abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الأسد "محمد نسيم" رجل المستحيل
الأسد -محمد نسيم- رجل المستحيل
عدد : 10-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


محمد نسيم ضابط سابق في المخابرات العامة المصرية وأحد ضباط الجيش المصري الذين إنضموا لتنظيم الضباط الأحرار وممن شاركوا ضمن الصف الثاني من رجال الثورة وعندما تولى اللواء صلاح نصر رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية كان محمد نسيم أحد مديري العمليات بالجهاز ورجل المهام الصعبة. وكان من أشهر عمليات محمد نسيم أثناء عمله بالمخابرات العامة هي إعادة تقييم وتدريب عميل المخابرات العامة المصرية الشهير رفعت الجمال المعروف شعبيا بإسم رأفت الهجان .


ولد محمد نسيم في حي المغربلين بالقاهرة القديمة عام 1927م وكان البيت الذي تربى فيه يقع خلف مسجد المردائي وهو مسجد لم يكن بالنسبة إليه مكانا للصلاة فقط وإنما للمذاكرة أيضا وقبل أن يكمل ثلاث سنوات توفيت والدته وفي الخامسة عشرة من عمره إنتقلت عائلته إلي حي المنيرة القريب من النادي الأهلي فكانت ملاعب الهوكي وحلبات الملاكمة مفتوحة أمامه وإلتحق بالكلية الحربية وفيما بعد أصبح بطلها وبطل القوات المسلحة في الملاكمة وفيما بعد أيضا أصيب في مباراة للهوكي بين مصر وباكستان في أنفه لكنه سرعان ما إعتزل الملاكمة عندما وجد نفسه يتلقي لكمة قوية من منافسه على بطولة الجيش صلاح أمان في عام 1951م أفقدته الوعي. وعلي الرغم من أنه قد فاز في المباراة في النهاية بالضربة القاضية إلا أنه لم يشأ أن يعيش تلك الحالة مرتين على أن الرياضة منحته فرصة الزواج من إحدى بطلات مصر في الجمباز. وبعد تخرجه من الكلية الحربية عام 1951م أي قبل قيام الثورة بحوالي سنة ونصف السنة وإلتحق بسلاح المدرعات وشارك في عام 1956م في حرب السويس وقت العدوان الثلاثي على مصر وبعد تلك الحرب تم إختياره للإلتحاق بجهاز المخابرات العامة المصرية ضمن مجموعة تم إختيارها بعناية وتدريبها تدريبا حديثا علي أعمال المخابرات بعناية من بين ضباط الجيش وضباط الشرطة المتميزين والذين كانوا بمثابة الجيل الثاني في هذا الجهاز بعد الجيل الأول الذى قام علي أكتافه تأسيس هذا الجهاز الخطير .



وكان الجهاز حديث النشأة وقتذاك حيث كان قد تقرر إنشاؤه عام 1954م مع ازياد الحاجة الى جهاز مخابرات محترف على نفس النسق العالمى الذى ظهر فى الحرب العالمية الثانية والذى كانت لأجهزة المخابرات الفضل الأول ان لم يكن الوحيد فى إنهائها لصالح جيوش الحلفاء، وعهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلي عضو مجلس قيادة الثورة زكريا محيي الدين بالإشراف علي هذه العملية الشاقة بحيث يتم تأسيس جهاز مخابرات قوي لديه القدرة على حماية الأمن القومي المصري ولكنه ولأنه جهاز ما زال يبحث عن هوية الإحتراف لذا تكلف إنشاؤه من الجهد والوقت ما يفوق التصور فى وسط أجهزة معادية عملاقة كجهاز المخابرات الإسرائيلي المعروف بإسم الموساد الذى تأسس قبل إعلان دولة إسرائيل أساسا وكان رجاله وضباطه من المحترفين الذين خاضوا غمار الحرب العالمية الثانية وإكتسبوا الخبرة الطاغية في هذا المجال التى إفتقد اليها المصريون لكن ولأن المقاتل المصري بطبعه كاره للهزيمة والإستسلام ولا يعرف معنى المستحيل تمكن الرعيل الأول من الضباط الذين كونوا لبنة الجهاز الأولى من جمع الكثير من المراجع وكتابات الخبراء وعكفوا بصبر مدهش على دراستها وإستخلاص ذلك العلم الغزير نحتا فى الصخر وقد شمل هذا الرعيل عدد من ضباط القوات المسلحة الشبان ممن يمتلكون شجاعة وجسارة المقاتلين مع الذكاء الفطرى ومنهم على سبيل المثال فتحى الديب وعبد المحسن فائق وحسن بلبل ومحمد كساب ثم جاء بعدهم الرعيل الثاني من رجال المخابرات العامة المصرية المشهود لهم بالكفاءة ومنهم صلاح نصر وشعراوى جمعة وعبد العزيز الطودى ومحمد نسيم .



