abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
ملقا
ملقا
عدد : 09-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


مدينة ملقا ببلاد الأندلس أو أسبانيا حاليا ميناء بديع يقع علي البحر الأبيض المتوسط يحكي قصتين متباينتين فهو اليوم معقل لعدة صناعات أسبانية ومصدر لمحاصيل زراعية هامة منها الزيتون والعنب والتين واللوز كما أنها إحدى المدن السياحية الهامة التي يقصدها زوار الأندلس أما قصة الأمس البعيد فهي عن ملقا التي كانت في غابر الأيام مدينة عربية مزدهرة تتيه بحصانة قصبتها أي حصنها المنيع الذي كان يقيم فيه الحكام والجند ضمن باقي مدن منطقة غرناطة وقد خاضت ملقا آخر معارك الإسلام دفاعا عن وجوده على الأرض الأندلسية وكان سقوطها في أيدي الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا في عام 892 هجرية الموافق عام 1487م نذير شؤم لغرناطة التي سقطت وإستسلمت للأسبان بعد خمس سنوات فقط من سقوط ملقا في عام 897 هجرية الموافق عام 1192م ولكنها تركت في التاريخ صفحات من الفخر والمجد الحربي بفضل حاميتها المؤلفة من خمسة عشر ألفا من المقاتلين الشجعان الذين صمدوا أمام حصار القوات الأسبانية وألحقوا بها خسائر فادحة لم يسبق أن نال جند قشتالة النصرانية مثلها في كل حروبهم ضد المسلمين وطوال حروب الإسترداد الأسبانية كانت ملقا مضرب الأمثال في الشجاعة والفداء ولعل ذلك كان دافعا لملوك وحكام أسبانيا النصرانية إلى الإقامة بها من حين لآخر خشية أن يطرقها جند من جهة المغرب العربي فيتحصنون بموقعها الفريد وقصبتها المنيعة .

ومدينة ملقا في الأصل مدينة أسسها الفينيقيون وبعد أن إحتلها الرومان إهتموا بتدعيم أسوارها نظرا لموقعها الحيوي على شاطئ البحر المتوسط وخلال العهود الإسلامية إرتقت ملقا إلى مصاف المدن الكبرى بالأندلس إذ كانت إحدى المحطات الرئيسية للقادمين من المغرب وتم الإعتناء بها من جانب جميع حكام الأندلس نظرا لوقوعها على مرتفع صخري الأمر الذي أكسبها مناعة طبيعية تدعمت ببناء الأسوار والأبراج وكما هي العادة في الغرب الإسلامي فقد كانت ملقا تنقسم الى جزئين أحدهما مفتوح يقيم به السكان وأرباب الحرف والصنائع حيث الدور والأسواق والميناء التجاري والآخر مغلق ومحصن لإقامة الوالي والحامية وأرباب الوظائف ويعرف بإسم القصبة وكانت بقصبة ملقا توجد الأبراج الدفاعية وقصر الحاكم وقصور الأمراء والمسجد ومساكن الحاشية والجند وكانت القصبة أيام المسلمين صرحا من أعظم الصروح الدفاعية وكان لها عندئذ 12 باب وعشرة من الأبراج الكبيرة عدا الصغيرة والتي كان الجنود يستخدمونها في أغراض حربية كالرماية والمراقبة وكان بها الى جانب قصر الأمير ومساكن الحاشية حديقة عظيمة تفضي الى مجموعة من الحمامات وفي خلال عهود ملوك الطوائف بالأندلس بعد سقوط الدولة الأموية بالأندلس في أوائل القرن الحادى عشر الميلادى إستمر الإهتمام بتحصين القصبة لمواجهة الحروب الداخلية وكانت تعد حينذاك أحد أهم معاقل البربر وملوكهم بالأندلس وعندما أسس بنو حمود ملكهم بملقا في أوائل القرن الخامس الهجري إهتموا بتجديد قصبتها ولاسيما حسن بن يحيى بن حمود المستنصر الذي تولي العرش عام 431 هجرية الموافق عام 1039م علي أن قصبة ملقا تدين بضخامتها ومنعتها لباديس بن حبوس ملك غرناطة البربري الذي إنتزعها من الحموديين عام 449 هجرية الموافق عام 1057م إذ قام بتجديد القصبة تجديدا شاملا ووسع ودعم منشآتها حتى أصبحت من أعظم وأقوى القصبات الأندلسية وأكثرها منعة وتحصينا وقد أشار حفيده الأمير عبد الله بن بلقين إلى ذلك في مذكراته قائلا وبنى قصبتها بنيانا لم يقدر عليه أحد في زمانه وأعدها عدة للمهمات وجعل فيها جميع ما ورث لإبنه وزاد عليه وكان الذي يتوقع من تكالب سلاطين الأندلس وإتفاقهم عليه لذلك أن يتحصن فيها ما إستطاع .

