abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
شارل ديجول.. الأب الروحى لفرنسا
شارل ديجول.. الأب الروحى لفرنسا
عدد : 12-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


شارل ديجول أحد الزعماء المهمين والمشاهير في تاريخ فرنسا بوجه خاص وفي تاريخ البشرية بوجه عام حيث إرتقي من جندي فرنسي في الحرب العالمية الأولى إلى ذلك الزعيم المنفي وفي نهاية المطاف أصبح رئيسا للوزراء ثم رئيسا للجمهورية الخامسة في فرنسا حيث شغل هذا المنصب في الفترة ما بين شهر يناير عام 1959م وشهر أبريل عام 1969م كما كان شارل ديجول خلال فترة الحرب العالمية الثانية مابين عام 1939م وعام 1945م قائدا للقوات الفرنسية الحرة أثناء مقاومتها للإحتلال الألماني لفرنسا خلال المدة من شهر يونيو عام 1940م حتي شهر أغسطس عام 1944م وبالإضافة إلي ذلك فقد كان شارل ديجول كاتبا موهوبا وخطيبا حماسيا .

وقد ولد شارل ديجول في مدينة ليل التي تقع في شمال فرتسا في يوم 22 نوفمبر عام 1890م وسط عائلة وطنية كاثوليكية وكان والده أستاذا في الفلسفة والأدب وكان طفلا متفوقا وتلقي تعليما جيدا في مدارس مسيحية مختلفة ثم إلتحق بالكلية المتوسطة لليسوعيين وفي وقت مبكر من حياته كان يحلم بأن يصبح قائدا عسكريا وبالفعل إلتحق بالأكاديمية العسكرية العليا في سان سير وذلك في عام 1909م وكان سنه 19 عاما وفي عام 1912م تخرج ديجول وإنضم لسلاح المشاة وتم إلحاقه بفوج المشاة الذى كان يقوده العقيد حينذاك فيليب بيتان وحصل علي رتبة الملازم أول وقبل الحرب العالمية الأولى أصبح ديجول قائدا للفصيلة الأولى من الكتيبة رقم 33 ورقى إلى رتبة النقيب في شهر يناير عام 1905م وقُلد وسام صليب الحرب وخلال الحرب العالمية الأولى أبلي شارل ديجول بلاءا حسنا في ساحات القتال فقد أصيب مرتين في وقت مبكر من بداية المعارك وحصل على ميدالية نظير خدمته المتميزة وتمت ترقيته إلى قائد حيث انه قاتل خلال هذه الحرب في واحدة من أشهر وأطول معاركها وأشدها فتكا وهي معركة فردان في عام 1916م وفردان هي إحدى أقدم مدن فرنسا وكانت أرضا للمعارك منذ أن غزاها أتيلا الهوني عام 450م وهي تقع على نهر ميوز في الجانب الشمالي من فرنسا على بعد نحو 80 كيلو متر من الحدود الفرنسية الألمانية وقد أدت هذه المدينة الفرنسية الباسلة ولمرات عدة دورا مهما في مقاومة غزو أعداء فرنسا علي مر التاريخ .

وقد بدأت معركة فردان في يوم 21 فبراير عام 1916م عندما شنت القوات الألمانية هجوما خاطفًا عليها وقد كان الألمان يعتقدون أن الفرنسيين سيذودون عن مدينتهم حتى مقتل آخر فرنسي ولكنهم في نفس الوقت كانوا يمنون أنفسهم بأن تكون خسائر الفرنسيين كبيرة جدا حتى يضطروا إلى الإنسحاب من الحرب وإستطاع الفرنسيون تحت قيادة قائدهم المارشال فيليب بيتان أن يواصلوا القتال وصمدوا وذادوا ببسالة فائقة عن المدينة مما أجبرالألمان على الإنسحاب بعد 11 شهرا ونادى الفرنسيون ببيتان بطلا قوميا وقد قتل في هذه المعركة ما يقرب من سبعين ألفا من الجنود الفرنسيين المدافعين عن المدينة وقد أبيدت خلال هذه المعركة السرية التي كان يقودها ديجول وتعرض هو للإصابة ثم وقع في الأسر في يوم 2 مارس عام 1916م وأرسل إلى أوسنابروك في المانيا وتمكن من الهرب يوم 29 أكتوبر عام 1916م إلا أنه إعتقل مرة أخرى وتمكن من الهرب مجددا في يوم 15 أكتوبر عام 1917م من قلعة روزنبرج وتم إعتقاله مرة أخرى وبعد مرور حوالي عامين ونصف العام من وقوعه في الأسر تم الإفراج عنه مع نهاية الحرب العالمية الأولي في أواخر عام 1918م بعد عقد الهدنة بين الدول المتحاربة فعاد إلى وطنه وإلتحق بكلية الحرب العليا في يوم 2 مايو عام 1922م وهو برتبة نقيب وأمضى فيها سنتين إلى أن إستدعاه المارشال بيتان للعمل في مكتبه الخاص ثم رقى لرتبة رائد في عام 1927 ثم إلتحق بجيش الشرف في شهر أكتوبر عام 1929م حيث خدم لمدة سنتين في بيروت عمل خلالهما رئيسا لهيئتي الإستخبارات والعمليات ثم إلتحق بالسكرتارية العامة لوزارة الدفاع في شهر نوفمبر عام 1931م وأمضى فيها 6 سنوات وفي شهر سبتمبر عام 1937م تولى قيادة اللواء 507 المدرع في مدينة ميتز ورقى إلي رتبة العقيد في نفس العام ثم أصبح قائدا لفرقة مدرعة وترقي إلي رتبة جنرال وخلال هذه المسيرة إكتسب العديد من الخبرات التي بلا شك أعطته رؤية ثاقبة جعلته يتكلم عن عدد من القضايا السياسية والعسكرية في بعض المؤلفات التي قام بنشرها خلال حقبة الثلاثينيات من القرن العشرين الماضي منها "الخلاف عند العدو" و"حد السيف" و"نحو جيش المستقبل" و"فرنسا وجيشها" حيث قدم من خلالها بعض المقترحات لإنشاء جيش وطني أفضل ولكن تم تجاهل هذا الإقتراح من قبل المسئولين العسكريين الفرنسين بالرغم من أنه أمر بالغ الاهمية إلى حد كبير وعلي عكس الألمان الذين وفقا لبعض التقارير إتبعوا بعض توصيات شارل ديجول التي أفادتهم بشكل كبير في الحرب العالمية الثانية وفي عام 1935م تم تعيين شارل ديجول نائباً لرئيس المجلس الأعلى للحرب على يد رئيس أركان حرب الجيش الفرنسي حينذاك المارشال فيليب بيتان الذي أصبح فيما بعد عدوه الأوحد خلال الحرب العالمية الثانية بعد سقوط فرنسا في أيدى الألمان وتحالفه معهم .