وجدير بالذكر أنه علي الرغم من جهود كل من زكريا محي الدين مابين عام 1954م وعام 1956م وخليفته علي صبرى خلال المدة من عام 1956م حتي العام التالي 1957م إلا أن الإنطلاقة القوية الحقيقية للجهاز كانت مع إنضمام الرعيل الثاني من ضباط المخابرات العامة للجهاز مع تولي صلاح نصر رئاسته عام 1957م والذى ظل رئيسا له حتي عام 1967م حيث قام بتأسيس فعلي لمخابرات قوية وإعتمد على منهجه من جاء بعده في رئاسة هذا الجهاز الهام والخطير فقد قام بإنشاء مبنى منفصل للجهاز وإنشاء وحدات منفصلة للراديو والكمبيوتر والتزوير والخداع وفي عهده قام الجهاز بأدوار بطولية عظيمة قبل حرب عام 1967م كما تم إستكمال مسيرة الجهاز بعد خروجه من الجهاز وتولي غيره رئاسته كان أولهم أمين هويدى ثم محمد حافظ إسماعيل وتلاه أحمد كامل ثم أحمد إسماعيل علي ومن بعده محمد عبد السلام توفيق وغيرهم وهذه العمليات هي التي ساهمت بدورها بشكل كبير في التمهيد لقيام حرب أكتوبر عام 1973م ولتغطية نفقات عمل الجهاز الباهظة منذ إنشائه قام صلاح نصر عندما تولي رئاسة الجهاز بإنشاء شركة النصر للإستيراد والتصدير لتكون ستارا لأعمال المخابرات العامة المصرية بالإضافة إلى الإستفادة منها في تمويل عملياته وبمرور الوقت تضخمت الشركة وإستقلت عن الجهاز وأصبحت ذات إدارة منفصلة وجدير بالذكر أن المخابرات العامة المصرية تمتلك حاليا شركات أخرى داخل مصر أغلبها للسياحة والطيران والخدمات الأمنية والمقاولات وتعود تبعية الجهاز لرئاسة الجمهورية بشكل مباشر حيث ينص القانون الخاص به والمعروف بإسم القانون رقم 100 لعام 1971م علي أن المخابرات العامة المصرية هيئة مستقلة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة ويتكون الجهاز من رئيس بدرجة وزير ونائب رئيس بدرجة نائب وزير وعدد من الوكلاء الأول والوكلاء وعدد كافٍ من الأفراد .



