abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
كيف أصبح مسح الأحذية فلكلورا شعبيا؟
كيف أصبح مسح الأحذية فلكلورا شعبيا؟
عدد : 01-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


لا يعرف بالتحديد تاريخ أو عصر معين لمهنة ماسح الأحذية ويرجح أنها ظهرت في قارة أوروبا قبل أن تنتقل في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وبدايات القرن العشرين الماضي إلى العالمين العربي والإسلامي ففي مصر على سبيل المثال مارسها الإيطاليون والأرمن ثم علموها للمصريين الذين ورثوا المهنة فور رحيل هؤلاء في فترة الخمسينيات من القرن العشرين الماضي كما إمتد حضور مهنة ماسح الأحذية إلي مختلف البلدان العربية والإسلامية فتجده في شوارع وميادين العواصم والمدن الكبرى مثل دمشق وبغداد وبيروت وتونس والجزائر ومراكش وغيرها وفي فترة الأربعينيات من القرن العشرين الماضي كانت القاهرة تضم حوالي 300 محل لماسحي الأحذية في الميادين والشوارع الرئيسية والمناطق التجارية غير الأفراد المتجولين الذين كانوا يمارسون هذه المهنة وعلى الرغم من أن البعض آنذاك رأى أن المهنة سرعان ما ستتلاشى ثبت عكس ذلك حيث إستمرت وإنتشرت فأصبحت مهنة من لا مهنة له من العاطلين وصغار السن من أبناء الفقراء وحدث إنتشار ورواج كبير غير متوقع لهذه المهنة في جميع أنحاء القاهرة .


وكان لدى ماسحي الأحذية أماكن ومحال خاصة تتركز في قلب العاصمة القاهرة فضلا عن المحافظات الأخرى وكان يتجول الكثير منهم طوال الوقت في مختلف الشوارع والميادين والمناطق التي ينتظر فيها الناس لبعض الوقت مثل المقاهي والكافتيريات والكازينوهات والمطاعم ومحطات الأوتوبيس والقطار ومواقف السيارات وكان البعض منهم يأخذ موقعا مختارا إلي جوار هذه الأماكن لمزاولة مهنته فكنت تفاجئ بمن يقف منهم أمامك قائلا تمسح يابيه أو تلمع ياباشا أو يحاول أن يلفت نظرك وأنت تمر به بعمل صوت خبط بالظهر الخشبي لفرشاته على الصندوق القائم أمامه قاصدا بهذا لفت إنتباهك وكأنه يقول لك تلمع يا بيه بشكل رمزى دون أن يتكلم وكان المنظر المألوف والمعتاد لماسحي الأحذية المتجولين هو شخص يحمل على ظهره صندوقا خشبيا يوجد على أحد جانبيه زجاجات الصبغة بألوان متعددة مثل الأسود والبني وغيرهما ويحوي هذا الصندوق في داخله عدة التلميع وعلب الورنيش بألوان متعددة أيضا وفوطا عديدة لزوم تلميع الأحذية بعد طلائها بالصبغة والورنيش وإذا نادى عليه شخص لكي يلمع له حذاءه فسرعان ما ينحني مادا كرسيا خشبيا صغيرا يضعه تحت قدميه أو شبشبا بلاستيكيا أو كرتونة ورقية أو يكون عليه رفع حذائه على قاعدة الصندوق الخشبي الخاص به والتي تأخذ شكل نعل الحذاء وعندئذ يبدأ هو في عمله فيبدأ في عملية طلائه والتي تستغرق حوالي 10 دقائق .

