abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
يحيي إبراهيم باشا.. رمز النزاهة والعفة والنقاء
يحيي إبراهيم باشا.. رمز النزاهة والعفة والنقاء
عدد : 10-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


يحيى إبراهيم باشا سياسي مصرى تقلد منصب رئيس مجلس وزراء مصر من يوم 15 مارس عام 1923م حتي يوم 27 يناير عام 1924م وكان قد تبوأ منصب وزير المعارف العمومية في وزارة يوسف وهبة باشا التي تولت مقاليد الحكم من يوم 20 نوفمبر عام 1919م حتي يوم 21 مايو عام 1920م وتولي نفس المنصب في وزارة محمد توفيق نسيم باشا خلال المدة من يوم 30 نوفمبر عام 1922م وحتي يوم 9 فبراير عام 1923م وقد إهتم أثناء عمله بوزارة المعارف العمومية بمحو أمية العمال ونشر الثقافة بينهم وإفتتح في عهده عدد 22 قسم ليليً لتعليم العمال في مناطق مختلفة من البلاد وقد ولد يحيي إبراهيم باشا بقرية بهبشين بمركز ناصر بمحافظة بني سويف عام 1861م وتلقى علومه بمدرسة الأقباط الكبرى بالقاهرة ولما حصل علي شهادة الدراسة الثانوية إلتحق بمدرسة الحقوق وتخرج منها عام 1880م وعين معيدا بمدرسة الألسن حتي عام 1881م ثم عين معيدا بمدرسة الحقوق علاوة على وظيفته السابقة حتي عام 1882م وقام بتدريس القوانين والترجمة في كل من المدرستين ثم أصبح وكيلا لمدرسة الحقوق مابين عام 1884م وحتي عام 1888م ثم صدر أمر عالي بتعيينه في المحاكم الأهلية عام 1888م فتقلد منصب نائب قاضي بمحكمة الإسكندرية الأهلية مابين عام 1888م وعام 1889م ورقي قاضياً عام 1889م وإنتقل للمنصورة ثم أصبح رئيسا لمحكمة بني سويف مابين عام 1889م وعام 1891م ثم أصبح وكيلاً لمحكمة المنصورة مابين عام 1891م وعام 1892م ثم إنتقل إلى محكمة الإستئناف الأهلية عام 1893م ثم إنتقل للعمل كمستشار لمحاكم الجنايات بطنطا عام 1905م ثم عين رئيساً لمحكمة الإستئناف عام 1907م ومكث بها حتى عام 1919م عندما بدأ يتقلد مناصبه الوزارية .


وبخصوص إختيار يحيي إبراهيم باشا ليشغل منصب رئيس مجلس الوزراء في يوم 15 مارس عام 1923م فقد تلقي خطاب من الملك فؤاد الأول في صورة أمر ملكي رقم 20 لعام 1923م صادر إلى حضرة صاحب الدولة يحيى إبراهيم باشا من سراى عابدين يكلفه بتشكيل الوزارة الجديدة خلفا لوزارة محمد توفيق نسيم باشا التي كانت قد تقدمت بإستقالتها يوم 5 فبراير عام 1923م وكان لعدم إهتمام هذه الوزارة بمطلب الإفراج عن سعد زغلول باشا ورفاقه المنفيين في جزيرة سيشل سببا في تجدد حوادث العنف ضد الأجانب كما أن هذه الوزارة قامت بإدخال بعض التعديلات علي مشروع الدستور الذى تم إعداده خلال وزارة عبد الخالق باشا ثروت السابقة لها ومنحت الملك صلاحيات حل البرلمان وإقالة الوزارة كما أنها إستجابت لمطالب الإنجليز بتعديل المواد المتعلقة بالسودان وفصلها عن القطر المصرى وتغيير لقب الملك من ملك مصر والسودان إلى لقب ملك مصر فقط مما زاد من حالة الإستياء والغضب والسخط عليها ولذلك لم تجد مفرا من تقديم إستقالتها للملك فؤاد في التاريخ المذكور ومع إستقالة الحكومة تصاعدت أحداث العنف والإعتداءات على الأجانب ففي يوم 7 فبراير عام 1923م وقع إعتداء على أحد الموظفين الإنجليز العاملين بمصلحة السكة الحديد مما جعل اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر يصدر أمرا عسكريا بتعيين الكولونيل كوك كوكس حاكما عسكريا للقاهرة والجيزة وبعد 5 أيام وفي يوم 12 فبراير عام 1923م ألقيت قنبلة علي المعسكر البريطاني في جزيرة بدران بشبرا أدت لمقتل أحد الجنود وإصابة جنديين بجراح وفي يوم 20 فبراير عام 1923م قامت السلطات البريطانية بتفتيش منزل سعد زغلول باشا وجمعت وتحفظت علي ماكان به من أوراق وأغلفته وعينت عليه حراسة لمنع الدخول إليه وفي ليلة 5/6 مارس عام 1923م إعتقلت السلطات البريطانية بعض أعضاء حزب الوفد وقامت بتعطيل جريدة اللواء المصرى التابعة للحزب الوطني .