وبخصوص رجلنا محمد نسيم فقد كان من ذلك الطراز من الرجال الذين يمتلكون قلب أسد كما أطلق عليه رفاقه وعقل الثعلب وصبر الجمال واصرار الأفيال وكان من طراز نادر بحق رحمه الله وطيب ثراه وعندما تولى اللواء صلاح محمد نصر الشهير بصلاح نصر رئاسة جهاز المخابرات العامة كان محمد نسيم أحد مديري العمليات بالجهاز ورجل المهام الصعبة كما ذكرنا ويكفي لبيان مدى سمعته الخرافية أن رئيس الجمهورية كان يتصل به مباشرة فى عدد من العمليات فائقة الحساسية وما أكثرها فى ذلك الوقت. وفى بداية الستينيات من القرن العشرين الماضي كان جهاز المخابرات العامة قد إكتمل بناؤه وخاض العديد من العمليات العملاقة فى تاريخه ضد المخابرات الإسرائيلية المعروفة بإسم الموساد والمخابرات الأميريكية المعروفة بإسم السي آى إيه وللحق فإن إنشاء الجهاز على صورته التي كان قد وصل إليها كان نتيجة لجهود رجاله وإدارة صلاح نصر رئيس الجهاز على الرغم من إنحرافه فيما بعد نتيجة للسلطة المطلقة التى تمتع بها فى ظل حماية المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية وقائد الجيش المصري وبطل فضيحة النكسة المريرة .

وكانت أولى عمليات محمد نسيم التى أكسبته سمعته الرهيبة بين رفاقه إعادة تأهيل العميل المصري المعروف رفعت الجمال الشهير بإسم رأفت الهجان، فقد سافر رفعت الجمال إلى إسرائيل فى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين الماضي قبل العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956م وإستقر بها بعد أن نجح فى زرعه رجل المخابرات العتيد اللواء عبد المحسن فائق المعروف بإسم محسن ممتاز فى المسلسل الشهير الذى حكى قصة هذا العميل، ومنذ أن تم زرعه فى إسرائيل وحتى بداية الستينيات لم تستفد منه المخابرات العامة المصرية شيئا إلا المعلومات التى أرسلها فى حرب العدوان الثلاثي وللحق فلم يكن هذا تقصيرا من رفعت الجمال أو معلمه عبد المحسن فائق بل كانت الظروف أقوى منهما لضعف الإمكانيات التدريبية التى تلقاها رفعت حيث كان جهاز المخابرات لم يزل وليدا فى ذلك الوقت. وكان علم المخابرات قد تطور تطورا مدهشا وسريعا عبر السنوات الخمس التى أمضاها رفعت فى إسرائيل فكانت الحاجة ماسة الى رجل مخابرات من طراز فذ يتمكن أولا من السيطرة على رفعت الجمال صاحب الشخصية شديدة العناد بحيث يقوم بملء الفراغ الذى تركه اللواء عبد المحسن فائق فى أعماقه وذلك حتى يتمكن من إقناعه بمواصلة التدريب والعمل، وكان ضابط الحالة الذى تولى عملية الجمال هو عبد العزيز الطودى الشهير بإسم عزيز الجبالى وبعد دراسة عميقة لشخصية رفعت الجمال ومع إستحالة عودة اللواء عبد المحسن فائق من مقر عمله فى الولايات المتحدة الأميريكية فى ذلك الوقت لم يجد عبد العزيز الطودى أمامه لكي يقوم بهذه المهمة إلا قلب الأسد محمد نسيم المعروف بصرامته وشخصيته القوية ونبوغه الفائق وهو النموذج المماثل لعبد المحسن فائق وهو بالمناسبة الشهير بإسم نديم هاشم في مسلسل رأفت الهجان المشار إليه وقام بدورة بإقتدار بالغ الفنان المصري نبيل الحلفاوى فى واحد من أعظم أدواره على الإطلاق لا سيما وأن نبيل الحلفاوى كان يشبه اللواء محمد نسيم فى الشكل والأداء إلى درجة مذهلة .



