abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
جامع القيروان
جامع القيروان
عدد : 09-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


إهتم المسلمون عامةً ببناء المساجد في المناطق الجديدة التي يفتحونها وكانت هذه المساجد تتميز بطابع إسلامي لتدل على هوية الإسلام فشكل الصحن المفتوح كان منتشرا في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية ومصر بينما لم يظهر هذا النمط العمراني في البلاد التركية بسبب برودة الطقس وتغير الظروف المعيشية والظروف السياسية ويعد جامع القيروان من أشهر الجوامع التي تم بناؤها في العهد الإسلامي حيث كانت القيروان هي رابع الحضارات التي أسسها المسلمون في البلاد المفتوحة بعد البصرة والكوفة في العراق والفسطاط في مصر ويعتبر موقعها إختيارا ذكيا من فاتحها عقبة بن نافع حيث تأسست بعيدا عن شاطىء البحرالأبيض المتوسط بإتجاه الصحراء وذلك لتكون بعيدة عن الهجمات البحرية للجيش البيزنطي وكان جامعها حين إنشائه على أغلب الظن بسيطا صغير المساحة تستند أسقفه على الأعمدة مباشرة دون عقود تصل بين الأعمدة والسقف وكان هذا الجامع هو أول جامع يبنى في المغرب العربي وكان ذلك في عام 50 هجرية الموافق عام 670م في عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان وكان يعتبر معقلا ومركزا لإنطلاق المجاهدين لفتح البلاد ونشر الأمن والإستقرار في بلاد المغرب العربي بشكل عام وكان هذا هو دأب المسلمين في الأمصار الجديدة وقد إستغرق بناؤه حوالي خمسة أعوام بسبب إنشغال المسلمين في هذه الفترة بالفتوحات والجهاد في سبيل الله .

والقائد المسلم المجاهد عقبة بن نافع هو عقبة بن نافع الفهري القرشي المولود في العام الأول قبل الهجرة بمكة المكرمة هو قائد من أبرز قادة الفتح الإسلامي الذين فتحوا بلاد المغرب العربي في صدر الإسلام ولقب بفاتح أفريقية حيث برز إسمه مبكرا في ساحة أحداث حركة الفتح الإسلامي التي بدأت تتسع بقوة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حيث إشترك هو وأبوه نافع في الجيش الذي توجه لفتح مصر وتحريرها من الرومان بقيادة عمرو بن العاص والذي توسم فيه خيرا وشأنا في حركة الفتح فأرسله إلى بلاد النوبة لفتحها فلاقى هناك مقاومة شرسة من النوبيين ولكنه مهد السبيل أمام من جاء بعده لكي تدخل بلاد النوبة في الإسلام بدون أن تفتح حربا فأسند إليه مهمة قيادة دورية إستطلاعية لدراسة إمكانية فتح الشمال الأفريقي وتأمين الحدود الغربية والجنوبية لمصر ضد هجمات الروم وحلفائهم من قبائل البربر ثم شارك معه في المعارك التي دارت في أفريقية والمقصود بها تونس الحالية فولاه عمرو بن العاص برقة بعد فتحها وعاد إلى مصر لأنه كان يعرف ويدرك مهارته في القيادة وفي المبارزة والقتال وقد تعاقب عدة ولاة على مصر بعد عمرو بن العاص كان منهم عبد الله بن سعد بن ابي السرح ومحمد بن أبي بكر ومعاوية بن حديج وغيرهم وأقر جميعهم عقبة بن نافع في منصبه كقائد لحامية برقة وقد ظل عقبة في منصبه قائدا لحامية برقة خلال عهدي الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبى طالب .


