abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الفقية "السنهورى" باشا بين سيادة القانون وهاوية السياسة
الفقية -السنهورى- باشا بين سيادة القانون وهاوية السياسة
عدد : 10-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com



عبد الرزاق باشا السنهوري أحد أعلام الفقه والقانون في مصر والوطن العربي ، ولد في يوم 19 صفر عام 1313 هجرية الموافق يوم 11 اغسطس عام 1895م بالإسكندرية لأسرة فقيرة وعاش طفولته يتيما حيث توفي والده الموظف بمجلس بلدية الإسكندرية تاركا أمه وسبعة من البنين والبنات، ولما بلغ الطفل الصغير عبد الرزاق من العمر ست سنوات وكان والده ما يزال علي قيد الحياة، بدأ تعليمه في الكتاب بتشجيع منه حيث كان يقدم له الجوائز ترغيبا له في التعليم ثم إنتقل بعد وفاة والده إلى مدرسة راتب باشا الإبتدائية ثم إلتحق بمدرسة رأس التين الثانوية ثم إنتقل منها إلي المدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية ومنها حصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية عام 1913م وكان ترتيبه الثاني على طلاب القطر المصري ثم إلتحق بمدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة حيث حصل منها على شهادة الليسانس عام 1917م وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب رغم أنه كان يعمل موظفًا بوزارة المالية إلى جانب دراسته وقد تأثر في مرحلة شبابه بالزعيم المصري الوطني المصري مصطفى كامل بشا وتبنى فكرة الجامعة الإسلامية التي كان يدعو إليها كما كان معجبا بعبد الرحمن الكواكبي وعبد العزيز جاويش ومحمد فريد وجدي كما تأثر بعد ذلك بفكر ثورة عام 1919م وشارك أثناء عمله بالنيابة العامة فيها فعاقبته سلطات الإستعمار الإنجليزي بالنقل إلى مدينة أسيوط بصعيد مصر وفي عام 1920م ترقى إلى منصب وكيل النائب العام وفي نفس العام إنتقل من العمل بالنيابة إلى تدريس القانون في مدرسة القضاء الشرعي وهي واحدة من أهم مؤسسات التعليم العالي المصري التي أسهمت في تجديد الفكر الإسلامي منذ إنشائها عام 1907م وزامل فيها كوكبة من أعلام التجديد والإجتهاد مثل الأساتذة أحمد إبراهيم وعبد الوهاب خلاف وعبد الوهاب عزام وأحمد أمين وتتلمذ عليه عدد من أشهر علماء مصر وعلى رأسهم الشيخ محمد أبو زهرة .

وسافر عبد الرزاق السنهورى باشا بعد ذلك إلي فرنسا في بعثة علمية لدراسة القانون بجامعة ليون للحصول على الدكتوراه وهناك تبلورت عنده الفكرة الإسلامية وبدأ يتخذ الموقف النقدي من الحضارة الغربية فإنتقد الإنبهار بالغرب وهاجم تبني الدكتور منصور فهمي لمقولات المستشرقين وهاجم موقف الشيخ علي عبد الرازق صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم من الخلافة الإسلامية وتأثره فيه بالمناهج العلمانية والرؤية النصرانية وهناك في فرنسا وضع السنهوري باشا رسالته الإصلاحية التي عرفت بمواد البرنامج الذي يتضمن رؤيته في الإصلاح وأنجز خلال وجوده في فرنسا رسالته للدكتوراه وكان موضوعها القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الإنجليزي ونال عنها جائزة أحسن رسالة دكتوراه وأثناء وجوده هناك ألغيت الخلافة الإسلامية عام 1924م فأنجز رسالة أخرى للدكتوراه عن فقه الخلافة وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية رغم عدم تكليفه بها وتحذير أساتذته من صعوبتها والمناخ الأوروبي السياسي والفكري المعادي لفكرتها وكان قد كتب سابقا في مذكراته عن الإجتياح الإستعماري للدولة العثمانية عام 1918م عقب الحرب العالمية الأولي إني أقرأُ الآن تاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادى ومقاومة الدول الأوروبية لتركيا وإقتناصها ممتلكاتها واحدة بعد الأخرى وفرضها عليها شروط الغالب سواء كانت غالبة أو مغلوبة وما أظهرته أوروبا من التعصب والجور وما إستحلته من ضروب الخيانة والغدر كل هذا لم يدهشني إنما يدهشني أن أرى المسلمين يتعجبون مما أظهرته أوروبا من الوحشية تحت ستار المدنية كأنهم أيقظهم الله من سباتهم يجهلون أن المدنية والإنصاف والعدالة والقانون ألفاظ مترادفة توجد في المعاجم ونسمعها على ألسنة الساسة والكتاب وإذا بحثنا عن مدلولها لم نجده إن الذي أصاب الدولة العلية من أوروبا تم على وفق السنن الطبيعية وإنها مبررات الذئب للخروف الذي عكر عليه الماء وعلى الخروف حتى يأمن غائلة الذئب أن يخلع قرونه التي تفتتت وأن يتخذ له قروناً من حديد حتي يستطيع أن يخرق بها أحشاء الذئب إذا حدثته نفسه بالإعتداء عليه .

