abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
رفاعة الطهطاوى .. رائد التنوير
رفاعة الطهطاوى .. رائد التنوير
عدد : 12-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


رفاعة رافع الطهطاوي باشا هو أحد كبار قادة النهضة العلمية في مصر في عهد محمد علي باشا وقد ولد في بداية القرن التاسع عشر الميلادى يوم 15 أكتوبر عام 1801م عام رحيل الحملة الفرنسية عن مصر بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر ويتصل نسبه بالإمام الحسين بن علي سبط النبي محمد عليه الصلاة والسلام ونشأ في عائلة كريمة من أبنائها من عمل بالقضاء كما كان منهم رجال دين كبار وقد لقي رفاعة عناية من أبيه فحفظ القرآن الكريم في طفولته وبعد وفاة والده وجد من أخواله إهتماما كبيرا حيث كانت عائلة والدته زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو ثم إلتحق رفاعة وهو في سن السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817م وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف وغير ذلك وبعد تخرجه من الأزهر في عام 1821م وكان لم يكمل 21 عاما بعد جلس للتدريس فيه وإلتف حوله الطلبة يتلقون عنه علوم المنطق والحديث والبلاغة ثم ترك الأزهر ليخدم كإمام في الجيش النظامي الجديد الذى أنشأه محمد علي باشا علي يد الكولونيل سليمان باشا الفرنساوى عام 1824م وقد بدأ المنعطف الكبير في سيرة رفاعة الطهطاوي مع سفره خارج مصر لأول مرة عام 1826م إلى فرنسا ضمن بعثة عددها 40 طالبا أرسلهم محمد على باشا على متن السفينة الحربية الفرنسية لاترويت في يوم 13 أبريل عام 1826م لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة وكان عمره حينها 25 عاما تقريبا وكان الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر الشريف وراء ترشيح رفاعة مع إثنين آخرين للسفر مع البعثة كأئمة لها ووعاظ لطلابها وكان بين أعضاء البعثة عدد 18 فقط من المتحدثين باللغة العربية بينما كان البقية يتحدثون اللغة التركية ولكنه إلى جانب كونه إمام البعثة إجتهد ودرس اللغة الفرنسية هناك فتم ضمه للبعثة كطالب متخصص في الترجمة ولكي يكون واحدا بعد ذلك من كبار علماء الترجمة الذين قامت علي أكتافهم عملية نقل ما تعلموه إلى تلاميذهم جيلا بعد جيل .

وقبل أن يتقدم رفاعة للإمتحان النهائي كان قد أنجز ترجمة 12عملا إلى العربية وبعد خمس سنوات حافلة أدى رفاعة إمتحان الترجمة وقدم مخطوطة كتابه الذي نال بعد ذلك شهرة واسعة تخليص الإبريز في تلخيص باريز ثم عاد رفاعة لمصر عام 1831م مفعماً بالأمل منكبا على العمل فإشتغل بالترجمة في مدرسة الطب ثم عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية وفي عام 1835م قام بإفتتاح مدرسة الترجمة التي صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعين مديرا لها إلى جانب عمله بالتدريس فيها وفي هذه الفترة من مسيرة رفاعة الطهطاوى تجلي المشروع الثقافي الكبير له حيث قام بوضع الأساس لحركة النهضة التي صارت في يومنا هذا بعد عشرات السنين إشكالية كبيرة نصوغها ونختلف حولها فيما أطلق عليه الأصالة أم المعاصرة وفي الواقع كان رفاعة الطهطاوى أصيلاً ومعاصراً في نفس الوقت من دون إشكال ولا إختلاف ولا تناقض ففى الوقت الذي ترجم فيه متون الفلسفة والتاريخ الغربي ونصوص العلم الأوروبى المتقدم نراه يبدأ في جمع الآثار المصرية القديمة ويستصدر أمرا لصيانتها وحفظها من التهريب والضياع وفي عام 1836م تم تعيينه أيضا كأول مدير للمدرسة الخديوية الثانوية التي كانت في البداية تسمي المدرسة التجهيزية حيث كان طلبتها يتم تجهيزهم للإلتحاق بالمدارس العسكرية التي أنشأها محمد علي باشا بهدف تكوين جيش قوى يستطيع أن يدافع عن مصر وأن يحقق أحلامه في تكوين إمبراطورية تضم مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز ثم أطلق عليها بعد ذلك الإسم الحالى المدرسة الخديوية الثانوية للبنين في الأول من شهر نوفمبر عام 1889م والتي تخرج منها العديد من رجال مصر العظماء بعد ذلك كان منهم علي مبارك باشا أبو التعليم في مصر والزعيم الوطني مصطفي كامل باشا ورئيس الديوان الملكي ورئيس الوزراء علي ماهر باشا وأمير الشعراء أحمد بك شوقي وأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد باشا وغيرهم وقد ظل جهد رفاعة يتنامى بين الترجمةً وتخطيط العملية التعليمية في مصر والإشراف على التعليم والصحافة فأنشأ أقساما متخصصة لترجمة علوم الرياضيات والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية كما أنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الإقتصاد ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية وكان ضمن مفاخره إستصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية وإصدار جريدة الوقائع المصرية باللغة العربية بدلا من اللغة التركية هذا إلى جانب قيامه بترجمة عدد عشرين كتاب من أهم الكتب في عدة معارف وعلوم مختلفة إلي جانب إشرافه علي ترجمة عشرات غيرها .


