abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الدكتور عبد الحليم محمود
الدكتور عبد الحليم محمود
عدد : 10-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


الدكتور/ عبد الحليم محمود عالم أزهري معروف تقلد منصب وزير الأوقاف ثم أصبح الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر الشريف خلال الفترة من عام 1973م وحتي عام 1978م وقد ولد في يوم 2 جمادى الأولى عام 1328 هجرية الموافق يوم 12 مايو عام 1910م بعزبة أبو أحمد بقرية السلام بمركز بلبيس بمحافظة الشرقية ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والورع والتقوى وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه وحفظ الطفل الصغير عبد الحليم القرآن الكريم كاملا ثم إلتحق بالأزهر عام 1923م وحصل على العالمية عام 1351 هجرية الموافق عام 1932م ثم سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لإستكمال تعليمه العالي حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عام 1359 هجرية الموافق عام 1940م عن الحارث المحاسبي وهو أحد علماء التصوف في القرن الثالث الهجرى والذى سمي بهذا الإسم لأنه كان يحاسب نفسه دائما وبدأ في هذه الفترة من حياته في التعمق فى الفلسفة فى أثناء دراسته بباريس ثم تحول من الفلسفة إلى التصوف بعد أن إستقر فى وعيه ووجدانه أن الصوفية هم أصدق السائرين فى طريق الله تعالى خصوصا أن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ولعله كان شبيها فى ذلك تماما بأستاذه وإمامه الشيخ الجليل أبو حامد الغزالى الذى خاض نفس التجربة وتشابه المسار بينهما فى البداية وفى النهاية وبعد عودته من رحلته الدراسية بباريس عمل مدرسا لعلم النفس بكلية اللغة العربية بكليات جامعة الأزهر ثم عميدا لكلية أصول الدين عام 1384 هجرية الموافق عام 1964م وعضوا ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية فنهض به وأعاد تنظيمه ثم عين وكيلا للأزهر عام 1390 هجرية الموافق عام 1970م فوزيرا للأوقاف وشئون الأزهر .

وفي عام 1973م أصبح الدكتور عبد الحليم محمود شيخا للجامع الأزهر الشريف عام 1973م خلفا للدكتور محمد الفحام في ظروف بالغة الحرج وذلك بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قانون الأزهر عام 1381 هجرية الموافق عام 1961م الذي توسع في التعليم المدني ومعاهده العليا وألغى جماعة كبار العلماء وقلص سلطات شيخ الأزهر وغل يده في إدارة شئونه وأعطاها لوزير الأوقاف وشئون الأزهر وهو الأمر الذي عجل بصدام عنيف بين الدكتور محمود شلتوت شيخ الأزهر الذي صدر القانون في عهده وبين تلميذه الدكتور محمد البهي الذي كان يتولى منصب وزير الأوقاف وفشلت محاولات الشيخ الجليل في إسترداد سلطاته وإصلاح الأوضاع المقلوبة وكان وقتها الشيخ عبد الحليم محمود يرتدى الزى المدنى البدلة ورباط العنق وتحول الشيخ إلى الزى الأزهرى بعد سماعه عبارة لعبد الناصر ينتقد فيها علماء الأزهر وقت إلغائه جماعة كبار العلماء قائلا إنهم يفتون الفتوى من أجل ديك يأكلونه وكرد فعل غاضب قرر الشيخ عبد الحليم محمود أن يرتدى الزى الأزهرى وكان ذلك بمثابة إعتراض منه على تهكم عبد الناصر على الدعاة ولم يكتف بذلك بل دعا كل زملائه للتمسك بزى الأزهر ولم يكن أكثر الناس تفاؤلا يتوقع للشيخ عبد الحليم محمود أن يحقق هذا النجاح الذي حققه في إدارة الأزهر فيسترد للمشيخة مكانتها ومهابتها ويتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية على نحو غير مسبوق ويجعل للأزهر رأيا وتواجدا وبيانا في كل موقف وقضية حيث أعانه على ذلك صفاء نفس ونفاذ روح وإستشعار المسئولية الملقاة على عاتقه وثقة في الله عالية جعلته يتخطى العقبات ويذلل الصعاب وجدير بالذكر أن لشيخنا الجليل أكثر من 60 مؤلفا في التصوف والفلسفة بعضها بالفرنسية ومن أشهر كتبه أوروبا والإسلام والتوحيد الخالص والإسلام والعقل وأسرار العبادات في الإسلام والتفكير الفلسفي في الإسلام والقرآن والنبي والمدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي وقد كان شيخنا عبد الحليم محمود هو أشهر من كتب عن رواد التصوف على مر العصور الإسلامية المختلفة حتى لقد قيل من بعد وفاته مات الإمام العارف بالله أبو التصوف فى العصر الراهن لتسكن من بعده المطابع عن نشر تراثنا الصوفي‏ فقد تناول الإمام سير وحياة أئمة التصوف العظام كل فى كتاب مستقل بذاته نذكر منها إمام السائرين والحارث المحاسبى وأبو البركات أحمد الدرديرى وذو النون المصرى والفضيل بن عياض والإمام عبد الله بن المبارك وأبو بكر الشبلى والسيد أحمد البدوى وأبو مدين الغوث وأبو اليزيد البسطامى وسهل التسترى وبشر الحافى ويمكن للقارئ أن يجد بسهولة تلك المؤلفات فى مكتبات دار المعارف وبأسعار فى متناول الجميع .

