abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
البلاص ..الحكاية
البلاص ..الحكاية
عدد : 09-2018
بقلم الدكتور/ محمود رمضان

متى يغازل شذى ضوء الشمس أي سمراء من بلادي؟!
للسيدات أربعينيات العمر بريقهن الخاص، فقد عشن قصص حب ملتهبة تكللت بالزواج والإنجاب وتربية الأولاد والبنات، وعركت الحياة وعركتها الحياة، فخبرت فنونها كربان ماهر، يعرف جيداً متى يخوض غمار البحر ومتى يحجم عنه، متى يغازل شذى ضوء الشمس أي سمراء من بلادي؟!
ليكتب قصيدة غرام على ضفاف نهر النيل، فالملكات يعشقن القرب من الوادي الخصب ويتسابقن في الحديث إلى النهر في البكور لأنه مخزن أسرارهن وأحلامهن أيضاً، في كل صباح تأتي سمراء مبهجة، تشرق ابتسامتها عن أسنان ناصعة البياض، وفرحة حقيقية تسكن القلب، لتحدثني بلهجة نغماتها رقة كأنها معزوفة بمقام قناوي جميل: أسمع يا واد عمي..
للريس متقال قناوي أغنية مبهجة من تراثنا الجميل، تقول كلماتها:
اتفرج ع الحلاوة حلاوة
دي بلدي ونقاوة نقاوة
يا حلوة يا شايلة البلاص
من فضلك دلي اسقيني
دا قلبي حبك باخلاص
زي ما حبك حبيني
زي ما ودك وديني
وكانت الصبايا يتجهن لنيلنا الخالد ويملأن البلاليص، ثم يعدن إلى دورهن ليفرغنها في الأزيار، لتشرب كل أسرة ماء أحلى من العسل المصفى.
ولحمل البلاص على الرأس فنونه، فالصبية تضع منديلاً من القماش فوق رأسها وترفع فوقه البلاص، لتحمله على رأسها دون أن تمسكه بيدها، وتظل تتهادى في مشيتها، يحيطها عبيرها وجمالها، بسمار وجهها الجميل ورشاقة قدها التي تسحر قلوب الشبان، أما الفتاة القاهرية فلا تستطيع رفع البلاص وهو مملوء بالماء عن الأرض أصلاً.
في بيوتنا أيضاً بلاص خاص بالجبن القديم والمش، وللعلم فثمن كيلو الجبن القديم والمش يعادل ثمن اللحوم، ولدينا وجبة رائعة، نتناول فيها الجبن القديم والمش بالليمون والزيت، بالعيش الشمسي، ومعها شرائح الخيار الطازج والبطيخ البارد، وأحياناً نستبدل الفطير المشلتت بالعيش الشمسي، وكل أقاربنا في القاهرة عندما يعودون لقنا يطلبون تناول هذه الوجبة الأسطورية شهية المذاق.
وعندما شاهدت فيلم (صراع في النيل) بطولة رشدي أباظة وهند رستم وعمر الشريف، أمتعتني القصة والمناظر الخلابة لنيلنا الخالد، ولكن أحزنني كمية البلاليص التي تم تحطيمها في أثناء مشاجرة على سطح المركب، ذلك أن صناعة البلاص تستغرق وقتاً وجهداً، ويمزج صانعه الفخار بالفنون التراثية الخاصة بنا نحن القناوية.
تدري، هناك بلاليص من قنا معروضة في أكبر متاحف العالم، كحرف يدوية من التراث الشعبي، وكذلك فهي موجودة أيضاً كقطع ديكور في فيلات والقصور الفاخرة وفيللات المشاهير، وقد رأيت مطعماً بالقاهرة يقدم الوجبات الريفية فقط، من فطير مشلتت تعده فلاحة في فرن بلدي أمام رواد المطعم، ويقدم الجبن القديم والمش الخارج تواً من البلاص، والليمون المعصفر أيضاً يخرجونه من (زلعة)، ويضع الأزيار الخاصة بالمياه في أركان المطعم الأربعة، وحقاً إنه مطعم مبهج للغاية.
ويتباهى أبناء القصور والفيلات باقتناء البلاص القناوي الذي جلبوه من قنا، كقطع ديكور فريدة وجميلة، باللون الأصلي للبلاص، دون إضافة أي ألوان.
كان جدي يمتلك مصنعا للقلل بجوار مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي، وكان يخصص يوماً واحداً فقط كل أسبوع لصناعة الأزيار والبلاليص، فالطلب على القلل أكبر كثيراً من الطلب على البلاليص والأزيار.
وانتقلت صناعة القلل والأزيار والبلاليص من قنا إلى محافظات أخرى، ومنها القاهرة، وتوجد فواخير كثيرة لهذه الصناعة في منطقة مصر القديمة والفسطاط، ويصنع بها أيضا الطواجن الفخار التي تعطي للطعام المطهو بها مذاقاً شهياً يختلف عن مذاق الطعام المطهو في الأواني التيفال أو الألومنيوم أو النحاس، والعاملون في مهنة الفواخري ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ولكن على الأصل دور، ونحن في قنا كنا السابقون الأولون بهذه الصناعة، وقد ورثناها عن أجدادنا الفراعنة منذ عصر الأسرة الرابعة.
والفخار هو أقرب مادة للإنسان، لقول الله تعالى (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ).
وأعدك حين أعود للقاهرة في الشهر المقبل، سأهديك بلاصاً صغيراً به الجبن القديم والمش، وأرغفة العيش الشمسي والفطير المشلتت المصنوع حصريا في قنا!