abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الجنرال النحيف المخيف
الجنرال النحيف المخيف
عدد : 11-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


المشير محمد عبد الغني الجمسي قائد عسكري مصري شهير من كبار قادة حرب السادس من أكتوبر عام 1973م وقد شغل منصب وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة المصرية خلفا للمشير أحمد إسماعيل علي بعد وفاته في أواخر عام 1974م وشغل قبله منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة من يوم 13 ديسمبر عام 1973م وحتي أواخر عام 1974م ومن قبله، كان يشغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية وهو المنصب الذى كان يشغله خلال حرب يوم السادس من أكتوبر عام 1973م وقد تم تصنيفه ضمن أبرع 50 قائد عسكرى في التاريخ كما ذكرت أشهر الموسوعات العسكرية العالمية.

وهو يعتبر آخر وزير حربية في مصر حيث تم إستبدال المسمي من بعده ليكون وزير الدفاع كما أنه كان يتمتع بصفات شخصية مميزة حيث كان ودودا لأهله وكان دائما ما يزور أقاربه في المنوفية كل شهر وكان يحب الإجتماع بأبناء أعمامه ويتحدث معهم ويضحك كثيرا وكان خلال هذه الأحاديث يرفض التحدث عن الأمور العسكرية وعندما يسأله أحد عن أمر عسكري يبتسم ولايرد ولم يكن يحب الوساطة وظهر هذا عندما طالبه أهالي قريته بتنفيذ خدمات شخصية فرفض ولكنه ساهم في خدمات للقرية ومعاملاته في منزله كان يغلب عليها الطابع العسكرى ودائما ما كانت له جملة شهيرة يرددها حينما يرى رجلًا غير جاد فيصفه بأنه ليس عنده ضبط وربط .

ولد المشير محمد عبد الغني الجمسي يوم 9 سبتمبر عام 1921م بقرية البتانون بمحافظة المنوفية لأسرة ريفية تتكون من سبعة أشقاء وكانت أسرته ميسورة الحال يعمل عائلها في الأراضي الزراعية بمحافظته وكان هو الوحيد من بين أبناء أسرته الذي حصل على تعليم نظامي قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم وأتم التعليم النظامى في مدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم بالمنوفية ولعب القدر دوره في حياته بعد أن أكمل تعليمه الثانوي حينما سعت حكومة مصطفى النحاس باشا الوفدية لإحتواء مشاعر الوطنية المتأججة التي إجتاحت الشعب المصري في هذه الفترة؛ فأتاحت لجميع الفئات والمستويات فرصة الإلتحاق بالكلية الحربية بعد توقيع معاهدة عام 1936م مع بريطانيا فإلتحق بالكلية الحربية وهو إبن 17 عاما مع عدد من أبناء الجيل الذي سبقه وطبقته الإجتماعية الذين إختارهم القدر لتغيير تاريخ مصر حيث كان منهم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وجمال سالم وزكريا محيي الدين وخالد محيي الدين وكمال الدين حسين وأنور السادات وغيرهم من الضباط الأحرار .

وتخرج المشير الجمسي من الكلية الحربية عام 1939م وإلتحق بسلاح الفرسان الذى أصبح المدرعات فيما بعد وفي نفس سنة تخرجه من الكلية الحربية إندلعت الحرب العالمية الثانية وطرقت أبواب مصر من ناحية الحدود الغربية وفي ذلك الوقت تم تعيينه في أحد الوحدات في صحراء مصر الغربية ومن ثم كان من قلائل الضباط المصريين الذين شاهدوا تلك الحرب حيث دارت أمامه أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة الفيلد مارشال برنارد مونتجمري وقوات المحور بقيادة الفيلد مارشال إرفين روميل ثعلب الصحراء وكانت تجربة مهمة ودرسا مفيدا إستوعبه وإختزنه في ذاكرته لأكثر من ثلاثين عاما وعقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية واصل مسيرته العسكرية فعمل ضابطا بالمخابرات الحربية فمدرسا بمدرسة المخابرات حيث تخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل الذي كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريا من التسليح إلى الإستراتيجية إلى المواجهة وبعد ذلك تلقى عددا من الدورات التدريبية العسكرية في كثير من دول العالم وحصل على شهادة كلية القادة والأركان عام 1951م وتولى قيادة اللواء الخامس المدرع بمنطقة القناة في حرب السويس خلال العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956م ثم تولى رئاسة أركان حرب المدرعات في عام 1957م ثم ترقي ليصبح قائد اللواء الثاني المدرع عام 1958م ثم إلتحق ببعثة المدرعات في أكاديمية فرونز بالإتحاد السوفيتى عام 1960م وبعد عودته من البعثة تم تعيينه قائدا لمدرسة المدرعات عام 1961م ثم رقى إلى رتبة اللواء في شهر يوليو عام 1965م ثم أصبح رئيسا لعمليات القوات البرية في عام 1966م وهو المنصب الذى كان يشغله خلال حرب الخامس من يونيو عام 1967م ويقول المشير محمد عبد الغني الجمسي عن هذه الحرب إن أحداثها بدأت بمعلومات غير صحيحة عن حشد للقوات الإسرائيلية على الحدود السورية تمهيدا للإعتداء عليها ترتب عليها مظاهرة عسكرية في مصر تحولت إلى حرب حقيقية لم تكن مصر والدول العربية جاهزة لخوضها بينما كانت إسرائيل على إستعداد تام لها وعقب النكسة تقدم بإستقالته من القوات المسلحة ليفسح للجيل الجديد الفرصة لإسترداد الأرض المحتلة ورفض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الإستقالة لأنه كان يعلم تمام العلم بأنه من القيادات المشهود لها بالإستقامة والخبرة العسكرية كما أنه كان من أكثر قيادات الجيش دراية بالعدو وذلك إستعدادا للثأر من الهزيمة فساعده ذلك على الصعود بقوة إلي أعلي المناصب العسكرية حيث تم بعد النكسة تعيينه رئيسا لأركان حرب الجيش الثاني الميداني ثم تولي رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة عام 1971م ثم أصبح رئيسا للمخابرات الحربية عام 1972م وفي نفس العام تولي منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية ونائب رئيس هيئة اركان حرب القوات المسلحة وهو المنصب الذى كان يشغله خلال حرب أكتوبر عام 1973م كما ذكرنا في السطور السابقة .

