abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
محمد سيد ياسين
محمد سيد ياسين
عدد : 09-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com



في منزل سيد بك محمد ياسين بمدينة الإسكندرية ولد طفل تفتحت عيناه في أسرة تعمل في الأعمال الحرة فالأب كان مقاولا أغلب نشاطه في تقوية جسور النيل فضلًا عن عمليات المقاولات العامة الأخرى كما كان يمتلك مراكب شراعية تتولي نقل المحاصيل الزراعية عبر النيل وفي خضم هذه النجاحات تعلم الابن أصول التجارة من والده وتعلم منه أيضا أن رأس المال لا يتنافى مع الجانب الإنساني حيث كان يشاهد الأب يقبل أن يضمن أصدقاءه في مبالغ مالية كبيرة وكان هذا الأمر نقطة تحول في مسيرة حياة الإبن محمد سيد ياسين حيث مات الأب وترك لإبنه التجارة والمقاولات ومعهما الديون حيث ترك له مجموعة من الديون قدرها 30 ألف جنيه كانت كلها ديون شرف أي ضمانات لأصدقاء تحصلوا علي هذه الأموال بضمان والده و تهربوا من دفع هذه الإلتزامات وكان هذا المبلغ باهظ بمقاييس السنوات الأولي من القرن العشرين الماضي ولكن الإبن محمد سيد ياسين أصر علي سداد تلك الديون وإستطاع فعلا السداد وإنهاء هذه المشكلة وفي أحد ليالي شهر فبراير عام 1921م جاء إلى القاهرة قادما من الإسكندرية وتصادف أن كانت الليلة شديدة المطر وفي محطة مصر بالقاهرة وقف بجانب حقيبته الثقيلة يتأمل العاصمة الغارقة في المطر والكتل الطينية وفي تلك الليلة أضرب عمال الترام عن العمل وإستغل سائقو الحناطير سوء الأحوال الجوية وضاعفوا الأجرة وإضطر الرجل إلي إستئجار عربة حنطور ضرب سائقها السعر العادي في رقم سبعة فسأله لماذا ذلك فأشار إلى الطين والوحل والإضراب فقام بدفع الأجرة المبالغ فيها صاغرا وهو يتألم لحال المارة والمساكين والفقراء الذين كانوا ينتظرون أو يمشون حفاة علي الجانبين لضيق ذات اليد وأمام هذا الإستغلال والإبتزاز وفي هذا الموقف ينشغل الإنسان العادى بالتفكير في شرب كوب شاى ساخن بينما ينظر الإنسان الإستثنائي إلي السماء ويقول من الذى قال إن السماء لا تمطر ذهبا وكان هذا الرجل إنسانا إستثنائيا حيث إتخذ قرارا من أجل تلافي آثار وأضرار إضراب عمال الترام وإستغلال أصحاب الحناطير للوضع كما حدث في تلك الليلة وكان ذلك بمثابة تحفيز له بإبتكار فكرة مختلفة وجديدة وهي أن يدخل خط نقل داخلي في مدينة القاهرة لمواجهة جشع أصحاب الحناطير وتلافي آثار الإضرابات .