وعقب إغتيال الخليفة عمر بن الخطاب في شهر ذى الحجة عام 23 هجرية تولي الخلافة عثمان بن عفان وعين عبد الله بن سعد بن أبي السرح علي ولاية مصر بدلا من عمرو بن العاص والذى أرسل إلي الخليفة الجديد عثمان بن عفان أنه سوف يستكمل الفتوحات الإسلامية فوافقه الخليفة وأرسل له مددا يتكون من 10 آلاف فارس وسمي هذا الجيش بجيش العبادلة لكثرة من إسمهم عبد الله فيه مثل عبد الله بن سعد بن أبي السرح وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص كما أمد الخليفة عثمان بن عفان الجيش بألف بعير من عنده لنقل العاجزين وإجتمع القائدان عبد الله بن سعد بن ابي السرح وعقبة بن نافع فقال له عقبة إن المعركة ستكون مع ملك طاغية يبسط نفوذه من طرابلس إلى طنجة والقبائل تظهر له الولاء والطاعة لأنه خلصهم من حكم الروم وإنفصل عن البلاط البيزنطي وإسمه جريجوريوس ونحن لن نقاتل هذه القبائل بل سنذهب إلى مقره الذي يمارس فيه ظلمه وطغيانه والتي يتخذها عاصمة له وهي سبيطلة وهي مدينة حصينة تقع في وسط غرب تونس وتم تجهيز الجيش وإنطلق الجيش إلى العاصمة وكانت أنباء هذا الجيش قد وصلت إلى مسامع جريجوريوس فجمع ضباطه وجنوده وخطب فيهم أن يجعلوا نهاية العرب علي أيديهم في هذه المعركة الفاصلة وأعلن جريجوريوس مكافأة لمن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي السرح وهي 1000 دينار وأن يزوجه إبنته وسمع عبد الله بن سعد بالمكافأة فضحك ساخرا وأعلن في الجيش الإسلامي أن من يقتل جريجوريوس له ألف دينار ويزوجه إبنة هذا الملك ودارت إشتباكات بين الفريقين لم تسفر عن نتيجة حاسمة وإستبطأ الخليفة عثمان بن عفان النصر فأرسل مددا آخر لهذا الجيش بقيادة عبد الله بن الزبير لم يلبث أن وصل وإنضم إلى الجيش الإسلامي وعقد عبد الله بن سعد وعبدالله بن الزبير إجتماعا لوضع خطة الغزو وقال عبد الله بن الزبير مادام الفارق بيننا وبينهم كبير في العدد والعتاد فيجب أن ندبر حيلة لقهرهم وخاصة أن مدينة سبيطلة ذات أسوار عالية ولا يمكن إقتحامها بسهولة والحيلة هي أن نجهز مجموعة من الفرسان الخبراء المهرة بعيدا عن الإشتباكات حتي إذا إنتهت الإشتباكات عند الظهر وأراد الأعداء أن يعودوا إلى مواقعهم تنقض عليهم هذه المجموعة فتبيد بعضهم وتأسر البعض الآخر فوافق عبد الله بن سعد على هذه الفكرة وبالفعل بدأت الإشتباكات في اليوم التالي وعندما إنتهت في وقت الظهر كما جرت العادة في الأيام السابقة وعندما تراجع مقاتلو الروم البربر فاجأتهم المجموعة التي تم إختيارها بعناية من أبطال المسلمين وإقتحمت مدينة سبيطلة وقتلت جريجوريوس وأسرت إبنته وإنتهت بذلك أخطر قوة كانت تناوئ المسلمين في هذه البلاد .