وكانت الفترة التي شغل فيها المشير الجمسي منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية هي فترة الإعداد لحرب السادس من أكتوبر عام 1973م ففي أوائل هذا العام قامت هيئة عمليات القوات المسلحة تحت قيادته بعمل دراسة طويلة وعميقة لتحديد أنسب يوم للهجوم خلال ذلك العام بحيث يحقق أحسن وأنسب الظروف لنجاح العملية الهجومية ويحقق في نفس الوقت أسوأ الظروف لإسرائيل وتم وضع هذه الدراسة على ضوء الموقف العسكري وفكرة العملية الهجومية المخططة والمواصفات الفنية والطبيعية لقناة السويس من حيث المد والجزر وسرعة التيار وإتجاهه وساعات الظلام وضوء القمر والأحوال الجوية وحالة البحرين الأبيض المتوسط والأحمر وعوامل أخرى عديدة وتم دراسة كل شهور السنة لإختيار أفضل الشهور لإقتحام القناة حيث أن فرق المنسوب بين أعلى مد وأدنى جذر هو 80 سنتيمتر في القطاع الشمالي للقناة والذى يشمل المسافة من الإسماعيلية وحتي بورسعيد بينما فرق المنسوب في القطاع الجنوبي مابين الإسماعيلية والسويس هو متران كما أن سرعة التيار في القطاع الشمالي تبلغ 18 مترا في الدقيقة بينما سرعته في القطاع الجنوبي تبلغ 90 مترا في الدقيقة أما إتجاه التيار فإنه يتغير دوريا كل 6 ساعات من الشمال إلى الجنوب وبالعكس وكانت كل هذه الظواهر الطبيعية مطلوب معرفتها لتحديد تأثيرها على وسائل العبور بالقوارب وعلي عملية إنشاء المعديات والكباري وكان من الضرورى أيضا دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل القوات الجوية وحالة البحرين الأبيض المتوسط والأحمر لمعرفة أنسبها لعمل القوات البحرية وإشتملت الدراسة أيضا على جميع أيام العطلات الرسمية في إسرائيل بخلاف يوم السبت وهو يوم أجازتهم الأسبوعية حيث تكون القوات المعادية عادة أقل إستعدادا للحرب ووجد أن لدى اليهود ثمانية أعياد في السنة منها ثلاثة أعياد في شهر أكتوبر هي عيد الغفران أو يوم كيبور وعيد المظلات وعيد التوراة وكان المهم في الموضوع معرفة تأثير كل عطلة على إجراءات التعبئة في إسرائيل التي تعتمد إعتمادا رئيسيا في الحرب على قوات الإحتياطي وكان يوم كيبور أو عيد الغفران خلال عام 1973م يوافق يوم سبت والأهم من ذلك هو أنه اليوم الوحيد خلال العام الذي تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث لأنه يعتبر يوم سكون كامل في إسرائيل أي أن إستدعاء قوات الإحتياطي بالطريقة العلنية السريعة سوف تكون معطلة وغير مستخدمة وبالتالي سيتم إستخدام وسائل أخرى تتطلب وقتا أطول من المعتاد لتنفيذ التعبئة .

وإنتقلت الدراسة بعد ذلك إلى عامل آخر هو الموقف الداخلي في إسرائيل فقد كانت ستجري إنتخابات إتحاد نقابات العمال المعروف بإسم الهستدروت في شهر سبتمبر عام 1973م بينما ستجري إنتخابات البرلمان الاسرائيلي أو الكنيست يوم 28 أكتوبر عام 1973م ومن المعروف أن الحملة الإنتخابية تجذب أفراد الشعب لها علما بأن أغلب الشعب يشكل الجيش الإحتياطي عند تعبئة الدولة أثناء الحرب وحيث أنه كان من المخطط أن تكون الحرب علي الجيهة السورية في نفس الوقت الذى ستقوم فيه علي الجبهة المصرية فقد كان لا يجب ان يتأخر موعد الحرب بعد شهر أكتوبر 1973م حيث أن حالة الطقس والجو تصبح غير مناسبة نظرا لبدء تساقط الجليد علي مرتفعات الجولان السورية وكانت خلاصة هذه الدراسة بناءا علي كل ما سبق هي أن أنسب الشهور لقيام الحرب خلال عام 1973م هي شهر مايو أو أغسطس أو أكتوبر وكان أفضل الشهور هو شهر أكتوبر كما تم في هذه الدراسة تحديد اليوم المناسب والساعة المناسبة خلال اليوم لبدء القتال خلال كل شهر من الشهور المذكورة وكان يوم السبت عيد الغفران 6 أكتوبر عام 1973م الموافق يوم 10 رمضان عام 1393 هجرية في الساعة الثانية ظهرا هو أنسب الأيام وهو اليوم الذى وقع عليه الإختيار بالفعل حيث توافرت فيه الشروط الملائمة لإقتحام القناة والهجوم وفي نفس الوقت كان يناسب ظروف الجبهة السورية وتم تسليم هذه الدراسة بيد اللواء آنذاك محمد عبد الغني الجمسي مكتوبة بخط اليد لضمان سريتها للفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة المصرية والذى عرضها علي الرئيس الراحل أنور السادات في إستراحة برج العرب التي توجد غرب الإسكندرية في أوائل شهر أبريل عام 1973م وبعد عودته أعادها للواء الجمسي باليد ونقل له إنبهار وإعجاب الرئيس السادات بها وقدم الفريق أول أحمد إسماعيل علي الشكر لهيئة العمليات لمجهودها في إعداد هذه الوثيقة الهامة وكتب تعليقه عليها يقول لقد كان تحديد يوم الهجوم عملا علميا على مستوى رفيع وإن هذا العمل سوف يأخذ حقه من التقدير وسوف يدخل التاريخ العلمي للحروب كنموذج من نماذج الدقة المتناهية والبحث الأمين وقد عرفت هذه الدراسة بإسم كشكول الجمسي .