ومن أجل تحقيق هذه الفكرة قرر محمد سيد ياسين أن يحول أحد اللوريات التى كان يستخدمها في أعمال المقاولات إلى أتوبيس نقل عام بدكك حديدية وتوجه لترخيصه وهنا وضعه الضابط الإنجليزى المسئول عن التراخيص في التحدى الأول حيث قال له إنه من غير المقبول أن يستخدم لورى نقل الدبش لنقل الناس ولم ييأس محمد سيد ياسين حيث قام بإعادة تشكيل مؤخرة اللورى وتخليصه من أية معادن زائدة تتسبب في ثقل وزنه وبطء حركته ثم قام بتثبيت مقاعد خشبية خفيفة بصندوق اللورى مع إحاطته بكابينة زجاجية وصنع من إختراعه هذا أكثر من 22 قطعة ليصبح الموضوع أمرا واقعا وإستطاع أن يحصل علي الترخيص اللازم ومن هنا بدا العمل فكان التحدى الثانى الذى واجهه هو الناس فقد إعتبروا تلك المخلوقات التي تسير في الشوارع أسرع من الترام والحناطير وسيلة للإنتحار ومن شأنها أن تعرضهم لمخاطر جسيمة فهجروها فكانت الأتوبيسات تخرج من الجراجات كل يوم و تعود فارغة لا تحمل إلا لعنات الناس وإستمر هذا الوضع لمدة شهر ونصف تقريبا لم يصعد خلالها راكب واحد إلى متن أى من الأتوبيسات الإثنين وعشرين التي أعدها محمد سيد ياسين وإقترح كثيرون عليه أن يفضها سيرة وأن يغلق باب الخسارة لكنه كان صبورا ومثابرا وذو إرادة فولاذية وطلب من الأتوبيسات أن تتحرك طول اليوم في الشوارع حتى يألفها الناس وينسوا خوفهم منها وفي أحد الأيام صعد شخص واحد جرئ أحد هذه الأتوبيسات وعندما عاد بالسلامة إلى المقهى الذى إعتاد الجلوس عليه أخبر رواد المقهي بما فعل وكانت هذه هي نقطة التحول حيث بعدها إنفتح باب الخير ونجح المشروع نجاحا باهرا وحقق مكاسب خيالية لصاحبه إلا أن الحكومة سحبت الترخيص من محمد سيد ياسين ومنحته لشركة إنجليزية ومن ثم إضطر أن يلجا إلي القضاء ويطالب الحكومة بالحصول علي تعويض عن سحب الترخيص منه وعلى باب المحكمة قال له مندوب الحكومة قضيتك ستستغرق مالا يقل عن عشر سنوات ستحصل بعدها على حوالي 150 ألف جنيه علي الأكثر فما رأيك أن تسحب القضية وتحصل الآن على تعويض قدره 16 ألف جنيه نقدا وإختار محمد سيد ياسين الخسارة القريبة على أمل تحويلها إلى مكسب قريب أيضا وكان قد قرر أنه لن يعود إلى نشاط المقاولات لكن إلى أين يذهب وفي أثناء تفكيره في نوعية النشاط الذى سيمارسه مستقبلا تأمل لمبة الجاز في غرفة خفير منزله والتي كانت هي الوسيلة السائدة للإضاءة في ذلك الوقت فوجد أنها مصنوعة في بلجيكا وهنا تساءل بينه وبين نفسه كم لمبة جاز مستوردة في بيوت مصر كما وجد تقرير صادر عن الحكومة المصرية في مطلع عام 1928م يفيد بأن مصر تستورد من الخارج جميع ما تحتاج إليه من زجاج لزوم النوافذ والأبواب والمرايا والقناني وغير ذلك من أشياء مصنوعة من الزجاج أو البللور وبالتالي لم يكن في مصر كلها مصنع واحد للزجاج وعليه إتخذ قراره بأن يعيد إلى مصر صنعة هي بشهادة كل كتب التاريخ من إختراعها وقد صدرتها إلى العالم ثم بدأت تتسول منه إنتاجه وهي صناعة الزجاج وبرغم أن صناعة الزجاج كانت مزدهرة عند المصريين القدماء الذين نقلوها عن الفرس ثم سرقها الرومان عندما إحتلوا الإسكندرية ثم إنتقلت إلي الدولة البيزنطية ومنذ الفتح العربي لمصر تزينت الشوارع بالثريات والمصابيح كما إنتشرت أيضا في الجوامع كما إنتشر الزجاج الملون في نوافذ الجوامع والمنازل ثم توقفت هذه الصناعة تماما منذ القرن الرابع عشر الميلادي وإنتقلت إلي أوروبا وفي عصر محمد علي باشا قامت بعض المحاولات لإحياء هذه الصناعة ولكن لم يكتب لها النجاح وعندما جاء الإحتلال الإنجليزي إلي مصر كان المناخ الإقتصادي والإجتماعي الذي أشاعوه لا يشجع علي أي جهود للنهضة في مجال الصناعة عموما وقد كانت هذه سياسة مقصودة إفتخر بها رجل الإستعمار البغيض اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر وسجل ذلك في تقرير له من القاهرة أرسله للحكومة البريطانية في لندن مفاخرا قائلا لها لقد إختفت الصناعات المصرية من الأسواق ولم يعد موجودا إلا السلع الأجنبية .

