abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
بصرى.. حجارة تروى الأساطير وتداعب خيال الزائر
بصرى.. حجارة تروى الأساطير وتداعب خيال الزائر
عدد : 12-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


بصرى أو بصرى الشام هي مدينة تاريخية تتبع محافظة درعا في جنوب الجمهورية العربية السورية حيث تبعد 40 كيلو متر جنوب شرق مركز مدينة درعا وحوالي 140 كيلو متر جنوبي العاصمة السورية دمشق قرب الحدود السورية الأردنية وترتفع عن مستوى سطح البحر حوالي 850 مترا وكان من أسماء هذه المدينة أيضا بوسترا ونياتراجانا وكانت عاصمة دينية ومركزا للدولة الرومانية في الشرق ومركزا تجاريا هاما وممرا على طريق الحرير الذي يمتد إلى الصين ومنارة للحضارة في عدة عصور تعود لآلاف السنين ومن القرى المجاورة لمدينة بصرى صماد ومعربه وجمرين والسماقيات وبرد وهي تتوسط منطقة حافلة بالآثار الرومانية واليونانية والمسيحية والإسلامية وغيرها ولذا فهي أغنى مدن التاريخ على الإطلاق فالسائر في شوارعها يشعر وكأنه يعانق ملوك الرومان بهيبتهم ويعيش في الزمن الغابر وكأنه أحد أشخاص ذاك الزمان فكل حجارتها كالبشر تروى الكثير من الأساطير وتداعب خيال الزائر ومشاعره وهي اليوم مدينة سياحية هامة يزورها السياح بإستمرار وعلى مدار العام وتعقد فيها الندوات والمؤتمرات الدولية الخاصة بالمدن التاريخية العالمية والحضارة الإنسانية وهي تضم عدة منشآت سياحية حديثة أهمها فندق بصرى الشام من فئة الخمسة نجوم ومطاعم ومحلات وبازارات تبيع التحف والهدايا للزوار ويقام في المدينة مهرجان دولي سنوى هو مهرجان بصرى الدولي الذى تشارك في فعالياته الفرق الفنية والتراثية السورية والعربية والعالمية والمطربين والمطربات العرب وتعقد الندوات الثقافية والأدبية على هامشه وتغص لياليه بآلاف الزوار والسياح وتقام الفعاليات الفنية والعروض المسرحية على مدرج بصرى الأثري الرائع والذي يعد من أجمل المسارح الرومانية وهي مصنفة ومسجلة دوليا في منظمة اليونيسكو ضمن قائمة مواقع التراث العالمي وذلك منذ عام 1980م .

وكان الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم وهو في سن 12 سنة قد خرج مع عمه أبي طالب في قافلة تجارية إلي الشام ومرت القافلة ببصرى وقابلت الراهب بحيرة المسيحي الذي تنبأ بنبوته وقد إتفق أن هذا الراهب إلتقى القافلة التي كان فيها النبي صلي الله عليه وسلم فلفتت نظره شخصيته وراح يتأمل في صفاته ويتحقق في ملامحه خصوصا بعدما رأى أن سحابة من الغيم ترافقه أيما جلس لتحميه من حر الشمس فسأل عنه بعض من في القافلة فأشاروا إلى أبي طالب وقالوا له هذا عمه فأتى الراهب بحيرة إلى أبي طالب وبشره بأن إبن أخيه نبي هذه الأمة وأخبره بما سيكون من أمره بعدما كان قد كشف عن ظهره ورأى خاتم النبوة بين كتفيه ووجد فيه العلامات التي وصفته بها التوراة والأناجيل وغيرهما حيث كان لدى هذا الراهب علم من هذه الكتب وتذكر بعض النصوص أن الراهب بحيرة أصر على أبي طالب أن يعود به إلى مكة وأن يبقيه تحت رقابته خوفا عليه من اليهود وغيرهم الذين كانوا يرون العلامات التي وردت في كتبهم متحققة في شخص إبن أخيه فرجع به أبو طالب إلى مكة ولم يكمل الرحلة إلى الشام ويذكر المؤرخون والمؤلفون في سيرة النبي صلي الله عليه وسلم أنه فد ظهر له في هذه الرحلة التي ضمت أعيان المكيين والقريشيين كرامات وفضائل كثيرة من قبيل الغمامة التي كانت تظلله من الشمس والمياه التي إندفعت من بطون الصحراء والأشجار اليابسة التي كانت تعود إليها الحياة بعدما يجلس تحتها الرسول عليه الصلاة والسلام فتثمر من جديد وغير ذلك مما هو مذكور في كتب السيرة والتاريخ وما يزال إلى يومنا هذا دير الراهب بحيرة موجود في مدينة بصرى ويقع قرب موقع مبرك الناقة وهو سوق تاريخي معروف على طريق الحرير في بصرى .