وقد بدت بوادر الإصلاح واضحة في سلوك الشيخ عبد الحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية الذي حل محل جماعة كبار العلماء حيث بدأ بتكوين الجهاز الفني والإداري للمجمع من خيار رجال الأزهر وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة إستغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءات كما عمل الشيخ على توفير الكفايات العلمية التي تتلاءم ورسالة المجمع العالمية وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية وتوالى إنعقاده بإنتظام كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة لجامع لأزهر لتقام عليها واثناء توليه منصب وزير الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة فأنشأ عددا كبيرا منها وضم عددا كبيرا من المساجد الأهلية للوزارة وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل جامع عمرو بن العاص أول مسجد جامع في قارة أفريقيا وثاني مسجد يتم بناؤه في قارة أفريقيا بعد مسجد سادات قريش بمدينة بلبيس بمحافظة الشرقية وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ محمد الغزالي فدبت فيه الروح وعادت إليه الحياة بعد أن إغتالته يد الإهمال الجسيم وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب وأنشأ بمساجد الوزارة فصولا للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلافا من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف وقد رأى أن للوزارة أوقافا ضخمة كانت تدر ملايين الجنيهات ثم تم إسناد إدارتها إلي هيئة الإصلاح الزراعي لحساب وزارة الأوقاف فلم تعد تدر إلا القليل فإستردها من وزارة الزراعة التي تتبعها هيئة الإصلاح الزراعي وأنشأ هيئة كبرى لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد كما إكتشف أن هناك أوقافا عليها تعديات عديدة وأخرى مغتصبة فعمل على إزالة التعديات عليها وإستردادها من المتعديين عليها ومن مغتصبيها .

وقد صدر قرار تعيين الشيخ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر في يوم 22 صفر عام 1393 هجرية الموافق يوم 27 مارس عام 1973م وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعدته المقادير له وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه حتى بوغت بصدور قرار جديد من الرئيس أنور السادات رئيس الجمهورية في يوم 17 من شهر جمادى الأولي عام 1394 هجرية الموافق يوم 7 يوليو عام 1974م يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من إختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف وشئون الأزهر فما كان من الشيخ الجليل إلا أن قدم إستقالته لرئيس الجمهورية على الفور معتبرا أن هذا القرار يقلل من قدر المنصب الجليل ويجرده من صلاحياته ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر وفي العالم العربي والإسلامي وروجع الإمام في أمر إستقالته وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره لكن الشيخ أصر على إستقالته وإمتنع عن الذهاب إلى مكتبه ورفض إستلام راتبه وطلب تسوية معاشه وأحدثت هذه الإستقالة دويا هائلا في مصر وفي سائر أنحاء العالم الإسلامي وتقدم أحد المحامين الغيورين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف طالبا وقف تنفيذ قرارت رئيس الجمهورية التي تجرد شيخ الأزهر من سلطاته وصلاحياته وإزاء هذا الموقف الملتهب إضطر الرئيس أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد ومن ثم قام بإصدار قرار جديد أعاد فيه الأمر إلى نصابه الصحيح جاء فيه أن شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن الكريم وعلوم الإسلام وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر كما تضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة وإنتهت بذلك تلك الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده ورسالته السامية وجدير بالذكر أنه قد صدر قرار جمهورى آخر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس مجلس الوزراء .