وعاد بعد ذلك السنهورى باشا إلي مصر عام 1926م وتم تعيينه مدرسا للقانون المدني بكلية الحقوق بالجامعة المصرية التي كانت قد تأسست في ذلك الوقت وشارك في المعارك السياسية والفكرية التي كانت تموج بها الحياة في مصر قبل ثورة يوليو عام 1952م خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين الماضي وكان قريبا من كل تيارات التغيير والإصلاح رغم عدم إنضمامه لحزب أو تنظيم وعلي الرغم من ذلك فصلته الحكومة عام 1934م من الجامعة لأسباب سياسية منها تأسيسه لجمعية الشبان المصريين، ثم سافر إلى العراق عام 1935م بدعوة من حكومتها فأنشأ هناك كلية للحقوق وأصدر مجلة القضاء ووضع مشروع القانون المدني للدولة ووضع عددا من المؤلفات القانونية لطلاب العراق.وبعد سنتين عاد إلي مصر في عام 1937م وتم تعيينه عميدا لكلية الحقوق بالجامعة المصرية ورأس وفد مصر في المؤتمر الدولي للقانون المقارن بمدينة لاهاي بهولندا . وقد أسندت إليه وزارة الحقانية أى العدل المصرية مهمة وضع مشروع القانون المدني الجديد للبلاد فإستطاع إنجاز المشروع ورفض الحصول على أي مكافأة ثم أجبر مرة أخرى على ترك التدريس بالجامعة فإتجه إلى القضاء فأصبح قاضيا للمحكمة المختلطة بالمنصورة ثم وكيلا لوزارة العدل فمستشارا فوكيلا لوزارة المعارف العمومية إلى أن أبعد منها لأسباب سياسية عام 1942م فإضطر إلى العمل بالمحاماة رغم عدم حبه لها .

وفي عام 1943م عاد السنهورى باشا إلي العراق مرة أخرى لإستكمال مشروع القانون المدني الجديد ولكن بسبب ضغوط الحكومة المصرية الوفدية آنذاك على الحكومة العراقية ،وإضطر للسفر إلى دمشق وبدأ يعمل في وضع مشروع القانون المدني لسوريا ولكنه أعيد مرة أخرى إلي مصر بسبب ضغوط حكومية وفي أثناء وجوده في دمشق قام بوضع أول مخطط لإنشاء إتحاد عربي عام 1944م قبل قيام الجامعة العربية بحوالي سنة ووضع مشروع معهد الدراسات العربية العليا الذي تأجل تنفيذه حتى عام 1952م في إطار جامعة الدول العربية وقد تولي السنهورى باشا وزارة المعارف العمومية في أكثر من وزارة خلال الفترة من عام 1945م وحتي عام 1949م كما تم تعيينه عضوا بمجمع اللغة العربية في مصر عام 1946م وفي عام 1949م تم تعيينه رئيسا لمجلس الدولة المصري خلفا لرئيسه الأول كامل مرسي باشا وفي خلال تقلده لهذا المنصب أحدث أكبر تطوير تنظيمي وإداري للمجلس في تاريخه وأصدر أول مجلة له وتحول المجلس في عهده إلي أكبر حصن للحريات وإستمر فيه حتي عام 1954م وخلال هذه الفترة أيضا شارك في وضع مشروع الدستور المصرى الجديد وذلك بعد إلغاء دستور عام 1923م ذلك الدستور الذى أعدته لجنة سميت لجنة الخمسين ضمت العديد من أساتذة القانون والدستور المشهود لهم بالكفاءة والخبرة ،وللأسف لم ير هذا الدستور النور وقد سافر السنهورى باشا خلال هذه الفترة أيضا إلى ليبيا بعد إستقلالها حيث وضع لها قانونها المدني الذي صدر عام 1953م دون مقابل. وفي شهر مارس عام 1954م حدث صدام بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر أقيل بسببه من مجلس الدولة فإعتزل الحياة العامة وفرض عليه النظام الناصري عزلة إجبارية حتى وفاته عام 1971م عن عمر يناهز 76 عاما .