ومن أهم المعالم التاريخية بمدينة بصرى مسرحها الذى يعد المعلم الأكثر أهمية في المدينة من حيث الحجم والإكتمال والسلامة وهو أيضا من المسارح الرومانية القليلة التي بقيت سليمة تماما على مستوى العالم وقد بدأ إنشاء هذا المعلم العظيم حين إتخذ الإمبراطور الروماني تراجان مابين عام 98م وعام 117م بصرى عاصمة للولاية العربية في إمبراطوريته وقد تم تصميمه بأسلوب المسارح الرومانية فهو قائم على أرض مستوية وإستدارته نصف دائرة وكذلك المدرج وباحة الجوقة الموسيقية ويصل الباحة بالخارج ممران معقودان من اليمين واليسار بالأعمدة الدورية ومنصة التمثيل عريضة وقليلة الإرتفاع نسبيا وتم تشييد المسرح بالحجر البازلتي المحلي ويبلغ قطره 102 متر وطول منصة التمثيل 45.5 متر وعمقها 8.5 متر ويبلغ الإرتفاع الكلي للمسرح 22 متر وتخترق المنصة أبواب تؤدي إلى الكواليس وفي الجدارين الجانبيين حول المنصة شرفات كان يجلس عليها حاكم الولاية وكبار الرسميين والزوار ووراء الجدار الغربي للمنصة باحة مكشوفة للإستراحة وفي المدرج 37 صف من المقاعد المتصلة منها ما هو مخصص للشيوخ وآخر للفرسان والطبقة الوسطى ثم ممر تليه 5 صفوف للعامة متوجة برواق تحمل سقفه أعمدة تدور بالمدرج كله وتتصل بصف الأعمدة حول باحة الجوقة وتوصل إلى المستويات الثلاثة أدراج صاعدة تحت ممرات معقودة تسمح بالدخول والخروج خلال عدة دقائق وذكر أن هذا المسرح كان يتسع لعدد من المشاهدين يتراوح بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألف مشاهد وكان المشاهدون يرون ويسمعون بوضوح كل ما يجري في باحة العرض وقد تحول هذا المسرح إلى قلعة سميت قلعة بصرى بداية من العصر الأموي حيث سدت جميع أبوابه الخارجية وتركت له منافذ صغيرة فأصبح بمثابة حصن عرف بعد ذلك في زمن العباسيين بإسم ملعب الروم وفي العصر الفاطمي بنيت ثلاثة أبراج ملاصقة للجدار الخارجي الشرقي والغربي والشمالي له وفي زمن الحروب الصليبية أضاف إليه الملك العادل الأيوبي وأولاده في القرن الثالث عشر الميلادي تسعة أبراج محيطية ومستودعات ضخمة وخزان مياه ليصبح المكان قلعة محصنة كاملة وأحيطت هذه القلعة بخندق وتم حصر الدخول إليها بمدخل واحد يتم الوصول إليه عبر جسر خشبي متحرك بالسلاسل وقد أجريت لهذا المسرح القلعة أعمال ترميم وإصلاح وتنقيب بين عام 1946م وعام 1970م وتم إزالة المنشآت الضخمة فوق المدرج والمنصة وإزالة الأنقاض والأتربة وأعادت هذه العمليات للمسرح جدته ورونقه القديم حيث أصبح يستخدم بعد ذلك لإقامة الإحتفالات والمناسبات الفنية والثقافية كما كانت تقام فيه فعاليات مهرجان بصرى السنوي هذا ويوجد جنوب هذا المسرح ميدان ويعود تاريخه إلى العصر الروماني وهو بناء مستطيل مغلق من الجنوب ومفتوح من الشمال يبلغ طوله 680 مترا وعرضه 100 متر ويبدو أنه كان معدا لسباق الخيل .

وبخلاف مسرح بصرى توجد بالمدينة العديد من المعالم التاريخية الهامة الأخرى منها باب المدينة أو باب الهوى والباب النبطي ويعود تاريخ بناء أولهما إلى القرن الثاني بعد الميلاد ويتألف من عقدين متداخلين ويستندان إلى ركائز مزينة بمحاريب ويبلغ عرض المدخل 5 أمتار وعرض الواجهة 10 أمتار أما ثانيهما فيتألف أساسا من قوس رئيسية مزينة بممرات وأعمدة نصفية تعلوها تيجان منحوتة على الطراز النبطي وإلى الشرق منه يوجد عمود نصفي يعلوه تاج نبطي وهو الوحيد من نوعه في المدينة ومن معالم المدينة أيضا القوس المركزي ويعود تاريخه إلى القرن الثالث الميلادي ويتألف من ثلاثة أقواس أعلاها القوس الوسطى ويبلغ إرتفاعه ثلاثة عشر مترا وقد أقيم هذا البناء لتخليد ذكرى إنتصار يوليوس يوليانوس قائد الفرقة البارثية الأولى المنسوبة إلى فيليب العربي وهو الإمبراطور الروماني ماركوس يوليوس فيلبس الذى كانت فترة حكمه من يوم 1 فبراير عام 244م وحتي يوم 1 سبتمبر عام 249م وسمي بهذا الإسم حيث أن مسقط رأسه كان في مستوطنة شهبا السورية بالقرب من مدينة بصرى التي كانت ولاية رومانية في ذلك الوقت وأمام هذا القوس كانت تقدم الأضاحي المخصصة للطقوس الدينية ومن معالم بصرى الهامة أيضا الحمامات الرومانية ويبلغ عددها 3 حمامات كبيرة ويعود تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي والأول منها يقع جنوبي المدينة بين المسرح والشارع المستقيم وتمتد بقايا هذه الحمامات إلى الجانب الغربي من سور المدينة والذى يعود إلى العهد النبطي وما تزال بعض أجزائه قائمة في بعض أطراف المدينة في الجهتين الشمالية الغربية والشرقية وبعض أقسام الناحية الجنوبية مما يسمح بتعيين حدود المدينة وكان المخطط العام لكل من هذه الحمامات هو أن يدخل إليها من بابين رئيسيين بؤديان إلى صالة واسعة معدة لخلع الملابس وحفظها وتبلغ أطوالها 150 متر وينفذ من هذه الصالة إلى داخل الحمام عبر غرفة الماء البارد وهي قاعة واسعة تؤدي إلى صالة المياه الدافئة التي تعد أكبر صالات الحمام ومن ثم إلى صالة المياه الحارة وكان الماء يندفع من خلال قساطل من الفخار لتدخل في أقنية معدة في الجدران وفي عام 1993م تم الكشف عن إستراحة الحمام الشرقية وتم تركيب 14 عمود على الطراز الأيوني وهناك دراسة وعمليات رفع لتأريخ الحالة النهائية لهذه الحمامات .