وفي زمن الفتنة منذ أواخر عهد الخليفة عثمان بن عفان وخلال عهد الخليفة علي بن أبي طالب نأى عقبة بن نافع بنفسه عن أحداثها وصب إهتمامه على الجهاد ونشر الإسلام بين قبائل البربر ورد غزوات الروم في بلاد الشمال الأفريقي وبعد أن إستقرت الأمور عام 41 هجرية وأصبح معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين أصبح معاوية بن حديج واليا على مصر وأُرسل عقبة إلى الشمال الأفريقي في حملة جديدة لمواصلة الفتح الإسلامي الذي توقفت حركته أثناء الفتنة حيث كانت هناك عدة بلاد في الشمال الأفريقي قد خلعت طاعة المسلمين بعد إشتعال الفتنة ومنها ودان وأفريقية وجرمة وقصور خاوار فحارب عقبة تلك القرى وأعادها إلى الدولة الإسلامية وإستخلف معاوية عقبة علي أفريقية وبعث إليه عشرة آلاف فارس فأوغل بهم في بلاد المغرب حيث تغلغل في الصحراء بقوات قليلة وخفيفة لشن حرب عصابات خاطفة في أرض الصحراء الواسعة ضد القوات الرومية النظامية الكبيرة التي لا تستطيع مجاراة المسلمين في الحرب الصحراوية وإستطاع عقبة وجنوده أن يقضوا على الحاميات الرومية المختلفة في منطقة الشمال الأفريقي حتى أتى واديا فأعجب بموقعه وبنى به مدينته المشهورة وسماها القيروان أي محط الجند حيث إتخذها قاعدة الجيش الإسلامي المتقدمة والواغلة في المغرب الكبير كما بنى بها جامع القيروان الكبير والذى لا يزال حتى الآن يعرف بإسم جامع عقبة وفي عام 55 هجريةعزله معاوية بن أبي سفيان وولى بدلا منه أبو المهاجر دينار أفريقية فعاد للمشرق وبعد وفاة معاوية وفي خلافة إبنه يزيد أعاد عقبة مرة ثانية للولاية سنة 62 هجرية فولاه المغرب فقصد عقبة القيروان وخرج منها بجيش كثيف وغزا حصونا ومدنا حتى وصل إلي ساحل المحيط الأطلنطي بالمغرب الأقصى وتمكن من طرد البيزنطيين من مناطق واسعة من ساحل أفريقيا الشمالي وكانت وفاته شهيدا عام 63 هجرية بعد أن رفع راية الإسلام ونشر دين الله الحنيف في الشمال الأفريقي في مكان يعرف حتى الآن بإسم سيدي عقبة في دولة الجزائر في معركة مع الملكة الأمازيغية تيهيا والمعروفة بإسم الكاهنة .

ومدينة القيروان التي أنشأها عقبة بن نافع مدينة تونسية تبعد حوالي 160 كيلومتر عن تونس العاصمة وهي تعرف أيضا بإسم عاصمة الأغالبة أو بنو الأغلب وهم سلالة عربية من بني العنبر بن عمرو من قبيلة بني تميم حكمت في المغرب العربي مناطق شرق الجزائر وتونس وغرب ليبيا مع جنوب إيطاليا وصقلية وسردينيا وكورسيكا ومالطة مابين عام 800م وعام 909م هي أول المدن الإسلامية التي تم تشييدها في بلاد المغرب العربي وكان لها دور إستراتيجي هام في الفتوحات الإسلامية في الشمال الأفريقي ومنه إنطلقت حملات الفتح نحو الجزائر والمغرب وبلاد الأندلس في أسبانيا بالإضافة إلى أنها تعد مرقدا لعدد من صحابة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ويطلق عليها الفقهاء رابعة الثلاث بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف ويعود تاريخ هذه المدينة إلى عام 50 هجرية الموافق عام 670م كما ذكرنا في صدر هذا المقال عندما قام بإنشائها عقبة بن نافع وكان هدفه من هذا البناء أن يستقر بها المسلمون إذ كان يخشى إن رجع المسلمون عن أهل أفريقية أن يعودوا إلى دينهم وتعتبر القيروان المدينة الإسلامية الأولى في منطقة المغرب العربي ويعتبر إنشاؤها في هذه المنطقة بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي حيث كانت مدينة القيروان تلعب دورين هامين في آن واحد هما الجهاد والدعوة فبينما كانت الجيوش تخرج منها للفتح ونشر دين الله كان الفقهاء يخرجون منها لينتشروا بين البلاد يعلمون اللغة العربية وينشرون دين الإسلام فهي بذلك تحمل في كل شبر من أرضها عطر مجد شامخ وإرث عريق يؤكده تاريخها الزّاهر ومعالمها الباقية التي تمثل مراحل هامة من التاريخ العربي الإسلامي ولقد بقيت القيروان حوالي أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لأفريقية والأندلس ومركزا حربيا للجيوش الإسلامية ونقطة إرتكاز رئيسية لنشر وتعليم اللغة العربية وعندما تذكر القيروان يذكر القائد العربي الكبير عقبة بن نافع وقولته المشهورة عندما بلغ في توسعاته المحيط الأطلسي وهو يرفع يده إلى السماء ويصرخ بأعلى صوته اللهم إشهد أني بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك .

وكلمة القيروان كلمة فارسية دخلت إلى العربية وتعني المعسكر أو محط أثقال الجيش أو مكان السلاح أو إستراحة القافلة وموضع إجتماع الناس في الحرب وفي قول آخر يعود أصل تسمية القيروان إلى اللفظ الأمازيغي أكروان والتي تعني المعسكر أو المكان الذي يدخر فيه السلاح ومن هنا ندرك أن عقبة بن نافع قد أقام هذه المدينة لتكون حصنا منيعا وقاعدة عسكرية لدوام وإستمرار فتوحات المسلمين وبعد إنتهاء القائد عقبة بن نافع من تشييد مدينة القيروان إجتمع بوجوه أصحابه وأهل العسكر فدار بهم حول المدينة وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه اللهم إملأها علما وفقها وأعمرها بالمطيعين والعابدين وإجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك وأعز بها الإسلام ولم يكن يدري وهو يدعو ربه ليمنعها من جبابرة الأرض ويملأها فقها وعلما ويجعلها عزا للإسلام أي مصير تخبئه لها الأيام إلا أنه إستراتيجيا كان موفَّقا إلي أبعد الحدود في إختياره لموقعها فهي توجد على مسيرة يوم من البحر الذي كان البيزنطيون يسيطرون على عبابه وهي تبعد بمثل ذلك عن الجبال حيث كانت آنذاك تعتصم القبائل البربرية المناوئة للإسلام بعد إنهزام ملكهم جريجوريوس في سبيطلة وتراجع سلطانهم وإنحصاره في شمال البلاد بجانب ذلك فالقيروان في منبسط من الأرض مديد يسمح بإستنفار الفرسان في غير صعوبة وقد كانت الخيل قوام جيش المسلمين في جل معاركهم وحروبهم المصيرية كما راعى عقبة في إختياره لموقع مدينته الجديدة تقريبها من السبخة حتى يوفّر ما تحتاجه الإبل من المراعي .

وببناء مدينة القيروان أصبحت هي أولى المراكز العلمية في المغرب العربي تلتها قرطبة في الأندلس بعد ذلك ثم فاس في المغرب الأقصى ولقد قصدها أبناء المغرب وغيرها من البلاد المجاورة وكان مسجدها الكبير الذى شيده عقبة بن نافع ومعه بقية مساجد القيروان تعقد فيها حلقات للتدريس وأنشئت بها مدارس جامعة أطلقوا عليها دور الحكمة تم إستقدام العلماء والفقهاء ورجال الدعوة لها من الشرق فكانت هذه المدارس وما إقترن به إنشاؤها من إنصراف القائمين عليها للدرس والبحث عاملا في رفع شأن اللغة العربية لغة القرآن الكريم وتثقيف أهل هذه البلاد ولذا فلقد كان للقيروان دور كبير في نشر وتعليم الدين وعلومه بحكم ما علق على هذه المدينة من آمال في هداية الناس وجلبهم إلى أفريقية وهي نقطة هامة لاحظها الفاتحون منذ أن إستقر رأيهم على إنشاء مدينة القيروان وفي عهد الخليفة الأموي الثامن عمر بن عبد العزيز مابين عام 99 هجرية الموافق عام 717م وعام 101 هجرية الموافق عام 719 هجرية أراد تثقيف أهل المغرب وتعليمهم أمر دينهم فجعل من مدينة القيروان مركزا للبعثة العلمية المكونة من عشرة أشخاص من التابعين قام بإرسالهم إلى أفريقية حيث إنقطعوا إلى تعليم السكان أمور الدين ومات اغلبهم ودفنوا في مدينة القيروان نفسها وهكذا أصبحت مدينة القيروان مركزا للعلم والفقه والثقافة في بلاد المغرب الإسلامي حتى كانت مفخرة المغرب ومنها خرجت علوم المذهب المالكي وكان قاضي القيروان يمثل أعلى منصب ديني في عموم البلاد المغربية وإليه المرجع في تسمية قضاة مختلف الجهات كما أسهمت القيروان في عهد الأغالبة في نشر المذهب المالكي في أرجاء الدولة الأغلبية ومنها إنتشر في صقلية والأندلس وقد تم ذلك على يد الإمام سحنون وأقرانه وتلاميذه حيث كان هؤلاء يلتزمون المذهب المالكي وكانوا يذهبون لأداء فريضة الحج ثم يلزمون الإمام مالك بن أنس في المدينة المنورة فتأثروا بفقهه وعلمه وقد ولي سحنون قضاء القيروان مابين عام 234 هجرية الموافق عام 848م وعام 240 هجرية الموافق عام 854م فكان صاحب النفوذ الأكبر لا في شئون القضاء فحسب بل في جميع شئون الدولة كما أنه قام بوضع أسس الكتاب الذي دونه ويسمى المدونة التي أصبحت قاعدة التدريس في المغرب الأدنى ومن هناك إنتقلت هذه القاعدة إلى بلاد الأندلس .