وحول خلفيات وأسباب الخلاف بين السنهورى باشا والرئيس الراحل جمال عبد الناصر فيذهب البعض إلى أنها تكمن في رغبة السنهوري باشا في تحقيق الثورة لمبادئها وضرورة تأسيس سلطة قضائية مستقلة تماما تكون هي الحكم بين الدولة الجديدة وبين الجماهير حتى أن السنهوري باشا وهو رئيس الهيئة القضائية اللصيقة بعمل الإدارة ومراقبة أعمالها تم في ظل رئاسته لها إلغاء العديد من القرارات الحكومية الصادرة من جمال عبد الناصر نفسه مما وضع الخلاف بين رجل القانون ورجل السياسة على مستوى الأزمة وبالطبع حسم السياسي الأزمة لصالحه بإخراج السنهوري باشا من الساحة القانونية.

وإذا ما إستطلعنا بعض تفاصيل هذا الخلاف فقد تم تدبير واقعة شهيرة ضمن ما عرف تاريخيا بإسم أزمة الديمقراطية أو أزمة مارس عام 1954م عندما إحتدم الخلاف بين جناحي محمد نجيب وجمال عبد الناصر داخل مجلس قيادة الثورة حول شكل نظام الحكم الواجب إتباعه بعد إعلان الجمهورية وكان قد مضى أكثر من عام على تشكيل لجنة الخمسين المنوط بها إعداد دستور جديد بعد تعطيل العمل بدستور عام 1923م في شهر ديسمبر عام 1952م وحل الأحزاب السياسية في شهر يناير عام 1953م وحظر النشاط الحزبي في شهر فبراير من العام نفسه وصدرت جميع هذه القرارات بأمر من محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة وقتها ورئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء لاحقًا وقد بدأت الأزمة تشتد بين نجيب من جانب وعبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة من جانب آخر حتى إنتهت بأن أعلن نجيب إستقالته في يوم 22 فبراير عام 1954م وكان يتقلد منصب رئيس الجمهورية حينها ثم تراجع عن الإستقالة بعد 5 أيام عقب إندلاع مظاهرات عدة لتأييده ورفض إستقالته .

