abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
حكاية المحمل المصري
حكاية المحمل المصري
عدد : 09-2018
بقلم الدكتور/ عمر محمد الشريف



الكعبة المعظمة هي بيت الله الحرام على وجه الأرض ومهوى أفئدة المسلمين، والكسوة الشريفة من أهم مظاهر التبجيل والتشريف للبيت العتيق، فأول من كسى الكعبة المشرفة هو "تبع أبي الكرب" ملك حمير سنة ٢٢٠ قبل الهجرة حين مر على مكة عائداً من غزوته ليثرب (المدينة المنورة) وجعل لها بابًا ومفتاحًا، وتبعه خلفاؤه من بعده فكانوا يكسونها بأثواب يمنية، وفي بعض الروايات يقال أن أول من كساها هو إسماعيل عليه السلام، وأول امرأة كستها في الجاهلية هي أم العباس بن عبدالمطلب وسبب ذلك أنها ضلت ولدها ضرار بن عبدالمطلب شقيق العباس، فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة، وتحقق رجاؤها فوفت بنذرها.

الكسوة المباركة كانت تحاك وتصنع وتطرز بمصر منذ أن قرر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان تكسا الكعبة بالقماش المصري المعروف بالقباطي وبقيت تصنع بها على مر التاريخ، فعن ابن أبي نجيج عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كسا الكعبة القباطي - نوع من القماش- من بيت مال المسلمين، وكان الفاروق عمر ينزع الكسوة القديمة كل عام ويفرقها على حجاج بيت الله الحرام، وفِي عصور العباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين وعصر أسرة محمد علي كانت تحمل الكسوة من القاهرة إلى مكة المكرمة.

كانت تنقل الكسوة في موكب عظيم وهو المحمل الشريف الذي كان يعظم لإحتوائه علي كسوة بيت الله الحرام التي يتم إرسالها للحجاز بفرح غامر، وهو عبارة عن هودج -يقال إنه كان هودج شجرة الدر- مغطى بالقماش المزخرف بالآيات القرآنية، كان يُحمل على جمل خاص مع قافلة الحج، ويحوي المحمل صناديق مغلقة بها كسوة الكعبة وستارة باب الكعبة وكانوا يطلقون عليها "البرقع" وستارة باب التوبة من داخلها وكيس مفتاح البيت الحرام وكسوة مقام الخليل إبراهيم عليه السلام، وخلف الجمل الخاص الذي يحمل الكسوة جمال تحمل هدايا قيمة للحرمين الشريفين، بالإضافة لجمال الحجاج وأمتعتهم والجند المكلفون بحراسة الموكب حتى الحجاز.

كان يتقدم المحمل "أمير الحج" الذي يعين من قبل الحاكم للسفر للحجاز وهو المسئول الأول عن قافلة الحجاج، ويقام للمحمل إحتفال كبير اسمه "دوران المحمل" تخرج فيه الناس، وتزين المحلات والطرقات والبيوت، والغرض منه هو إعلام من يرغب بالحج للتأهب والإستعداد، ويروى الرحالة الشهير ابن بطوطة (1304م-1377م) الذي شهد هذا اليوم بمصر فيقول "يوم دوران المحمل يوم مشهود وكيفية ترتيبهم فيه أنه يركب القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب، ويركب معهم أعلام الفقهاء وأمناء الرؤساء وأرباب الدولة، ويقصدون جميعاً باب القلعة، فيخرج إليهم المحمل على جمل، وأمامه الأمير المُعيّن لسفر الحجاز في تلك السنة، ومعه عسكره والسقاؤون على جمالهم، ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء، ثم يطوفون بالمحمل وجميع من ذكرنا معه بمدينتي القاهرة ومصر".