ومن جانب آخر كان على قواتنا المسلحة أن تدخل حرب أكتوبر 1973م في ظروف عسكرية صعبة ومعقدة من أجل هدم نظرية الأمن الإسرائيلي التي وضعتها إسرائيل لتكون ستارا لتحقيق أهدافها التوسعية وفرض الأمر الواقع على العرب وكنا سندخل الحرب بينما العدو له التفوق العسكري والوضع الطبيعي أن يكون المهاجم متفوقا على المدافع لذلك كان من الضروري إهدار التفوق العسكري للعدو في المرحلة الإفتتاحية للحرب وهي مرحلة الهجوم مع إقتحام قناة السويس وكنا أيضا سندخل الحرب وعلينا أن نقدر أن إقتحام قناة السويس بقوات قوامها حوالي مائة ألف مقاتل بأسلحتهم ومعداتهم ومدرعاتهم يعتبر من أصعب العمليات العسكرية حيث أن أصعب الموانع المائية علي مستوى العالم إثنان لا ثالث لهما هما قناة السويس وقناة بنما وكنا سندخل الحرب بينما يستند العدو إلى خط محصن على الضفة الشرقية للقناة وهو خط بارليف ولديه القوات الكافية المدربة في سيناء وكان لابد من نجاح عملياتنا الهجومية وإختراق تحصيناته وتدميرها وبذلك يتم تحدي نظرية الأمن الإسرائيلي وأخيرا كنا سندخل الحرب ضد عدو لديه جهاز مخابرات إشتهر بكفاءته وتعاونه مع أجهزة المخابرات الأميريكية لمعرفة كل ما يدور في الوطن العربي فإذا إكتشفت هذه الأجهزة نوايانا الهجومية فإن إسرائيل من المؤكد أنها ستبادر بتوجيه ضربة وقائية أو ضربة إجهاض تجعل عملياتنا الهجومية أكثر صعوبة وأشد تعقيدا كما أن إسرائيل ستبادر أيضا بتعبئة وإستدعاء الإحتياطي وإرساله للجبهتين المصرية والسورية خلال يومين ومن هنا ولكل هذه الأسباب كان من الضروري أن نبذل كل جهد ممكن لتحقيق المفاجأة الإستراتيجية حتى تكون المبادأة لنا لأول مرة في الحرب ضد إسرائيل وحرمان العدو من فترة الإنذار اللازمة للتعبئة وعدم إعطائه فرصة توجيه ضربة وقائية وضمان نجاح الهجوم والعبور بأقل خسائر ممكنة حيث كنا قد قدرنا خسائرنا في جبهة قناة السويس بأعداد كبيرة من الشهداء والجرحى والمصابين إلي جانب خسائر جسيمة في المعدات وجدير بالذكر أن ما تكبدناه بالفعل من خسائر سواء في الأرواح أوالمعدات كان أقل كثيرا مما هو متوقع .

والخلاصة أنه كان لا بد من التخطيط لخطة خداع علي أعلي مستوى لتحقيق المفاجأة الإستراتيجية للعدو الإسرائيلي والتي إشترك في وضعها عدد محدود جدا من ضباط هيئة عمليات القوات المسلحة تحت الإشراف المباشر لرئيس الهيئة اللواء الجمسي وكتبت بخط اليد مثلها مثل خطة العمليات تماما وإشتملت هذه الخطة على إجراءات وأعمال كثيرة متنوعة في مجالات مختلفة بحيث تتكون صورة متكاملة أمام العدو بأن قواتنا في مصر وفي سوريا ليس لديها أى نية للهجوم بل أن ما نقوم به من إجراءات وتجهيزات هو عمل تقوية لدفاعاتنا من أجل الإستعداد لصد أى هجوم إسرائيلي محتمل وكان من عناصر المفاجأة للعدو الإسرائيلي أنه قد جرت العادة أن الهجوم مع وجود موانع مائية صعبة مثل قناة السويس يحتاج إلي وقت طويل وكان الوضع الطبيعي أن نبدأ الهجوم مع أول ضوء من النهار بحيث نستغل النهار كله أو آخر ضوء حتي نستغل الليل كله لكننا لم نختر أول ضوء ولا آخر ضوء وإنما إخترنا الساعة الثانية وخمس دقائق بعد الظهر قبل الغروب بحوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة كما تم التحديد في الدراسة المشار إليها والمعروفة بإسم كشكول الجمسي وهذا التوقيت غير متوقع من جانب العدو كما كانت ليلة 6/7 أكتوبر تتميز بأن وقت الليل فيها طويل وكان النصف الأول منها مقمرا والنصف الثاني في حالة إظلام وذلك بغرض أن يسهل تركيب وإنشاء الكباري في ضوء القمر ثم يكون عبور القوات والأسلحة والمعدات في الظلام وبالإضافة إلي ذلك قامت قواتنا المسلحة بعمل مناورة تحدد لها من يوم 1 إلي يوم 7 أكتوبر عام 1973م وتحت ستار المناورة قامت قيادات الجيوش والفرق والألوية بإحتلال مراكز القيادة بالجيشين الثاني والثالث الميدانيين والبحرية والطيران والدفاع الجوي وأعلنت حالة الطوارئ بالقوات المسلحة كما تم إستدعاء قوات الإحتياطي وبعد ثلاثة أيام من المناورة قمنا بتسريح آلاف الجنود وبدأ الجميع يقولون إن المناورة قد إنتهت وفي التوقيت المناسب نزعنا خرائط التدريب وعلقنا خرائط الحرب كما تم الإعلان عن العمرة التي تنظمها القوات المسلحة في شهر رمضان وحجز فيها عدد كبير من القادة والضباط والجنود مع تعمد نشر خبرها في الأهرام الذي يوزع في دول أوروبا وعندما طلب وزير دفاع رومانيا زيارة مصر تم تحديد يوم 9 أكتوبر عام 1973م لمقابلة وزير الحربية المصري بما يعني عدم وجود حرب .

وشارك الرئيس الراحل أنور السادات علي الخط في عمليات التمويه وإجتمع بمجلس الأمن القومي يوم 30 سبتمبر عام 1973م وطلب من الأعضاء رأيهم في الوضع. فطالب البعض بالمعركة وتردد البعض وقال وزير التموين إن المواد التموينية الموجودة لا تكفي لمعركة طويلة ،وقال الرئيس السادات أريد أن أقول لكم إن إقتصادنا قد وصل حاليا إلي مرحلة الصفر وعلينا إلتزامات آخر السنة ولا نستطيع الوفاء بها للبنوك وعندما يأتي عام 1974م بعد 3 شهور لن يكون عندنا رغيف خبز واحد للمواطنين ولا أستطيع أن أطلب من أي بلد عربي دولارا واحدا لا في حرب ولا حاجة وأنهي الإجتماع بينما بدا في اليوم التالي أول أكتوبر عام 1973م تنفيذ المشروع التدريبي الذي تتم تحت ستاره اللمسات والتجهيزات الأخيرة للمعركة وكان الإهتمام الأكبر الذى شغل اللواء الجمسي رئيس هيئة العمليات صباح يوم 6 أكتوبر عام 1973م مركزا علي نشاط العدو الجوي الذي يظهر أمامه علي شاشة الرادار الموجود في مركز العمليات لأن سلاح الطيران الإسرائيلي هو من سيلعب الدور الرئيسي في حالة كشف نوايانا الهجومية وفي حوالي الساعة الثانية عشر ظهرا أبلغ اللواء الجمسي الفريق أول أحمد إسماعيل علي بأنه قد سبق السيف العزل وأصبح الوقت متأخرا جدا لكي يتمكن العدو من القيام بعمل عسكري مؤثر ضد قواتنا التي تستعد لإقتحام القناة والهجوم علي مواقع العدو شرق القناة وأخذ الوقت يمر بطيئا بطيئا وفي تمام الساعة الواحدة تقريبا وصل الرئيس الراحل أنور السادات إلي غرفة العمليات وإتخذ القادة أماكنهم حول خريطة العمليات ومر الوقت الباقي حتي إقلاع طائراتنا لتوجيه الضربة الجوية طويلا طويلا كأنه دهر مع أن إسرائيل كانت قد تلقت معلومات مؤكدة صباح يوم 6 أكتوبر عام 1973م تؤكد أن مصر وسوريا ستشنان الحرب قبل غروب شمس هذا اليوم وبناءا عليه إجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي وقرر تحذير مصر وسوريا عن طريق أمريكا وإتصل الدكتور هنرى كيسينجر بالدكتور محمد حسن الزيات وزير الخارجية المصرى آنذاك والذي كان في نيويورك الساعة الثانية إلا ربع بتوقيت القاهرة أي قبل الحرب بثلث ساعة يرجو فيه ألا تقوم مصر بأى عمليات عسكرية وعندما إتصل الزيات برئاسة الجمهورية كانت الحرب قد بدأت بالفعل منذ ربع ساعة حيث كانت قد قامت 200 طائرة مصرية بمهاجمة المواقع الإسرائيلية في سيناء كما قامت 100 طائرة سورية بمهاجمة مواقع العدو الإسرائيلي في هضبة الجولان .