وكان الشيخ عبد الحليم محمود يدرك خطورة منصبه وأنه مسؤول عن القضايا التي تتعلق بالمسلمين وأنه لا ينتظر من أحد أى توجيهات للنظر في بعض القضايا وغض النظر عن بعضها فكان للأزهر في عهده رأي ومقال في كل قضية وموضوع يتعلق بأمر المسلمين فتصدى لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة عائشة راتب وزيرة الشئون الإجتماعية حينذاك إصداره دون الرجوع إلى الأزهر وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة وكان هذا القانون قد تضمن قيودا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية ولما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بيانا قويا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام وحدود الشريعة الإسلامية وأرسله إلى جميع المسؤولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور لكن بيان الشيخ تآمرت عليه قوى الظلام فصدرت التعليمات إلى الصحف بالإمتناع عن نشره وإجتمعت الحكومة للنظر في بيان الشيخ عبد الحليم محمود ولم تجد مفرا من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق في تعديل قانون الأحوال الشخصية وبذلك نجح الإمام في قتل القانون في مهده وفي عهد توليه منصبه أيضا إقترح البابا شنودة الثالث بطريرك الأقباط في مصر تأليف كتب دينية مشتركة ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس مبررا ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة وتقوية الروابط بينهما وقد لقي هذا الإقتراح قبولا بين كبار المسئولين وزار الدكتور مصطفى كمال حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الإقتراح لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له من آذنك بهذا ومن الذي طلبه منك إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الإستقالة فما كان من الوزير إلا أن إسترضى الشيخ الغاضب وقدم إعتذارا له قائلا له إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين ويوم أن تقدم إستقالتك لهذا السبب فسأقدم إستقالتي بعدك مباشرة .

وكان من المواقف القوية الشجاعة للشيخ الجليل ما أبداه تجاه المحكمة العسكرية التي تصدت للحكم في قضية جماعة التكفير والهجرة عام 1977م وكانت المحكمة قد إستعانت بعدد من علماء الأزهر لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم وكررت ذلك أكثر من مرة وكانت في عجلة من أمرها الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون الإستئناس برأي الأزهر ولم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه وشيوخه وقالت إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلا من إهمالها وعدم الإعتناء بمجرد بحثها ولمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها وا أسفاه على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة وكانت تلك الكلمات من جانب المحكمة قاسية وغير مسئولة وتفتقد إلى الموضوعية والأمانة وهو ما أغضب الإمام الأكبر لهذا الهجوم العنيف، فأصدر بيانا إمتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار وفي هذا البيان إتهم الشيخ عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية ويتمكنون من الإطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها وبالتالي يتمكنون من إصدار الحكم الصحيح كما إتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكن علماء الأزهر من الإطلاع على آراء هذا التنظيم أو الإستماع إلى شرح من أصحابه والإطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر وإكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات وهذا لا يرقى أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكام أى أحكام .

وفي عهد تولي الشيخ عبد الحليم محمود منصب شيخ الأزهر كانت هناك حاجة ملحة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التي تقلص عددها وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها العشرين بأعداد كافية من الطلاب وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادا كبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس وهم لا يتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام وقد أدرك الشيخ خطورة هذا الموقف فجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية فلبى الناس دعوته وأقبلوا عليه متبرعين ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمال الشيخ في التوسع في التعليم الأزهري فكفاه الناس مئونة ذلك وكان لصِلاته العميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر كبير في تحقيق ما يصبو إليه فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل كما كان من أهم دعوات شيخنا الجليل دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية السمحاء تلك الدعوة التي خاضها في صبر وجلد داعيا وخطيبا ومحاضرا ومخاطبا المسئولين في البلاد فكتب إلى كل من المهندس سيد مرعي رئيس مجلس الشعب وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء حينذاك يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية ويقول لهما لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا ولم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث بل سلك سبيل الجهاد العلمي فكون لجنة من كبار علماء مجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل إستخراج الأحكام الفقهية على غرار القوانين الوضعية فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب الإسلامية الأربعة .