بيد أن هذه الشعلة سرعان ما خبت مع تولى عباس باشا الأول حكم مصر حيث قام بإغلاق مدرسة الألسن وأوقف أعمال الترجمة وقصر توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك ونفى رفاعة إلى السودان عام 1267 هجرية الموافق عام 1850م وهكذا عبس وجه الثقافة وعوِق رفاعة عن مشروعه النهضوى الكبير بيد أن رفاعة لم يعبس ولم يعاق فواصل المشروع في منفاه فترجم هناك مسرحية تليماك لفرانسوا فنلون وجاهد للرجوع إلى الوطن وهو الأمر الذي تيسر له بعد موت عباس باشا الأول في شهر يوليو عام 1954م وتولي محمد سعيد باشا حكم مصر وذلك بعد مرور 4 سنوات في المنفي ولما عاد رفاعة من المنفي عاد أنشط مما كان فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس وقضى رفاعة فترةً حافلة أخرى من العمل الجامع بين الأصالة والمعاصرة كما أسند إليه محمد سعيد باشا عدة مناصب تربوية فتولى نظارة المدرسة الحربية التي أسسها بهدف تخريج ضباط أركان حرب للجيش عام 1277 هجرية الموافق عام 1856م وقد عنى بها الطهطاوي عناية خاصة وجعل دراسة اللغة العربية بها إجبارية على جميع الطلبة وأعطى لهم حرية إختيار إحدى اللغتين الشرقيتين التركية أو الفارسية وإحدى اللغات الأوروبية الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية لدراستها ثم أنشأ بها فرقة خاصة لدراسة المحاسبة وقلما للترجمة برئاسة تلميذه وكاتب سيرته صالح مجدي وبذلك أصبحت المدرسة الحربية قريبة الشبه بما كانت عليه مدرسة الألسن
ولم يكتف رفاعة بهذه الأعمال العظيمة فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها ومن ثم قامت مطبعة بولاق بنشر أمهات كتب التراث العربي مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص في البلاغة وخزانة الأدب للبغدادي ومقامات الحريري وغير ذلك من الكتب التي كانت نادرة الوجود في ذلك الوقت غير أن هذا النشاط الدءوب تعرض للتوقف مرة أخرى عام 1277 هجرية الموافق عام 1861م عندما إنتكس محمد سعيد باشا وقام بإغلاق المدارس وفصل رفاعة عن عمله عام 1278 هجرية الموافق عام 1861م .