وإلي جانب هذه المعالم التاريخية الهامة في مدينة بصرى توجد عدة معالم أخرى منها المعسكر الروماني والذى بني في بداية القرن الثاني الميلادي وعثر على بوابته الرئيسية وتتألف من برجين مدخل محصن ويبلغ طول سوره الشرقي 400 متر والسور الشمالي 440 متر وقد أقيمت فيه التشكيلات العسكرية الرومانية مثل الفرقة الرومانية الثالثة والتي تكونت في زمن ذروة قوة الإمبراطورية الرومانية خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين وكانت مهمتها الرئيسية إدارة وتأمين حدود الأقاليم الضخمة التي خضعت لنفوذ روما وقد قلَّت في هذه الفترة الأخطار الإستراتيجية على الدولة وإقتصر الإهتمام على حماية الأراضي المكتسبة قديما كما توجد في بصرى بعض المعابد منها معبد الحوريات ويعود إلى القرن الثاني الميلادي ويتألف من أربعة أعمدة منحوتة على الطراز الكورنثي وترتفع إلى علو أربعة عشر مترا وقطر متر وعشرين سنتيمترا ومعبد الكليبة أو سرير بنت الملك وهو معبد وثني أقيم لحفظ نذور الضباط وأوسمتهم ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث الميلادي وذلك علي الرغم من وجود عناصر معمارية تعود إلى بناء أقدم وقد تميز هذا الصرح بأعمدته و حجارته السوداء الضخمة وبالنقوش والزخارف الحجرية متناهية الدقة ويتقدمه عمودان تزينهما تيجان وتعلوهما حجارة ضخمة تشبه السرير وقد تهدم معظم البناء ولم يبق منه سوى بعض من زخارفه وأعمدته الشاهقة التي يصل إرتفاع كل منها إلى 18 مترا تتكئ على قواعد كبيرة يصل إرتفاع الواحد منها إلى 1.5 متر وتزين الأعمدة تيجان على النمط الكورنثي وكانت الجدران الخارجية لهذا المعبد مزينة بمحاريب لا يزال بعضها ظاهرا ومن الناحية العمرانية فالمعبد لم يبق منه سوى بعض الجدران المتصدعة والقواعد الضخمة وتعود قصة بناء هذا المعبد إلي أسطورة مفادها أن أحد الملوك لم يكن يؤمن بالموت وكان أن تنبأ له كهنة المدينة بأن إبنته ستموت بالسم فما كان منه إلا أن شيد لإبنته سريرا فوق باب المدينة ووضع لها خدما وحشما وحراسةً معتقدا بأن ذلك سيمنع عنها الموت ولكن القدر كان أقوى من إرادة الملك حيث أن الأميرة أمرت جواريها وخدامها بإحضار عنقود من العنب وما أن مدت يدها إليه حتى لدغتها عقرب صغيرة لا تكاد ترى داخل العنقود الكبير فماتت في الحال وبعد حادثة موت بنت الملك تحول سريرها إلى مدخل لهذا الصرح لممارسة الطقوس والشعائر الوثنية التي إنتهت في أواخر القرن الخامس الميلادي بعد إنتشار الديانة المسيحية في المنطقة وعلاوة علي ذلك يوجد ضمن آثار المدينة سوقان تاريخيان بالمدينة أولهما السوق الرئيسية وهي سوق المدينة القديمة وتعرض فيها صناعات المنطقة وبضائعها ومحصولاتها ويبلغ طولها سبعين مترا وعرضها عشرين مترا وواجهتها الحالية مزينة بمحاريب وتبرز على جوانبها حجارة أعدت لحمل التماثيل وثانيهما هي السوق تحت الأرض وهو يعود إلى القرن الثاني بعد الميلاد ويبلغ طول القسم المكتشف منه 106 متر وقد إستخدم البناء مخزنا للبضائع كما توجد بالمدينة أيضا بركتا مياه كبيرتان هما البركة الشرقية وهي خزان للمياه مربع الشكل تقريبا بعمق 6 أمتار وضلع جنوبي 114 متر وشرقي 112 متر ويستدل من الأحرف المحفورة عليها أن تاريخها يعود إلى عهد الأنباط في القرن الأول قبل الميلاد وبركة الحاج وهي أكبر من البركة الشرقية وهي أيضا خزان كبير للمياه ويبلغ طول ضلعيها 155 مترا و 122 مترا وقد إستخدمت هذه البئر في العهد الأيوبي لسقاية قوافل الحجاج المارة بالمدينة في طريقها إلي مكة المكرمة أو أثناء عودتها منها وتزويد القلعة والخندق المحفور حولها بالمياه اللازمة .