وكان نص الأمر الملكي الذى تلقاه يحيي إبراهيم باشا هو "عزيزي يحيى إبراهيم باشا إنه لما نعهده فيكم من صدق الرأي وكمال الروية ولما عرفناه عنكم من تمام الخبرة لإدارة أمور البلاد قد إقتضت إرادتنا توجيه مسند رئاسة مجلس وزرائنا مع رتبة الرئاسة الجليلة إليكم وأصدرنا أمرنا هذا لدولتكم للأخذ في تأليف هيئة الوزارة وعرض المشروع علينا لصدور مرسومنا العالي به وإنا نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعا لما يعود على بلادنا بالخير والسعادة إنه نعم المولى ونعم النصير".

وقام يحيي إبراهيم باشا بناءا علي هذا التكليف بإختيار أعضاء وزارته وقام بالرد علي الأمر الملكي الصادر إليه بخطاب كان نصه"يا صاحب الجلالة أتقدم إلى عرش مولاي المفدى ملتمسا قبول آيات الشكر على ما أولاني من الثقة بتكليفي تشكيل الوزارة والإنعام علي برتبة الرئاسة الجليلة ومع علمي بما يكتنف البلاد الآن من المصاعب وما يحوط مهمتي هذه من المشاق لم يكن في وسعي أمام ثقة مولاي السامية وقياما بما يجب علي من خدمة الوطن إلا أن أصدع بالأمر مستعينا بالله عز وجل معتمدا على تعضيد جلالتكم في أداء كل ما يعود على البلاد من خير ورفاهية وإني أتشرف بأن أعرض على العتبات العالية أسماء حضرات الوزراء الذين وقع إختياري عليهم لمعاونتي على القيام بهذه المهمة محتفظا لنفسي بمنصب وزير الداخلية وهم أحمد حشمت باشا لوزارة الخارجية ومحمد محب باشا لوزارة المالية وأحمد زيوار باشا لوزارة المواصلات وأحمد ذو الفقار باشا لوزارة الحقانية ومحمد توفيق رفعت باشا لوزارة المعارف العمومية وأحمد علي باشا لوزارة الأوقاف ومحمود عزمي باشا لوزارة الحربية والبحرية وحافظ حسن باشا لوزارة الأشغال العمومية وفوزى جورجي المطيعي بك وزيرا للزراعة فإذا ما صادف ذلك قبولا لدى مولاي رجوت من جلالته التفضل بإصدار المرسوم الملكي بإعتماده سائلا من الله التوفيق". وقد رد عليه الملك فؤاد بإصدار الأمر الملكي بالموافقة علي تأليف الوزارة بتشكيلها المعروض عليه .