وفي تمام الساعة الثانية والثلث قام أكثر من 2000 مدفع علي طول جبهة القناة من مختلف الأعيرة بفتح نيرانها ضد الأهداف الإسرائيلية لمدة 53 دقيقة متواصلة وسقط علي المواقع الإسرائيلية شرق القناة في الدقيقة الأولي 10500 دانة مدفعية بمعدل 175 دانة في الثانية الواحدة وقد منعت هذه النيران دبابات العدو من صعود الساتر الترابي وعبر لنا في هذا الوقت 8000 مقاتل ثم أصبح عددهم 33000 بعد 5 ساعات وذلك بإستخدام 750 قارب في عملية الإقتحام وعدد 1500 من سلالم الجبال لتسلق الساتر الترابي. وكان الرئيس السادات متواجدا في القيادة العامة للقوات المسلحة وعندما إطمأن إلي النجاح أمر بإذاعة البيان العسكري الأول ولم يكن هذا البيان حقيقيا لأنه قال إن قوات العدو قامت في الساعة الواحدة والنصف بمهاجمة قواتنا في منطقتي العين السخنة والزعفرانة وأن قواتنا تقوم حاليا بالتصدي لها وكان البيان الرئيسي عن عملية العبور هو البيان الخامس الذي صدر في الساعة الرابعة عصرا وكان نصه نجحت قواتنا في عبور قناة السويس وإستولت علي نقاط العدو القوية ورفعت علم مصر علي الضفة الشرقية للقناة وإستمر قتال المشاة ضد الدبابات كما يذكر المشير الجمسي في مذكراته لمدة 8 ساعات تقريبا قبل عبور أسلحتنا الثقيلة ومدرعاتنا قاتلوا خلالها ضد 300 دبابة إسرائيلية وإستطاعوا أن يدمروا منها مائة دبابة بالصواريخ المضادة للدبابات في سابقة لم تحدث من قبل في أى حرب بأن يتصدى جندى المشاة لدبابات العدو ويثبت أمامها ويقوم بتدميرها وفي نفس الوقت تمكن رجال سلاح المهندسين من فتح أكثر من 30 ممرا في الساتر الترابي بإستخدام 350 مضخة وبدأ بعد ذلك تركيب الكبارى التي ستعبر عليها المدرعات والمعدات الثقيلة وفي اليوم الثاني 7 أكتوبر عام 1973م جاءت الخطة الأميريكية علي شكل نصيحة لإسرائيل بهجوم مضاد لتحطيم رؤوس الكباري وتوجيه ضربة للدفاع الجوي المصري لشل فاعليته وكانت إسرائيل في هذا التوقيت في حالة من الشلل والرعب كما صورها رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال دافيد اليعازر وهو يصف وزير دفاعه ديان قائلا لا يمكن لأحد مهما أوتي من أسلوب الكتابة أن يصور الهزيمة بقدر ما يراها علي وجه قائد مهزوم في تقديراته وخططه وتاريخه هكذا كان موشي ديان .


وفي المقابل سجل ديان موقفه قائلا الواقع أنني خلال طيراني عائدا من سيناء إلي تل أبيب بعد أن زرت جبهة سيناء لا أتذكر لحظة في الماضي شعرت فيها بالقلق الذي شعرت به الآن لو أنني كنت أعاني جسمانيا وأواجه الخطر شخصيا لكان الأمر أهون. أما الآن فثمة شعور آخر ينتابني فقد كانت إسرائيل في خطر وفي يوم الأحد 7 أكتوبر عام 1973م حدث أول إتصال سري بين مصر وأمريكا عن طريق حافظ إسماعيل مستشار الرئيس للأمن القومي لكن المشكلة في هذا الإتصال أنه كشف للدكتور هنرى كيسينجر وزير الخارجية الأميريكي نية مصر عدم توسيع الهجوم وعلق كيسينجر عليه بأن مصر غير راغبة في متابعة العمليات العسكرية ضد إسرائيل بعد الأراضي التي كسبتها وقد إعتبر الجمسي من وجهة نظره الشخصية أن هذا كان إفشاءا لنوايانا العسكرية تجاه العدو عن طريق حليفته أمريكا وفي اليوم التالي الإثنين 8 أكتوبر عام 1973م كانت قوات الجيش الثاني تقاتل علي عمق من 9 إلي 12 كيلو متر شرق القناة وتمكنت الفرقة 18 مشاة بقيادة العميد آنذاك فؤاد عزيز غالي من تحرير مدينة القنطرة شرق وكان الجيش الثالث يقاتل علي عمق من 8 إلي 12 كيلو متر شرق القناة وشهد هذا اليوم معارك عنيفة تمكنت خلالها فرق المشاة الخمسة من صد الهجمات المضادة الإسرائيلية في نطاق الجيشين الثاني والثالث الميدانيين وتمكنت الفرقة 2 مشاة التي كان يقودها العميد آنذاك حسن أبو سعدة من تدمير اللواء 190 المدرع الإسرائيلي وأسر قائده العقيد عساف ياجوري وكان هذا اليوم بحق يوم الفشل العام لإسرائيل كما أطلق عليه ديان بعد أن تصدت قواتنا لهجوم العدو وسماه بيوم الإثنين الأسود وجاء اليوم التالي 9 أكتوبر عام 1973م ليحمل الإطمئنان لقواتنا بعد تصفية جميع حصون خط بارليف وصد محاولات العدو لشن هجمات مضادة جديدة ضد قواتنا وفي هذا اليوم طلبت إسرائيل أسلحة من أمريكا لتعويض خسائرها الفادحة التي تكبدتها بعد 4 أيام من القتال كما طلب الإتحاد السوفيتي وقف إطلاق النار ولكن الرئيس الراحل أنور السادات رفض ذلك الطلب وفي يوم 11 أكتوبر عام 1973م فاتح الفريق أول أحمد إسماعيل علي الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان في أمر تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق وكان رأي الفريق الشاذلي وقائدى الجيشين الثاني والثالث الميدانيين اللوائين سعد مأمون وعبد المنعم واصل ضد تطوير الهجوم لأن القوات الجوية الإسرائيلية قوية وتشكل تهديدا خطيرا لأية قوات برية تتحرك في العراء دون غطاء جوي بينما وقوف الجيشين المصرى والإسرائيلي أمام بعضهما كما قال الشاذلي في مذكراته سيمنع تقدم إسرائيل مهما كان الثمن حتي تقبل بالأوضاع الحالية علي جبهة القتال .