وتوجد في مدينة بصرى أيضا غير الآثار والمعالم الرومانية الكثير من الآثار والمعالم المسيحية والإسلامية حيث نجد من الآثار المسيحية في المدينة دير الراهب بحيرة ويعد أقدم كنيسة فيها ويعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي وهو ذو أسلوب بناء مختلف عن بقية الكنائس وأجمل ما فيه المذبح وقوسه الشاهقة بيضاوية الشكل والكاتدرائية ويعود تاريخها إلى مابين عام 512م وعام 513م وهي موقوفة للقديسين سرجيوس وباخوس وتيونتوس وهي أول كنيسة بنيت على شكل مربع تقريبا تعلوها قبة ومقاييس جدرانها 49 مترا طولا و27 مترا عرضا وهي مزينة من الداخل والخارج بمحاريب ويتألف هيكلها من ثلاث حنيات وعلى جدرانها توجد صور ملونة تمثل رسوما للسيدة مريم العذراء وثلاثة قديسين يحيطون بها كما كشفت أعمال التنقيب عن كنيسة أخرى أطلق عليها إسم الكنيسة الكبرى والتي بنيت على أنقاض معبد نبطي قديم تم إستخدام قسم من حجارته في بنائها كما تم الكشف عن أجزاء مهمة منها وعن بناء ضخم يتألف من عدة تيجان وركائز أعيد إستخدامها أيضا في بناء الكنيسة وظهرت الحنية الكبرى للكنيسة في الشرق وهناك حنيات أصغر منها وأرضيتها من البلاط البازلتي وعلى عمق متر واحد توجد أرضية من الفسيفساء وأما الآثار والمعالم الإسلامية في المدينة فمنها عدد من الجوامع الأثرية مثل الجامع العمري والذى بني في أواخر زمن الخليفة عمر بن الخطاب سنة 23 هـجرية الموافق عام 644م ومسجد الخضر والذى بناه عز الدين كمشتكين عام 528 هجرية الموافق عام 1134م ويتبع طراز العمارة المحلي في حوران وهي المنطقة الجنوبية من سوريا ومسجد المبرك ويعود تاريخ بنائه إلى بداية العهد الإسلامي وتشير إحدى الروايات إلي أن هذا المسجد قد تم بناؤه في المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أحد رحلاته إلى الشام ومروره بمدينة بصرى قبل مطلع الإسلام بينما تشير رواية أخرى إلي أنه بني في المكان الذي بركت فيه الناقة التي حملت أول نسخة من القرآن الكريم إلى بلاد الشام وهو يقع في الزاوية الشمالية الشرقية من المدينة وبنيت إلى جانبه المدرسة الدينية لتدريس المذهب الحنفي عام 530 هجرية الموافق عام 1136م ويعد أقدم مبنى أثري قائم في سوريا تم إنشاؤه ليكون مدرسة دينية ومسجد فاطمة وعمارته تعود إلى العصر الأيوبي في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادى وهو يقع بين دير الراهب بحيرة والكاتدرائية وتتكون عمارة الجامع من قاعة للصلاة تقسمها عدد ثلاثة أقواس وترتفع بجوارها مئذنة مربعة الشكل وهو طراز بناء المأذن السائد في مساجد وجوامع مدينة بصرى الأثرية بوجه عام ومسجد ياقوت ويعود تاريخه إلى عام 655 هجرية الموافق عام 1257م وبانيه هو شهاب الدين يوسف بن ياقوت والي قلعة بصرى ومدرسة الدباغة والتي يعود تاريخها إلى عام 626 هـجرية الموافق عام 1225م وقد شيدت بأمر الملك الأيوبي الصالح إسماعيل صاحب بصرى أما آخر أثر إسلامي بني في بصرى فهو حمام منجك وهو يعطي الدليل الواضح على إستمرار أهمية المدينة حتى العصور الوسطى المتأخرة وعلى إستمرار تطور المرافق العامة فيها ويعود تاريخه إلى مؤسسه منجك اليوسفي نائب السلطان المملوكي الأشرف شعبان وجدير بالذكر أن هذه الإطلالة على الآثار المتنوعة التي تحتوي عليها مدينة بصرى يعطي فكرة واضحة عن أهمية المدينة من الناحية التاريخية والأدوار العظيمة التي لعبتها في تاريخ الشرق القديم أو في العصور الوسطى والمتأخرة .

وفي عام 1962م تم البدء في إنشاء متحف بمدينة بصرى وتم إفتتاحه رسميا عام 1975م وقد تم تقسيمه إلي جناحين رئيسيين واحد للآثار المكتشفة في المدينة والآخر للتقاليد الشعبية وكان الهدف من تأسيس هذا المتحف أن يجمع أثار المنطقة وإعطاء صورة حقيقية لواقع الإنسان الذي عاش ولايزال يعيش في هذه المنطقة إضافة إلى حفظ تراث المنطقة وإظهار عاداتها وتقاليدها لتعريف الزوار بتاريخ المنطقة وسكانها ويقع هذا المتحف داخل إيوانات البرج السابع في قلعة بصرى الأثرية بالقرب من مسرح بصرى والذي يعود تاريخه إلى عام 611 هجرية الموافق عام 1214م ويمثل قسما من سلسلة أبراج القلعة الأيوبية المبنية حول المسرح وتبلغ مساحته 480 مترا مربعا كما يضم هذا المتحف ساحة مكشوفة تقع في الساحة الواقعة في الجهة