أطلق على وزارة يحيي إبراهيم باشا إسم وزارة القوانين نظرا لكثرة ما أصدرته من قوانين ونظرا لحنكته القانونية أطلق عليه لقب (شيخ القضاة) وكان من أهم أعمال وزارته الإفراج عن الزعيم سعد زغلول باشا بعد أقل من أسبوعين من توليه الوزارة ،وكذلك تم الإفراج عن المعتقلين من أعضاء الوفد الذين سبق القبض عليهم ليلة 5/6 مارس عام 1923م كما قام اللورد اللنبي بإلغاء قراره السابق الخاص بتعيين الحاكم العسكرى للقاهرة والجيزة ثم تم الإفراج عن المحكوم عليهم بالسجن من أعضاء حزب الوفد وفي يوم 19 أبريل عام 1923م صدر الأمر الملكي الخاص بدستور عام 1923م علي الرغم من إحتجاج لجنة الثلاثين التي وضعت مواد الدستور علي التعديلات التي أجرتها وزارة محمد توفيق نسيم باشا السابقة علي وزارة يحيي إبراهيم باشا علي بعض مواده بإعطاء الملك صلاحيات حل البرلمان وإقالة الوزارة وأيضا التعديلات التي طلبتها السلطات البريطانية بحذف المواد الخاصة بالسودان وعلي الرغم من ذلك ففي يوم 30 أبريل عام 1923م تم صدور قانون الإنتخابات في ظل الدستور الجديد وبعد شهر وفي يوم 30 مايو عام 1923م تم إصدار القانون رقم 14 لعام 1923م المسمى بقانون الإجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية والذى قيدت فيه الحكومة الإجتماعات والمظاهرات بقيود شتي وفي اليوم التالي 31 مايو عام 1923م تم الإفراج عن رفاق سعد زغلول باشا من أعضاء الوفد المنفيين في جزيرة سيشل والسماح لهم بالعودة إلى مصر. وبالإضافة إلى ماسبق أصدرت الوزارة قانونا يوم 26 يونيو عام 1923م يقضي بجواز تطبيق الأحكام العرفية في حالة تعرض أمن القطر المصرى للخطر سواء بسبب إعتداء أجنبي خارجي أو حدوث إضطرابات داخلية مع زيادة سلطات وصلاحيات الحاكم العسكرى.

وفي يوم 5 يوليو عام 1923م جرت مفاوضات بين الحكومة واللورد اللنبي حول ضرورة إلغاء الأحكام العرفية المعلنة في البلاد منذ قيام الحرب العالمية الأولي عام 1914م فوافق علي ذلك مقابل إصدار قانون يحصن ويجيز كل الإجراءات التي قامت بها السلطات البريطانية في مصر طوال الفترة التي تم فيها تطبيق الأحكام العرفية وعدم أحقية مصر في طلب أى تعويضات عن ماترتب علي تطبيقها كما صدر عفو عن بعض المحكوم عليهم أمام المحاكم العسكرية بعقوبات أقصاها 15 عاما وفي يوم 17 سبتمبر عام 1923م عاد سعد زغلول باشا إلى مصر قادما من فرنسا التي كان قد سافر إليها لتلقي العلاج بعد الإفراج عنه من جزيرة سيشل يوم 30 مارس عام 1923م .