وتحدث الفريق أول أحمد إسماعيل علي مع الشاذلي مرة أخري يوم 12 أكتوبر عام 1973م قائلا إن تطوير الهجوم قرار سياسي لابد من تنفيذه وذلك بهدف تخفيف الضغط عن سوريا ورد الشاذلي التطوير لن ينجح ولن يخفف العبء عن سوريا وحاول هو وقائدا الجيشين الثاني والثالث إقناع الوزير بتأجيل تطوير الهجوم لحين إستقرار موقف القوات في رؤوس الكبارى التي أنشأتها ونقل عناصر الدفاع الجوى إلى الشرق وإرهاق العدو بسلسلة من عمليات الصد القوية قبل البدء في التطوير الذى كانوا يفضلون أن يتم بعد إستطلاع دقيق للمحاور وتصوير الدفاعات الإسرائيلية عند الممرات مع توجيه ضربات جوية قوية للقوات التى تدافع عنها وهى إجراءات لم يتم تنفيذ معظمها وفي النهاية أكد لهم أحمد إسماعيل علي أن القرار سياسي ويجب أن نلتزم به وبدأ التطوير بالفعل يوم 14 أكتوبر عام 1973م ويقول الجمسي في هذا الشأن كان التردد والتضارب بين القادة العسكريين وتدخل السياسة علي الخط بشكل مباشر من الرئيس السادات هما السبب في حدوث الإخفاقات التي حدثت بعد يوم 14 أكتوبر عام 1973م ووصلت الأمور إلي حدوث الثغرة وما يلفت النظر هنا أن الفريق الشاذلي العبقري المغامر بدا متحفظا مكتفيا بما تحقق من نصر رافضا المغامرة وتطوير الهجوم وهو ما أثبتت الأيام صحته بينما المشير الجمسي الذي كان يقيس كل شئ بالعقل دعا إلي إنتهاز الفرصة قبل أن تفيق إسرائيل من الصدمة وتدعم قواتها وهو رأي مغامر وجرئ فيه مجازفة وعندما تم سؤال المشير الجمسي عن رأيه في الثغرة ومن المسئول عنها رد ببساطة دون أن يحدد المسئول قائلا أثناء حرب أكتوبر وقعت 50 معركة إنتصرنا في 49 منها وفازت إسرائيل بواحدة هي الثغرة فبعد أن تحدد يوم 14 أكتوبر عام 1973م لتطوير الهجوم وقمنا بنقل الفرقة 21 المدرعة التي كان يقودها العميد آنذاك إبراهيم العرابي من غرب القناة إلي شرقها إستعدادا للهجوم المنتظر كانت قد جاءت في اليوم السابق 13 أكتوبر عام 1973م طائرة إستطلاع أميريكية وإخترقت مجالنا الجوي بسرعة 3 مرات سرعة الصوت ورصدت تغير أوضاع الفرقة 21 المدرعة وإنتقالها إلي شرق القناة فقامت إسرائيل بناءا علي هذه المعلومات بالهجوم من منطقة الدفرسوار وحدثت الثغرة وتعقد الموقف أكثر وتضاربت الأراء مرة أخري بشأن التعامل مع الثغرة فالشاذلي كان يري سحب قوات من الشرق للغرب للتعامل مع الثغرة من الغرب بينما الوزير أحمد إسماعيل علي يرفض سحب أى جندى من الشرق للغرب ويرى أن يتم التعامل مع الثغرة من الشرق وحضر السادات لمركز العمليات مساء يوم 16 أكتوبر عام 1973م وكان الفريق الشاذلي هو الذي طلب حضوره ليشرح له الموقف وكان متواجدا بمركز العمليات آنذاك اللواء حسني مبارك قائد سلاح الطيران واللواء محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوى واللواء الجمسي رئيس هيئة العمليات واللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية واللواء سعيد الماحي مدير سلاح المدفعية واللواء كمال حسن علي مدير سلاح المدرعات وإجتمع السادات بالوزير أحمد إسماعيل علي لمدة ساعة قبل الإجتماع العام والذى دخله السادات وطلب رأي المجتمعين واحدا بعد الآخر ثم قال لن نقوم بسحب أي جندي من الشرق وكانت النتيجة أن التعامل مع الثغرة من الشرق قد فشل فشلا ذريعا وتوسعت الثغرة وأقامت القوات الإسرائيلية جسرا ليلة 17/18 أكتوبر عام 1973م علي القناة وعبرت عليه يوم 18 أكتوبر عام 1973م وخلال الأيام التالية عدد 3 فرق مدرعة تضم عدد 7 ألوية مدرعة ولواء مشاة مظلات بالإضافة إلي عدد 1 لواء مشاة ميكانيكي وحاولت إحدى الفرق بقيادة الجنرال إيريل شارون دخول الإسماعيلية فلم تستطع وبإنتهاء يوم 22 أكتوبر عام 1973م صدر قرار مجلس الأمن رقم 340 بوقف إطلاق النار بين القوات المتحاربة وهدأت الأمور إلي حد كبير في قطاع الجيش الثاني الميداني ولكن لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ هذا القرار وتركزت تحركات وهجمات قوات العدو منذ صباح يوم 23 أكتوبر عام 1973م وحتي وصول قوات الطوارئ الدولية والسريان الفعلي لقرار وقف إطلاق النار بين الطرفين يوم 28 أكتوبر عام 1973م في الجنوب بقطاع الجيش الثالث الميداني وكما حاولت القوات الإسرائيلية إحتلال مدينة الإسماعيلية حاولت أيضا إحتلال مدينة السويس ولكنها فشلت أيضا فشلا ذريعا مثلما فشلت في إحتلال مدينة الإسماعيلية بعد أن إستبسلت قوات المقاومة الشعبية بالإشتراك مع بعض وحدات الجيش الثالث الميداني في الدفاع عن المدينة وكبدتها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات ولكنها كانت قد أتمت حصار مدينة السويس والجيش الثالث شرق القناة .