ومن أجل تحقيق هذا الحلم إنطلق الرجل إلى ألمانيا ومنها إلى عدة دول مجاورة في زيارات لمصانع الزجاج هناك وتمكن من الحصول على ما يكفيه من خبرة للإنطلاق في هذا المجال بعد أن تأمل ودرس العملية الإنتاجية وما الذى تحتاج إليه ثم عاد محملا بالعلم وبعدد من خبراء الصناعة الأجانب وقرر أن يقتحم السوق من النقطة التي تجعله صاحب نصيب مهم فيها فتخصص في صنع بلورة لمبة الجاز وشق طريقه بصعوبة وسط أباطرة الإستيراد الذين كانوا يقفون بضراوة في وجه أي صناعة وطنية وعلى مدى ثلاث سنوات كان يخسر كثيرا لأن العمال المصريين كانوا لم يتقنوا الصنعة بعد وعندما أتقنوها كان بحاجة إلى إقناع المصريين وأغلب بيوتهم تعتمد على اللمبة الجاز بتشجيع المنتج الوطنى فكان النجاح بطيئا لكن بدأب ومثابرة وعزيمة هذا الرجل العظيم إستطاع أن يجد لنفسه مكانا في السوق ثم رأى أن الوقت قد أصبح مناسبا ليصبح مشروعه أكبر وأوسع نشاطا فقام بإختيار قطعة أرض في شبرا الخيمة وصمم مصنعه الكبير الذى يحلم به ثم حسب حسبته فوجد أنه بحاجة إلى مبلغ 80 ألف جنيه ورفضت جميع البنوك العاملة في مصر آنذاك أن تضع يدها في يد هذا المجنون الذى باع أرضه وأتوبيسات النقل التي كان يمتلكها وجميع ممتلكاته من أجل إنشاء وتأسيس مصنع زجاج إلا بنك مصر الذى كان علي رأسه رجل عظيم آخر من رجال مصر هو الإقتصادى الكبير طلعت حرب باشا الذى قرر أن يقرضه ما يحتاج إليه من مال وتعجب مديرو البنوك الأخرى وسألوه كيف تفعل ذلك فقال حرب للأسباب نفسها التي رفضتم من أجلها إقراضه فهذا رجل باع كل ما يملك من أجل مشروع صناعي تحتاجه مصر ولست أدرى كيف تبدأ الصناعة إلا بمجازفة مدروسة ولم يكتف طلعت حرب باشا بالموافقة علي القرض فقط بل إستمر في مراقبة المشروع ومتابعته وتشجيعه ورحم الله الرجلين فقد كانا من أعظم ما أنجبته مصر .