تم اللقاء بين قلب الأسد وبين رفعت الجمال في إيطاليا ولم تمض ساعات على لقائهما إلا وكان محمد نسيم قد ألقي بغياهب شخصيته الفريدة فى وجه المتمرد النابغة رفعت الجمال والذى كان قد أبصر بعيونه عبر معايشته للمجتمع الإسرائيلي كيفية التقدم المدهش لهم فى مجال الأمن وكان فى أمس الحاجة إلى من يريه تفوق بلاده وقد كان عندما تمكن محمد نسيم عبر التدريبات المكثفة من إقناع رفعت الجمال بمدى التقدم المدهش الذى أحرزه المصريون على الإسرائيليين فى المواجهات المباشرة بينهما وبعد أسبوعين من التدريب المستمر والشاق خرج رفعت الجمال فى مستوى ضابط حالة وهو المستوى الأعلى لأى عميل مدنى فى نظم المخابرات في العالم ووقع تحت الإشراف المباشر لعبد العزيز الطودى وللتدريب على يد محمد نسيم لتكتسب مصر كما رهيبا من المعلومات بالغة السرية التى أرسلها رفعت لا سيما بعد تمكنه من بسط علاقاته ونفوذه فى مجتمع تل أبيب بتعليمات معلمه محمد نسيم عبر شركة سي تورز والمعروفة بإسم ماجى تورز في المسلسل المشار إليه وفى قلب تل أبيب واصل نجم المجتمع الإسرائيلي جاك بيتون وهو الإسم المستعار لرفعت الجمال والذى عرف فى المسلسل بدافيد شارل سمحون وبلغت علاقاته حدا جعله صديقا شخصيا للجنرال موشي ديان وزير الدفاع الإسراءيلي الشهير وجولدا مائير رئيسة الوزراء الشهيرة كل هذا بفضل نبوغ رفعت الشخصي وبراعة معلمه الفذ محمد نسيم ومن قبل هذا وذاك بفضل النصرة الإلهية لأناس نصروا الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم .



وقبل نكسة الخامس من شهر يونيو عام 1967م إستطاع جهاز المخابرات العامة المصرية من كشف العديد من شبكات التجسس لحساب إسرائيل كان من أشهرها شبكة الجاسوس الألماني فولف جانج لوتز والذى أحضره الإنجليز إلي مصر عام 1939م وإستعانوا به في التحقيق مع الأسرى الألمان الذين كانوا يقعون في أيدى الإنجليز في معاركهم مع الألمان في شمال أفريقيا أثناء الحرب العالمية الثانية ثم سافر خارج مصر لفترة ثم جندته الموساد ليكون عميلا لها في مصر وكانت البداية الفعلية له معها في عام 1957م حيث دربته وجهزته وعاد إلي مصر في عام 1960م وقم بإنشاء نادى لركوب الخيل بهدف التمكن من إقامة علاقات وثيقة مع مجتمع الأغنياء فى مصر من ضباط جيش ورجال حكومة ممن تدور حياتهم الإجتماعية حول نوادى ركوب الخيل وفي نفس الوقت لكي يتمكن من جمع المعلومات عن برنامج تطوير الصواريخ المصرية الذى كان يشرف علماء وخبراء ألمان حينذاك وتمكنت المخابرات العامة من الإيقاع به وتقديمه للمحاكمة ثم جاءت للأسف نكسة عام 1967م وكانت مدمرة فى آثارها الى حد رهيب على العالم العربي أجمع الا أنها كانت ذات تأثير صاعق على الأسود الرابضة فى عرين المخابرات العامة المصرية الكائن فى حى حدائق القبة بالقاهرة الواقع خلف قصر القبة الشهير ولكى نتصور هذا الأثر ونقدره يكفي أن نعلم أن مصر كلها ذاقت الهزيمة إلا هذا الجهاز حيث كان هو المنتصر على أى مقياس منطقي فقد تكفل رجاله ونجومه وعملاؤه وعلى رأسهم رفعت الجمال بمعرفة كل التفاصيل الدقيقة والخرائط لخطة الحرب العسكرية فى عام 1967م وقاموا بإرسالها إلى قيادتهم السياسية المغيبة ليفاجئ الأبطال بالنكسة وهم الذين بذلوا قصارى جهدهم في الحصول علي المعلومات الدقيقة التي وضعوها أمام القيادتين السياسية والعسكرية ولكن لعوامل كثيرة ليس هذا مكانها وقعت الواقعة وإنهزمت مصر هزيمة ساحقة كادت تعبر بها حافة اليأس لولا توفيق الله والإرادة الفولاذية التى قدت من الصخر وبدأت معارك حرب الإستنزاف مابين عام 1968م وعام 1969م وتزلزلت القوات الإسرائيلية بكم العمليات الصادمة التى تم التخطيط لها وتنفيذها بناءا علي المعلومات الغزيرة التى وفرها الرجال سواء فى المخابرات العامة المصرية أم في المخابرات الحربية وذلك بعد تطهير الجهاز من قياداته المنحرفة وتولي أمين هويدى رئاسة الجهاز يعاونه محمد نسيم وتحملا سويا مسئولية إعادة الأمور الى نصابها في هذا الجهاز الخطير عقب نكسة عام 1967م .



