abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
بائع الجاز .. مشهد تراثي مندثر
بائع الجاز .. مشهد تراثي مندثر
عدد : 12-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

تفوت أيام تموت أحلام تعدى شهور تدور الأرض والدنيا وهو يدور ولسه بيجرى ويعافر ولسه عيونه بتسافر ولسه قلبه لم يتعب من المشاوير تلك الكلمات التى كتبتها كوثر مصطفى وغناها محمد منير للنيل هى أكثر ما يمكن أن يعبر عن من عاش حياته أمام عربة الجاز يحصل عليه من الكوبانية ثم يسحب عربته يوميا فى رحلة رزق كانت تزيد صعوبتها يوما عن الآخر مع إندثار الجاز الأبيض الذى كان يبيعه وإندثار زبائنه أيضا ذلك هو بائع الجاز الذى كان في الماضي ينحني بظهره ليجر عربة صغيرة عبارة عن خزان أسطواني الشكل ينتهي بصنبور وقُمع معلق في إحدى جوانبه وفي بعض الأحيان كان يستعين بدابة قد تكون حمارا أو بغل لجرها لكي يجوب الشوارع والحواري بحثا عن زبائنه الذين كانوا ينادون عليه وينتظرونه كل يوم وينادون عليه من الشرفات والشبابيك ويخرجون له من المحال التجارية بعد أن يسمعوا نداءه الذي يصيح به لأكثر من 3 ساعات يوميا علي الأقل جاز اللي عايز جاز وذلك لكي يحصلوا علي إحتياجاتهم من الجاز هذا المشهد التراثي الذى لم يعد موجودا الآن وكان يدر دخلا مناسبا علي أصحاب هذه المهنة نظرا لإحتياج الأهالي للجاز لزوم تشغيل بوابير الجاز التي كانت تستخدم في الطهي والغسيل وتسخين المياه وأيضا لزوم تشغيل لمبات الجاز التي كانت تستخدم في الإضاءة في الأماكن التي لم تصل إليها الكهرباء خاصة في القرى والنجوع في شتي محافظات مصر أو كانت تستخدم للإنارة أيضا أثناء إنقطاع التيار الكهربائي .


وحيث أنه في الوقت الحاضر إندثرت البوابير ولمبات الجاز حيث أصبح الأهالي يستخدمون البوتاجازات التي تعمل بالغاز حتي في المحلات التجارية والأفران والكشافات التي يتم شحنها بالكهرباء لإستخدامها وقت إنقطاع التيار الكهربائي أو تشغيل المولدات التي تعمل بالسولار أو البنزين لتوليد الكهرباء ومن ثم إستغني الناس عن الجاز ولم تعد هناك حاجة إليه مما ترتب عليه إندثار مهنة بائع الجاز وكان الجاز قديما نوعين الأول جاز الكوبانية وهو الحكومي والثاني الجاز الأمريكاني وهو الأعلى سعرا ولكن مع الوقت أصبح الجاز موحد ويأتي من شركة مصر للبترول وكانت مصر فيما مضي دولة غير منتجة لأنواع الوقود المختلفة وكانت تستورد حوالي 90% من إحتياجاتها من الوقود عموما فكان يحتكر إستيراد الجاز أربع شركات أجنبية فقط ويحتكر الخواجة كوتسيكا صناعة السبرتو أى أن أهم مصادر الوقود فى مصر كانت تقع بالكامل فى قبضة مجموعة الأربعة + واحد وهى الشركات الأربع الإحتكارية والخواجة كوتسيكا .