ولا يفوتنا هنا أن نذكر كيف فشلت فرنسا في الدفاع عن باريس وإجتياح القوات الألمانية للأراضي الفرنسية في المراحل الأولي للحرب العالمية الثانية حيث أنه بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى إعتمدت فرنسا إستراتيجية دفاعية سلبية بإنشاء خط ماجينو الذي يعد نموذجاً للتحصينات الدفاعية الثابتة وإتبع القادة العسكريون هذه النظرية إيمانا منهم بمقدرة الخط على وقف تقدم القوات الألمانية عبر الحدود الفرنسية الألمانية وإنهاكها مما يسهل توجيه ضربات مضادة إليها وسحقها إلى جانب ذلك فقد طور المهندسون العسكريون أنماطاً أوجدوها لزيادة قدرة الدفاع الدائري وتغطية بعض الحصون بعضا بالنيران والقوات وقد تبني هذه الفكرة وزير الحربية الفرنسي أندريه ماجينو الذي نادى للأخد بنظرية الدفاع الثابت ودافع عنها امام البرلمان الفرنسي علي الرغم من معارضة الكثير من العسكريين لهذه الفكرة منهم شارل ديجول وقد إقتنع البرلمان الفرنسي علي الرغم من هذه المعارضات بالفكرة ووافق عليها وقد ساعد على إلإقتناع بهذه الفكرة أن القيادة السياسية والعسكرية العليا الفرنسية قد تأثرت بعدد القتلى والجرحى في الحرب العالمية الأولى والتي ترتب عليها أن صار الرأي العام الفرنسي على درجة عالية من الحساسية لفقد الأرواح موقنة بأنه لو تكرر هذا الأمر فستكون النتيجة نهاية فرنسا ومن هذا المنطلق أصبح البرلمان الفرنسي أكثر قناعة للأخذ بالدفاعات المحصنة التي توفر للجنود الفرنسيين الصمود والثبات ولما قامت الحرب العالمية الثانية تحققت مخاوف المعارضين لإنشاء خط ماجينو حيث فشل هذا الخط فشلا ذريعا في حماية فرنسا من الغزو الألماني إذ أن الخطة الألمانية لإجتياح فرنسا والتي وضعها القائد الألماني الشهير جراف فون شليفن منذ مطلع القرن العشرين الماضي كانت مبنية علي القيام بحركة إلتفاف واسعة النط\ق لمهاجمة فرنسا من ناحية الحدود الشمالية الضعيفة عن طريق بلجيكا ولم تكن مبنية علي هجوم بالمواجهة عن طريق الحدود الألمانية الفرنسية حيث تتركز الدفاعات الفرنسية الحصينة ولم يكن في قدرة الفرنسيين مد خط ماجينو ليغطي الحدود الفرنسية البلجيكية لفداحة التكاليف من جهة ومن جهة أخرى خشية إغضاب بلجيكا إذ أن إمتداد الخط علي طول تلك الحدود معناه ببساطة تخلي فرنسا عن بلجيكا وتركها لقمة سائغة يستطبع الألمان بكل بساطة وسهولة إلتهامها في حالة وقوع أى هجوم من جانبهم ومن ثم نامت فرنسا مطمئنة وراء خط ماجينو ولم تستيقظ من سباتها العميق إلا علي هدير جحافل قوات البانزر المدرعة التي يقودها الجنرال هاينز جودريان وهي تشق طريقها عبر بلجيكا من خلال الحدود الشمالية الضعيفة الخالية من الدفاعات الحصينة حيث أخذت الخطة الألمانية لإجتياح فرنسا في الحسبان وجود خط ماجينو وقام الألمان بوضع قوة شكلية في مقابل الخط لخداع الفرنسيين بينما إندفعت قوات الألمان عبر البلدان الواطئة هولندا وبلجيكا وعبر غابة الأردين الواقعة شمال التحصينات الفرنسية الرئيسية مطبقة بذلك حركة الإلتفاف الواسعة بالجناح الأيمن لها طبقا لخطة الجنرال شليفن تطبيقا مثاليا وفي نفس الوقت تم إختراق تحصينات خط ماجينو بالجناح الأيسر لها وبذلك نجح الألمان في الولوج إلى فرنسا دون الإصطدام بشكل مباشر بخط ماجينو ومن هناك قاموا بمهاجمة الخط والسيطرة على فرنسا .