وكانت عملية إنقاذ الضابط السورى عبد الحميد السراج من العمليات العجيبة التي قام بها بطلنا محمد نسيم وعبد الحميد السراج ضابط جيش سورى معروف جدا فقد كان أحد الضباط الوطنيين النوابغ فى سوريا والذى نأى بنفسه عن كم الإنقلابات الرهيبة التى تتابعت فى سوريا على يد حسنى الزعيم وأديب الشيشيكلى وسامى الحناوى ومصطفي حمدون وغيرهم من نجوم إنقلابات سوريا العسكرية فى الفترة التي أعقبت الإستقلال بعد عام 1946م وبدأ ظهور عبد الحميد السراج عقب إلتزامه بالخط الوطنى قبيل إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في شهر فبراير عام 1958م ولمع إسمه فى مصر عند عبد الناصر نفسه عقب قيامه بإسداء جميل العمر إلى مصر كلها وهو الجميل الذى لم تنسه له مصر وقيادتها فقد كان عبد الحميد السراج هو رجل المخابرات العسكرية السورى الذى تولى تدمير خطوط أنابيب البترول الممتدة من العراق عبر سوريا إلى سواحل البحر المتوسط لتصب فى الناقلات البريطانية لتغذية إحتياجات بريطانيا من البترول وقد تم تنفيذ هذه العملية أثناء تعرض مصر للعدوان الثلاثي ليصبح تدمير خطوط أنابيب البترول الشعرة التى قصمت ظهر البعير وكان البعير هنا هو أنتونى إيدن رئيس الحكومة البريطانية والذى قدم إستقالته عقب فشل العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956م وكانت نهايته سياسيا وكان طبيعيا مع بدء الوحدة المصرية السورية أن يلمع نجم عبد الحميد السراج أكثر وأكثر فتدرج فى السلطة حتى ولاه عبد الناصر نيابة القسم الشمالى وهو سوريا ليصبح نائبا لرئيس الجمهورية السورية ومع العلاقة الوثيقة التى جمعته بعبد الناصر خاصة بعد عملية أنابيب البترول وأيضا كشفه للمؤامرة التى إستهدفت حياة عبد الناصر أثناء زيارته لسوريا عقب الوحدة من هذا كله تمكن عبد الحميد السراج من السيطرة ليس فقط على الأمن الداخلى كوزير للداخلية فى الإقليم الشمالى وتولى نيابة الرئاسة بل سيطر أيضا على المخابرات وأجهزة الإقتصاد والتنظيم السياسي الوحيد في سوريا وهو الإتحاد الإشتراكى وبذلك أصبح عبد الحميد السراج هو أقوى رجل فى سوريا بأكملها ولأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة فى كل الأحوال فقد تغلبت أجواء السلطة على نقاء السراج لتبدأ الأمور في سوريا في التدهور السريع وليزداد هذا التدهور أكثر وأكثر بعد فشل الوحدة المصرية السورية وحدوث الإنفصال في عام 1961م وأتت نهاية عبد الحميد السراج على يد الإنقلاب الذى أطاح به من قمة الحكم السورى عندما غفل عن ضابط الجيش السورى ومدير مكتب عبد الحكيم عامر الذى كان يتولى الرئاسة فى الإقليم الشمالى للوحدة وكان هذا الضابط هو عبد الكريم النحلاوى والذى إستهان به السراج فتمكن النحلاوى من قيادة تنظيم سري فى الجيش السورى ضده وأطاح به وطرد عبد الحكيم عامر من سوريا فى فضيحة مدوية .