ونظرا لأن مصر كانت تستورد هذه النسبة الكبيرة من إحتياجاتها البترولية في الماضي فكانت تتعرض لأزمات في الوقود بسبب الحرب فى أغلب الأحيان ففى أثناء الحرب العالمية الأولى من عام 1914م وحتي عام 1918م عانى المصريون من أزمة صعبة فى الوقود بكل أنواعه وأهمها على الإطلاق للمواطن المصرى في ذلك الوقت كان الكيروسين أو الجاز الذى تم الإصطلاح على تسميته رسميا بإسم البترول حيث كان يتم إستخدامه فى الإضاءة وكذلك فى تشغيل وابورات الطحين كما كان له إستخدامات أخرى فى المطابخ في مصر فى ذلك الوقت وحدث أنه فى شهر فبراير عام 1916م أن تفجرت أزمة الجاز فى مصر حين تأخر مجىء القطارات القادمة من بورسعيد المحملة به لمخازن الشركات الأجنبية المستوردة والمحتكرة له فى القاهرة و بدأت بعض هذه الشركات تمسك عن البيع فبدأ الناس يشعرون بالخوف من حدوث أزمة فبدأ بعضهم يخزن ما تصل إليه يده من الجاز وبعضهم تدافع على منافذ البيع كما تدفقوا على مخازن هذه الشركات حيث تجمع الناس وهم يسيطر عليهم الخوف والقلق يطلبون المزيد منه وبعض من هذه الشركات أغلق مخازنه أمام الناس دون النظر لأى إعتبار لتبدأ الأزمة فى التصاعد وفي بداية الأزمة تم عقد إجتماع عاجل فى مكتب حسين رشدى باشا رئيس الحكومة المصرية حينذاك مع مديرى الشركات الأجنبية الأربع المحتكرة لبيع الجاز وحضره الوزراء جميعهم وطلب حسين رشدى باشا إيضاح كامل لسبب هذه الأزمة وجاءه الرد الفورى من مديرى الشركات الأربع أنه متوافر ولا توجد أى أزمة فكان الرد الطبيعى من رئيس مجلس الوزراء إذن ليأخذ أهالى العاصمة حاجتهم منه ولتوزع عليهم الكميات الكافية وتعهد كل من مدير شركة فوكسوم أويل ومدير شركة وورموس وهى من الشركات الأربع المحتكرة للجاز أن توزع شركته على أهالى القاهرة كل يوم 8 آلاف صفيحة فيما أصدر رشدى باشا الأوامر أن ترسل المحافظة كل يوم إلى كل قسم من أقسام البوليس فنطاسى جاز توزع على الأهالى فى دائرة كل قسم وإنتهى الإجتماع ولكن العاصفة والأزمة لم تنته بعد حيث إختلف السارقون على الغنيمة فظهرت الحقيقة هذا ما حدث فى أزمة الجاز فى مصر خلال الحرب العالمية الأولى حين وضعت على مائدة الحكومة تفاصيل الأزمة واللعبة بالكامل وقام بوضعها مدير إحدى شركات البترول الأجنبية المحتكرة للجاز فى مصر حيث تسلل من وراء ظهرهم وأطلع الحكومة على تفاصيل وسر أزمة الجاز المفتعلة فى البلاد فهل كان إعترافا يدفعه ضمير حي ما زال ينبض فى قلب صاحبه أم كان إعترافا دافعه الإنتقام من الشركات الأخرى المنافسة لشركته بالتأكيد تفاصيل الأزمة تعطى الدليل على الدافع حيث كانت الحقيقة وراء الأزمة قيام إحدى شركات الجاز المحتكرة بغلق مخازنها تماما والإمتناع عن البيع حتى تستنفذ الشركات الأخرى كل ما لديها من المخزون بعد بيعه بتسعيرة الحكومة الجبرية فلا يبقى أمام الحكومة والناس سوى المخزون لدى هذه الشركة وحدها فتبدأ آنذاك فى البيع بالأسعار التى تفرضها على الجميع وقد فطنت الشركات الأخرى لهذه للعبة الماكرة وقررت هى الأخرى غلق مخازنها والإمتناع عن البيع وبدأت المضاربة بين الشركات الأربع الإحتكارية تحت شعار سياسة النفس الطويل فحدثت الأزمة التى عانى منها الناس وعلى أبواب مخازن الشركات إنكسرت هيبة الحكومة وإنكسرت معها نفس وكرامة المواطن المصرى.


وبعد شهور من المعاناة دخلت الأزمة فى مشهد جديد لها حيث خرجت فى هذا المشهد المتأزم الجديد من خانة الإحتكار والمضاربة بين الشركات المستوردة لأزمة أخطر وضعت الجميع فى مركب واحد فالوارد من الجاز من الخارج أصبح قليلا لصعوبة وجود وسائل نقل بعد أن إشتدت ضراوة الحرب وإشتدت معها حركة حصار الموانئ لتتحول البحار المفتوحة إلى مصايد مغلقة على السفن التجارية الناقلة للبضائع والوقود وقد ساعد الهاجس النفسى لدى جمهرة المواطنين علي تفاقم الأزمة فإستغل بعض الباعة الجائلين خوف الأهالى وحرصهم على تخزين الجاز فأشاعوا بينهم قرب نفاذ الكميات الموجودة فى مخازن الشركات فتزايد شراء الناس والتزاحم أكثر وأكثر وبين الخوف المسيطر على الأهالى والتزاحم على الشراء والتخزين رفع الباعة الجائلون سعر صفيحة الجاز سعة 4 لترات إلى 26 قرشا رغم أن السعر الرسمى 23 قرشا ونصف القرش وتم نشر أخبار هذه الأزمة في الصحف والتي كان منها مشاجرة بين جندى بوليس يعمل لحفظ الأمن على أبواب إحدى شركات البترول وبين عمال هذه الشركة الذين وجهوا إتهاما إلي هذا الجندى بأنه يسمح للبعض بالتسلل لمخازن الشركة للحصول على صفائح بترول مقابل رشوة وأنه يشترى بعضها لنفسه ثم يبيعها لحسابه الشخصي بسعر أعلى للناس خارج الشركة وتطور الأمر إلي تبادل الضرب بالأيدى بين الطرفين كما تم تداول خبر آخر مفاده أن أحد مفتشى إدارة الموازين والمكاييل إكتشف أن بعض براميل البترول في أحد شركات البترول ناقصة العبوة وأشارت أصابع الإتهام إلي سائقى عربات الشركة المكلفين بالتوزيع .