وقد بدأت المعركة بين المانيا وفرنسا يوم 10 مايو عام 1940م منهية بذلك مرحلة الحرب المزيفة التي أعقبت غزو المانيا بولندا في أوائل شهر سبتمبر عام 1939م في بداية الحرب والذى أعقبه إعلان كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على المانيا وإستمرت المعارك حتي يوم 25 يونيو عام 1940م تاريخ سقوط فرنسا رسميا في يد الألمان وقد تم الغزو الألماني لفرنسا وفقا لمرحتلين أساسيتين أولهما مرحلة العملية الصفراء التي بدأت بهجوم أول شنته القوات الألمانية على هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج وردت قوات الحلفاء الذين كانوا خليط من القوات الفرنسية والقوات البريطانية على ذلك بسرعة حيث قاموا بتحريك نخبة قواتهم شمالا نحو بلجيكا لمواجهة الغزو الألماني طبقا للخطة المعدة مسبقًا لكن الألمان نجحوا في إستدراج الحلفاء للتحرك شمالا وفاجأوهم بالهجوم عبر غابة الأردين التي تقع بين فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورج بنخبة قواتهم المدرعة والذي كان الهجوم الرئيسي في الخطة الألمانية ونجح هجوم أردين الذي سماه رئيس مجلس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل بضربة المنجل في فصل قوات الحلفاء الرئيسية التي تحركت نحو بلجيكا عن بقية القوات وقطع جميع خطوط الإتصالات والإمدادات عنها مما أدى في النهاية إلى عزلها وتطويقها وأمام الضغط المفروض عليها من القوات الألمانية عالية التنظيم سريعة الحركة بدأت القوات المحاصرة بالإنسحاب باتجاه البحر إلى مدينة وميناء دنكرك ولما تم إطباق الحصار عليها سارعت الحكومة البريطانية إلى إخلاء قواتها المحاصرة ومعها بعض الفرق الفرنسية في عملية سميت عملية دينامو منتهزة فرصة قرارا ألمانيا تم إتخاذه وكان أحد أكثر قرارات الحرب جدلية بتعليق الزحف بإتجاه دنكرك ومنح القوات الألمانية إستراحة لمدة ثلاثة أيام وفي هذه الأثناء بنى الحلفاء خطا دفاعيا وبدأت حملة عملاقة لإجلاء قواتهم عن مدينة دنكرك شاركت فيها القوات البحرية والسفن التجارية وحتى زوارق الصيد الصغيرة لتصبح حملة شعبية لإنقاذ الجيش البريطاني ومن معها من القوات الفرنسية وبالفعل نجح الحلفاء في إنقاذ 330 ألف جندى إلا أنهم خسروا 40 ألف آخرين بقوا في المدينة وقعوا في أسر القوات الألمانية كما حظي الألمان بغنائم ضخمة وكميات هائلة من العتاد والأسلحة التي خلَّفتها وراءها قوات الحلفاء وبعد إنسحاب القوات البريطانية بدأ الألمان في يوم 5 يونيو عام 1940م تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الألمانية والتي سموها العملية الحمراء والتي أبدت القوات الفرنسية المستنزفة خلالها مقاومة أولية عنيفة لكن التفوق الجوي الألماني وسرعة حركة وتفوق المدرعات سحق تدريجيا بقايا القوات الفرنسية كما إستطاعت القوات الألمانية الإلتفاف على خط ماجينو والإستيلاء عليه وبدأت في الإندفاع في عمق الأراضي الفرنسية وكان قد تم تكليف شارل ديجول بصد الهجوم الألماني عن باريس لكنه فشل في مهمته نظرا للتفوق الساحق للقوات الألمانية والتي وصلت بالفعل يوم 14 يونيو عام 1940م إلى العاصمة الفرنسية باريس التي كانت الحكومة الفرنسية قد أعلنتها مدينة مفتوحة .