وبجهود أميريكية وافقت مصر وإسرائيل علي إجراء مفاوضات لتثبيت وقف إطلاق النار وتوصيل الإمدادات لقوات الجيش الثالث الميداني بعد أن تمكنت إسرائيل من قطع طريق مصر السويس الصحراوي وهو الطريق الوحيد لمدينة السويس والجيش الثالث وجرت هذه المفاوضات عند علامة الكيلو متر 101 علي طريق القاهرة السويس الصحراوى داخل أحد المواقع الإسرائيلية وقاد المشير الجمسي هذه المفاوضات التي بدأت ليلة 28 أكتوبر عام 1973م الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل وإستمرت حتي الساعة الرابعة والنصف صباحا ويقول عنها الجمسي توجهت في عربة جيب وإصطحبت معي عربة عسكرية أخري تحمل مجموعة مسلحة من الصاعقة للحراسة ورافقتنا عربة من قوات الطوارئ الدولية وعندما وصلنا لمكان الإجتماع إصطف الضباط الإسرائيليون برئاسة الجنرال أهارون بارليف مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي وقاموا بتأدية التحية العسكرية وقمنا برد التحية ويصف الجمسي مكان الإجتماع قائلا إنه كان عبارة عن غطاء من المشمع تم ربط أحد أجنابه في دبابة وربط الجانب الآخر في عربة مدرعة ووضعت بينهما منضدة خشبية حولها عدد من الكراسي وعلي رأس المائدة كان الجنرال أنزيو سيلاسفو ممثل الأمم المتحدة وقائد قوات الطوارئ الدولية ولم يكن هناك مندوبون من وسائل الإعلام في هذا الإجتماع وخلال المناقشة كنا نعطي الأولوية لإعادة القوات الإسرائيلية لخطوط يوم 22 أكتوبر 1973م وضمان إمداد السويس والجيش الثالث بالتعيينات والمياه والأدوية والمستلزمات الطبية وكان الإسرائيليون يعطون الأولوية لتبادل الأسري وإبقاء قواتهم علي طريق مصر السويس وكان هذا هو أول إجتماع بين مصريين وإسرائيليين حاربوا بعضهم ومازالوا ولم تسفر الجلسة الأولي من المفاوضات عن أى نتيجة ثم بعد ذلك تم نصب 3 خيام بشكل رسمي وأصبح يسمح لرجال الاعلام بحضور المفاوضات التي إستمرت سبع جلسات دون أن تحقق أي نتائج وجاء الدكتور هنرى كيسينجر وزير الخارجية الأميريكي للقاهرة للمرة الأولي في يوم 6 نوفمبر عام 1973م وأجري مفاوضات مع الرئيس الراحل أنور السادات وبعد يومين أى في يوم 8 نوفمبر عام 1973م تم التوصل إلي إتفاقية سميت إتفاقية النقاط الست والتى بموجبها تم توصيل الإمدادات إلي قوات الجيش الثالث الميداني شرق القناة وأيضا مدينة السويس كما تم فك الحصار البحرى الذى فرضته القوات البحرية المصرية علي باب المندب وتم السماح بمرور السفن المتجهة إلي ميناء إيلات الإسرائيلي كما تم البدء في تبادل الأسرى بين الجانبين وكنوع من الضغط علي مصر وإجبارها علي تقديم تنازلات من أجل فك الحصار عن الجيش الثالث كان الإسرائيليون يتعمدون تعطيل كل شئ ويتعنتون في إجراءات وصول الإمدادات الغير عسكرية إلي القوات المحاصرة ويقومون بتفتيش السيارات التي تحملها تفتيشا دقيقا كما رفضوا السماح للسائقين المصريين بتعدى علامة الكيلو متر 101 وأصروا علي أن يتولي قيادتها إما سائقون إسرائيليون أو سائقون يتبعون قوات الطوارئ الدولية وفي خلال شهر نوفمبر والنصف الأول من شهر ديسمبر عام 1973م وصلت إلي مصر إمدادات عسكرية من بعض الدول العربية والدول الصديقة كان أهمها عدد من الدبابات عوض إلي حد ما العدد الكبير مما تم تدميره خلال المعارك الني تمت بصفة خاصة أيام 14 و17 و18 أكتوبر عام 1973م وتم إعادة حشد الفرقتين المدرعتين 4 و21 وفرق المشاة الميكانيكية 3 و6 و21 إلي جانب وحدات من الصاعقة والمظلات ووضعت هذه القوات بداية من يوم 13 ديسمبر عام 1973م تحت قيادة اللواء سعد مأمون الذى كان قد تعافي وغادر المستشفي بعد تعرضه لأزمة قلبية يوم 14 أكتوبر عام 1973م وسميت هذه القوات قوات تصفية الثغرة وفي نفس اليوم تم تعيين اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية خلفا للفريق سعد الشاذلي مع ترقيته إلي رتبة الفريق وقد وقع الإختيار علي اللواء سعد مأمون لكونه كان متصلا بالحرب منذ فترة الإعداد لها وتوليه قيادة الجيش الثاني الميداني أكبر تشكيل قتالي في الجيش المصرى والأداء المتميز الذى أداه هذا الجيش تحت قيادته في الأيام الأولي لحرب أكتوبر عام 1973م وحتي إصابته بالأزمة القلبية وتم وضع خطة سميت بالخطة شامل لتصفية الثغرة وأصبحت جاهزة للتنفيذ منذ يوم 24 ديسمبر عام 1973م بعد أن تدربت عليها الوحدات التي ستقوم بتنفيذها وتم إعتمادها من رئيس الأركان والقائد العام والقائد الأعلي للقوات المسلحة المصرية وكانت في تلك الآونة قد بدأت حرب إستنزاف ضد الجيب الإسرائيلي في الثغرة غرب القناة خلال فترة الحشد ووضع خطة تصفية الثغرة علي الرغم من سريان قرار وقف إطلاق النار بهدف عدم السماح للقوات الإسرائيلية بأى فترة هدوء أو راحة وحرمانها من تثبيت دفاعاتها أو تحصينها هندسيا .