وبنجاح هذا الإنقلاب تم إعتقال السراج فى أبشع المعتقلات السورية وهو سجن المزة الرهيب وكان وقع الصدمة مدمرا على عبد الناصر الا أنه سلم بالأمر الواقع ونفض موضوع الوحدة مؤقتا وتحول إهتمامه إلي بحث مصير السراج المظلم فى أيدى خصومه المشتاقين للإنتقام منه والقضاء عليه بأى ثمن فالسراج كان له أعداء فى القوات المسلحة السورية وهى منفذة الإنقلاب عليه وله عداوات رهيبة فى لبنان نتيجة لتدخله فى الشأن الداخلي اللبنانى عندما إقتضت الظروف ذلك وله عداء قديم وثأر رهيب عند أصحاب مؤامرة إغتيال عبد الناصر بالإضافة إلي العداء التقليدى مع الموساد والمخابرات الأميريكية ورجالهما بلبنان ولنا أن نتخيل كيفية المصيدة التى وقع فيها السراج ولنا أن نتخيل أيضا كيف يمكن تحقيق المستحيل وإنقاذه منها حينما أرسل عبد الناصر إلى محمد نسيم وكلفه بإنقاذ السراج مهما كان الثمن ،وكلمة مهما كان الثمن فى عرف العمل المخابراتى تعنى أنه لا مستحيل. وسافر نسيم منفردا الى لبنان لهذا الغرض وفى تلك اللحظة كان السراج يهرب من سجن المزة الرهيب بمعاونة عدد من ضباط الجيش الذين كانوا لا يزالون على ولائهم له وإنتقل فيما يشبه المعجزة وعبر رحلة شاقة ووعرة إلى لبنان ليلقي خبر هروبه قد سبقه إلى لبنان وعشرات الذئاب الجائعة فى إنتظاره وكشف الموساد وجود نسيم فى لبنان وكذلك كشفه اللبنانيون وغيرهم وتعرض فى تلك المهمة لعدة محاولات إغتيال نجا منها جميعا كان آخرها عن طريق وضع قنبلة فى أنبوب العادم بسيارته وكانت تلك المحاولة غير قابلة للفشل لأن تلغيم السيارات كان من المعروف أنه يكون عن طريق تلغيم المقعد أو المحرك أو جسم السيارة السفلى أما وضع القنبلة فى أنبوب العادم فهو الإبتكار الغير قابل للكشف ومع ذلك فقد إكتشفها نسيم حيث كان يتحرك في منتهي الحذر ولا يترك شيئا للصدفة وفشلت المحاولة بل ونجح فى الخروج بالسراج من لبنان إلى مصر وللأسف الشديد فكيفية الخروج ما زالت قيد السرية إلى يومنا هذا ووصل السراج بسلامة الله إلي مصر آمنا مطمئنا .