وبسقوط باريس حدثت حالة من الإرتباك والفوضى وسط الحكومة الفرنسية التي فر العديد من أعضائها وإنتهت فعليا المقاومة العسكرية الفرنسية في يوم 18 يونيو عام 1940م وإلتقى القادة الألمان مع المسئولين الفرنسيين الذين كانوا يأملون في عقد هدنة مع المانيا وكان من بين هؤلاء القادة الماريشال فيليب بيتان الذي تولى منصب رئاسة فرنسا وكان من أنصار عقد هدنة مع المانيا وفي يوم 22 يونيو عام 1940م تم توقيع الهدنة بين فرنسا والمانيا ونتج عنها تقسيم فرنسا حيث إحتلت المانيا الجزء الشمالي والغربي منها في حين إحتلت إيطاليا جزءا صغيرا في الجنوب الشرقي أما الجزء الباقي فتمت تسميته المنطقة الحرة ويخضع لسيطرة حكومة فيشي وهي مدينة تقع وسط فرنسا جنوبي العاصمة باريس وتشتهر بمياهها المعدنية والمشكلة حديثا من قبل المارشال فيليب بيتان والتي تم إنتخابها من قبل الجمعية الوطنية الفرنسية بتاريخ 10 يوليو عام 1940م مع منحها صلاحيات واسعة لبيتان كرئيس للحكومة والتي عملت على التوصل إلى إتفاق مع المانيا لتجنب المزيد من الخسائر وإراقة الدماء ولكنه أخذ سمعة شائنة كنظام لأنه تعاون مع النازيين وقد إستطاع شارل ديجول في هذا الوقت أن يسافر إلى بريطانيا وهناك أسس حكومة فرنسا الحرة بدعم من رئيس مجلس الوزراء البريطاني حينذاك ونستون تشرشل وذلك بهدف مواجهة المارشال بيتان الذي أخضع فرنسا للإحتلال النازي ليصبح لفرنسا حكومتان الأولى بقيادة شارل ديجول ومقرها لندن والثانية بقيادة المارشال فيليب بيتان ومقرها مدينة فيشي الفرنسية ومن العاصمة البريطانية لندن وجه شارل ديجول نداءه الشهير إلى الشعب الفرنسي حيث وجه رسالة عبر الإذاعة الإنجليزية لبلاده داعيا إياهم إلى مقاومة الإحتلال الألماني قائلا:" أيها الفرنسيون لقد خسرنا معركة ولكننا لم نخسر الحرب وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نيران الإحتلال الجاثم على صدره وإن هذه الحرب لا تقتصر على خسارة إقليم في بلادنا ولم تنته بخسارة معركة فرنسا هذه الحرب هي حرب عالمية واسعة وأيا كان ما سيحدث فيها فإن شعلة المقاومة الفرنسية لا يجب أن تنطفئ ولن تنطفئ".

وبهذه الروح كسب شارل ديجول الشعب الفرنسي الرافض للإحتلال النازي إلى صفه ومن ثم أخذ يعمل علي تنظيم الجنود في المستعمرات الفرنسية للقتال إلى جانب قوات الحلفاء وتدعيم خلايا المقاومة في فرنسا ضد الإحتلال الألماني لبلاده ففي هذا الوقت كانت حركات المقاومة ضد النازيين وضد حكومة فيشي تتسع وتتنامى في جميع أنحاء فرنسا بسرعة وكانت تتزايد قوة وخطورة حيث غذتها الأعداد الضخمة من الشبان الفرنسيين الذين كانوا يلجأون للتلال والأرياف للفرار من قبضة السلطات الألمانية ومن قوانين العمل القسري التي كانت تفرضها عليهم فكانوا يعيشون في الريف كخارجين عن القانون يتلقون الدعم والمساعدة من الفلاحين ومن الإمدادات التي كانت تلقيها لهم الطائرات البريطانية من الجو .

ومنذ بداية عام 1944م أدرك الألمان أن هجوم الحلفاء علي قواتهم في فرنسا بات أمرا حتميا ولكنهم لم يتمكنزا من معرفة موعده أو مكان إنطلاقه وكان من المتوقع أن يتم هذا الهجوم من أضيق منطقة في القنال الإنجليزى على ساحل مدينة كالي ونتيجة لذلك تركزت أقوى قواتهم هناك اما المكان الفعلي لهذا الهجوم فكان من أفضل ماحفظ من أسرار الحرب إذ كانت خطة الهجوم أن يتم على طول 50 ميلا من شاطئ مقاطعة نورماندى ثم يندفع بقوة غرب نهر الأورن إلى شاطئ في شبه جزيرة كوكونتا التي يشرف عليها مرفأ شيربورج الحيوى وفي تلك الفترة وضع الألمان العوائق والتحصينات وزرعوا ملايين الألغام على طول الساحل الرفنسي وقاموا بنشر ثلاثة جيوش على الشاطئ أي ما يقارب 1.5 مليون جندي ووضعت هذه الجيوش تحت قيادة الفيلد مارشال إرفين روميل الملقب بثعلب الصحراء والذي قام بإنشاء خط الدفاع الساحلي ولم يفته كقائد محنك أن هناك إحتمال لحدوث الإنزال علي شواطئ نورماندى ولكن هتلر لم يقدم له كافة الدعم المطلوب لإستكمال الإستحكامات الدفاعية اللازمة لصد أي هجوم محتمل كما تراجعت القوة الكبيرة للقوات الجوية النازية المسماة باللوفتواف مما كان له أثر سلبي علي القوات الألمانية التي يقودها روميل ولم يكن الألمان يتوقعون أن الإنزال سبيدأ قبل حلول الصيف لسببين الأول هو أن المنطقة شديدة التجمد ومن ثم كانوا يتوقعون أن الهجوم لن يبدأ قبل شهر يوليو أو أغسطس والسبب الثاني هو أن جبهة الإتحاد السوفيتي التي فتحها هتلر وكانت من أكبر الأخطاء المصيرية التي وقع فيها كانت هادئة نسبيا حيث أفادت المعلومات الإستخباراتية الألمانية أن الإنزال في نورماندي لن يحدث إلا إذا قام السوفييت بهجوم مماثل وكبير من جهة الشرق من أجل الضغط على الجيش الألماني في الجبهتين وكانت خطة الفيلد مارشال إرفين روميل قائد جبهة فرنسا حينذاك في مواجهة الإنزال في نورماندي مبنية علي أساس سرعة تحرك خمس فرق مدرعة وقدر أن تكون قادرة على الوصول الي نقطة الإنزال أينما كان مكانها خلال مدة لا تزيد عن 3 ساعات من بدء الإنزال لمواجهة العدو ورميه إلى البحر لكن وبناءا على أوامر هتلر تمركزت هذة الفرق بعيدا عن الشاطئ وتم ربط أمر تحركها به مباشرة مما جعل روميل ساخرا يردد عبارته الشهيرة مع هتلر يكون الحق دائما إلى جانب الذي يقول الكلمة الأخيرة قاصدا أن تدخل هتلر بهذا الشكل في أدق الشئون العسكرية وهو غير مؤهل في هذا المجال كفيل بإفساد أى خطط عسكرية يقترحها القادة المؤهلون وقد تم أيضا تأجيل برنامج العمليات الضخم الذي كان مقررا من جانب قوات الحلفاء في يوم 5 يونيو عام 1944م لمدة يوم واحد ليكون في يوم 6 يونيو عام 1944م وذلك بسبب سوء الأحوال الجوية ومع أن التوقعات الجوية في اليوم التالى كانت أبعد من أن تكون مثالية إلا أن أي تأجيل آخر قد يتطلب إلى ما يقل عن أسبوعين كى تتوفر أفضل الظروف إلى جانب العواقب المحتملة من تأجيل المهمة مرة أخرى حيث قد يؤدى إلغائها إلي كشف الألمان لأسرار العملية .