وبذلك فقد إنتقلت أزمة الجاز من الحجرات المغلقة التى يجرى فيها التفاوض بين الحكومة وشركات الجاز الإحتكارية إلى الشوارع الخلفية فقد تسلل إلى المشهد الحرافيش الجدد وهم الباعة الجائلون السريحة ومعهم محلات البيع بسعر القطاعى ومعهم سائقو بعض عربات شركات البترول المكلفون بالتوزيع الذين دخلوا إلى لعبة تجارة الجاز فى غفلة من الجميع وثمة مشهد آخر للأزمة حدث فى مصر فى شتاء شهر يناير عام 1918م والمكان مكتب وكيل إدارة الأمن العام بوزارة الداخلية المستر سميث الرجل كان يعمل بلا كلل ولا ملل ولا يهدأ ويعكف على وضع خطة جديدة لتطويق الطرف الآخر فى حرب الشوارع الخلفية بين الحكومة وشركات الجاز الإحتكارية الذين يتمثلون في حرافيش الشوارع الجدد من الباعة الجائلين وأصحاب المحال والمتعهدين فماذا فعل الرجل فقد كان مستر سميث رجلا ذكيا فإقترح إصدار لائحة لتوزيع البترول فى القطر المصرى تعرض على السلطات العسكرية البريطانية وتنشر على الناس فى بلاغ عسكرى حيث كان الرجل يريد ضمان الإلتزام بها وعدم خرقها حتى يدرك الناس والشركات والحرافيش الجدد والمتعهدون وأصحاب المحال أن قواعد اللعبة أصبحت مع السلطات العسكرية البريطانية وأن الصرامة والشدة ستكون عنوان المرحلة القادمة فى مواجهة المتلاعبين بالجاز الذين سيعرضون أنفسهم في حالة التلاعب إلي عقوبات صارمة وشديدة من قبل هذه السلطات .


وفى صباح يوم الإثنين 18 فبراير عام 1918م نشرت السلطة العسكرية اللائحة العمومية لمراقبة توزيع زيت البترول أو الجاز أو لائحة الأمل لدى المواطن البسيط حيث بدا فى الإسكندرية تنفيذ هذه اللائحة حيث ستقوم شركة الجاز بتوزيعه على المحال كل 24 ساعة وعلى أصحاب المحال الحصول على رخصة للبيع من البوليس وعليهم أن يكونوا على إستعداد تام أمام محالهم أثناء مرور فنطاس الجاز وعلى كل فرد أن يرسل طلبا مكتوبا إلى مراقب توزيع الجاز يحدد فيه عدد الأشخاص الساكنين معه فى المنزل وإسم بائع الجاز الذى إعتاد الشراء منه شرط أن يكون قريبا من المنزل وأن يكون البائع حاصلا على ترخيص بيع الجاز من البوليس وإجتهدت كل محافظة وكل قسم على تنفيذ اللائحة بالأسلوب الأمثل والمناسب حيث فكرت بلدية الإسكندرية مثلا أن يتم توزيع الجاز على الأهالى بتذاكر أو كوبونات ولكن الحكومة رفضت ذلك بدون مبرر واضح وفى القاهرة مثلا فى مناطق الزيتون وحمامات القبة والقبة إبتكر البوليس فيها طريقة لطيفة للتوزيع جعلته محل ثناء ورضا الأهالى فقد قام بعمل إحصاء لكل سكان هذه المناطق الثلاث ومقدار ما يلزمهم من الجاز وما يكفى للمنازل أو مخازن الأهالى أسبوعيا وتم تقسيمهم إلى مجموعات كل مجموعة تتسلم حقها يوما فى الأسبوع بالتبادل بينهم ومن رحمة الله بالشعب المصرى أنه مع إنتهاء الحرب العالمية الأولي في نفس العام المذكور 1918م إنفرجت الأزمة وقد تكررت هذه الأزمة مرة أخرى في فترة الحرب العالمية الثانية مابين عام 1939م وعام 1945م وطالت الأزمة العديد من السلع وليس الجاز فقط وبذلت الوزارات المتعاقبة خلال هذه الفترة جهودا مضنية للسيطرة علي ما حدث من أزمات عديدة إلي أن إنتهت الحرب فعلي سبيل المثال في عهد وزارة أحمد ماهر باشا التي تولت الحكم في شهر أكتوبر عام 1944م ولحل المشاكل التموينية والنقص الحاد في السلع الضرورية تقرر إستيراد كميات كبيرة من القمح والزيت ومراقبة توزيع السلع التموينية حتي لاتتسرب للسوق السوداء كما تم إقرار توزيع الأقمشة عن طريق البطاقات لمكافحة السوق السوداء أيضا مع إعادة تنظيم مكاتب التموين وتعميم نظام البطاقات التموينية بعد عمل حصر دقيق للسكان والعائلات وتقرر أيضا تخفيض أسعار السكر والكيروسين ورفع فئات إعانة الغلاء ووضع كادر جديد لعمال اليومية وإصدار أمر عسكرى بزيادة إعانة غلاء المعيشة لعمال المحال والمنشآت الصناعية والتجارية .