وعقب عودة نجيب لمنصبه إستمر الصراع حول عودة الحياة الحزبية والنيابية وصدر في يوم 25 مارس عام 1954م قرارا عن مجلس قيادة الثورة جاء به أنه سيتم السماح بتأسيس الأحزاب وأن مجلس قيادة الثورة لن يؤلف حزبا سياسيا كما لن يتم حرمان أي شخص من مباشرة حقوقه السياسية حتى لا يكون هناك تأثير علي الإنتخابات النيابية القادمة وأنه سيتم إنتخاب جمعية تأسيسية لمناقشة وإقرار الدستور إنتخابا حرا مباشرا بدون تعيين أي فرد وأنه سيكون لهذه الجمعية التأسيسية سلطة التشريع كاملة لحين إنتخاب برلمان وأنها ستختار رئيسا للبلاد كما سيتم حل مجلس قيادة الثورة في يوم 24 يوليو عام 1954م بعد تسليم البلاد إلى إدارة مدنية منتخبة وعقب الإعلان عن هذه القرارات خرجت مظاهرات غريبة طوال يومي 28 و29 مارس عام 1954م حيث غمرت شوارع مدينة القاهرة مجموعات من المواطنين وهي تهتف في طرقاتها تارة بحياة الجيش والثورة وعبد الناصر وتارة أخرى تنادى بسقوط الأحزاب والنقابات والرجعية بل وبسقوط القانون والدستور والبرلمان ومعه الحرية والديمقراطية وتوجهت إحدى المظاهرات إلى مقر مجلس الدولة ظهيرة يوم 29 مارس عام 1954م وهي تهتف بسقوط السنهوري باشا رئيس المجلس وقتها وأخذ المتظاهرون ينادونه بالجاهل والخائن وكان قد شاع عنه مساندته لمحمد نجيب ورغبته في عودة الحياة النيابية رغم قربه طوال العامين التاليين لثورة يوليو عام 1952م من جمال عبد الناصر ومده يد العون القانوني لمجلس قيادة الثورة في العديد من المواقف والقرارات التي أصدرها وتوقفت المسيرة خارج بوابة المجلس المغلقة بسلاسل الحديد فدخل أحد الضباط والذى يدعي حسين عرفة إلى مكتب السنهورى باشا وطلب منه الخروج إلى حديقة المبني لمخاطبة المتواجدين بها والتهدئة من روعهم وحينئذ إقتحمت جموع المتظاهرين فناء المجلس وإنقض بعضهم على السنهورى باشا بالسب والضرب وحينئذ فقط فطن السنهورى باشا أخيرا بأن الأمر لم يكن مجرد مظاهرة عادية وقد قال عن ذلك :"وحينئذ أدركت أن الأمر لم يكن مظاهرة أخاطب فيها المتظاهرين كما إدعى الضابط بل أمر إعتداء مبيت على شخصي، وما لبث المتظاهرون أن دفعونى دفعا إلى الحديقة وتوالى الإعتداء علي شخصي".

ويحكى أن المتظاهرين كادوا أن يفتكوا بالسنهورى باشا في ذلك اليوم لولا أن تلقى الضربة عنه أحد السعاة بمجلس الدولة، كما يحكى أن السنهورى باشا لم يتمكن من مغادرة مكان الإعتداء إلا بعد قدوم الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة والذي إصطحبه إلى الخارج ،وتم نقله إلي أحد المستشفيات وهو وفق إحدى الروايات مدثر بسجادة من مكاتب المجلس، ثم كان اليوم التالى للإعتداء حيث أدلى السنهورى باشا بأقواله إلى النيابة العامة من على فراشه بالمستشفى موجهاً الإتهام صراحة إلى الرئيس جمال عبد الناصر بتدبير الإعتداء عليه يوم 29 من شهر مارس عام 1954م،ثم طلب من زوجته عدم السماح له بالدخول عليه في غرفته بالمستشفي عندما قدم لزيارته والإطمئنان عليه .وكان الخلاف المشار إليه بين السنهورى باشا والرئيس جمال عبد الناصر هو السبب في حل مجلس الدولة فيما بعد وعمل تصفية من جانب السلطة القائمة حينذاك وهي الثورة آنذاك لرجال القضاء العاملين بمحرابه ثم إصدار الرئيس جمال عبد الناصر قانون جديد ينظمه .

وفي كتابه الذى تحدث فيه عن دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة يقول المستشار فاروق عبد البر نائب رئيس مجلس الدولة:" إن أسباب الإعتداء على السنهوري باشا هي محاولته العودة بالبلاد إلى مناخ الديمقراطية، متفقًا في ذلك مع رغبة اللواء محمد نجيب الذي رأى أن الإتفاق مع جمال عبد الناصر وصحبه مستحيل وأن من الأفضل له التعامل مع القوى السياسية في الشارع ومختلفًا مع رغبة جمال عبد الناصر وزملائه الذين رأوا التضحية بالديمقراطية والإستمرار في الحكم".