وجدير بالذكر أنه منذ بداية عام 1944م خاضت خلايا المقاومة الفرنسية حربا أهلية شرسة ضد رجال الجستابو الألمان وميليشيات حكومة فيشي الموالية للألمان وقد بدأ غزو الحلفاء لفرنسا بهدف تحريرها من الإحتلال النازى الألماني في صباح يوم 6 يونيو عام 1944م حيث تم إنزال قوات أميريكية وبريطانية على شواطئ نورماندي الواقعة في شمال فرنسا بين مينائي شيربورج والهافر وقد شاركت فيها 6900 من السفن الحربية من ضمنها 4100 سفينة إنزال و عدد 12 ألف طائرة حربية ومليون جندي من قوات المظلات ومشاة البحرية كانوا عبارة عن تشكيلات كبيرة من الجنود المدربين وقاد العملية الجنرال الأميريكي دوايت أيزنهاور وتمكن الحلفاء من إحتلال الشاطئ وإنتزعوا في وقت قصير رقعة من أرض الساحل حيث إتخذوها قاعدة بحرية لهم وكانت بريطانيا قد قامت مسبقا بصنع مرفئين صناعيين هائلين وتم نقلهما عبر القنال الإنجليزي وتم تجميع أجزائهما على هذه الرقعة من الشاطئ الفرنسي وبنجاح عملية الإنزال هذه بدأت قوات الحلفاء تكمل طريقها في إتجاه باريس والعاصمة الألمانية برلين وكانت خلايا المقاومة الفرنسية في ذلك الوقت عاملا ساعد قوات الحلفاء أثناء قيامها بعمليات الإنزال في فرنسا وذلك من خلال تعطيلهم لقنوات الإتصال والنقل بين القوات الألمانية وتعد هذه المعركة بداية الزحف نحو أوروبا وتحريرها من القوات الألمانية وكانت نقطة البدء في فرنسا ثم هولندا وبلجيكا وصولا إلى إحتلال العاصمة الألمانية برلين وصحت تكهنات الفيلد مارشال روميل الذي إعتبر أن خسارة المعركة الأولى قاصدا معركة نورماندى ستفتح القارة الأوروبية أمام الغزو وهذا ما حدث بالفعل فبعد ثلاث ساعات من بدء الهجوم ضمن الحلفاء موقع قدم لهم على الشاطئ واذيع أول إعلان عن ذلك من لندن ومن ثم تدفقت الإمدادات والجنود والعتاد إلى الشاطئ الفرنسي بكميات كبيرة وخلال 12 يوم تدفق إلى الشاطئ ما يزيد عن 600 ألف جندى وأكثر من 90 ألف مركبة إستعدادا للهجوم العنيف نحو الداخل وبالفعل إتجهت قوات الحلفاء نحو نهر الأرون بإتجاه باريس ونحو شمال كونتنتين بإتجاه قلعة شيربورج وكانوا في نفس الوقت يسيطرون على البحر ثم وجهوا إهتمامهم إلى إنتزاع شيربورج وكاين من حوزة القوات الألمانية وقد إستطاع الأميريكيون في يوم 26 يوليو عام 1944م الإستيلاءعلى شيربورج كما إنتزع البريطانيون كاين في يوم 9 يوليو من نفس العام بعد قتال مرير وبذلك إمتلك الحلفاء مرفئين كبيرين على ساحل نورماندى وقد مكنهم ذلك من الإستمرار في إنزال جنودهم وعتادهم بسهولة وبعد ذلك أخذت المدن الفرنسية يتوالى سقوطها في أيدى قوات الحلفاء حيث إستولت القوات الأميريكية على سان لو وسقطت نانت في يوم 10 أغسطس عام 1944م وبعد أسبوع تم تحرير مدينتي سارتر وأورليان وأحرز الجنرال منتجوري إنتصارا حاسما على مقربة من فاليز وقد عبرت وحدات بريطانية نهر السين في يوم 25 أغسطس عام 1044م وطاردت الألمان إلى نهر السوم وحرر أعضاء حركة المقاومة السرية الفرنسية باريس ودخلها الجنرال شارل ديجول قائد القوات الفرنسية التي حاربت إلي جانب الحلفاء دخول المنتصر في صباح يوم 26 أغسطس عام 1944م وبذلك إنتصر ديجول وحرر بلاده من النازية بمساعدة الحلفاء وعاد إلى بلاده بطلا متوجا وليستقبله الشعب الفرنسي بالورود والأغاني الوطنية ويأخذ مقاليد السلطة من حكومة فيشي المنهارة وفي شهر سبتمبر عام 1944م أعلنت حكومة ديجول إلغاء دولة وحكومة بيتان الفرنسية مع جميع قوانينها وتشريعاتها وفي أثناء ذلك كان بيير لافال رئيس الوزراء في حكومة فيشي هاربا في المانيا ومن ثم في النمسا ولكن ألقي القبض عليه لاحقا وأعيد إلى فرنسا حيث حوكم وأعدم عام 1945م أما فيليب بيتان فقد أخذ قسرا إلى المانيا ولكنه عاد طواعية إلى فرنسا للمحاكمة حيث أدين وحكم عليه بالإعدام ولكن تدخل ديجول وخفف الحكم إلى السجن الإنفرادي المؤبد ومات في السجن عام 1951م .