الشمالية بين البرج العاشر والتاسع وتبلغ مساحتها 350 مترا مربعا تقريبا وتعد متحفا مكشوفا وقد تم إختيار البرج السابع بقلعة بصرى لكي يكون موقعا لمتحف المدينة بسبب تصميمه المعمارى الذي يأخد شكل البناء العربي المتأثر بالطراز الفارسي حيث ينقسم إلى ثلاثة إيوانات مع غرف جانبية وفسحة متوسطة وممر متدرج ونلاحظ أن جدران المبنى سميكة ومزودة بنوافذ متسعة تسمح بإنارة المبنى بشكل طبيعى وعند دخول المتحف يشاهد الزائر لوحة كبيرة لمخطط محافظة درعا السورية يظهر عليها أهم المواقع الأثرية والتاريخية والمناطق الإدراية في المحافظة وقد تجاوز عدد القطع الاثرية التي يضمها متحف بصرى عدد 1117 قطعة متنوعة مابين فخار وقطع حجرية ومعادن من الذهب والفضة والبرونز والنحاس إضافة إلى القطع الزجاجية والتي يبلغ عددها في خزائن العرض 759 قطعة إلي جانب 283 قطعة موجودة في المخازن وذلك بخلاف القطع المعروضة في المتحف المكشوف والتي يبلغ عددها 75 قطعة أثرية والقطع الفخارية في المتحف والتي يبلغ عددها 391 قطعة تتنوع بين سرج وجرار وأباريق وأوان منزلية ومدامع وقوارير وقنابل يدوية أيوبية وتعد السرج الفخارية أهم المكتشفات الفخارية في بصرى حيث تعتبر السرج الفخارية من أقدم القطع التي وجدت في المدينة وتعود إلى عصر الحديد أى إلي الفترة بين نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد كما توجد بعض الجرار العائدة إلى فترة العصر البرونزى الحديث حوالي 1200 عام قبل الميلاد وعدد من السرج العائدة للفترة الهلنستية أى مابعد عام 323 ق.م والباقي يعود إلى الفترات الرومانية والبيزنطية والإسلامية كما يعرض المتحف عدد 242 قطعة زجاجية متنوعة يعود معظمها إلى الفترة الرومانية والبيزنطية إضافة إلى 273 قطعة معدنية من حلي وأوان منزلية وأدوات طبية ونقود تعود إلى الفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية أما القطع الحجرية وعددها 150 قطعة فتتنوع بين تماثيل وتوابيت وأعمدة وقطع إكساء تعود للفترات الرومانية والبيزنطية والنبطية وبعضها تماثيل لآلهة النصر تيكة ودافع الشر غورغوريون إضافة إلي تماثيل لشخصيات مهمة ولوحات فسيفسائية مثل لوحة دير العدس والنقوش الكتابية اليونانية واللاتينية والنبطية والإسلامية وهي عبارة عن نصوص تأسيسية لمبان أثرية وشواهد قبور .

ويشمل متحف بصرى عدة قاعات منها قاعة الفلاح وقاعة المطبخ وقاعة الديوانية المضافة وقاعة الطيور وقاعة العروس وقاعة الألبسة وتحتوى كل قاعة من هذه القاعات على أهم الأدوات المستخدمة في حياة السكان اليومية حيث يجد الزائر عند الدخول إلي المتحف على يمينه قاعة الفلاح والتي تمثل حياته حيث يظهر الفلاح وهو يصلح محراثه وتظهر المرأة العجوز وقد حنا ظهرها الشقاء والتعب وهي تحمل حزمة من القش كما تظهر في هذه القاعة الأدوات التي كان يستعملها الفلاح في الزراعة والحصاد وجني المحصول كالمحراث والمنجل ولوح الدراسة وتوجد كذلك جرار فخارية للمؤونة يحفظ فيها السمن والزيت واللبن والماء وإلي جوار قاعة الفلاح توجد قاعة المطبخ ومعروض بها أدوات طهي الطعام بالإضافة إلى الفرن والمرأة التي تقوم بالخبز على الفرن وكذلك الوقود المستعمل في عملية الطهي والخبز بالإضافة إلى الجاروشة أو الرحى اللازمة لطحن الحبوب كما توجد الخضاضة التي تقوم بعملية فصل الزبدة عن اللبن وفي الجهة الغربية من الفسحة المتوسطة توجد فاعة تسمي الديوانية المضافة وهي عبارة عن قاعة مفروشة بالبسط العربية المصنوعة من شعر الماعز وصوف الغنم ووبر الجمال ذات الرسوم والنقوش المختلفة والمتعددة الألوان ويظهر في قاعة المضافة كيفية إستقبال الضيوف حيث يجلس صاحب البيت بعد إنتهاء أعماله اليومية المعتادة لإستقبال الأقارب والضيوف والزوار وتبادل الأحاديث الودية معهم كما يظهر بها أيضا عملية تناول الضيوف للقهوة والشاي والنارجيلة وعملية تناول الطعام من طبق واحد والذي يسمى المنسف العربي إضافة إلى عملية صنع القهوة العربية المرة ومراحل تجهيزها التي تبدأ بتحميص البن ثم طحنه بأداة تسمي المهباج ثم غليها ووضعها في أواني خاصة ثم وضعها في المنقل وهو أقرب مايكون إلي الترمس الحديث لكي تحتفظ بسخونتها وتكون جاهزة للشرب في أي وقت يتوافد فيه الضيوف إلى المضافة ليلا أو نهارا .