وبالإضافة إلي ماسبق كانت الكتب الفقهية التي ألفها علماء القيروان بداية من كتاب المدونة لصاحبه الفقيه الكبير الإمام سحنون والذي أصبح مرجعا دينيا لرجال القيروان إلى رسالة إبن أبي زيد ونوادره وزياداته إلى تهذيب أبي سعيد البراذعي وأمثالها هي التي يعتمد عليها الدارسون والشراح والمعلقون ولا يعرفون غيرها إلى المائة السابعة من التاريخ الهجري عندما بدأت كتب المشارقة تأتي إلى المغرب مثل مختصر إبن الحاجب ومختصر خليل فيما بعد وإلي جانب ذلك أنشئت في القيروان المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس والزوايا وكانت مفتوحة للدارسين وتضم نفائس أمهات الكتب ومن أشهر مكتبات القيروان مكتبة بيت الحكمة التي أنشأها إبراهيم الثاني الأغلبي علي غرار بيت الحكمة التي أسسها الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد حيث كانت هذه المكتبة نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثرت في الحركة العلمية في المغرب لزمن طويل وقد إستقدم إبراهيم بن أحمد الأغلبي أعدادا كبيرة من علماء الفلك والطب والنبات والهندسة والرياضيات من المشرق والمغرب إلي هذه المكتبة وزودها بالآلات الفلكية كما كان يبعث كل عام وأحيانا كل ستة أشهر بعثة إلى بغداد هدفها تجديد ولائه للخلافة العباسية وإقتناء نفائس الكتب المشرقية في الحكمة والفلك مما لا نظير له في المغرب وإستقدام مشاهير العلماء من العراق ومصر وعلى هذا النحو أمكنه في أمد قصير أن يقيم نموذجا مصغرا من بيت الحكمة في بغداد ولم تلبث هذه المكتبة أن وقعت في أيدي الفاطميين بعد سنوات معدودة من وفاته .


ولقد كانت مكتبة بيت الحكمة معهدا علميا للدرس والبحث العلمي والترجمة من اللاتينية ومركزا لنسخ المصنفات وكان يتولى الإشراف عليها حفظة مهمتهم السهر على حراسة ما تحتويه من كتب وتزويد الباحثين والمترددين عليها من طلاب العلم بما يلزمهم من هذه الكتب حسب تخصصاتهم وكان يرأس هؤلاء الحفظة ناظر كان يعرف بصاحب بيت الحكمة وأول من تولى هذا المنصب كان عالم الرياضيات أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني الكاتب المعروف بأبي اليسر الرياضي وهو بغدادي النشأة حيث أتيح له أن يلتقي بالعديد من المحدثين والفقهاء والأدباء واللغويين وتنقل في أقطار المشرق قبل إنتقاله إلى الأندلس وأخيرا إستقر بالقيروان وكان الأمير إبراهيم بن أحمد يعقد المجالس العلمية للمناظرة في بيت الحكمة وكان يحضر هذه المجالس العلماء البارزون من فقهاء المالكية والحنفية وكان ممن بزغ نجمهم في القيروان عدد وافر من الأسماء والأعلام في شتى ضروب العلم ومن هؤلاء الأعلام الإمام سحنون الذى تكلمنا عنه وإبن رشيق القيرواني وإبن شرف وأسد بن الفرات وإبن الجزار لكن المهتمين بالتاريخ يذكرون خصوصا إسم المعز بن باديس الصنهاجي كأكبر رمز لما بلغته القيروان من حضارة في عهد الصنهاجيين وعبد الله بن الأغلب الذي جعل من القيروان إسما ملأ الدنيا كما إشتهر فيها من الشعراء أبو عبد الله القزاز القيرواني والحسين بن رشيق القيرواني وإبن هانئ الأندلسي كما كان من بين علمائها عبد الكريم النهشلي عالم اللغة وكان من أهل الأدب أبو إسحاق الحصري القيرواني صاحب زهر الآداب .