وأعلنت الحكومة عن بدء إنتخابات مجلس النواب طبقا لدستور عام 1923م وقانون الإنتخابات الصادر في يوم 30 أبريل عام 1923م وكان هذا القانون ينص على أن تكون الإنتخابات علي درجتين حيث تحدد يوم 27 سبتمبر عام 1923م لإجراء إنتخابات الدرجة الأولى من أجل إنتخاب المندوبين الثلاثينيين حيث كان علي كل 30 شخص أن يختاروا من بينهم مندوب عنهم وهؤلاء المندوبون الذين سوف يتم إختيارهم هم من سيقومون بإنتخاب أعضاء مجلس النواب في الدرجة الثانية من الإنتخابات والتي تم إجراؤها يوم 12 يناير عام 1924م وخاضت تلك الإنتخابات الأحزاب القائمة في ذلك الوقت وهي حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين والحزب الوطني وأسفرت الإنتخابات عن مفاجأة كبرى مدوية وهي فشل وزير الداخلية ورئيس الحكومة يحيى إبراهيم باشا ورسوبه أمام مرشح حزب الوفد في دائرته التي ترشح فيها وهي دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية وكان ذلك دليلا دامغا ومؤكدا على أن تلك الإنتخابات كانت نزيهة تماما وقد جاءت نتيجة هذه الإنتخابات بحصول حزب الوفد المصرى بزعامة سعد زغلول باشا علي أغلبية كاسحة من مقاعد البرلمان فقد حصل علي حوالي 90 في المائة منها والبالغ عددها 264 مقعدا والنسبة الباقية حصل عليها حزب الأحرار الدستوريينالذى كان يزعمه عدلي يكن باشا وبإجراء تلك الإنتخابات بدأت الحياة البرلمانية في مصر وقدم يحيي إبراهيم باشا إستقالة وزارته إلي الملك فؤاد يوم 17 يناير عام 1924م بعد أن كتب إسمه بحروف من نور لإشراف وزارته علي أول إنتخابات برلمانية في مصر بكل حيدة ونزاهة والتي مايزال يضرب بها المثل حتي يومنا هذا ومن ثم تم تكليف سعد زغلول باشا بتشكيل أول وزارة نيابية في مصر والتي يكون من حق البرلمان حق سؤالها ومحاسبتها والرقابة عليها وإستجوابها وسحب الثقة منها وإسقاطها إن لزم الأمر والتي سميت بوزارة الشعب .


ولابد لنا هنا من وقفة وكلمة حق لابد وأن تقال عن يحيي إبراهيم باشا فعلي الرغم من أنه كان يعتبر من رجال الدولة القريبين من القصر ويحوز ثقة الملك فؤاد لكن هذا لا يعني أنه كان بالضرورة من أولئك الذين يفعلون أي شئ تلبية للرغبات الملكية حيث أنه كان رجلا عظيما أثبت بالدليل القاطع أن هناك أناس يحترمون مبادئهم في كل المواقع حتي تلك التي لم تعتد أن يظهر فيها الإحترام مع أنه كان الغالب في ذلك الوقت علي رجال القصر في عهد الملك فؤاد الأول أنهم يرون أنه لا سبيل أمام رغبات الملك إلا أن تتحقق فجعلوا مقياس إحترامهم لأنفسهم هو رضاء الملك أو من في مكانه كان ملكا أو رئيسا . وفي واقع الأمر لأن يحيي إبراهيم باشا قد جاء رئيسا لمجلس الوزراء في فترة حساسة وشديدة الخطورة في تاريخ مصر حيث كان الصراع علي أشده بين القصر الملكي والإحتلال البريطاني والوطنيين وفي حقيقة الأمر كانت التحديات عظيمة في تلك الفترة التي إضطربت فيها الأوضاع في مصر ما بين قوي وطنية صاعدة إنقسمت لأغلبية تحت زعامة سعد زغلول باشا تعارض الإحتلال البريطاني كقوة متحكمة في مصير البلاد بتسلط بغيض وتهديد لهوية الأمة بينما كانت هناك قوى وطنية أخرى والتي بقيت كأقلية تري أن تحديث مصر مهمة أولي من أي مهمة أخري ولو أدي الأمر للخضوع للسياسة البريطانية والسير علي النهج الغربي الذي إنبهرت به ورأت أنه الطريق الوحيد للنهضة. وكانت المهمة الرئيسية لوزارة يحيي إبراهيم باشا أن تكمل صياغة الدستور وتعيد الإستقرار للبلاد وأن تجري الإنتخابات الشعبية لأول برلمان يتم علي أساس دستوري وبإقتراع شعبي عام وكانت المهمة جد عسيرة وشاقة جدا فهذه الحزمة من الإستعدادات غلبت قبل يحيي إبراهيم باشا 3 رؤساء وزارة وعصفت بهم وإنتهي الأمر بتقديم إستقالاتهم لكن الرجل بدأ بالخطوة الصحيحة نحو الإستقرار فلم يكد يكمل أسبوعين علي جلوسه علي كرسي الوزارة حتي إتخذ الخطوة الهامة التي تردد فيها من جاءوا قبله في منصبه وهي الإفراج عن سعد زغلول باشا الزعيم المنفي بالأمر البريطاني إلي جزيرة سيشل.