وفي القسم الجنوبي من الفسحة المتوسطة توجد قاعة مقابلة لقاعة الفلاح معروض بها مجسمات تصور عملية حرث الأراضي وتطورها والمراحل التى تمر بها الزراعة من مرحلة النمو حتى الحصاد وعملية درس المحاصيل لفصل الحبوب عن القش ثم تجميعها في مكان واحد بأكياس من القنب كما تضم القاعة صورا تمثل العرس الحوراني والدبكة الحورانية بالإضافة إلى بعض المجسمات التى تمثل بعض الفتيات بالزي التقليدي وأخرى لنساء يقمن بعملية نقل الماء من البركة إلى البيت إضافة إلى عرض متنوع لأطباق القش المصنوعة من ساق القمح والمنسوجة يدويا بأحجام مختلفة ذات نقوش وألوان مختلفة وفي الجهة الجنوبية الشرقية من الفسحة المتوسطة توجد قاعة العروس وهي تمثل خلية حقيقية لزوجين في بداية حياتهما الزوجية حيث يشاهد في القاعة ما قام الزوجان بتجهيزه لحياتهما الزوجية مثل الفراش والأطباق الزجاجية والنحاسية ومرآة العروس الكبيرة الحجم التي تعلق على أحد الجدران وصندوقها الكبير والمزين بالصدف بالإضافة إلى بعض المطرزات التي كانت العروس قد قامت بإنجازها أثناء فترة الخطوبة كما أن جدران الغرفة مزينة بزخارف هندسية يقوم برسمها وتلوينها أصحاب البيت كما يوجد في الجهة المقابلة للمضافة جناح خاص تعرض فيه الألبسة المختلفة والمستعملة في المنطقة من قبل الرجال والنساء مثل العباءات والقنابيز والصايات والعقل والكوفيات والجبب والثياب الحورانية والدوامر والحطات كما يشاهد في زوايا الفسحة المتوسطة أربع خزن تعرض فيها الأسلحة المستخدمة في الفترات الماضية مثل الطبنجات وحافظات الذخيرة والمحابر والسيوف العربية القديمة وخزانة زى الرأس للعروس والحلى التي كانت تتزين بها النساء مثل الشكة وهي عبارة عن قطعة قماشية مخاط في جوانبها ليرات فضية وذهبية مزينة بالخرز الملون وتنتهى بشرابيش حمراء كبيرة كما يشاهد الكردان المصنوع من الفضة الذى تزين به العروس صدرها والأساور الذهبية والفضية والخلاخيل الفضية التى كانت تتزين بها الفتيات والنساء في المنطقة والمصنوعة من الفضة أيضا ويعلو كل خزانة فتحة يعرض فيها أبريق نحاسى كبير وللأسف الشديد فقد توقفت أعمال التنقيب والترميم والإصلاح في مدينة بصرى في الوقت الحاضر بسبب الحرب الدائرة في سوريا منذ عام 2011م حيث كان هناك بعثة سورية فرنسية تعمل في موقع المتحف كما تعرضت الكثير من آثار مدينة بصرى التاريخية لأخطار القصف الجوى والتدمير وأصبحت من آثار التراث العالمي المهددة بالخطر كما أعلنت منظمة اليونيسكو .

ولايفوتنا هنا أن نتحدث عن كيف تم فتح مدينة بصرى ضمن فتوحات الشام التي بدأت في عهد الخليفة الأول أبو بكر الصديق ثم تم إستكمالها في عهد سلفه الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب ونبدأ فنقول إن خالد بن الوليد سيف الله المسلول كما أطلق عليه النبي صلي الله عليه وسلم كان قد حقق إنتصارات عظيمة في أرض فارس وترك جيشه يعود إلي الحيرة بعد أن خاض معركة الفراض في أقصي شمال العراق في شهر ذى القعدة عام 12 هجرية وإنتصر فيها علي جيش مختلط من الفرس والروم والعرب الموالين لهم وذهب للحج سرا تاركا عددا من قادته لقيادة الجيش دون أن يستأذن الخليفة حينذاك أبو بكر الصديق وعاد بعد موسم الحج سريعا ليدخل الحيرة وجيشه العائد من الفراض يدخلها في نفس الوقت وكان الموقف حينذاك لا يزال متأزما في الشام فقرر الخليفة أبو بكر الصديق أن يرسله إلى الشام لأن الموقف في الشام متوتر وجيوش المسلمين هناك يتهددها الحصار على العكس من الموقف في بلاد فارس فالوضع هناك مطمئن جدا فأرسل خطابا إلى خالد بعد أن إستشار مجلس الحرب وقال قولته الشهيرة والله لأُنسينَ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد فأرسل له رسالة بتعيينه أميرا على جيش الشام ولا يمكننا في هذا المقام أن نقر خالد علي ذهابه للحج بدون إذن الخليفة ولكن في نفس الوقت علينا أن نلاحظ أن خالد بن الوليد كان قادة وجنود جيشه يحملون له الكثير من الإحترام والمهابة والتقدير وفي غيابه كانوا يؤدون أداءا ممتازا فقد إستطاع خالد أن يربي مجموعة من القادة تمكنت بمفردها من فتح بلاد فارس كلها بعد ذلك وفي هذا الخطاب يلوم الخليفة فيه خالد أولا علي خروجه للحج دون أن يستأذنه وقال له لا تعد إلى ذلك ثانية وحذره من العجبِ بنفسه ثم قال له إذا جاءك كتابي هذا فدع العراق وخلِف أهله فيه الذين قدمت عليهم وهم فيه ثم إمض مخففا في أهل القوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك من الطريق وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين فإذا إلتقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ونلاحظ في هذا الخطاب أن الصديق يأمره فيه أمرا مباشرا أن يترك العراق لأنه لا يرى أن غيره يمكن أن يحل محله مع أن هذا الأمر قد يكون شديدا على نفس خالد بن الوليد وذلك بعد إنتصاره في 16 موقعة متتالية وإكتساحه لحوض نهر الفرات من أقصي الجنوب إلي أقصي الشمال وإستيلائه على معظم أرض العراق حتى غرب نهر دجلة وبذلك فقد أصبح قريبا من كتسفون أو المدائن عاصمة بلاد فارس ومن إسقاط الدولة الفارسية .

