجاعا وذكيا فإن باب الملايين لايفتحه الأغبياء وبعد قيام ثورة 23 يوليو عام 1952م حدثت نقلة أخرى كبرى في حياة ابورجيلة حيث كانت قد تعرضت شركات النقل الأجنبية العاملة في مصر لخسائر فادحة في الفترة التي تلت إنتهاء الحرب العالمية الثانية الثانية فكان هو رجل الساعة القادر علي تمصير هذه الصناعةحيث قام بإستدعائه عبداللطيف البغدادي وزير الشئون البلدية والقروية في ذلك الوقت وطلب منه العمل علي إنقاذ شبكة النقل من الفشل والتخبط والإضطراب وسوء الإدارة ومن منطلق المصلحة الوطنية وافق الرجل علي تحمل المسئولية بعد فشل جهات عديدة في النهوض بها مثل أحمد عبود بشا وبنك مصر وشركة ترام القاهرة ووافق بلا أي شروط علي القيام بهذه المهمة الشاقة وقام بسداد أجور العمال المتأخرة إلي جانب مبلغ 50 ألف جنيه مستحقة للبلدية وخلال عامين من العمل الدؤوب والإدارة المنضبطة إشترى أبورجيلة أحدث ماركات الأتوبيس العالمية من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبني جراجات علي أحدث مستوي في القاهرة والجيزة أولهما عند مدخل منطقة حدائق القبة على مساحة 13 فدانا وثانيهما بالقرب من نفق الجيزة فضلا عن جراج ثالثٍ كان مِلكا لشركة أمنيبوس العمومية بشارع إسطبلات الطرق في حي بولاق إشتراه أبو رجيلة لينضم إلى شركته العملاقة وفي جراجات أبو رجيلة كان عدد كبير من العمال يتولون مهمة تنظيف وتعقيم أسطول السيارات بالمواد المطهرة مرتين أو ثلاثا في الأسبوع كما كان أبورجيلة يتخفى ويركب الأتوبيس مرة كل شهر ليرى كيف يتعامل موظفو شركته مع الركاب وإحتد ذات مرةٍ على سائق تجاوز محطة من المحطات المقرر له أن يقف فيها ووقع عليه العقاب اللازم حتي لا يكرر ذلك مرة أخرى وحتي يعلم باقي السائقين أنه لو حدث ذلك من أحدهم فلن يمر الأمر دون حساب وعقاب كما أسس أبورجيلة مصنعين لليايات وتيل الفرامل اللازمة للأتوبيسات حتي لايعتمد علي إستيرادهما من الخارج .


وبمرور الوقت وخلال فترة قصيرة صار لدي مصر 400 أتوبيس تقدم خدماتها بكفاءة غير مسبوقة لعدد 13 مليون راكب شهريا وبمواعيد يضرب بها المثل في الانضباط والإحترام لوقت الراكب وقيمته في المجتمع وكان زمن التقاطر فيما بينها قدره 3 دقائق وبعد أن كانت المدنية في مصر تسير بسرعة الحمار وعربة السوارس صار يضرب المثل فيها بالسرعة والدقة التي تتميز بها أتوبيسات أبورجيلة التي نقلت المواطن المصري من عصر إلي عصر فقد آمن أبورجيلة أن التقدم الحقيقي للبلد يقاس بكفاءة المواصلات وحالة الطرق وسيارة الأتوبيس هي أول رسالة يتلقاها من المواطن العادي من الدولة بعد الخروج من بيته وهي جزء من نسيج الحياة اليومية له ومن حقه أن يقضي الوقت فيها راضيا مستمتعا بالمعاملة الطيبة والجو المريح والأهم أن يتم ذلك بإنتظام وكان مسموحا لسيارات أبورجيلة بالتأخير دقيقة واحدة لاغير وإذا كان التأخير أكثر من ذلك يكون هناك تحقيق لمعرفة أسباب التأخير ولامعني للحديث عن الحوافز والمكافآت دون حديث مماثل عن العقوبات التي يجب أن توقع علي المهملين والمقصرين في أداء العمل المنوط بهم وبذلك كان السائقون والمحصلون والمفتشون العاملين علي أتوبيسات أبو رجيلة يقدمون نموذجا جديرا بالإحترام والتقدير في الإنضباط وحسن معاملة الركاب وأداء العمل علي الوجه الأكمل وفقا للمعايير الموضوعة لهم ومن الطريف أن أبورجيلة فتح الباب للمرأة للعمل في هذا مشروعه وكان أول من وظف النساء ككمسارية كنوع من الدعاية والجذب لأتوبيساته وليساعد الناس علي تقبل الفكرة ساهم في إنتاج فيلم الكمساريات الفاتنات عام 1957م بطولة إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي وأحمد رمزى ونجاح سلام ورجاء يوسف وعواطف يوسف ثم ضم إلي أسطوله سيارات أتوبيس مرسيدس فاخرة أشاعت البهجة في شوارع القاهرة وكان الناس يتعاملون معها علي إعتبار أنهم سيخرجون في فسحة وكانوا يتباهون فيما بينهم بأنهم قد ركبوا في أتوبيس أبو رجيلة المرسيدس .