وكان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام للمسلمين في كل أنحاء العالم وأنه مسئول عن قضاياهم وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي ويتجاوب مع كل أزمة تلم ببلد إسلامي فنجده قد أصدر بيانا بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان ودعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين إلى التوقف عن إراقة الدماء وتخريب معالم الحياة وأهاب بزعماء العرب والمسلمين إلى المسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته وفاءا بحق الإسلام وحق الأخوة الوطنية والإنسانية وقياما ببعض تبعات الزعامة والقيادة التي هي أمانة الله في أعناقهم ولم يكتف الشيخ بذلك بل أرسل برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسم وعزم على وقف النزيف الدموي الذي أسالته المؤامرات المعادية على أرض لبنان كما أنه عندما قامت أزمة عنيفة بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغربية التي كانت أسبانيا تحتلها وأدى الخلاف بينهما إلى مناوشات حربية كادت أن تتحول إلى حرب عنيفة فلما علم الإمام بأخبار هذه التحركات سارع إلى إرسال برقية إلى كل من ملك المغرب ورئيس الجزائر دعاهما إلى التغلب على نوازع الخلاف وعوامل الشقاق والفرقة وأن يبادرا بتسوية مشكلاتهما وموضوعات الخلاف بينهما بالتفاهم الأخوي والأسلوب الحكيم وناشدهما بإسم الإسلام أن يلقيا السلاح وأن يحتكما إلى كتاب الله وأرسل في الوقت نفسه برقية إلى الرئيس الراحل أنور السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين جاء فيها تتعلق بزعامتكم قلوب المسلمين في كل مكان الذين ينتظرون مساعيكم الحميدة في إصلاح ذات البين بمناسبة الصدام المسلح المؤسف بين البلدين الشقيقين الجزائر والمغرب وقد رد الرئيس أنور السادات على برقية شيخ الأزهر ببرقية يخبره فيها بمساعيه للصلح بين الطرفين جاء فيها تلقيت بالتقدير برقيتكم بشأن المساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب وأود أن أؤكد لكم أن مصر تقوم بواجبها القومي من أجل مصالح العرب والمسلمين وما زال السيد محمد حسني مبارك نائب الرئيس يقوم بمهمته المكلف بها وأرجو من الله عز وجل أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق وفي الوقت نفسه أرسل برقية إلى الملك خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية آنذاك يدعوه للتدخل إلى حقن الدماء بين البلدين الشقيقين وفض النزاع بينهما وقد أحدثت هذه البرقيات أصداء قوية وكانت عاملا هاما في تهدئة الحالة بين الدولتين الشقيقتين .

وهكذا كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وإحساسا بالمسئولية التي يحملها على عاتقه فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء بل أكثر من ذلك حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لإستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب وفي ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد أحوال وقضايا المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق 15 من شهر ذى القعدة عام 1397 هجرية الموافق يوم 17 أكتوبر عام 1978م بعد رحلة طويلة مليئة بالمحبة والعطاء والكفاح من أجل رفع راية دين الله الحنيف عالية خفاقة تاركا ذكرى طيبة ونموذجا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر وفى رثائه قال عنه الكاتب الإسلامي الكبير خالد محمد خالد بالأمس رحل عن الدنيا رجل من الأخيار رجل إتقى الله وآمن برسوله فآتاه الله كفلين من رحمته وجعل له نورا يمشى به كالأنفاس الطاهرة الهادئة والنسمات الوادعة فى صمته وصوته وجميع سمته كان وفى السير على هذا الطريق غير ملق بالَه لنقد الناقدين ولوم اللائمين لم تكن له شخصيتان بل شخصية واحدة إتسقت إتساقا باهرا مع نور الشريعة والحقيقة معا وكان يذكر كلما ذكر الإخلاص والطهر والتقى ذلكم هو الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود وقال عنه الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومى الأستاذ بجامعة الأزهر لا يفارقك وأنت فى مجلس الإمام عبد الحليم محمود إحساسك أنك مع إنسان يعرف ربه وأنه بهذه المعرفة الحقيقية قد إرتفع إلى مستوى وضىء فأنت معه فى مكان واحد ولكن شعورك يدعوك إلى أن ترى أنه فى السماء وأنك فى الأرض هيبته تملأ مشاعرك وتواضعه يزيده تألقا ويزيدك إجلالا للعارفين بالله فتحاول أن تسمع منه ليعطيك مفضلا مأثرة السكوت الناطق أمام وجه مضىء الملامح طاهر القسمات تنطق أساريره المؤمنة بمعان لا تعرفها الأرض لأن بوارقها الفاتنة تلوح فى الأفق الأعلى كما تلوح أشعة الشمس وضياء القمر ومن الإنسان ما يتألق ويشع ويضىء مثل محمد عبده وعبد الحليم محمود كما كتبت عنه الأستاذة سناء البيسى بأسلوبها السلس الرشيق تصفه بأنه فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة من لم يعرف الخصام إلى نفسه سبيلا‏ ولا البغض إلى قلبه طريقا‏ ولم تعرف تصفية الحسابات إلى حياته بابا‏ حليما ودودا محبا سمحا مخلصا يجمع خصائص الأئمة من أصحاب الفكر المستنير الذين لا يموتون‏ وإن توارت عنا أجسادهم فأعمالهم وعلمهم يذكرنا دوما بهم ليحق فيه قول أمير الشعراء أحمد شوقى والناس صنفان موتى فى حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء رحم الله الإمام الأكبر الدكتورعبد الحليم محمود رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته .
 
 
الصور :