وبعد أقل من سنتين إبتسم الحظ مرة أخرى لرفاعة الطهطاوى بتولى الخديوي إسماعيل الحكم بعد وفاة محمد سعيد باشا في أوائل شهر يناير عام 1863م فيعاود رفاعة العمل ويقضى العقد الأخير من عمره الحافل في نشاط مفعم بالأمل فعاد رفاعة إلى ما كان عليه من عمل ونشاط على الرغم من تقدمه في السن وإقتحم مجالات التربية والتعليم بروح وثابة يحاول أن يأخذ بيد أمته إلى مدارج الرقي والتقدم فأشرف على تدريس اللغة العربية بالمدارس وإختيار مدرسيها وتوجيههم والكتب الدراسية المقررة وترأس كثير من لجان إمتحانات المدارس الأجنبية والمصرية وترأس أيضا إدارة الترجمة كما قام بإصدار أول مجلة ثقافية في تاريخ مصر وكان إسمها روضة المدارس عام 1287 هجرية الموافق عام 1870م والتي جعل منها منارة لتعليم الأمة ونشر الثقافة بين أبنائها فقد نظمها أقساما وجعل على رأس كل قسم واحدا من كبار العلماء من أمثال عبد الله فكري الأديب الكبير وإسماعيل الفلكي باشا العالم الرياضي والفلكي ومحمد قدري باشا القانوني الضليع وصالح مجدي والشيخ حسونة النواوي الفقيه الحنفي المعروف وغيرهم وكانت المجلة تنشر مقالات تاريخية وجغرافية وإجتماعية وصحية وأدبية وقصصا وأشعارا كما كانت تنشر ملخصا لكثير من الدروس التي كانت تلقى بمدرسة دار العلوم وقد إعتادت المجلة أن تلحق بأعدادها كتبا ألفت لها على أجزاء توزع مع كل عدد من أعدادها بحيث تكون في النهاية كتابا مستقلا فنشرت كتاب آثار الأفكار ومنثور الأزهار لعبد الله فكري وحقائق الأخبار في أوصاف البحار لعلي مبارك باشا والصحة التامة والمنحة العامة للدكتور محمد بدر والقول السديد في الإجتهاد والتجديد للطهطاوي وعلى الرغم من كثرة المسئوليات التي تحملها رفاعة وأخذت من وقته الكثير فإنه لم ينقطع عن الترجمة والتأليف فيما يعود بالنفع على الأمة فلم يكن يقض وقتا إلا فيما فيه فائدة وقد وصفه تلميذه النابه صالح مجدي بأنه كان قليل النوم كثير الإنهماك على التأليف والتراجم فنجده قد كتب في التاريخ كتاب بإسم أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل وفي التربية والتعليم والتنشئة كتاب بإسم مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية وكتاب آخر بإسم المرشد الأمين للبنات والبنين وفي السيرة النبوية كتاب نهاية الإيجاز في تاريخ ساكن الحجاز ومن مؤلفاته أيضا القول السديد في الإجتهاد والتجديد وتعريب القانون المدني الفرنساوى ومغامرات تليماك وقلائد المفاخر والمعادن النافعة .

