abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
شبام .. مانهاتن الصحراء
شبام .. مانهاتن الصحراء
عدد : 12-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

شبام هي بلدة أثرية مسورة وهي مركز مديرية شبام في محافظة حضر موت في شرق اليمن وهي تبعد مسافة حوالي 990 كيلو متر عن مدينة صنعاء عاصمة اليمن وتشكل هذه المدينة التي تعود إلى القرن السادس عشر الميلادى أحد أقدم النماذج وأفضلها للتنظيم المدني الدقيق المرتكز على مبدأ البناء الرأسي أو العمودى ولذا فقد أطلق عليها مانهاتن الصحراء وذلك نظرا إلى مبانيها البرجية الشاهقة عالية الإرتفاع المنبثقة من الصخور والمتراصة والمجاورة لبعضها البعض في وسط الصحراء والتي تعتبر أقدم ناطحات للسحاب في العالم حيث تتضمن 500 ناطحة سحاب تتراوح إرتفاعاتها بين 23 مترا إلى 24 مترا ومما يميز هذه البنايات أنه تم تشييدها من الطين وجذوع النخيل والماء وتتميّز بأبوابها ونوافذها ذات الطّراز الهندسي التقليدي ويشير المؤرخون إلى أن مدينة شبام القديمة كانت أكبر من المدينة الحالية ويرجحون أنّها كانت تمتد حتي المرتفعات الجبلية المشرفة عليها إلا أنّها دمرت على مرحلتين أولاهما في القرن الثاني عشر للميلاد وثانيهما في القرن الخامس عشر للميلاد عندما تعرضت لسيول غزيرة أدت لحدوث فيضانات عالية إجتاحت المدينة وتسببت في تدمير أجزاء كبيرة منها وقد كتبوا عنها أيضا أعذب العبارات وقد وصفها المؤرخون والرحالة الذين زاروها في الماضي بعدة صفات حيث قال عنها الرحالة الهولندي فان دير مولين إنها تشبه الكعكة عندما يرش عليها السكر وذلك لبياض سطوحها ووصفها الرحالة الألماني هانس هافرتين بأنها شيكاغو الصحراء وذلك نظرا لموقعها المتميز وسط الصحراء وقد تمكنت المدينة من الحفاظ على شكلها الحالي منذ القرن التاسع للهجرة الموافق للقرن الخامس عشر الميلادى وعلي ذلك فإن عمر البنايات الموجودة حاليا بالمدينة يبلغ حوالي 600 سنة وقد إتخذت المدينة هذا الشكل العمراني المتميز حتى تكون حصنا متينا ضد الأعداء وبهدف المحافظة على الأراضي المزروعة المحيطة بها ومنع تدهورها أو تصحرها هذا وقد نالت بلدة شبام في عام 2007م جائزة آغا خان للآثار القديمة وفي يوم 2 يوليو عام 2015م أضافت منظمة اليونيسكو مدينة شبام إضافة إلي مدينة صنعاء القديمة باليمن على قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر .

وتعود تسمية البلدة بإسم شبام إلى ملكها شبام بن الحارث بن حضرموت بن سبأ الأصغر وقد عرفت شبام بعدة أسماء منها بيحم العالية وبلدة حضرموت وأم الجهة والصفراء والزرافة والدمنة وأم القصور العوالي وناطحات السحاب والوالدة وقد ذكرها الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب وكذلك ذكرها كلٍ من ياقوت الحموي والقزويني وتعتبر مدينة شبام أحد التحف التاريخية الرائعة محليا وعالميا وذلك لما تتميز به من حضارة تاريخية عريقة إكتسبتها على مر العصور القديمة قبل ظهور الإسلام حيث أنها عاصرت الأحداث قبل وبعد الإسلام وكانت عاصمة إقتصادية لمنطقة وادى حضر موت وقد كشفت الدراسات الحديثة عن بعض أسرار قدرة المنازل الشبامية على البقاء سليمة لمئات السنين حيث تم حفر أساسات عريضة لها يصل عمقها إلى متر أو مترين ثم يتم بسط طبقة من روث الماشية في قاع الحفر ترش فوقها طبقة من الملح ليلي ذلك رص أعواد من الشجر توضع من فوقها طبقة من الرماد ولتسوية الأساس توضع قطع غير مصقولة من كسر الحجر وبعدها تبدأ عملية البناء بالحجر أو الطوب لرفع الأساس فوق سطح الأرض بإرتفاع متر بغرض تدعيمه وحماية الجدران الخارجية للدور الأرضي من التآكل والتساقط ويستخدم الرماد أو الطين لربط الحجارة ببعضها البعض ويتم تلبيس الجزء الأعلى من الجدار بطبقتين من الطين المخلوط بالتبن والرمل وتأتي بعد ذلك عملية التجصيص بالنورة وهي مادة جيرية أو الرماد أما الأسقف فهي ترفع من أعواد الخشب التي ترص بإنتظام ثم تغطى بحصيرة من سعف النخيل توضع فيها طبقة من الطين وكان يصل سمك جدران الدور الأرضي للمنزل الشبامي إلى نحو مترين ويتناقص هذا السمك كلما إتجه البناء للأعلى وعادة كانت تطلى المنطقة العليا من المنزل بطبقة من الجير الأبيض ويكتمل سحر هذه البيوت بزخارف ونقوش فريدة نقشت على أبوابها الخشبية العتيقة .