وعلى الجانب الآخر يرى المستشار السيد علي السيد الذي كان وكيلا للمجلس وقتها أن سبب الإعتداء على السنهوري باشا هو تورطه في صراع سياسي ويتابع قائلا:"إن هذا التورط في الصراع السياسي كاد أن يودي بكيان المجلس ذاته وإتجه التفكير فعلا إلى تصفيته بإلحاق محكمة القضاء الإداري بمحكمة النقض وإدماج القسم الإستشاري في إدارة قضايا الحكومة"، وأنه بمعاونة زملائه إستطاعوا المرور بالمجلس من خلال هذه العاصفة إلى بر الأمان وماحدث بعد ذلك أنه في اليوم التالي للإعتداء إنعقدت الجمعية العمومية لمجلس الدولة وأرسلت خطابا شديد اللهجة إلى جمال عبد الناصر نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء وقتها تدين فيه الحادث ولوح أعضاء الجمعية العمومية في خطابهم بإحتمالية إمتناعهم عن مباشرة مهامهم وأعلنوا إستمرار إنعقاد إجتماعهم حتى تتخذ الحكومة قرارات واضحة بشأن الإعتداء. وقد رد جمال عبد الناصر في خطاب مؤرخ في الثاني من شهر أبريل عام 1954م حمل إستنكار مجلس قيادة الثورة لواقعة الإعتداء على السنهوري باشا وعزم الحكومة القصاص من المسؤولين عن الواقعة وهو ما رد عليه المستشار السيد علي السيد برسالة شكر بإسم الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة.

ويعلق المستشار عبد العزيز خير الدين أحد مستشاري المجلس وقتها على تلك الواقعة قائلا:" إن ما فعله المجلس بعد الإعتداء على السنهوري باشا لا يتفق مع جسامة الجرم فقد كان حقًا على رجال المجلس أن يمتنعوا عن العمل حتى يتم القبض على المعتدين وعلى رجل المخابرات الذي كان يقودهم ويمنع تعرض رجال الشرطة لهم" ،وأكد أن وكيل المجلس آنذاك المستشار السيد علي السيد قد تسرع وإستبق قرار الجمعية العمومية وأرسل خطاب الشكر للرئيس جمال عبد الناصر قبل الرجوع إليهم والتشاور معهم .

وقد إختلف من عاصروا الواقعة على تحديد المسئول عن الإعتداء فإتهم السنهوري باشا البكباشي جمال عبد الناصر أنه من دبر الواقعة إنتقاما منه بينما رأى البعض أن الواقعة ربما لم تكن مدبرة من قِبل جمال عبد الناصر وأنها كانت إجتهادا فرديا من المخابرات الحربية التي يعتبرها البعض هي المسؤولة عن ترتيب مظاهرات شهر مارس عام 1954م ولم يتوقف الإعتداء على السنهوري باشا عند هذا الحد فتبعه في شهر أبريل عام 1954م صدور قرار من مجلس قيادة الثورة بحرمان كل من تولى منصبا وزاريا في الفترة من عام 1936م حتي يوم 23 يوليو عام 1952م من تولي الوظائف العامة لمدة خمس سنوات وهو القرار الذي حرم بسببه السنهوري باشا من منصبه القضائي حتى وفاته في عام 1971م حيث كان قد تقلد منصبا وزاريا في بعض الحكومات في هذه الفترة قبل قيام ثورة يوليو عام 1952م وبعد مرور عام على واقعة الإعتداء على السنهوري باشا أصدر جمال عبد الناصر بصفته رئيسا للبلاد قرارا بقانون بشأن إعادة تنظيم مجلس الدولة ونص القانون على تأسيس المحكمة الإدارية العليا لتكون أعلى درجة في التقاضي الإداري بعد المحاكم الإدارية كما إشتمل القانون أيضا على قرار بإعادة تعيين أعضاء مجلس الدولة وموظفيه بقرار يصدر من مجلس الوزراء خلال 15 يوما من تفعيل القانون وهو القرار الذي صدر بالفعل مع إغفال أسماء 18 عضوا من أعضاء المجلس الذين فقدوا مناصبهم وتم توزيعهم على عدد من الهيئات القضائية والوظائف العامة الأخرى ويرى البعض أن الإطاحة بهؤلاء المستشارين كان هو الغرض الرئيسي من القانون ويرجع ذلك إلى قربهم من السنهوري باشا وتضامنهم معه ويرون أيضا أنه بموجب هذا القانون وحتى عام 1971م قد تراجع دور المحكمة الإدارية العليا عن كثير من المبادئ القانونية التي أسستها أحكام القضاء الإداري خلال السنوات الأولى لتأسيس مجلس الدولة وحتي صدور هذا القانون ولم ينصلح الحال إلا بعد صدور دستور عام 1971م في أوائل عهد الرئيس الراحل أنور السادات وصدور القانون الذى ينظم العمل بمجلس الدولة والصادر في عام 1972م .