وإلي جانب مكتبة بيت الحكمة كان جامع القيروان الذي بناه عقبة بن نافع عند إنشاء المدينة من أهم معالمها عبر التاريخ حيث كان ميدانا للحلقات الدينية والعلمية واللغوية التي ضمت نخبة من أكبر علماء ذلك العصر كما كان هذا الجامع هو الذي إقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها الزخرفية والمعمارية ولقد بدأ الجامع صغير المساحة بسيط البناء حيث كان عبارةٌ عن ظِلة مسقوفة بالعريش تحملها أعمدة من جذوع النخيل وكان الهدف من ذلك هو الإقتداء بشكل المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة وعندما عزم عقبة بن نافع ومن معه على وضع محراب الجامع فكروا كثيرا في إتجاه القبلة وراقبوا طلوع الشمس وغروبها عدة أيام وقال له أصحابه إن أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا الجامع فأجهد نفسك في تقويمه وإجتهد عقبة قدر إستطاعته وحسب الإمكانيات المتوافرة حيتذاك وكان موفقا في إجتهاده وأصبح محراب القيروان أسوة وقدوة لبقية مساجد المغرب الإسلامي بمعناه الواسع حتى أن محمد بن حارث الخشني بعد أن قدم من القيروان إلى مدينة سبتة ببلاد المغرب وشاهد إنحراف مسجدها عن قبلة الصلاة عدله وصوبه وفي عهد الحكام التاليين بعد عقبة بن نافع حدثت عمليات تطوير لشكل المسجد مع زيادة إضافات عليه مع الحرص علي إحتفاظه بالشكل الأولي له والذى يوحي للناظر إليه أنه حصن ضخم بسبب جدرانه السميكة والمرتفعة التي زودت بدعامات واضحة للعيان .


ولم يمض على بناء جامع القيروان عشرون عاما حتى هدمه القائد الأموى من جانب الخليفة الأموى الخامس عبد الملك بن مروان حسان بن نعمان الغساني عام 80 هجرية الموافق عام 699م وأقام مكانه جامعا جديدا أكبر من الأول حيث زاد في مساحته وفي عهد الخليفة الأموى العاشر هشام بن عبد الملك أمر واليه على القيروان بشر بن صفران في عام 105 هجرية الموافق عام 723م أن يزيد في بناء المسجد ويوسعه فقام بشر بشراء أرض شمالي المسجد وضمها إليه وأضاف لصحن المسجد مكانا للوضوء كما أضاف إليه حديقة كبيرة في شماله وجعل له صهريجا للمياه وشيد له مئذنة جميلة جدا في وسط الحائط الشمالي منه والمواجه لجدار القبلة في أقصي الصحن المكشوف وهي تعتبر من أجمل المآذن التي بناها المسلمون في قارة أفريقيا والتي صارت نموذجا بنيت علي أساسه غالبية المآذن بعد ذلك في أفريقية وفي بلاد الأندلس وهي مصنوعة من القطع الحجرية المستطيلة المصقولًة وهي تتكون من ثلاث طبقات مربعة الشكل السفلية منها هي الأكبر من حيث طول ضلعها وإرتفاعها حيث يبلغ طول ضلعها حوالي 10.5 مترا وإرتفاعها 19 مترا وتوجد بها فتحات مستطيلة للإنارة والتهوية والطبقتان الوسطي والعلوية متساويتان تقريبا في الإرتفاع حيث يبلغ إرتفاع كل منهما 5 متر تقريبا ولكن طول ضلع الطبقة الوسطي أكبر من طول ضلع الطبقة العلوية وهي مزينة في كل وجه منها بطاقات ثلاث معقودة ومغلقة وأسفلها توجد فتحة تؤدى إلي شرفة تحيط بها والطبقة العلوية كل وجه منها مزين بعدد 5 طاقات معقودة الوسطي منها مفتوحة والباقي مغلق ويوجد أسفلها فتحة معقودة ترتكز علي عمودين دائريين كان يخرج من أحدها المؤذن علي شرفة تحيط بالطبقة العلوية لكي يرفع آذان الصلاة كما توجد أعلي الطبقة العلوية قبة مفصصة رائعة الشكل ويصل الإرتفاع الكلي لها 31.5 مترا ويدور بداخلها درج حجرى ضيق يرتفع كلما إرتفع المبنى متناسبا مع حجمه ويضيق كلما إرتفعنا لأعلى وفي عام 155 هجرية الموافق عام 724م أعيد بناؤه على يد الوالي العباسي يزيد بن حاتم والي أفريقية من جانب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور حيث قام بهدم البناء كاملا بإستثنأء المئذنة والمحراب وأعاد بناءه مرةً أخرى على الهيئة التي هو عليها الآن .