وقد تميز بناء بيوت المدينة من الطين الذي يخلط مع التبن ليكون مادة كان يطلق عليها إسم المدر الذي كان يتم به بناء منازل المدينة والتي سميت بناطحات السحاب والتي ظلت صامدة لقرون وسنوات طويلة والتي تخلب لب الناظر إليها بتصميمها الرائع ومناظرها الجميلة والتي جاءت متوافقة معماريا وبيئيا وإجتماعيا وفقهيا حيث روعي في تخطيط المدينة كل الجوانب الشرعية في تصميمها لكونها مدينة إسلامية في المقام الأول وعندما تدخل بيوتها ترى أنها قد حافظت على الجوانب العرفية والفقهية في التصميم الداخلي للبيت الشبامي من حيث عزل غرف النساء عن غرف الرجال وعدم ظهور غرف النساء للمارة بالخارج أو لمن يدخلون إلي هذه المنازل وكان البيت الشبامي يتكون عادة من سبعة طوابق ولكل طابق إسم يميزه عن بقية الطوابق الأخرى حيث يطلق على الطابق الأول والذي يكون فيه الباب الرئيسي للمنزل الضيقة أما الطابق الثاني فيسمى السطح وكان هذان الطابقان يخصصان للرجال وإستقبال ضيوفهم وإحتضان أنشطتهم الإجتماعية وتتميز الغرف في هذين الدورين بإحتوائها على زخارف ونقوش بديعة وأعمدة خشبية رشيقة تنتصب في الوسط أما الطابق الثالث فكان يسمى المحاضر الهابطية والطابق الرابع يسمى المحاضر الكبيرة وكان هذان الطابقان يخصصان للنساء وكانا يصممان بحيث يمكن للنساء الإنتقال إلى منازل الجيران عبر جسور ممتدة بين المباني والطابق الخامس كان يسمى المراويح والطابق السادس كان يسمى بين الطيارم والطابق السابع يسمى القرحة وترى منه كل البيوت المجاورة وعادة كان الدور الأرضي يحتوي على غرفة صغيرة تفتح على الشارع تستخدم كدكان ويوجد في هذا الدور ممر صغير يؤدي إلى سلم يرتكز على عمود يشكل دعامة المبنى الأساسية ويسمى عروس البيت ويؤدى السلم أولا إلي الباب الرئيسي للمنزل ثم إلي الأدوار العليا منه وكان العروس يبني عادة من الطين الذي يجصص بالرماد لتقويته وهو يمتد بطول إرتفاع المنزل وتبلغ مساحته في المسقط الأفقي نحو ثلاثة أمتار مربعة وتستخدم بقية المواقع في الدور الأرضي كمخازن كما كان يخصص في الدور الأرضي مكان لمبيت المواشي والدواب وغالبا كان يوجد في الأدوار العايا من المنزل الشبامي جسور وأبواب تربط المنازل ببعضها البعض وهي ميزة دفاعية وعملية في نفس الوقت لا سيما لكبار السن والأطفال الذين يجدون صعوبة في الصعود والهبوط على السلالم .

وكان للأبواب والشبابيك في منازل مدينة شبام صفات وخصائص مميزة حيث كانت تختلف حسب موقعها فنلاحظ بأن الدور الثاني يحتوى على نوافذ طولية صغيرة تبلغ مساحتها 46 سم في 23 سم وتزداد النوافذ إتساعا في الدور الثالث وتسمى خلاف ومفردها خلفة وذلك إنسجاما مع الوظيفة السكنية وعند الإنتهاء من عمل فتحات النوافذ والأبواب كانت تبدأ عملية وضع أعواد خشبية فوق الأبواب والنوافذ وتسمى بالتياسير وتكون على شكل منحني أو مقوس لتوزيع القوى وفي أغلب المنازل نلاحظ وجود فتحات مستطيلة الشكل في الغرف وظيفتها تكمن في إعطاء الإضاءة والتهوية ومما هو ملفت للنظر في الواجهات الأمامية إنتظام ترتيب وتوزيع النوافذ بشكل ينسجم والدور الوظيفي لها بالإضافة إلى الأعمال الزخرفية والفريدة من نوعها في الأبواب والنوافذ على شكل خشب منجور أو محفور وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على القدرات والمهارات الفائقة لممارسي حرفة النجارة وبما يخلق واجهات جميلة للمنازل أما بالنسبة لأبواب منازل شبام فهي تغلق من الداخل بواسطة أقفال من الخشب أو الحديد والباب الرئيسي للمنزل كان يسمي الضيقة وهو باب ضخم من خشب الحمر لا يستطيع أقل من 5 رجال أشداء حمله وتركيبه وكان يتم تزيينه بنقوش دقيقه جميلة مثيتة بمسامير ومتداخلة في بعضها البعض في شكل رائع وبديع وتتوسط الباب حلقة معدنية تسمى القرقعة يطرق عليها من يريد الدخول للمنزل ويعرف أهل كل منزل صوت الطرق الذي يعنيهم وكان هذا الباب يغلق بواسطة سقاطة الباب أو المزلاج والذي يمر عموديا عبر كل أدوار المنزل ويمكن تحديد عمر المنزل بدقة بواسطة التواريخ المحفورة على الأبواب عند المدخل الرئيسي وقد تم التعرف على باب عمره حوالي 300 عام في أحد منازل المدينة .