وفي تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر زادت حدة المنافسة بين الأغلبية التي يتزعمها سعد زغلول باشا الذي لم ينفصل عن الشعب رغم صعوده بقوة إلي أعلي طبقات المجتمع المصري والذى كان يتمتع بكارزيمية عظيمة مكنته من قيادة الجماهير التي لم تكن الفئة المضادة له تراها إلا جماعة تسرف في الجهل وتغرق في التخلف وراحت تصيغ مستقبل الوطن أفكارا ونظريات بعيدا عن هذه الجماهير التي كانت خارج الدائرة التي أسماها أحمد لطفي السيد باشا بأصحاب المصالح الحقيقية . فكانت هذه الجماهير في نظرهم لا تزيد عن كونها قوي مستأجرة تعمل بلقمة عيشها لدي أصحاب المصالح وقد كان يحيي إبراهيم باشا محسوبا علي هذه القوي المضادة لسعد باشا فلم يكن رجل سياسة شعبية بل كان رجل دولة يبعد عن قطاعات الجماهير بحكم طبيعته التي جعلته مهيئا فقط للجلوس علي منصة المسئول للإدارة كنموذج للموظف الكفء الذي ينفذ القوانين بكل نزاهة وشفافية ومن ثم فإن السيد رئيس الوزراء ووزير الداخلية يحيي إبراهيم باشا الذي أدار الإنتخابات التشريعية الأولي علي أساس الدستور الوليد أدارها بضمير الموظف النزيه والقاضي الجليل فما كان لشيخ قضاة مصر أن يسعي لصالح حزب ما أو ينحاز لأي مرشح وعندما أراد الترشح لشغل مقعد في البرلمان الذي تجري إنتخاباته تحت ظل إدارته وعلي أساس دستور إستقبله عهده لم يعرض هيبة منصب رئيس وزراء مصر ولا جلال قضائها للمهانة بعقد صفقات إنتخابية أو أي ألاعيب دعائية ولو لصالح نفسه مع العلم أنه كان في إستطاعته ذلك لو أراد ودون أن يبدو منه ما يخدش النزاهة والجلال لكنه آثر ان يظل نقيا نظيفا يؤدي عمله كما ألزمه به ضميره ومسئوليته دون أن يرعي مصالح الطبقة المنتمي إليها ولا الملك الذي أودعه ثقته فكان أن خسر المرشح المواطن يحيي إبراهيم باشا أمام المرشح المواطن أحمد مرعي وليس وحده بل توالي ظهور النتائج وكانت خسارة أصحاب المصالح كما أطلق عليهم أحمد لطفي السيد فادحة ومفاجئة ومذهلة ربما لم يفيقوا منها ومن ذكراها هم وورثتهم سياسيا وثقافيا الذين جاءوا من بعدهم إلي الآن وظلت شبحا يطارد كل صندوق إنتخابي فيما تلاها من إنتخابات نزيهة أو مزورة .