ولما وصلت هذه الرسالة إلى خالد بن الوليد فهم محتواها وقال أما إذ ولاني جيوش الشام فإن في الشام خلفا عن العراق وأخذ خالد علي الفور يستعد للرحيل إلي الشام وإنطلق بجيشه وتحرك إلى الشام ولكنه سلك طريقا مختلفا تماما عبر منطقة وعرة جدا هي صحراء السماوة التي لم تكن تعبر فيها أية قوافل وكان الطريق المعروف إلى الشام بالنزول من العرلق جنوبا إلى دومة الجندل التي تقع عند إلتقاء الطرق بين العراق والشام والجزيرة العربية ثم الإتجاه غربا حتى جنوب البحر الميت بالأردن ثم الصعود شمالا في إتجاه دمشق وهو طريق آمن ومأمون بالنسبة للمسلمين فلماذا سلك خالد بن الوليد ذلك الطريق الصعب الوعر إلى الشام وهي ولا شك مخاطرة محسوبة منه وعبقرية في الخطة وفي الأداء إذ نلحظ في هذا التحرك أن خالد أراد أن يصل إلى أرض الشام بسرعة لنجدة جيوش المسلمين هناك كما أمره الخليفة والطريق الآمن يستغرق عبوره أسبوعين علي الأقل بينما هذا الطريق على الرغم من وعورته إلا أنه أقصر بل إنه طريق مباشر إلى أرض الشام ويستغرق عبوره أسبوع علي الأكثر ولأن خالدا يثق في سرعة جيشه وقوة أدائه فقد كان معروفًا بأنه يسرع من خُطَى جيشه عند اللزوم فإذا كان الجيش يسير في المعتاد بسرعة 50 كيلو متر في اليوم فإنه سيجعله يسير بسرعة 100 كيلو متر في اليوم وفي بداية هذه الرحلة كان يسير فعلا بسرعة 50 كيلو متر في اليوم حتى وصل لمنطقة قبل الشجرة العظيمة التي ذكر له الدليل إنه إن لم يقطع هذه المنطقة في يوم واحد فقط هلك هو وجيشه لقلة الماء والزاد فيها لذا نجده قد إستطاع فعلا أن يتجاوزها في يوم واحد وقطع 100 كيلو متر في هذا اليوم وصبح القوم عند الشجرة العظيمة فليس خالد وحده الفذّ وإنما كان جيشه أيضا جيشا فذًّا فإذا كان لديه القدرة على أن يسير هذه المسافة بهذه السرعة وفي هذه الظروف الشاقة فإن هؤلاء الآلاف التسعة من الرجال الذين إصطحبهم معه من العراق لا شك أنهم صناديد أقوياء جدا وذوو كفاءة عالية كما أن خالد أراد كذلك أن يزيد من حصار الجيش الإسلامي لمنطقة الشام لأن المسلمين كانوا قد حاصروا الجنوب والشرق وهو يريد دخوله من جهة الشمال حتي يحكم الحصار وعلاوة علي ذلك فإن خالد يعلم ويدرك أن الروم لا يمكن أن يتوقعوا أن يأتيهم جيش من الشمال أو الشرق وإنما كان كل ظنهم أن المدد سيأتي إلي المسلمين من الغرب أو الجنوب فمجيء خالد بجيشه من الشمال يعد مفاحأة إستراتيجيةّ كبرى أربكت حسابات وخطط الروم إذ إنهم لم يتوقعوا أبدا أن يعبر أحد صحراء السماوة بجيش كبير كجيش خالد بن الوليد .

وبذلك فقد قطع خالد بن الوليد المسافة من الحيرة بالعراق إلى الشام في ستة أيام ووصل إلى أطراف الشام بمنطقة تسمى أرج فباغت أهلها وحاصرهم فلم يجدوا لهم طاقة بخالد وجيشه فإستسلموا ورضوا بدفع الجزية وفُتِحَت بذلك مدينة أرج صلحا ثم ترك أرج وذهب إلى مدينة تدمر وحاصرها فإستعصت عليه لأن أسوارها عالية وجيدة التحصين ولم يخرج أهلها لحربه بل ظلوا داخل حصونهم ولما كان يريد أن يسرع حتى يلحق بباقي جيوش المسلمين أرسل لأهل تدمر رسالة يقول لهم فيها والله لو كنتم في السحاب لإستنزلناكم ولظهرنا عليكم وما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحونها لنا وإن أنتم لم تصالحوني هذه المرة لأرجعنَّ إليكم حتي لو إنصرفت من وجهي هذا ثم لا أرتحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم وأسبي ذراريكم ثم رحل عنهم فتشاور كبار القوم فيهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم به وأنه الذي وعدوا به حيث كان عندهم في كتبهم أنه سيفتح المدينة أحد من هذه الجهة فأرسلوا رسولا في أثر خالد بن الوليد فعاد خالد إلى تدمر مرة أخرى وتسلم المدينة وصالحوه على الجزية وهكذا فقد نصره الله بالرعب ثم إنتقل خالد إلى القريتين فقاتل أهلها وسبى منهم السبايا وأخذ منهم الغنائم ثم إنتقل إلى مدينة حواريين وحاصرها فرفضوا قتاله ولكنهم أرسلوا في طلب المدد فتوجه إليهم ألفا مقاتل من مدبنة بعلبك وألفان من مدينة بصرى فترك جيشه محاصرا لحواريين وإنتخب مائتي مقاتل من الفرسان الأشداء ممن معه مثل القعقاع بن عمرو التميمي وضرار بن الأزور ومذعور بن عدى وهاجم المدد القادم من بعلبك أولا فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم إلتف حول حواريين وقاتل المدد القادم من بصرى فقتل 4 آلاف رجل خارج حواريين وإستمر في حصار حواريين حتى خرج له جيشها ثم أيقنوا أنهم لا طاقة لهم بقتاله فإستسلموا ودفعوا الجزية وتوجه خالد بعد ذلك إلى مرج راهط وكانت نصرانية وتسكنها قبائل غسان وكما يقول الرواة ومنهم إبن كثير في البداية والنهاية فهجم على مرج راهط، فإنتسف عسكرهم وسبى منهم وغنم وأرسل خمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق كل ذلك ولم يصل حتى الآن إلى أبي عبيدة بن الجراح وباقي جند الشام ويروى أحد من هزم في حواريين ثم أسلم بعد ذلك قائلا والله لقد خرجنا إلى خالد وإنا لأكثر منهم بأضعافهم فما هو إلا أن دنونا منهم فثاروا في وجوهنا بالسيوف كأنهم الأُسود فهزمونا أقبح هزيمة وقتلونا أشد القتل وقد رأيت منا رجلا كنا نعده بألف رجل وكان يقول لئن رأيت أميرهم لأقتلنَّه فلما رأى خالد قال له أصحابه هذا أميرهم فإقتله فأقبل على خالد وحمل عليه وإنا لنرجو أن يقتله من بأسه وشدته فلما دنا من خالد إستقبله خالد بالسيف فضربه ضربة واحدة فأطار نصف وجهه وقَحف رأسه فدخلنا مدينتنا وما كان لنا من همٍ إلا الصلح ويقول عن خالد عندما يقاتل كان له هيبة ومهابة وكان يربو على القوم أي يعلو عليهم وهذا من نِعَمِ الله على خالد الذي جعل حياته وقفًا على الجهاد في سبيله أن جعل الكفار يرهبونه بمجرد أن يسمعوا عنه أو رؤيته ومنحه العلو عليهم وكذلك يكون كل من أخلص جهاده لله .