ولحماية المنازل من التآكل وتسرب الأمطار التي من الممكن أن تهدد سلامة المباني على مر القرون كان الأهالي يحرصون علي صيانة منازلهم بإستمرار بوضع طبقات جديدة من الطين أو طليها بمواد مانعة للتسرب وكان يوجد في مدينة شبام نظام قديم للصرف الصحي يتم عبره تصريف المياه المستخدمة في المنازل حيث كانت توجد فتحات للمجاري في الواجهات الخلفية للمنازل وهذا جاء عبر إختبار مدروس ومقصود ودراسة وفهم للوظيفة الخاصة بالمجاري حيث كان يتم تصريف المياه المستعملة عبر أقنية عمودية مكشوفة على سطح الجدار الخارجي إلى الأرض لكي تتجمع هناك في قناة مشتركة ممتدة أفقيا بين المنازل وتصرف هذه المياه إلى خارج سور المدينة والذي كان يحيط بها وكان مبنيا بالطوب الطيني بغرض تحصينها قديما ويتراوح إرتفاعه مابين 7.5 إلي 9 أمتار وتوجد به بوابة وحيدة فقط تقع في الجهة الجنوبية من المدينة وكانت تغلق ليلا وتفتح صباحا كغيرها من المدن الإسلامية وهي تتكون من جزئين بوابة كبيرة كانت تستخدم لدخول الجمال والقوافل التي كانت محملة بالبضائع من تمور وبخور ولبان وغيرها واليوم تستخدم لمرور السيارات وجزء آخر على جانب البوابة الكبيرة عبارة عن مدخل صغير كان يستخدم للجنائز ومرور النساء وهذه البوابة تفضي إلى ساحة كبيرة تسمى ساحة القصر وسميت بهذا الإسم نسبة إلى مقر السلاطين الكثيرين الذين توالوا على الحكم في المدينة كما توجد بالمدينة ساحتان غيرها وهما ساحة الجامع وساحة با ذيب ولحماية المدينة من السيول قام سكانها خلال القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادى ببناء سد ورغم أن هذا السد بنى من الحجر والطين والرماد إلا أنه ظل صامدا وموجودا حتى الآن يؤدي دوره في حماية المدينة وتوفير المياه للري .

ومن أهم معالم هذه المدينة التاريخية بيت جرهوم الذي يعتبر أقدم المنازل فيها والذي عمره أكثر من 750 عام وحصن شبام الذي بناه إبن مهدي عام 1220م ويعد حصنا عسكريا منيعا وكان يستخدمه الحكام الذين إتخذوا شبام عاصمة لهم مقرا لحكمهم وكذا جامع هارون الرشيد الذي بني في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ويقال ان له أوقافا من عهده ويوجد به منبر خشبي قديم أيضا لا يزال موجودا حتى اليوم مع وجود بعض الترميمات عليه والذى أمر بصناعته الملك المنصور عمر بن علي بن رسول ملك اليمن وذلك في عام 643 هجرية بحسب ماهو محفور عليه وذلك عندما إمتد سلطان بني رسول الى حضر موت وقد قيل ان لهذا المنبر شبيها له يوجد في المتحف البريطاني بلندن ويوجد أيضا بالمدينة مسجد آخر يسمي مسجد باذيب قديم في بنائه ولا يستبعد أن يكون إمتدادا لجامع قديم من عهد الصحابي الجليل زياد بن لبيد رضي الله عنه وكانت قد نفذت حملة سميت بالحملة الوطنية والدولية لصيانة مدينة شبام عام 1984م وذلك بهدف الحفاظ علي تلك المدينة التاريخية التي تحتوى على أجمل وأعظم المعالم التاريخية التي ظلت صامدة وقائمة رغم قدمها وقد نفذت فيها بالفعل العديد من المشاريع الهادفة إلى المحافظة عليها وصيانتها وترميمها والحفاظ على طابعها التاريخي وحمايتها من هجمة البناء المسلح وجدير بالذكر أن أكبر الأخطار التي تتعرض لها هذه المدينة التاريخية هي السيول والأمطار الغزيرة التي تتسبب في هبوط التربة وبالتالي هبوط بناياتها وحدوث شروخ وتشققات خطيرة بها تهددها بالإنهيار .
 
 
الصور :