ومن الناحية العسكرية كان الجيب الإسرائيلي المتواجد غرب القناة قد أصبح يمثل مأزقا عسكريا ووضعا خطيرا للقوات المتواجدة فيه حيث أصبح هذا الجيب منفصلا عن قواعده في سيناء ولا يربطه بها سوى ممر ضيق عرضه حوالي 10 كيلو مترات مهدد بأن يتم قطعه بواسطة القوات المصرية التي أصبحت تحيط به من كل جانب كما كانت القيادة الإسرائيلية مضطرة لنقل جميع الإحتياجات الإدارية اللازمة لقواتها غرب القناة لمسافة تصل إلي حوالي 300 كيلو متر مما قد يعرضها لخطر مهاجمتها برا وجوا كما أنه نتيجة إمتداد وقت الحرب من يوم 6 أكتوبر عام 1973م وحتي أواخر شهر ديسمبر عام 1973م إضطرت إسرائيل إلي الإحتفاظ بتعبئة الإحتياطي لمدة طويلة وهو ما يخالف سياستها المعهودة في تعبئة الإحتياطي لمدة قصيرة حيث بذلك أصبح إقتصادها القومي مهددا بالشلل والإنهيار ولذا فقد جاء الدكتور هنرى كيسينجر إلي أسوان مرة أخري يوم 11 يناير عام 1974م وإتبع دبلوماسية المكوك بين أسوان وتل أبيب عدة مرات أعلن بعدها الوصول إلي إتفاقية فك الإشتباك الأول والفصل بين القوات وقد فوجئ اللواء الجمسي أثناء مفاوضات أسوان بكيسينجر يعلن موافقة السادات علي تخفيض حجم القوات المصرية علي الضفة الشرقية للقناة إلي 7000 جندي و30 دبابة وعدد محدود من المدفعية فقال لكيسينجر بحدة إنك تعطي إسرائيل كل ما يضمن تأمين قواتها وإني لا أوافق علي ذلك ولا يمكنني كرئيس أركان حرب للقوات المسلحة إيجاد المبرر لذلك فقال كيسينجر إنه يضع إستراتيجية للسلام مستقبلا فرد عليه الجمسي قائلا أنا لا أتحدث عن السلام ولكن أتحدث عن تأمين قواتنا وترك غرفة الإجتماع بإنفعال بعد أن إغرورقت عيناه بالدموع وكانت هذه هي المرة الثانية التي تدمع فيها عيناه حيث كانت المرة الأولي بعد نكسة الخامس من شهر يونيو عام 1967م وكان هذا الأمر بمثابة مفاجأة كبرى للدكتور هنري كيسينجر أن يرى دموع الجنرال الذي كثيرا ما أسر له القادة الإسرائيليون بأنهم يخشونه أكثر مما يخشون غيره من القادة العسكريين العرب وإتجه الرجل إلي دورة المياه ليمسح دموعه وتملك الغضب كل أعضاء الوفد المصري وشحب لون كيسينجر وظل يتمتم قائلا ما الخطأ الذي قلته ثم عاد الجمسي إلي الإجتماع صامتا حتي نهايته وراح كيسينجر يغرقه بالمديح قائلا إن العسكريين الإسرائيليين لايخشون أحدا سواك وقد علق الجمسي علي هذا الموقف قائلا كنت أتمني أن يستشير الرئيس أنور السادات الفريق أول أحمد إسماعيل علي أو يستشيرني لإبداء الرأي في الموضوعات العسكرية ومنها الحجم المناسب للقوات التي يجب الإحتفاظ بها في سيناء فالتضحيات والدماء لا يجب أن تذهب هباءا هكذا وفي النهاية تم في يوم 18 يناير عام 1974م التوقيع علي الإتفاقية الأولي لفض الإشتباك بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية والتي كان أهم بنودها أن تقوم إسرائيل بسحب قواتها من غرب وشرق القناة إلي مسافة حوالي 30 كيلو متر شرق القناة بينما تقوم مصر بسحب قواتها إلي غرب القناة مع إحتفاظها في شرقها بعدد 7000 جندى وضابط بالإضافة إلي عدد 30 دبابة علي ألا يتجاوز وجودها شرق القناة مسافة 10 كيلو مترات شرقها وفي الوقت نفسه تتواجد قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة في المنطقة الفاصلة بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية وعرضها حوالي 20 كيلو متر مع النص علي أن هذه الإتفاقية لا تعد إتفاقية سلام بين الطرفين بل هي مجرد خطوة للوصول إلي معاهدة سلام دائمة بين الطرفين يتم التفاوض بينهما بشأنها داخل إطار مؤتمر جنيف للسلام الذى نادت به الأمم المتحدة في ذلك الوقت .

وبعد وفاة المشير أحمد إسماعيل علي في أواخر شهر ديسمبر عام 1974م بشكل مفاجيء في لندن أصبح الجمسي وزيرا للحربية وتمت ترقيته إلي رتبة الفريق أول وإستمر يقود المفاوضات العسكرية مع الجانب الاسرائيلي للوصول إلي إتفاق سلام يقضي بإنسحاب إسرائيل من سيناء بالكامل ورغم قيام السادات بزيارته للقدس في شهر نوفمبر عام 1977م وإلقائه خطاب في الكنيست مادا يده بالسلام إلي إسرائيل إلا أن هذه الزيارة لم تبدد المخاوف الإسرائيلية وكان الاسرائيليون يصرون علي الإحتفاظ بمطاري رفح ورأس النقب وبقاء المستوطنات الإسرائيلية في سيناء حتي بعد الإنسحاب وفي جولة من جولات المفاوضات الشاقة والطويلة قال وايزمان وزير الدفاع الإسرائيلي للجمسي إن الرئيس السادات إتفق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحم بيجن أن تكون المنطقة شرق خط المضايق منزوعة السلاح فقال له إن هناك سوء فهم حول هذا الموضوع وأخذ يشرح له إن ذلك مستحيل فقال وايزمان لا يمكن أن يكون بيجن لم يفهم السادات إلي هذه الدرجة وبعد الإجتماع طلب الجمسي الرئيس السادات وشرح له ما قاله وايزمان وأوضح له الخطورة التي ستتعرض لها مصر إذا كان الوعد الذي أعطاه لإسرائيل صحيحا وشرح له خطورة أن يصبح الجزء الأكبر من سيناء بعرض 150 كيلو مترا حتي الحدود الشرقية مع إسرائيل منزوع السلاح وأن تتمركز قواتنا علي خط المضايق بما يعني أنها ستتمركز علي آخر الخطوط الدفاعية في سيناء الأمر الذي لا يحقق الدفاع عنها أو عن منطقة القناة التي تبعد عنه بحوالي 55 كيلو متر فقط وأوضح له أن مصر بذلك تترك نحو 150 كيلو مترا فراغا إستراتيجيا دون أي خطوط دفاعية الأمر الذي يتيح لإسرائيل إحتلال سيناء في وقت قصير جدا وأن هذا الوضع الجديد لقواتنا يستتبعه حتما حرماننا من إستخدام كل المطارات العسكرية بسيناء وأن هذا من شأنه أن يضع قواتنا في الموقف الأضعف دفاعا وهجوما وهو ما لايمكن قبوله عسكريا ورجاه أن يتدخل سياسيا لتفادي هذا الموقف الخطير وكان السادات حينذاك يستمع فقط وإقتصر في رده وتعليقه بكلمة طيب طيب طيب أشكرك وعند سفره إلي مباحثات كامب ديفيد في شهر سبتمبر عام 1978م إقترح الجمسي عليه أن يصطحب معه أحد القادة العسكريين ضمن الوفد المصري ولكنه لم يوافق علي هذا الإقتراح ولذلك جاءت إتفاقية كامب ديفيد من الناحية العسكرية تعبر عن نفسها فقط هكذا يقول الجمسي وهو تعبير في منتهي الرقي والإحترام عن رفضه لهذه المعاهدة أو علي الأقل عدم موافقته علي بعض بنودها .