وفي حقيقة الأمر فلا يسعنا إلا أن نقول إن رفاعة الطهطاوي يعد عن جدارة وإستحقاق أحد رواد الفكر التنويرى في مصر بعد فترة من الإضمحلال الفكرى والتي عاشتها مصر والتي وصلت لذروتها من الجمود الفكرى بشكل خاص في أواخر العهد المملوكي وخلال الحكم العثماني لمصر مما أثر سلبا وبقوة على الفكر في مصر وترك أثرا سلبيا جدا على الحياة الفكرية لها وقد كان لإتصال الطهطاوي بالفكر الأوروبي المستنير أثر بالغ الأهمية في التواصل العلمي والفكري بين مصر وبين الفكر والعلم في الكثير من الدول في العالم وحركة الترجمة فيما بعد فحينما أرسل محمد علي باشا الطهطاوي في مهمة محددة أثناء إحدى البعثات التعليمية إلي فرنسا إنتهز الطهطاوى الفرصة وإبتكر لنفسه دورا آخر في الحياة العلمية والفكرية في مصر فيما بعد والتي تمثلت في انشاء مدرسة الألسن كما أن فكره بلا شك قد تأثر كثيرا بالتفاعل مع الفكر المتطور المتنامى في فرنسا إجتماعيا وخاصة فيما بعد الثورة الفرنسية وما حملته من أفكار الدولة المدنية الحديثة والقائمة على المشاركة المجتمعية والشعبية في الإدارة والحكم وهي أحد أبرز اسهامات المفكر الفرنسي الكبير جان جاك روسو والمعروفة بنظرية العقد الاجتماعي وغيره من المفكرين الذين كانت لهم الإسهامات الكبيرة في الفكر الذي قامت عليه الدول الحديثة في العالم ومن ثم كان للطهطاوي دور في الإسهام في النهضة الفكرية التي عاشتها مصر في عهد محمد علي باشا والذي يعتبره البعض باني مصر الحديثة حيث كان الطهطاوي من أهم الدعائم الفكرية التي قامت عليها النهضة التي أرادها محمد علي باشا في مصر فكان دور الطهطاوي في حركة الترجمة وإنشاء مدرسة الألسن له الأثر الهام في نمو التطور العلمي والثقافي في مصر من خلال الإطلاع على ما وصلت اليه العلوم والثقافات المختلفة في دول أوروبا ولم يقف دور الطهطاوي على الترجمة والنقل فقط للعلوم والفنون الفكرية المختلفة وإنما كانت له العديد من الإسهامات الفكرية والإبداعية أيضا .


ويجئ في مقدمة هذه الإسهامات مؤلفه الشهير تخليص الإبريز في تلخيص باريز غير مؤلفاته الأخرى كما أن الطهطاوي قد تعرض للعديد من المفاهيم الفكرية التي قامت عليها الدول الحديثة في العالم والتي ترتكز بشكل أساسي على ما يمكن أن يطلق عليه اليوم مبدأ المواطنة والذي عبر عنه الطهطاوي أو ما سماه الطهطاوي المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد دون تمييز عرقي أو ديني أو عقائدى وقد نال رفاعة الطهطاوى العديد من الهبات والعطايا مكافأة له علي أعماله العظيمة من ولاة أسرة محمد علي باشا الذين عاصرهم فيما عدا عباس باشا الأول فقد أهداه محمد علي 250 فدانا بمدينة طهطا مسقط رأسه كما أهدى له إبراهيم باشا إبن محمد علي باشا حديقة نادرة المثال تبلغ مساحتها 36 فدانا وأهداه محمد سعيد باشا 200 فدان وأهداه الخديوى إسماعيل 250 فدانا وقام هو بشراء 900 فدان فبلغ جميع ما في ملكه إلى حين وفاته 1600 فدان غير ما قام بشرائه من العقارات العديدة في بلده طهطا وفي القاهرة وكانت وفاته في عام 1290 هجرية الموافق عام 1873م في عهد الخديوى إسماعيل عن عمر يناهز 72 عاما وتكريما له أقامت محافظة سوهاج عدد 4 تماثيل له حيث يوجد تمثال له في وضع الجلوس بجوار جامعة سوهاج وهو بحالة جيدة جدا وتمثالان آخران في وضع الوقوف بمدخلي مدينة طهطا القبلي والبحري وهما بحالة جيدة أيضا والتمثال الأخير أمام محطة سكة حديد طهطا في وضع الوقوف أيضا وقد تم إنشاؤه منذ فترة طويلة من الزمن وبسبب عوامل المناخ وبمرور السنين تآكلت وتشققت بعض أجزاء منه وقد حاول البعض ترميمه ولكن لم يظهر بالشكل المطلوب نظرا لتضرر أجزاء كبيرة منه كما تم تطوير المنطقة المحيطة بمنزله بمدينة طهطا ودهان أسواره وإزالة الإشغالات من حوله وإعداده ليكون مزارا سياحيا كما صدرت بعض المؤلفات عنه منها ديوان رفاعة الطهطاوي جمع ودراسة طه وادي وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1979م .
 
 
الصور :