وفي غضون سنوات قليلة كبر مصنع ياسين للزجاج وإستقرت منتجاته في كل بيوت مصر على إختلاف مستوياتها وتحول مصنعه إلى مؤسسة صناعية إجتماعية كبرى وبلغت مساحتها حوالي 64 ألف متر مربع وأصبحت مصانع ياسين للزجاج هي الأشهر في مصر وخارج مصر أيضا وتتمتع بسمعة عالية في تصنيع الزجاج حتى أنه أطلق عليها أكاديمية صناعة الزجاج في مصر كما تحولت مصانعه لواحدة من أهم مرتكزات الصناعة الوطنية المصرية وبالإضافة إلي المصانع تم إختيار قطعة أرض تقع بجوار المصانع مطلة على النيل أنشيء عليها نادى ضخم يضم ملاعب و حمام سباحة ومسرح للعمال وفي البداية كان يعمل في المصنع أكثر من 150 مهندس ألماني و تشيكوسلوفاكي وبلا شك أنهم قد ساهموا في تطوير المهنة ورفعوا مستوى العمالة المصرية قبل أن يعودوا إلى بلادهم وفي صحبتهم عمال مصريون لكي يقوموا بتدريب العمال الألمان والتشيك ومن ثم عادت صناعة الزجاج إلى مصر كما بدأت قبل قرون وكان طقم ياسين هو أول قطعة في جهاز كل عروس مصرية سواء طقم المشروبات المرشوش بالرمل الملون أو طقم القهوة المطلى بخطوط ماء الذهب أما لمبة جاز ياسين فقد كانت شريكة كل بيوت مصر سواء في القرى أو المدن في لحظات الونس .

وبعد أن قامت ثورة 23 يوليو عام 1952م تم تأميم مصانع محمد سيد ياسين في عام 1961م ضمن قرارات التأميم التي صدرت في هذا العام وتحول مصنع ياسين إلى مصنع قطاع عام تحت مسمي شركة النصر للزجاج والبللور وضاع ختم ياسين الموجود أسفل الأكواب وإنتهى الجزء اليدوى الفني في الصنعة وصار ميكانيكيا فظا وكان التأميم قاسيا علي الرجل العظيم بعض الشئ فبحسبة بسيطة لم يعد المصنع يدر عليه إلا جنيهات قليلة حيث تم تعويضه بسندات لا تزيد قيمتها عن 15 ألف جنيه ولا يتجاوز عائدها الشهري 30 جنيها كان يصرفها على علاجه وهو ما جعل محمد سيد ياسين وأسرته في موقف لا يحسدون عليه خاصة أنه قد إستثمر كل ممتلكاته في مصانعه ولم يكن يملك أي شيء آخر وقد إتفق رجال الإقتصاد ورجال الأعمال علي أن المشكلة الحقيقية كانت ليست في التأميم أو ملكية الدولة لأدوات الإنتاج بشكل مطلق ولكنها تمثلت في غياب المعايير وإختلال المقاييس وهيمنة القرارات الإنفعالية والإنتقامية غير المدروسة وما ترتب علي ذلك من تراجع ملحوظ في التطور والنمو الإقتصادي المصري من خلال مناخ له دافع سياسي بعيد كل البعد عما هو إقتصادي وبذلك أسدل الستار علي سيرة ذاتية لرجل عاشق للنجاح كان يمثل نموذجاً فريدا لرجل الأعمال الوطني المصري الذي بني مجدا إقتصاديا كبيرا سرعان ما تهاوي بعد رحيل الرجل عن مصنعه الذي كان منارة صناعية لا مثيل لها ثم رحل عن الدنيا بعد حوالي 10 سنوات من تأميم مصانعه عام 1971م ومما يذكر أيضا أن هذا المصنع العريق قد أصبح في التسعينيات من القرن العشرين الماضي مطمعا للمستثمرين وتم عرضه للبيع ضمن برنامج الخصخصة عام 2006م مما أدى إلي غلقه لعدة سنوات ولكن لحسن الحظ أنه نجا من مذبحة الخصخصة حينما فشلت صفقة بيعه لمستثمر عرض سعرا بخسا له كما كان في نيته تخفيض عمالته إلي النصف تقريبا وبعد قيام ثورة 25 يناير عام 2011م قام عمال المصنع الباقون بعد خروج الكثير منهم إلي المعاش المبكر والتصفية بالمطالبة بعودة نشاط أول وأكبر وأشهر مصنع للزجاج في الشرق الأوسط وبالفعل عادت الحياة للآلات وإرتدى العمال القفازات مرة أخرى خلال عام 2015م وليعود المصنع العريق إلي الإنتاج مرة أخرى .
 
 
الصور :