وذات يوم في أوائل عام 1970م إستدعي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بطلنا محمد نسيم لمقابلته وتذكر عبد الناصر قصة هذه العملية وهو يتحدث إلى نسيم أثناء لقائه معه وكان نسيم يتساءل عن سبب إستدعائه ليقول له عبد الناصر إنه رقد طريح الفراش بعد إعلان إسرائيل عن إيجارها لحفار عملاق من أجل البدء في عمليات التنقيب عن البترول فى سيناء فى إشارة واضحة الى أن سيناء قد أصبحت إسرائيلية لتذل القيادة المصرية وبرقت عينا نسيم غضبا وعاجله عبد الناصر وهو يقول له فى مرارة:" الحفار يا نسيم"، فنهض نسيم واقفا وقال له فى حزم:" أمرك يا سيادة الرئيس". وهكذا بدأت عملية أخرى من عمليات محمد نسيم وهي التي تم تسميتها بعملية الحاج وكانت نية إسرائيل في إعلانها البدء في التنقيب عن البترول في سيناء نية سياسية لا إقتصادية ومن ثم فقد بعثت الى إحدى الشركات الكندية لإستقدام أحد أكبر الحفارات فى العالم لإستخدامه فى التنقيب وهو الحفار كينتج وقد خططت إسرائيل بدقة لهذه العملية وببراعة فائقة فقامت عمدا بإستيراد هذا الحفار الكندى والذى تجره قاطرة هولندية وعليه بحار بريطانى لكى تعجز مصر عن ضرب الحفار بالطيران عند إقترابه من البحر الأحمر لأن مصر إذا غامرت بضرب الحفار علانية فمعنى هذا أنها ستستعدى عليها ثلاث دول كبري على الأقل ولأنها تعلم تماما أن المخابرات العامة المصرية لن تترك الحفار فقد إحتاطت للأمر وقامت بتأمين خطوط سير الحفار القادم عبر المحيط الأطلنطى إلى الساحل الغربي لأفريقيا ثم يكمل خط سيره ويتجه جنوبا نحو طريق رأس الرجاء الصالح ثم يتجه شمالا نحو الساحل الشرقي لقارة أفريقيا ليعبر مضيق باب المندب ويدخل البحر الأحمر متجها نحو ميناء إيلات الإسرائيلي وقامت إسرائيل بإنتقاء خطوط سير ملاحية بالغة السرية وغير مألوفة كما جند الموساد رجاله وأجهزته بمعاونة المخابرات المركزية الأميريكية لمصاحبة الرحلة وحراسة وحماية الحفار لكن من قال إن المصريين يعرفون المستحيل فقد شكل محمد نسيم فريق عمل من أفضل رجال المخابرات العامة المصرية وخبراء الملاحة وضباط القوات البحرية لتبدأ عمليه الحاج وكان سبب تسميتها بهذا الإسم أن أحداثها كانت خلال موسم الحج وقام محمد نسيم بتجنيد عملاء للمخابرات العامة فى الدول التى سيمر الحفار عبر سواحلها وأعطى أوامره بضرورة التفرغ لهذه العملية وقام بإستقدام فريق من أكفأ رجال الضفادع البشرية التابع للقوات البحرية المصرية حيث إستقرت الخطة على زرع متفجرات شديدة التدمير فى قلب البريمة الرئيسية للحفار لإبطال مفعوله وبدأت لعبة القط والفأر بين نسيم ورجال الموساد وهناك فى أبيدجان الميناء الشهير لدولة ساحل العاج أو كوت ديفوار كان الحفار قد ألقي مراسيه بأمان للراحة وعلى الفور وبناءا على الإستنتاجات المسبقة لبطلنا محمد نسيم بعقله الفذ الذى أدرك أن أبيدجان هى الميناء المثالى لتدمير الحفار عند رسوه به قام بحمل المتفجرات بنفسه ودار بها عبر بعض دول أوروبا وساحل أفريقيا الشمالى وحط رحاله فى أبيدجان ولا أحد يعرف كيف تمكن من عبور مطارات خمس أو ست دول وهو يحمل هذه المتفجرات وكان فريق العمل أبطال البحرية قد سلك طريقا