وفي موقعة مرج راهط سبى المسلمون سبيا كثيرا ويحكي أبو الخزرج الغساني إبن إحدى السبايا عن أمه أنها لما رأت حال المسلمين أسلمت ثم جاء زوجها يطلبها من المسلمين وكان قد أسلم ولكن زوجته لم تعلم بذلك فقالت إن كان قد أسلم فنعد وإن لم يكن ذلك فليس لي حاجةٌ فيه فقالوا لها إنه قد أسلم فعادت إليه وهكذا كان سلوك المسلمين دائما دافعا للناس حتى من أعدائهم للدخول في الدين فقد كانوا ملتزمين بأخلاق الإسلام في كل أمر ولم يجبروا أحدا على الدخول فيه ولكن الناس رأوا منهم العدل والرحمة التي أمر الله بها ولم يجدوها من بني جلدتهم ففضلوا الإسلام رغم رقهم على الإستمرار في الكفر ولو عادوا به أحرارا وبمجرد أن علم جيش الروم في بصرى بتجمع الجيوش الإسلامية بعدد وصل إلي نحو 33 ألف مجاهد أو يزيد خرج مباشرة لقتال خالد ومن معه وبادر خالد على الفور بتنظيم جيشه فجعل نفسه في قلب الجيش وجعل رافع بن عميرة على الميمنة وضرار بن الأزور على الميسرة وقسم المؤخرة إلى نصفين المسيب بن نشبة يمينًا ومذعور بن عدي شمالا وجعل المؤخرة بعيدة عن الجيش لتأخذ أطراف المعركة وخرج جيش بصرى الرومي من الحصن وبدأ يواجه الجيش الإسلامي وكان خالد قد أمر المؤخرة ألا تشترك في القتال إلا بعد أن يأمرها بذلك وقام بالهجوم على جيش الروم بالمقدمة والميمنة والميسرة فقط، فحمل جيش الروم عليه حملة عظيمة فصبر خالد على هجماته الشديدة المتتالية وكان خالد يعلم أنه كلما طال صمود قلب ومجنبتي المسلمين فإن ذلك سيرهق جيش الروم ومن ثم تسهل مهمة جناحي المؤخرة اللذين ينتظران إشارته بالإشترلك في القتال فنادى على الجيش بقوله يا أهل الإسلام الشدة الشدة إحملوا رحمكم الله عليهم فإنكم إن قاتلتموهم محتسبين تريدون بذلك وجه الله فليس لهم أن يواقفوكم ساعة كل ذلك والمؤخرة لا تحارب ويقول قيس بن أبي حازم لقد كنا مطمئنين لما يفعله خالد لأننا كنا نعلم أن القليل من العدو والكثير عنده سواء فإنه لا يملأ صدره منهم شئ وإستمر القتال على أشده حتى ظن الفريقان أن صبرهما قد نفد وهنا كانت خطة خالد قد نضجت فأطلق فرقتي المؤخرة المتأخرتين فهجمتا من بعيد وإلتفَّتا من أعلى القوم ثم إنقضتا على جيش الروم من خلفه فوقع جيش الروم بين فكي كماشة لا فكاك منها فكانت هزيمة داحرة له وقتل من جنودهم الكثير وهرب بقيتهم إلى داخل حصن بصرى وأعلنوا الإستسلام ودفع الجزية فقام خالد بن الوليد بجمع غنائم الحرب التي خلَّفها الرومان خارج الحصن وكان إنتصارا عظيما للمسلمين وبذلك فتحت بصرى في يوم 25 ربيع الأول عام 13هـجرية أي بعد شهر واحد تقريبا من قدوم خالد بن الوليد إلي الشام وهي من أعظم المدن الموجودة في هذه الفترة وما إن وصلت أنباء موقعة بصرى إلى هرقل إمبراطور الروم وهو الذى كان رافضا للحرب موقنا بنصر المسلمين حتى قال لقواده ومستشاريه ألم أقل لكم لا تقاتلوهم فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم فقال أخوه قاتل عن دينك ولا تجبن الناس وإقضِ الذي عليك فقال وأي شيء أطلب إلا توقير دينكم وبعد فتح بصرى توالت فتوحات الشام ففتحت فحل وبيسان ودمشق والقدس وبعلبك وحمص وحلب وأنطاكية وقيسارية وقنسرين في أقصي شمال الشام وبذلك دانت الشام كلها لحكم المسلمين .
 
 
الصور :