وبتحرير فرنسا من الإحتلال الألماني أصبح الجنرال شارل ديجول يتمتع بتأييد واسع في الداخل والخارج وفي عام 1945م أصبح رئيسا لحكومة مؤقتة في فرنسا ولكن بسبب خلاف كبير علي السلطة التنفيذية في البلاد قدم إستقالته من هذا المنصب ولعدة سنوات قاد حركته السياسية الخاصة وهي ما سماها بالتجمع من اجل الشعب الفرنسي وبعد ذلك قرر إعتزال السياسة في عام 1953م ولكن بدأت بعد ذلك الحكومة الفرنسية المعروفة بإسم الجمهورية الرابعة في الإنهيار وبعد حركة التمرد التي حدثت في الجزائر يوم 13 مايو عام 1958م إستدعي الرئيس الفرنسي حينذاك رينيه كوتي ديجول وكلفه بتشكيل آخر حكومة في الجمهورية الفرنسية الرابعة وقبل ديجول هذا التكليف بعد أن إشترط إصلاحات واسعة لمؤسسات الدولة منها إصدار دستور جديد في البلاد وقد مهد هذا الدستور الجديد الذي أقر في إستفتاء شعبي تم إجراؤه في يوم 21 ديسمبر عام 1958م لولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة وتم إنتخاب شارل ديجول رئيسا للجمهورية وفي يوم الثامن من شهر يناير عام 1959م إستقبل رينيه كوتي الرئيس الثاني للجمهورية الرابعة الجنرال ديجول الرئيس الجديد المنتخب ومؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة بالقول أول الفرنسيين بات الأول في فرنسا وإصطحبه شارل ديجول إلى قوس النصر لإضاءة شعلة الجندي المجهول ثم تركه في المكان وعاد وحده إلى قصر الإليزيه وفي اليوم نفسه عين ميشيل دوبريه رئيسا للوزراء وقد أعيد إنتخاب ديجول مرة أخرى بالإقتراع الشعبي المباشر في يوم 19 ديسمبر عام 1965م في الدورة الثانية بعد منافسة شرسة مع غريمه السياسي فرانسوا ميتران .

وعندما تم تعيين ديجول رئيسا للوزراء وفي يوم 24 أغسطس عام 1958م أطلق خلال زيارته إلى الكونغو برازافيل مبادرة من أجل إنهاء الإستعمار ومنح الإستقلال عن فرنسا لدول أفريقيا عبر تأسيس مجموعة فرنسا أفريقيا وبعد أقل من سنتين وفي خضم الأزمة الجزائرية تنال الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية إستقلالها .