وبعد أسبوعين فقط من توقيع إتفاقية كامب ديفيد وبالتحديد في يوم 3 أكتوبر عام 1978م وقبل يومين فقط من الإحتفال بذكري النصر قرر السادات إقالة وزير الحربية العتيد لأنه سيبدأ مرحلة جديدة من السلام مع إسرائيل علي حد قوله فهل ياترى تمت إقالة الجمسي بناءا علي ضغوط من إسرائيل وأمريكا أم أن السادات رأي أن جنراله النحيف كما أطلق هو عليه لن يكون مستريحا للمعاهدة ولا للمرحلة الجديدة من العلاقات مع إسرائيل ويقول الجمسي عن هذه الواقعة إستدعاني الرئيس السادات بعد أسبوعين من توقيع معاهدة كامب ديفيد فأخذت معي حقيبة أوراقي التي تحتوي علي بعض الموضوعات المهمة الخاصة بالقوات المسلحة والموقف العسكري بيننا وبين إسرائيل علي إعتبار أنها ستكون موضوع المناقشة والبحث بعد الإتفاقية لكن الرئيس السادات بدأ الحديث عن صحة زوجتي التي كانت تعاني من مرض الفشل الكلوي منذ سنتين ثم إنتقل للسياسة الداخلية ووصفها بأنها مرحلة جديدة تمر بها مصر وقال ولذلك قررت إجراء تغيير شامل في مؤسسات الدولة وأجهزتها يشمل رئيس الوزراء ممدوح سالم ورئيس مجلس الشعب السيد مرعي وتعيين قيادة عسكرية جديدة وأنه كلف الدكتور مصطفي خليل بتشكيل الحكومة الجديدة وقرر تعييني ورئيس الأركان محمد علي فهمي مستشارين عسكريين له وتعيين الفريق كمال حسن علي وزيرا للدفاع واللواء أحمد بدوي رئيسا للأركان ويعلق الجمسي علي واقعة إقالته قائلا شعرت بالضيق والأسف من قرار الإقالة لأنه جاء قبل ايام قليلة من الإحتفال بالذكري الخامسة لنصر أكتوبر وخاصة أنه كان هو من أشرف علي تنظيم الإحتفال ووجهت الدعوات بإسمه للمدعوين للحضور ويتساءل وهو يعتصره الألم في حزن نبيل يليق بالفرسان ألم يكن من الأفضل والأنسب أن يتم ذلك في أي يوم آخر حقا إن من حق رئيس الدولة إجراء التغييرات في أي وقت ولكنني كنت أتمني فقط أن يكون هناك حسن إختيار للتوقيت مراعاة للناحية المعنوية التي تعتبر حدثا مهما في حياة كل مقاتل .


وفي عام 1980م رقى الجمسي إلى رتبة مشير شرفي وفي يوم 11 نوفمبر من نفس العام قرر التقاعد بناءا على طلبه وإبتعد عن الحياة العسكرية ولما تم توجيه سؤال إليه في أحد اللقاءات الصحفية قال الجمسى ردا على سؤال حول القرار الذى ندم عليه فأجاب إشتراكى فى التفاوض مع اليهود وعلي الرغم من تقاعد المشير الجمسي من الحياة العسكرية إلا أنه ظل محتفظا بنفس التقاليد الصارمة من الإلتزام والإنضباط وإلتزام الصمت بعيدا عن الأضواء وحين بدأت موجة الكتابة عن حرب أكتوبر تنتشر في مختلف أنحاء العالم كانت المعلومات تتكشف تدريجيا عن دور الرجل في الحرب وتعددت معها الألقاب التي أطلقت عليه فجرت المقارنة بينه وبين الجنرال الألماني الأشهر إرفين روميل فسمي ثعلب الصحراء المصري نظرا لبراعته في قيادة معارك الصحراء ولقب أيضا بأستاذ المدرعات التي إحترف القتال في سلاحها منذ تخرجه في الكلية الحربية وكان أغرب الألقاب التي أُطلقت عليه ذلك الذي أطلقته عليه جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إبان حرب أكتوبر عام 1973م حين وصفته بالجنرال النحيف المخيف.


وقام المشير الجمسي بعد تقاعده بنشر مذكراته عن حرب أكتوبر عام 1973م بكل شفافية وحيادية وبكل أمانة قال في تلك المذكرات أن الفريق الشاذلي رئيس الأركان الذى سبقه في هذا المنصب لم يعد منهارا من الجبهة يوم 20 أكتوبر عام 1973م ولم يطلب سحب قوات الجيشين الثاني والثالث الميدانيين إلي غرب القناة كما قال عنه السادات وكل ما أشار به ضرورة سحب عدد 4 ألوية مدرعة من شرق القناة إلي غربها لمواجهة الثغرة والتعامل معها وهو الأمر الذى إختلف بشأنه العسكريون حتي يومنا هذا .

وقد حصل المشير الجمسي خلال مسيرته العسكرية علي عدد 24 نوط وميدالية ووسام من مصر ومن بعض الدول العربية والأجنبية منها وسام التحرير عام 1952م ووسام ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958م بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا ووسام نجمة الشرف العسكرية عام 1974م وفي يوم 7 من شهر يوليو عام 2003م غيب الموت المشير محمد عبد الغني الجمسي عن عمر يناهز 82 عاما بعد حياة حافلة بالإنجازات العسكرية التي لا تتكرر كثيرا لرجل واحد إشترك في كل حروب مصر تقريبا وكلل حياته بالنصر الباهر في حرب أكتوبر عام 1973م حتي قال عنه الرئيس الراحل أنور السادات أنت تصلح لقيادة جيش مصر لمدة مائة عام وتم تشييع جنازته عسكريا في مشهد مهيب وحضرها كبار رموز الدولة ورموز العسكرية المصرية تكريما ووفاءا لذكرى الرجل وكانت من كلماته الأخيرة قبل وفاته إن إنتصار أكتوبر هو أهم وسام على صدري وليتني أحيا لأقاتل في معارك مصر القادمة .
 
 
الصور :