وعندما آلت ملقا إلى ملوك غرناطة من بني نصر إهتم هؤلاء بتحصين القصبة وتوسيع قصورها لتكون إحدى نقاط الدفاع المتقدمة عن العاصمة غرناطة وقد أبلت بالفعل البلاء الحسن في القتال قبل سقوطها بأيدي الأسبان وعلي الرغم من أن ملقا اليوم تبدو لزائرها مدينة أوروبية عصرية إلا أنها تحتفظ ببعض عبقها الأندلسي القديم متمثلا في بقايا القصبة التي تحتل رقعة شاسعة تدل على سابق ضخامتها كما تدل بوعورتها ومتانة أسوارها على سابق منعتها وتمثل هذه الأطلال الباقية عهودا وطرزا معمارية وزخرفية مختلفة ويعتبر الجزء الشمالي منها هو الأقدم إذ يرجح أنه من عهد باديس أما سائر المباني الواقعة في الناحيتين الشرقية والجنوبية فتعود غالبا الى عهود النصريين من ملوك غرناطة كما يوجد في مدخل القصبة عدة أبواب ذات عقود عربية ومنها الباب المعروف بإسم قوس المسيح وهو ذو عقدين ويرجع إلى القرن الخامس الهجري وقد شيد الأسبان في صدره هيكلا للسيدة مريم العذراء وقد أجرت السلطات الأسبانية بعض أعمال التنقيب الأثري في أطلال القصبة بين عام 1934م وعام 1936م وأسفرت هذه الأعمال عن إكتشاف مجموعة من الأبنية التي تعود الى العصر الحمودي وإلى عهود ملوك غرناطة من بني نصر وتقع هذه المباني في الجزء الأعلى من القصبة وهو القائم بين الأسوار والأبراج وتضم مجموعتين الأولى تقع بعد المدخل مباشرة وهي التي يطلق عليها منذ إسترداد الأسبان لها إسم الأجنحة الغرناطية وهي حسبما يبدو قصر القصبة الذي يضم ثلاثة أبهاء فسيحة وتقع المجموعة الثانية في الناحية الشرقية وهي عبارة عن أبنية سكنية وبها حمامات وكان يفصل القصر عن الأسوار والأبراج طريق عريض وتضم هذه القصبة حاليا متحف المدينة ويمثل العصر الإسلامي معظم أجزائه ومعروضاته .

وتدل عمارة المجموعة الأولى من المباني وأيضا زخارفها على أنها ترجع إلى عصور ملوك غرناطة النصريين فيما بين القرنين السابع والثامن للهجرة وإن كان من الواضح أن بعض أنقاض المباني التي شيدها باديس قد جرى إستخدامها في هذه الأعمال وقد أقامت أسبانيا متحفا قرب هذه المباني تعرض فيه أعداد كبيرة من الخزف الأندلسي الذي إشتهرت ملقا بإنتاج أوانيه فضلا عن بعض قطع زخرفية من الجص والرخام عليها كتابات عربية وهي مما جرى الكشف عنه بين أنقاض قصبة ملقا ومن الواضح أن قصبة ملقا كانت تسبقها حصون دفاعية تعد خط دفاع متقدم أول عنها تكمل إستراتيجية الدفاع عنها وبقي منها الى اليوم صرح دفاعي إسلامي منيع يقع على ربوة عالية تشرف على البحر ويعرف هذا الحصن الواقع على مسافة صغيرة من القصبة بإسم حصن جبل فارة ويفصله عنها رقعة خضراء ويربطه بها طريق مسور ويحتفظ هذا الحصن إلى اليوم بكثير من معالمه العربية الأصلية وهو أكثر إحتفاظا بهيكله من القصبة ذاتها ويدخل إليه من باب سفلي ذي عقد كبير يليه فناء مربع ذو عقود وله مدخل آخر من فوق الربوة يؤدي الى أروقته العلوية وفي الصحن المكشوف بالجزء الأسفل من هذا الحصن أسوار خارجية مبنية بالطوب الأحمر تحيط بحديقة وعقود عربية ومن حول هذا الصحن توجد بعض الأروقة التي تليها الأسوار ومازال البرج الرئيسي لحصن جبل فارة قائما إلى اليوم ويسمى البرج الأبيض وهو يحتوي على عدة عقود ومخادع وواجهته مستديرة ويشرف على ملقا من إرتفاع شاهق وأمام الحصن من الناحية الأخرى منحدر الجبل وممراته الجانبية من هذه الناحية تنحدر تدريجيا الى الأسفل ويشغل هذا الحصن رقعة واسعة وقد شيدت أسواره على نمط مشارف أسوار قلعة أو قصبة الحمراء بغرناطة .