وفي الحقيقة كانت إنتخابات عام 1924م هي الأولي في كل شيء فهي الأولي بالدستور وهي الأولي في المفاجآت وهي الأولي في النزاهة كذلك كانت هي الأولي في نسبة الحضور حيث تجاوز الحضور علي ما أثبت ذلك المؤرخ المصري الكبير الدكتور يونان لبيب رزق الله 58.4% وهي أكبر نسبة في الحضور الجماهيري تحدث في تاريخ الإنتخابات التشريعية إلي الآن . ولقي الباشا والبك هزيمة ساحقة علي يد الفلاح والأفندي برعاية مباشرة من وزارة يترأسها يحيي إبراهيم باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية وهنا يبرز أمامنا سؤال هام وهو هل كانت هذه خسارة ليحيي إبراهيم باشا والجواب أبدا أبدا فمن يدعي ذلك لا يري أبعد من طول رمشه فمن حق يحيي إبراهيم باشا أن يعتز بهذا السقوط لأنه سقوط إلي أعلي ولقد وقعت قصة بعيدة عن هذه المناسبة مع يحيي إبراهيم باشا ولكنها من المؤكد كان يختزنها في ذهنه وأثرت في تفكيره وهي تعطي دلالة قد تفسر لنا عبقرية هذا الكائن الأرضي العجيب الذي نشأ وعاش علي ضفاف نيل مصر ودعي بالفلاح فقد إعتاد يحيي إبراهيم باشا أن يقضي أجازته بعيدا عن زحام القاهرة في إحدي المناطق الريفية وكان هناك فلاح بسيط إسمه شحتة كان يضحكه بسرعة بديهته الفطرية فيقوم بإعطائه مبلغ من المال نظير ما يضحكه فمازحه ذات يوم وأراد أن يسخر منه فقال له إنه كان متوجها لإفتتاح مزلقان سكة حديد فتعطلت سيارته فإضطر لركوب حمار لكن الحمار مات في الطريق فحزن عليه وشعر بإحراج شديد وسأل يحيي باشا شحتة ساخرا هل تعرف لماذا كان الموقف محرجا لي فتحير شحتة وأجابه بلا فأسرع الباشا وقال له لأن الحمار كان شحتة أي أخذه شحاتة من أحد الفلاحين وهنا كانت سرعة البديهة الفلاحي فوق أي توقع يمكن أن يدركه إنسان إذ أسرع الفلاح البسيط شحتة يقول بسرعة بديهة وسخرية لاذعة برد عبقري فقال لا تحزن يا باشا بكره تقوم القيامة والحمار يحيي وكانت هذه هزيمة للباشا كادت أن توقعه ولكن من الضحك . ولعل يحيي إبراهيم باشا قد أدرك وهو يضاعف عطاءه لذلك الفلاح المصرى البسيط أنه لا سبيل لمواجهة مثل هذا الكائن مهما بدا عليه من مظاهر الفقر والجهل والسذاجة.

وفي عام 1925م تقلد يحيي إبراهيم باشا رئاسة حزب الإتحاد وهو حزب أنشئ في الأساس لمساندة القصر الملكي في نفس العام المذكور وقد أنشئ هذا الحزب بتكليف من القصر الملكي حيث أوعز القصر إلى رجله المخلص حسن نشأت باشا في شهر يناير عام 1925م بالسعي لتكوين حزب سياسي يرأسه يحيى إبراهيم باشا وهكذا عمل حزب الإتحاد تحت ظل القصر والملك فؤاد بوضوح وعلانية ونجح بالفعل في أن يجتذب بعض الأعضاء في إنتخابات برلمان عام 1925م وكان برنامج الحزب يقوم بالأساس على مساندة الملك على حكم مصر بقوانين ملكية بدلا من الحكم البرلماني الدستوري هذا ولم يترك حزب الإتحاد أي أثر في الحياة النيابية أو الحزبية المصرية نظرا لشذوذ وبعد برنامجه عن مبدأ قيام الحزب السياسي وعدم دعمه للحكم الدستوري إلى جانب قلة عدد مؤيديه. وقد تم تعيين يحيي إبراهيم باشا عضواً بمجلس الشيوخ في نفس العام 1925م ثم تم تعيينه وزيرا للمالية في وزارة أحمد زيوار باشا الثانية مابين يوم 13 مارس عام 1925م وحتي يوم 7 يونيو عام 1926م وخلال الفترة من يوم 15 يونيو عام 1931م وحتي يوم 30 نوفمبر عام 1934م تم إختياره رئيسا لمجلس الشيوخ كما قام بإصدار كتاب بإسم "القطع المنتخبة" طبع منه جزءان في مطبعة بولاق عام 1893م جمع فيه ما يختص بأمور القضاء وتاريخه وكانت وفاته في عام 1936م في نفس العام الذى توفي فيه الملك فؤاد الأول ورحم الله يحي إبراهيم باشا رحمة واسعة حيث كان من خيرة الرجال الذين أنجبتهم مصر من حيث النزاهة والعفة والنقاء .