abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الكتاتيب.. مصانع العلماء
الكتاتيب.. مصانع العلماء
عدد : 09-2018
بقلم الدكتور/ محمود رمضان

الكتاب، بضم الكاف، هو المصنع الحقيقي لإنتاج كبار الكتاب والمفكرين والعلماء وعلماء الدين والشعراء وصفوة المثقفين، هو الجامعة الحقيقية التي تسبق الدراسة الابتدائية، فيه تعلمنا القراءة والكتابة وحفظنا أجزاء كثيرة من القرآن الكريم، ومباديء الحساب، وعندما التحقنا بالتعليم الابتدائي كنا نعلم ما سيقوله المعلم أو المعلمة، فأتيح لنا الوقت لنحفظ أجزاء أخرى من القرآن الكريم، ونزيد ثقافاتنا بقراءة كتب كثيرة في الرواية والشعر والفن والعلوم الطبيعية وغيرها.

كنا نبدأ يومنا في الكتاب منذ شروق الشمس حتى صلاة العصر، ننهل من علم سيدنا أو شيخنا الذي يتابع كل واحد منا متابعة جيدة ليطمئن أننا حفظنا آيات من القرآن الكريم ويسألنا في الحساب والقراءة والكتابة.

كان الطفل إذا بلغ عمره ثلاث سنوات يدفع به والده إلى الكتاب، نظير أجر شهري معلوم، أحيانا نقود وأحياناً أخرى غلال كالقمح والذرة والشعير والأرز وغيرها، أما الأيتام فكان الشيخ لا يتخذ عليه أجراً، إلا لو كان اليتيم في كفالة عمه أو خاله وكان هذا العم أو الخال موسراً وثرياً.

ولأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، فمازلنا نحفظ الأجزاء الكثيرة من القرآن الكريم التي حفظناها ونحن في الكتاب.

الكتاب أو التعليم في الصغر قديم منذ عهد الفراعنة الأولين، فقد كان ملحقاً بالمعابد الفرعونية -مساحة عبارة عن حجرة مخصصة للتعليم، -وعرف آنذاك بـ «مدرسة المعبد» التي كانت تمنح شهادة للدارس تسمى كاتب تلقى المحبرة، وتمر القرون فتظهر الكتاتيب في العصر المسيحي لتعليم أجزاء من الكتاب المقدس والمزامير، إلى أن أرسل الله رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، وبعد غزوة بدر كان للمسلمين أسرى، وأمر النبي بفك أسر الأسير بعد أن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، لتتوالى السنوات ويتم تنظيم عمل الكتاب بصورة رسمية في الدولة الأموية ثم العباسية، والفاطمية، والدولة الأيوبية، وفِي العهدين المملوكين، ثم في العهد العثماني، وتستمر حتى ستينيات القرن الماضي، ليحل محلها (الحضانة)، التي يودع بها الأبوان طفلهما حتى عودتهما من العمل، ولا يتعلم فيها الأطفال إلا أشكال الحروف الأبجدية وقصار السور والأعداد من واحد لعشرة!

في زمن الكتاب كان لكل شيخ مساعد هو (العريف)، وهو واحد من بين التلاميذ، يمتاز بقوة الذاكرة والذكاء وهو أنبغ المتعلمين في الكتاب، وكان يسيطر على زملائه في حال غياب الشيخ لدقائق، لقضاء أمر من أموره، كلقاء ولي أمر تلميذ، ونحو ذلك.
كبار علماء الأزهر الشريف درسوا في الكتاتيب، وأيضا كبار الأدباء كرفاعة الطهطاوي وطه حسين والعقاد والمازني وشكري، وأيضا كبار العلماء في الطب والهندسة والجيولوجيا والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والقانون والآثار وغيرهم من نوابغ عصرنا الحالي.

وإذا كان صوت سيدنا أو شيخ الكتاب نديا، رائقاً، جميلاً، كان أهل القرية يستدعونه لقراءة القرآن في سرادق العزاء، وجميع القراء المشاهير أصحاب الفضيلة المشايخ تخرجوا في الكتاب، الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والطبلاوي، والنقشبندي، ومحمد رفعت، ومحمود على البنا، وعبد الفتاح الشعشاعي وابنه ابراهيم، والمنشاوي وشعبان الصياد والبهتيمي وغيرهم كثيرون، الذين أثروا المكتبة القرآنية بأصواتهم النورانية العذبة.

كان الكتاب يفرش بالحصير، يجلس عليه الصبيان متربعين حول معلمهم، وكانت أدوات الدراسة تتضمن مصحفاً شريفاً، ولوح للكتابة والطباشير، ويجلس الشيخ على مقعد مرتفع (دكة) ليرى جميع تلاميذه، وكانت هناك شروط مهمة لتعيين الشيخ معلماً في الكتاب، منها الاستقامة وحسن السيرة والسلوك والعفاف، حافظاً للقرآن الكريم، لينا مع الأطفال لكنه مهاب وسطهم، فالعصا لمن عصى.
كانت الدراسة في الكتاب تعطل في الأعياد والمناسبات الدينية وأثناء المطر الشديد والرياح وحالات مرض الشيخ، وبالطبع كان يوم الجمعة إجازة من الدراسة بالكتاب.

رياض الأطفال الآن محت الكتاب، وتعليم (كي جي) جعل الكتاب في ذاكرة التاريخ، وأحدث ما هو موجود على الساحة الآن هو اختبار للأب والأم كشرط لقبول أبنائهم في (كي جي)، وهناك رياض أطفال تشترط دفع المصروفات بالدولار الأمريكي أو الجنيه الاسترليني، ووصل ثمن مصروفات الدراسة بالسنة الأولى في (كي جي) بالقاهرة مبالغ كبيرة جداً.

رحم الله زمن الكتاب الذي تخرج فيه صفوة العلماء، وكانت مصروفاته الشهرية عدة قروش!

وقد تعلمت في الكتاب وحفظت عن الشيخين الجليلين فضيلة الشيخ صالح وفضيلة الشيخ فرحات رحمة الله عليهم،

وكانت أمنيتي في أن يكتب لي المولى عز وجل التوفيق في التأسيس لكتاب عصري يتفوق على الكتاب الذي تعلمت فيه، وقد أكرمني الله وتحققت أمنيتي الغالية وأصبح الكتاب بقريتي والحمد لله وستظل حجراته عامرة بذكر الله وحفظ كتابه الكريم، وسيبقى منارة للعلم تحت إشراف الأزهر الشريف ورجاله أصحاب الفضيلة الشيوخ والعلماء الأجلاء.