وقد إستطاع السنهورى باشا أثناء عزلته مابين عام 1954م وعام 1971م إنجاز عدد من المؤلفات القانونية المهمة كما وضع المقدمات الدستورية والقانونية لكل من مصر وليبيا والسودان والكويت والإمارات العربية المتحدة ولم تسمح له السلطات المصرية بالسفر إلا مرة واحدة تلبية لدعوة أمير الكويت عام 1960م وإستطاع خلال هذه المدة وضع دستور دولة الكويت وإستكمال المقومات الدستورية القانونية التي تؤهلها لعضوية الأمم المتحدة كما قام بوضع العديد من قوانينها منها القانون التجاري والقانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية والمرافعات وقانون الشركات وقوانين عقود المقاولات والوكالة عن المسئولية التقصيرية وعن كل الفروع وهي التي جمعت فيما بعد في القانون المدني الكويتي ويعتبر السنهوري باشا ومؤلفاته ثروة للمكتبة القانونية إذ كان عضوا في مجمع اللغة العربية منذ عام 1946م كما ذكرنا وأسهم في وضع كثير من المصطلحات القانونية إلي جانب قيامه بتأليف عدد من المراجع القانونية الهامة منها القانون المدني المصري ومذكرته الإيضاحية وشروحه والقانون المدني العراقي ومذكرته الإيضاحية والقانون المدني السوري ومذكرته الإيضاحية والقانون المدني الليبي ومذكرته الإيضاحية وقانون البينات بما فيه من قواعد الإثبات الموضوعية والإجرائية وبالإضافة إلي ذلك فقد قرأ في مرحلة مبكرة من عمره درر التراث العربي حيث قرأ كتب الأغاني والأمالي والعقد الفريد وقرأ ديوان المتنبي وكان يتردد على المكتبات العامة للإطلاع وكان كثير الإعجاب بالمتنبي ويفضله على غيره من شعراء العربية ومن مآثره أنه نادى بوضع قانون مدني جديد وإستجابت له الحكومة وعلاوة علي ذلك فقد شغل منصب وزير المعارف 4 مرات وعين رئيساً لمجلس الدولة من عام 1949م وحتي عام 1954م وعرف عنه تأييده لثورة يوليو عام 1952م كما أنه شارك في مشاورات خلع الملك فاروق مع اللواء محمد نجيب وجمال سالم وأنور السادات وصاغ مع سليمان حافظ وكيل مجلس الدولة حينذاك وثيقة تنازله عن العرش وبذل مجهودا كبيرا في مشروع الإصلاح الزراعي وطالب بإرساء الديموقراطية وحل مجلس قيادة الثورة وعودة الجيش إلى ثكناته إلا أن المظاهرات التي دبرت ضده عام 1954م حالت دون ذلك وهدمت أفكاره كما رأينا.

ونختم بحثنا هذا ببعض مقولات السنهورى باشا وأولها (لا تضح تضحية حمقاء ،ضح حيث تكون التضحية منتجة متناسبة مع نتيجتها ).. وثانيها (كلما تقدمت في السن رأيتني أحوج إلى الأخلاق مني إلى العلم والذكاء).. وثالثها (حتى تكون قوياً ليس أمامك إلا أن تريد أن تكون قويا).
 
 
الصور :