ويذكر التاريخ لديجول الذي وصل إلى السلطة بدعم من مؤيدي الجزائر فرنسية بأنه من وضع حدا لحرب الجزائر وكرس إستقلالها بعد توقيع معاهدات إيفيان في شهر مارس عام 1962م وقد أشعلت هذه السياسة كراهية معارضي الجنرال ديجول الذين أسسوا منظمة مسلحة سرية قامت بتنفيذ بعض العمليات الإرهابية ونظموا إنقلابا عسكريا فاشلا وحاولوا إغتيال الجنرال ديجول في بلدة كلامار قرب باريس في شهر مايو عام 1962م بعد شهرين من إعلان إستقلال الجزائر ولكنه نجا من هذه المحاولة. ومن الطريف أنه كانت ترافقه زوجته إيفون ديجول وقالت وهي تخرج من العربة بعد نجاتها هي وزوجها من محاولة الإغتيال: "أتمنى أن تكون الدجاجات بخير"، وقد غضب رجال الشرطة المرافقون للجنرال على خلفية إعتقادهم أنها تقصدهم بما قالت بينما كانت تقصد الدجاجات التي كانت قد وضعتها فعلا في الصندوق الخلفي للسيارة قبل تحركها ،وبذلك عاد شارل ديجول مرة أخرى إلى الخدمة العامة لمساعدة بلاده فساعد في تشكيل الحكومة المقبلة في البلاد وأصبح رئيسا للجمهورية في شهر يناير عام 1959م وقام بتأسيس الجمهورية الخامسة في فرنسا وكرس نفسه للحفاظ على إستقلال بلاده حيث سعي دائما للحفاظ على فرنسا منفصلة عن القوتين العظميين في العالم آنذاك وهما الولايات المتحدة الأميريكية والإتحاد السوفيتي وقد فعل ذلك لإظهار أهمية فرنسا العسكرية كما إستطاع أن يحصل لها علي مقعد دائم في مجلس الأمن عندما تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة في منتصف عام 1945م ولم يكن شارل ديجول بارعاً في إدارة الأمور السياسية فقط فبراعته طالت الأمور الإقتصادية والإجتماعية أيضا ومن ثم سعي لتحسين الوضع الإقتصادي للبلاد لذلك يعتبره الفرنسيون رمزا وبطلا يحتذى به وهذا يتضح بشكل كبير في كم الميادين والشوارع والمطارات وحتى محطات القطار والمتاحف التي سميت بإسمه تكريما له وإعتزازاً به وكل هذا لم يأت من فراغ بل لما لمسوه من تطور ورخاء إقتصادي وأيضاً نظرا لتقديره لإرادتهم وكرامتهم فقد كانت سياسة ديجول الخارجية والداخلية ذات هدف أوحد وهو أن تبقى إرادة الشعب الفرنسي فوق أي إعتبار وقد كان وقد ترك ديجول بالفعل بصمات واضحة في إقتصاد فرنسا وساهم في نهضتها بشكل كبير لذلك لقب بمؤسس فرنسا الحديثة .

وكان من أبرز إنجازات ديجول على الصعيد الإقتصادي أنه قام بتأميم المصارف وشركات التأمين والكثير من المؤسسات الصناعية خاصة التي تعاون أصحابها مع الإحتلال الألماني كما قام بتخفيض قيمة الفرنك الفرنسي وقدم فرنكا جديدا يساوي 100 من الفرنك القديم مع التركيز علي إصلاح الزراعة والنهوض بها ومن ثم قام بسن قوانين جديدة لتسهيل إستصلاح الأراضي وبناء المدن الجديدة وركز أيضا علي التعليم والبحث العلمي حيث إهتم بتطويرهما وقام بإنشاء عدة مراكز متخصصة بهدف دعم حركة التنمية العلمية من أبرزها المركز الوطني للدراسات الفضائية ومركز التخطيط والتنمية وغيرها من المراكز كما إهتم أيضا بالصناعات النووية وتطلع إلى دخول فرنسا عالم الفضاء بوكالات خاصة بها أسوة ببريطانيا وأمريكا وكان من أهم ما قام به على الإطلاق توفير مراكز للتدريب المهني في كافة المجالات وتشغيل الأيدي العاملة في كل النواحي الأمر الذي ساهم في حدوث نهضة حقيقية في بلد بنيته التحتية كانت قد دمرت تماما بعد سنوات الحرب ولكل ماسبق يعتبر معظم المؤرخين الفرنسيين وغير الفرنسيين أن فترة حكم الجنرال شارل ديجول لفرنسا قد شهدت نموا وإزدهارا لم يسبق لهما مثيل وتطورت في عهده البنية التحتية التي كانت مدمرة تماما وطال الإزدهار القطاع الزراعي والصناعي والمصارف وشركات التأمين والشركات الرائدة في المجالات النووية والفضائية وغيرها الكثير ومن ثم تحولت فرنسا خلال ثلاثين عاما فقط عقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية من دولة شبه مدمرة إلى دولة حديثة وإحدى الدول الكبرى التي لها مكانتها القوية بين سائر دول العالم .