وقد تولى عبد اللطيف أبو رجيلة رئاسة نادي الزمالك عام 1956م وفي نفس العام حصل النادي على بطولة الدوري العام المصرى لأول مرة في تاريخه منذ أن نشأ عام 1911م وفي تلك الفترة إرتفعت ميزانية النادي من 6000 جنيه إلى 18000 جنيه ودخل نادى الزمالك مرحلة جديدة إنتعش فيها وتوسعت المنشآت به بشكلٍ ملحوظ وتبرع أبو رجيلة آنذاك بمبلغ كبير لبناء مقر نادي الزمالك الحالي في ميت عقبة عام 1958م بعد أن كان الزمالك مجرد ثلاث غرف ومدرج خشبي مكان مسرح البالون وإلي جواره نادي الترسانة مكان السيرك القومي على فرع النيل الصغير بالعجوزة وعندما بدأ الإعداد لبناء الإستاد الخاص بملعب كرة القدم الرئيسي بالنادى حدث عجز في الميزانية المقررة للبناء فلجأ أبو رجيلة إلى طريقة ذكية ، فقد كانت هناك شركتان تتنافسان على توريد البنزين والسولار إلى أسطول شركة أتوبيسات القاهرة التي كان يمتلكها فبادر إلى الإتصال بقيادات هاتين الشركتين في محاولة لتخفيض سعر البنزين ونجح فعلا في تخفيض السعر الذى سيتم به توريد الوقود اللازم لأسطول أتوبيساته ليتوفر مبلغ وصل إلى أكثر من عشرة آلاف جنيه ليتم بناء مدرجات الدرجة الثالثة في النادي ويفتتح ملعب الزمالك بلقاء مع فريق دوكلا براغ التشيكي الذى حضر علي نفقة أبو رجيلة و لتكون ضربة البداية من السماء وليست من علي الأرض حيث إتفق أبو رجيلة مع طائرة علي أن تحلق فوق المدرجات و تلقي من السماء الكرة التي ستلعب بها المباراة وكان يوما لا يمكن أن يمحي من الذاكرة من خلال مباراةٍ إمتلأت فيها مدرجات نادى الزمالك عن آخرها وإنتهت بفوز الزمالك بثلاثة أهداف نظيفة وفي واقع الأمر فإن أبو رجيلة جعل من مقر النادي قطعة من الجنة وسط حقول حي ميت عقبة الشعبي ومنازله العشوائية آنذاك وعندما أدخل المياه إلى نادي الزمالك لم ينسَ أن يمد المياه لسكان ميت عقبة الفقراء مجاناً على نفقته الخاصة .


وعندما حاول أبو رجيلة أن يحول إلي مصر بقية أمواله الموجودة في إيطاليا وواجه تعسفا في هذه المسألة من الجانب الإيطالي قرر أن يلجأ إلي السلطات المصرية مقدما لها فكرة في منتهي الذكاء وهي أن يوكل إليها مهمة إسترداد أمواله و لكن في صورة بضائع عبارة عن ماكينات لأعمال الطرق و نجحت الفكرة نجاحا باهرا وكان البلد هو المستفيد منها لكن هذا التعاون بين أبورجيلة وبين السلطات الحاكمة آنذاك لم تدم طويلا حيث وجد نفسه فجأة في موضع التشكيك والإتهام وحز ذلك في نفسه جدا خاصة وأنه من كبار رجال الأعمال الذين يعتمدون علي الثقة بإسمهم و يعملون لصالح البلد وكانت هذه الكلمات ماحوته مذكرة رفعها عبد اللطيف أبو رجيلة للحكومة المصرية بعد أن شعر بثمة تضييق علي أعماله وحيث لم تعد الأمور تجري كما كانت وشعر أن الأجواء قد أصبحت مهيأة لضربة موجعة وبالفعل إستيقظ أبو رجيلة علي قرار بتأميم شركاته في عام 1961م مع ماتم تأميمه من شركات أخرى وتحويل شركة الأتوبيسات التي كان يمتلكها إلي هيئة النقل العام بالقاهرة فسافر الي إيطاليا وبدأ مرة أخرى من الصفر وأقام مشروعا ناجحا للنقل في العاصمة السودانية الخرطوم وإسترد الكثير مما خسره ولكن ظلت هناك غصة في حلقه مما حدث له في بلده التي خدمها بإخلاص وبكل ما أوتي من جهد ومال وبعد عودته إلي مصر في السبعينيات من القرن العشرين الماضي بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وفي خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات كانت وصيته لإنجاح هيئة النقل العام وحركة النقل في القاهرة تتلخص في خطوتين الخطوة الأولى تخليص المرفق من الرشاوي والسرقات والإهمال والتسيب والثانية البدء في تنفيذ مشروع مترو الأنفاق الذي سبق أن نادي به عام 1957م حين كانت تكلفته لاتزيد علي ستة ملايين جنيه والذى تم البدء في تنفيذه في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين الماضي في أوائل عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك ويذهب أبورجيلة وتبقي نصائحه التى نحتاجها اليوم ومنها أن الوظيفة والمسئولية الاجتماعية لرجل الأعمال أهم مما يمتلكون من أموال ذلك أنها تذكرهم دائما بأنهم أحرار من ديكتاتورية المال ولايعيشون في جزيرة خاوية من البشر .

 
 
الصور :