وكما هو الحال مع قصبة ملقا فقد إشتهر أيضا حصن جبل فارة بمواقفه الدفاعية الباسلة خلال حروب الإسترداد وكانت به خلال هجمات الملكين الكاثوليكيين فريناند وإيزابيلا فرقة من جند غمارة من بربر المغرب وقد صمد هؤلاء البواسل بوجه هجمات الأسبان حتى آخر رجل منهم وأوقعوا خسائر كبيرة في صفوف الأسبان وهذا الحصن هو الآخر كان في الأصل قلعة فينيقية وجرى تجديده لأول مرة في العصر الإسلامي على يد الأمير الأموي عبدالرحمن الداخل أو صقر قريش في أواخر القرن الثاني الهجري الموافق لأوائل القرن التاسع الميلادى وكان حصن جبل فارة موضع إهتمام ملوك غرناطة أيضا لاسيما بعد أن صارت مملكتهم هي المملكة الوحيدة الباقية من ممالك الأندلس التي لم تسقط يأيدي ملوك الأسبان فقام بإصلاح هذا الحصن محمد بن الأحمر الثاني سلطان غرناطة في أواخر القرن السابع الهجري الموافق لأواخر القرن الثالث عشر الميلادى ثم قام السلطان يوسف أبو الحجاج في منتصف القرن الرابع عشر الميلادى بعد ذلك بتجديده وإعادة بنائه على أكمل وجه وقد أشار إلى ذلك المؤرخ لسان الدين بن الخطيب بقوله وفي أيامه بنى الحصن السامي الذروة المنبئ عن القدرة في الجبل المتصل بقصبة ملقا فعظم به الفخر وجل الذكر . وإلي جانب التحصينات الحربية الإسلامية مازالت ملقا تحتفظ ببعض ملامحها الأندلسية القديمة مثل السوق القديمة التي تتوسط المدينة ومازالت تحتفظ ببابها الأندلسي القديم بحالة جيدة من الحفظ، وهو باب مرتفع ذو عقدين وعلى جوانبه العليا زخارف وكتابات عربية يتخللها شعار بني نصر ملوك غرناطة ونصه لا غالب إلا الله أما مسجد ملقا الجامع فقد شيدت في موضعه الكاتدرائية العظمى على الرغم من أن المسلمين كانوا قد سمحوا بتشييد كنيسة كبيرة داخل ملقا وهي باقية إلى اليوم وتعرف بإسم كنيسة مسيح النصر وهناك أيضا كنيسة سان دمنجو التي تقع في وسط المدينة وبنيت من الداخل على طراز المساجد بعقود عربية متقابلة لأنها شيدت على أنقاض مسجد قديم ومما يؤكد ذلك أن بابها يتجه نحو الجنوب الشرقي مما يدل على أنه أقيم مكان المحراب الأصلي للمسجد وتبقى أطلال قصبة ملقا وأيضا حصن جبل الفارة شاهدين على روعة العمران الإسلامي ومتانة وحداته الحربية ولعلها تتحدث بلسان صدق مبين عن ماضي الأندلس التليد الذي غمره النسيان وغطت عليه كنائس نصرانية شيدت على أنقاض مساجد ملقا القديمة وغيرها من مساجد بلاد الأندلس مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغيرها .

وإلي جانب ماسبق توجد بعض الآثار الأخرى في مدينة ملقا منها المسرح الروماني وهو المعلم الأقدم فيها ويعتبر القلب الثقافي الأعظم بها وهو يقع على سفح حصن الكازابا الشهير ويعد من الأماكن السياحية في أسبانيا وواحدا من أقدم معالم ملقا المتبقية بعد قصف الجيش الإيطالي لها خلال الحرب العالمية الثانية وواحدا من أهم الآثار الرومانية المتبقية في الأندلس وفي يوم 15 سبتمبر عام 2011 م تم إفتتاح هذا المسرح مجددا للعامة وتم إقامة أول عرض فني عليه وحاليا فإن هذا المسرح مفتوح للزوار طوال العام وفي فصل الصيف يتم إستخدامه للعروض المفتوحة وهو يسع 220 متفرج وبالإضافة إلي المسرح الروماني يوجد في قرية نيرخا وهي قرية ساحلية صغيرة هادئة تقع على بعد 50 كيلو متر شرق مدينة ملقا يوجد بها كهف يسمي كهف نيرخا وهو يقع شمال البلدة على تلة مطلة على الساحل مباشرة وهو عبارة عن سلسلة من الكهوف الضخمة تحت الأرض تمتد لنحو 5 كيلو مترات وتضم أكبر مجموعة من الصخور الكلسية في العالم وقد تم إكتشاف تلك الكهوف بالصدفة في يوم 12 يناير عام 1959م عن طريق مجموعة من الشبان من السكان المحليين الذين قرروا الذهاب في جولة لمشاهدة طيور الخفاش التي تخرج من ثقوب الصخور وعند إنهماكهم في مطاردة تلك الخفافيش وجدوا أنفسهم بداخل كهف ضخم يحتوي على عدد من الهياكل العظمية بالإضافة إلى المنحوتات والتماثيل وحاليا عند الدخول إلي الكهف يوجد تمثال من الرخام الأبيض لصخرة كبيرة يتسلقها أربعة شبان وقد أقيم هذا النصب التذكاري لتخليد ذكرى مكتشفي هذا الكهف الضخم وهو اليوم قد أصبح من ابرز معالم السياحة في ملقا وأحد الأماكن السياحية في أسبانيا التي تستقطب السياح وجدير بالذكر أن المساحة المسموح بالزيارة بها للسياح والزوار هي ثلث مساحة الكهف فقط وذلك لوجود عمليات تنقيب وبحث من قبل العلماء والمختصين مستمرة للآن ولهذا لا يسمح بالدخول أكثر من ذلك .
 
 
الصور :