وكان الجنرال شارل ديجول لا يخاف من إتخاذ قرارات مثيرة للجدل فبعد التعامل مع الإنتفاضات الكثيرة التي حدثت في الجزائر لسنوات ساعد المستعمرة الفرنسية في تحقيق الإستقلال في عام 1962م ولكن كان هذا التحرك لا يحظى بشعبية على نطاق واسع في ذلك الوقت كما كان شارل ديجول يؤيد دائما فكرة أوروبا الموحدة لكنه أيضا أراد أوروبا ان تكون خالية من تأثيرات القوى العظمى وإلي جانب بلاده فقد حارب شارل ديجول من أجل بلاد أخري فقد عمل علي الحفاظ علي بريطانيا من الجماعة الإقتصادية الأوروبية وذلك بسبب علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميريكية وفي عام 1966م سحب شارل ديجول قوات بلاده من منظمة حلف شمال أمريكا من أجل مخاوفه من الولايات المتحدة وعلي ذلك فبالنسبة للبعض كان شارل ديجول يعتبر معاديا للولايات المتحدة ومن الناحية الشخصية كانت شخصية شارل ديجول غير مرنة في بعض الأحيان ومستعصية علي بعض الأشخاص وفي أواخر الستينيات من القرن العشرين الماضي دخلت فرنسا منعطفاً خطيرا حيث دخلت في واحدة من الأزمات السياسية الأكثر حدة في تاريخها الحديث بدأت على شكل تحركات طلابية ثم إنضمت إليها بعد ذلك شرائح من العمال والموظفين مما أدى إلي شلل تام في كل مظاهر الحياة في البلاد ووضعت السلطة في موقف لا تحسد عليه خاصة مع تصاعد الإحتجاجات الطلابية وتصاعد مظاهرات العمال والموظفين بشكل واسع مما جعل سلطة ديجول تواجه مأزقا حقيقياً حتى أنه قام بحل البرلمان وبدأ أنصـاره في النزول إلى الشوارع لمواجهة المعارضين إلى أن صار الأمر ينذر بحرب أهلية حقيقية بين فئات الشعب الفرنسي وهنا أعلن ديجـول عن طرح إستفتاء عام على الشعب الفرنسي يرتبط بمجموعة من الإصلاحات التي يتعهد بها في حين الإبقاء عليه وهذا الإستفتاء هو الذي يحدد مصيره بالإستمرار أو الإستقالة ولم يحصل ديجول في هذا الإستفتاء علي النسبة التي حددها للإستمرار في السلطة فتنازل عن السلطة في شهر أبريل عام 1969م وقدم إستقالته من منصبه وإنسحب تماماً من الحياة السياسية وظل متقاعدا في بيته في كولومبي ليه دوكس وتفرغ لكتابة مذكـراته التي تم نشرها تحت إسم مذكرات حرب وقد بيع منها مائة ألف نسخة في ستة أسابيع وبعد تقاعده لم يعمر شارل ديجول طويلا ولم يسعفه العمر للتمتع بحياة هادئة في هذه القرية التي إنتقل للإقامة بها حيث أنه توفي بنوبة قلبية في يوم 9 نوفمبر عام 1970م عن عمر يناهز 80 عاما وتم دفنه في هذه القرية .

وفي يوم وفاته أذاع هذا الخبر الرهيب للشعب الرئيس الفرنسي حينذاك جورج بومبيدو الذي كان يعمل بشكل وثيق معه قبل خلافته قائلا الجنرال شارل ديجول قد مات وفرنسا الآن أصبحت أرملة حيث كان حزينا للغاية علي فقدان الدولة لهذا القائد العسكري العظيم وقال إن البلاد فقدت واحدا من أعظم أبطالها وعرض زعماء العالم الآخرين كلمات الثناء لشارل ديجول فقد قالت الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا في حقه إنها لن تنسى الشجاعة والمثابرة التي تمتع بها هذا الرجل في سبيل التحالف مع بريطانيا ضد ألمانيا وإيطاليا خلال السنوات المظلمة من الحرب العالمية الثانية، ومما لا شك فيه أن شارل ديجول كان دبلوماسياً بارعا وذكيا وله كاريزما متميزة بما يكفي فقد نجح في البقاء في الحكم في فترة مضطربة في تاريخ فرنسا كما أنه كان قائد تحرير بلاده من النازية التي جثمت علي صدر الشعب الفرنسي أكثر من 4 سنوات وبدا لشعبه الحاكم البطل ذو العصا السحرية الذي أحال الواقع المرير إلى حلم جميل ولهذا لقب بالأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة وبالرغم من مرور حوالي 48 عاما على وفاته لا يزال شارل ديجول يحظى بتقدير وإحترام بالغين في دول العالم أجمع بما فيها الدول العربية حيث يدين له البعض بلعب دور مهم في الإنسحاب من الجزائر بعد إنكسار الفرنسيين على أيدي الثورة ويدين آخرون بدعمه للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة فضلا عن بصماته الواضحة في بناء فرنسا الحديثة.

وقد كانت لشارل ديجول بعض الأقوال المأثورة نذكر منها بما أن رجل السياسة لا يصدق أبدا ما يقوله فإنه يفاجأ إذا ما صدقه أحد كما أنه لا يمكن تحقيق أي شيء عظيم دون عظماء ولا يكون العظماء عظماء إلا إذا كانوا عاقدي العزم على أن يكونوا كذلك،ومن أقواله أيضا لا توجد هيبة دون غموض فالألفة تولد الإزدراء وإن الإنسان الذى يتمتع بشخصية قوية عندما يواجه مصيبة يعود إلى نفسه فهو يفرض طابعه الخاص على الفعل ويتحمل المسئولية عنه ويتملكه ، ومما قاله ديجول أيضا الدبلوماسيون ينفعون في الجو الصحو لكن بمجرد أن تمطر السماء فإنهم يغرقون في كل قطرة ماء كما أنني وصلت إلي إستنتاج مفاده أن السياسة هي مسألة خطيرة جدا أن تترك للسياسيين .
 
 
الصور :
الفرنسيون يحتفلون بتحرير فرنسا من الألمان أمام قوس النصر جنود الحلفاء أثناء إنزالهم في نورماندى في شهر يونيو عام 1944م هتلر أمام برج إيفل بعد إحتلال باريس خريطة معركة فردان قوات البانزر الألمانية المدرعة