وفي عام 221 هجرية الموافق عام 836م قام ثاني أمراء الأغلبيين زيادة الله بن الأغلب بهدم أجزاء من الجامع لتوسعته كما قام برفع سقفه وبنى قبة مزخرفة بلوحات رخامية على أسطوانة المحراب وقد أراد زيادة الله أن يهدم المحراب إلا أن فقهاء القيروان عارضوه وقالوا له إن من تقدمك توقفوا عن ذلك لما كان واضعه عقبة بن نافع ومن كان معه وقال بعض المعماريين له أدخله بين حائطين فيبقى دون أن يظهر في الجامع أثر لغيرك فأخذ بهذا الرأي وأمر ببناء محراب جديد بالرخام الأبيض المخرم الذي يطل منه الناظر على محراب عقبة الأساسي وفي عام 248 هجرية الموافق عام 862م قام أحمد بن محمد الأغلبي بتزيين جدار المحراب بزخارف منقوشة على ألواح رخامية لها فراغات تسمح بدخول الضوء كما زين قبة المحراب بزخارف نباتية على شكل ساق متوسطة أو فروع متموجة تتدلى منها عناقيد من العنب كما قام بتزيين المنبر بزخارف هندسية ونباتية حفرت علي الخشب وفي عام 261 هجرية الموافق عام 875م قام أحمد الأغلبي بتوسعة الجامع وبنى قبة باب البهو وأقام مجنبات تدور حول الصحن وفي هذه المرحلة كان الجامع قد وصل إلى أقصى درجات جماله وبعد ذلك وفي عام 441 هجرية الموافق عام 1049م قام المعز بن باديس الصنهاجي بترميم المسجد وتجديد بنائه وأقام له مقصورة خشبية على يمين المنبر بجانب محراب المسجد تعد هي الأقدم في العالم الإسلامي وهي تحفة فنية من خشب الأرز المحفور والمصقول بشكل بديع وزينت بنقشات كتبت بالخط الكوفي المورق وهي لا تزال موجودة إلى يومنا هذا كما قام الحفصيون أو بنو حفص وهم سلالة أمازيغية مصمودية حكمت تونس وشرق الجزائر وطرابلس ما بين عام 1229م وعام 1574م بتجديد المسجد مرة أخرى وبإختصار فإن جامع القيروان أو جامع عقبة بن نافع يعتبر تحفة فنية نادرة تدل على عظمة وروعة وتميز وجمال فن المعمار الهندسي الإسلامي هذا وقد سارت التوسعات به في العصور المختلفة حتى أصبح الجامع يشغل اليوم مساحة مستطيلة تبلغ أطوال أضلاعها ما بين 70 مترا و122 مترا وجدير بالذكر أن بالمسجد ست قباب غاية في الروعة وهي قبة المحراب وقبتان تعلوان مدخل بيت الصلاة وقبة تعلو المجنبة الغربية للمسجد وقبة في أعلى المئذنة وقبة باب البهو وتوجد على مدخل بيت الصلاة من جهة الصحن حيث تمت زخرفتها بشكل كبير وبإهتمام واضح وأعطت التوازن ما بين الصحن وبيت الصلاة وبعد ذلك أصبح في المغرب الإسلامي بناء قبتين في بيت الصلاة قاعدةً أساسية عند بناء أي مسجد في الدولة ولذلك فهو يعد تحفة فنية هندسية نادرة الوجود تدل على عظمة أجدادنا في فن المعمار الهندسي الرائع .
 
 
الصور :