عند وصول المحمل لمكة المكرمة يخرج شريف مكة لإستقباله ويقام له حفل إستقبال حاشد بحضور علماء مكة وأعيانها وأعلامها والكثير من أهلها، وبعد نهاية الحج يعود المحمل حاملًا الكسوة القديمة للكعبة بعد إبدالها بالجديدة وتقطع إلى قطع توزع على الأمراء والأعيان كنوع من التبرك بالكسوة، كما كان المحمل يزف في القاهرة ومكة بالأناشيد ومن تلك الأناشيد التي تغنى بها المصريون:

ما فردت قلوعها
مركب المصطفى
ما فردت قلوعها
يا نهار الهنا
نهار رجوعها
بعد زيارة النبي

كما اهتم ملوك مصر بكسوة الكعبة فكساها الظاهر بيبرس ركن الدين البندقداري عام 658هـ، كما أوقف الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون في عام 743هـ قريتي باسوس وسندبيس بمحافظة القليوبية وقفاً خاصاً لكسوة الكعبة مرة في السنة، وكسوة داخلية حمراء وأخرى خضراء للحجرة النبوية مرة كل خمس سنوات.

في عهد محمد علي باشا كانت الكسوة الخارجية تصنع على نفقة الحكومة المصرية، واختص سلاطين آل عثمان بكسوة الكعبة الداخلية وكسوة الحجرة النبوي، فشرع محمد علي باشا في إنشاء دار الكسوة بحي الخرفنش لتصنيعها وأطلق عليها "مصلحة الكسوة الشريفة" وجهزها بأحدث التجهيزات، ومن التقاليد التي كانت متبعة في دار الكسوة أن صناع الكسوة وعمال زركشتها لا يقومون بالعمل فيها إلا إذا كانوا جميعًا في تمام الوضوء وفي بداية عملهم اليومي يقومون بترديد جماعي لسورة الفاتحة بصوت جهوري يهز أرجاء حي الخرنفش ثم يطلقون البخور ويرددون الآية الكريمة: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" سورة الأحزاب، الآية 56.

من أهم المناطق التي نالت شرف تصنيع الكسوة قبل إنشاء الدار التي بناها محمد علي مدينة دمياط والتي انتقل منها تصنيع الكسوة في العصر المملوكي إلى المشهد الحسيني بالقاهرة المعزية، وكان للإسكندرية هذا الشرف حيث كانت تصنع بدار تسمى الطراز، كما كانت تصنع في القلعة بقصر الابلق الذي بناه الناصر محمد بن قلاوون.

وفى عهد محمد علي باشا توقفت مصر عن إرسال الكسوة بعد الصدام الذي حدث بين أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأراضي الحجازية وقافلة الحج المصرية في عام 1222هـ/ 1807م، حيث أحرق المحمل بسبب الإحترام المفرط الذي كان يلقاه والذي يراه أتباع ابن عبدالوهاب انحراف عن الدين والتوحيد، ولكن أعادت مصر إرسال الكسوة في العام 1228هـ /18013م بعد سقوط الدرعية في قبضة جنود محمد علي باشا وعودة السيادة العثمانية على الأراضي المقدسة.

وفي موسم حج عام 1926م أي بعد إنتهاء حكم الأشراف للأراضي المقدسة التي ألحقت بحكم آل سعود، سافر المحمل الشريف إلى مكة ووقعت حادثة "منى" بين قافلة الحجاج المصرية وأتباع ابن عبدالوهاب، وكان البداية بإستخدام القافلة المصرية الأبواق من أجل جذب انتباه من تخلف عنهم للحاق بالركب فبدأ الوهابيون رجم القافلة المصرية معتبرين كل الآلآت الموسيقية ملعونة ومحرمة، فحذر الجنود المصريون أولئك الحجيج وأمروهم بالإبتعاد عن القافلة إلا أنهم استمروا في رجمهم بالحجارة، فأطلق الجنود الرصاص مما أدى لمقتل 25 حاجاً، لتتوقف رحلة المحمل من القاهرة لمكة حتى عام 1938م في عهد الملك فاروق، وظلت مصر ترسل الكسوة الشريفة حتى عام 1380هـ/ 1961م، ليتوقف العمل بدار الكسوة بالخرنفش حيث أصبحت تصنع داخل المملكة العربية السعودية.
 
 
الصور :