مماثلا عبر عدة عواصم أوروبية حتى أبيدجان وفى فجر يوم العملية وصل الفوج الأول من الضفادع البشرية وبينما الكل فى إنتظار الفوج الثانى علم محمد نسيم من مصادره فى أبيدجان أن الحفار فى طريقه لمغادرة ساحل العاج صباح اليوم التالى ليطير عقل محمد نسيم ويتخذ قراره بتنفيذ العملية بنصف الفريق فحسب حيث كان الحل السريع أن يكتفي نسيم بزرع المتفجرات تحت البريمة الرئيسية وأحد الأعمدة فحسب بديلا عن الخطة الرئيسية بتفجير البريمة والأعمدة الثلاثة وفى الفجر تسلل الأبطال تحت إشراف نسيم إلى موقع الحفار وخلال ساعة واحدة كانت المتفجرات فى أماكنها ومضبوطة التوقيت على الساعة السابعة صباحا وخلال هذه الفترة أشرف نسيم بسرعة فائقة على سفر مجموعة العمل خارج ساحل العاج وإستقبال المجموعة التى كان مقررا وصولها فى الصباح لتحط فى أبيدجان بطريقة الترانزيت وتكمل رحلتها خارج أبيدجان وبقي نسيم وحده ينتظر نتيجة العملية ومن شرفة فندقه المطل على المحيط أخذ يعد الدقائق والثوانى التى تمضي ببطء قاتل حتى دقت الساعة السابعة صباحا ليتعالى دوى الإنفجارات التي هزت أبيدجان من قلب المحيط ويصبح الحفار أثرا بعد عين لكن صوت هذه الإنجارات كان كالموسيقي الكلاسيكية فى أذنى نسيم والذى تأمل الحفار المحطم لترتسم إبتسامة نصر مشرقة ومألوفة على الوجه الأسمر الصارم وبعدها يتوجه إلي أحد مكاتب البريد ليرسل تلغرافا إلى الرئيس جمال عبد الناصر يقول له كلمتين فحسب مبروك الحاج .


كان هذا هو محمد نسيم أو نديم هاشم كما عرفه المشاهدون العرب فى المسلسل التليفزيونى الشهير رأفت الهجان والذى كتب قصته الأديب الراحل صالح مرسي وأخرجه المخرج يحيي العلمى لتنفجر الحماسة فى الشعوب العربية من المحيط الى الخليج إعجابا بهؤلاء الأبطال الذين قدموا لأوطانهم أسمى معانى الفداء ولم ينتظروا حتى مجرد كلمة شكر، أسود المخابرات العامة المصرية الأفذاذ الذين يعملون في صمت النائمون فى قلب الخطر رواد العظمة والذين كان منهم نجمهم رجل المستحيل محمد نسيم الذى إتخذ دوره الى جوار زملائه فى حرب أكتوبر عام 1973م ليتمكن جهاز المخابرات العامة المصرية من إحاطة ترتيبات الحرب بالسرية الكاملة حتى ساعة الصفر القاتلة للعدو لتخرج المراجع العالمية معترفة بإنتصار المخابرات العامة المصرية على أجهزة المخابرات الأميريكية والسوفيتية والإسرائيلية والبريطانية .


ومع بداية الثمانينيات ترجل الفارس بعد عشرات العمليات الناجحة والشهرة الواسعة التي نالها الفهد الأسمر المصري اللواء محمد نسيم وإعتزل البطل العمل السري حيث إنتهي عمله في جهاز المخابرات العامة المصرية وليتقلد وظيفة مدنية مرموقة حيث تم إختياره رئيسا لهيئة تنشيط السياحة في جنوب سيناء وكانت وفاته يوم 22 مارس عام 2000م حينما أسلم الفارس البطل روحه وجاد بأنفاسه الأخيرة بعد رحلة مثمرة فى محراب البطولة وتقدم جنازة البطل كبار رجال الدولة والمخابرات العامة فى ميدان التحرير الذى يقع فيه مسجد عمر مكرم الذى خرج منه جثمان البطل وتساءل العامة فى فضول وهم يلقون نظرة على اللافتة التى يحملها الجنود فى مقدمة الجنازة وتحمل إسم البطل ترى من يكون محمد نسيم؟ .
 
 
الصور :