وكانت ومازالت النسبة الغالبة من المشتغلين في هذه المهنة من الأطفال الصغار مابين سن العاشرة والخامسة عشر وكبار السن والميزة المهمة في هذه المهنة هي أن رأس مالها بسيط جدا وهي أيضا لا تحتاج إلى أي مهارات نوعية أو أى تدريب حتى ليطلق عليها مهنة من لا مهنة له كما أن أدوات الطلاء وتلميع الأحذية تنتشر في كافة المحال ومراكز البيع الحديثة حيث تتوافر الأدوات التقليدية مثل علب الورنيش والصباغة والفرش والفوط جنبا إلى جنب مع ما إستحدث من أدوات أخرى ولذلك فهي إذن مهنة من السهل والمتيسر مزاولتها وفي نفس الوقت فهي من الممكن أن تدر مبلغا لا بأس به ولذلك فعلي الرغم من ظهور أدوت متقدمة لتلميع وتنظيف الحذاء من ما يعلق به من أتربة مما يمكن معه الإستغناء عن ماسح الأحذية إلا أننا نجد أن هذه المهنة مازالت تكافح من أجل ألا تنقرض وذلك نظرا للأسباب السابق ذكرها كما أن بعض الفنادق تتمسك بالإطار التقليدي لحضور ووجود ماسح الأحذية في ردهاتها حيث أنها تعتبر أن ماسح الأحذية جزء من الفلكلور الشعبي وتصر كثيرا على حفظ هذا التقليد وفق نمط تحدده ولذلك فهي تطبق ذلك بشروط محددة فتخصص له مكانا في إحدى الردهات الرئيسية وذلك على الرغم من وجود ماسحة أحذية كهربائية توضع عادة في جوار دورات المياه وتقدم له صندوقا جدرانه مغطاة بالصفيح ومزين ببعض النقوش وبالطبع عدة الشغل الفرشاة وعلب الورنيش وغير ذلك كما تقدم له زيا مناسبا ومميزا له .

ويقول أحد محترفي مهن مسح الأحذية عن الأدوات التي يزاول بها مهنته إن الأدوات القديمة المستخدمة فيها أفضل بكثير من الحديثة حيث أن بعض أدوات مسح الحذاء الجديدة مشكوك في جودة خاماتها فأغلبها أصباغ مصنوعة من مواد طيارة وتتسبب في تشقق جلد الحذاء نتيجة إستخدامها أما مواد الطلاء التقليدية مثل الورنيش فهي تحافظ على الجلد وتكسبه مرونة وطلاوة وذلك لكونه يمتاز بتركيبة من الشموع النباتية من عسل النحل وشموع معدنية أخرى من مشتقات البترول بالإضافة إلى مادة الترابنتينا السائلة التي تطير بسرعة وهي التي تعطي للورنيش لمعانه والذى يتم تصنيعه بصهر المواد الشمعية والمعدنية تحت درجة حرارة معينة ثم تضاف إليها الترابنتينا السائلة فتطير تاركة المادة اللامعة على هذه المواد الشمعية ومن ثم يوضع سائل الورنيش في العلب ويأخذ في خلال عدة دقائق قواما جيلاتينيا وسطا بين السيولة والتجمد الكامل فيسهل طلاء الأحذية به ويضيف أيضا محدثنا أن الصندوق الخشبي الخاص بماسح الأحذية هو من ضرورات المهنة فبالإضافة إلى وضع القدم عليه فإنه يحمل أماكن مخصصة للأصباغ والفرش والفوط كما أن مواد صناعته بسيطة وموجودة بكثرة ويسر عند أي نجار بتكلفة معقولة وأما الفرشاة فهي المعدة الرئيسية والتي ينحصر عملها في تلميع الأحذية وهي تصنع من شعر ذيل الحصان .

وقد إحتفى الفن على إختلاف أشكاله بمهنة ماسح الأحذية فنجد أن الفنان اللبناني نصري شمس الدين قد تألق في أداء هذه الشخصية في مسرحية لولو التي أنتجها الأخوان رحباني في عام 1974م ولعبت بطولتها أمامه المطربة الكبيرة فيروز كما يعد ماسح الأحذية من المشاهد النمطية المتكررة في السينما المصرية حيث تكرر في أكثر من عمل فني مشهد جلوس صاحب النفوذ الثري أو التاجر أو المجرم أو البلطجي على المقهى وهو يدخن عادة النارجيلة بينما يبدو جالسا عند قدميه ماسح الأحذية وهو ينظف له حذاءه ويلمعه وهنا لا ننسي مشهد الفنان أحمد راتب في فيلم الإرهاب والكباب إنتاج عام 1992م عن قصة لوحيد حامد وكانت البطولة لعادل إمام ويسرا حيث كان يعمل ماسح أحذية في مجمع التحرير كما قام الفنان المصري سمير غانم بدور عبد السميع اللميع ماسح الأحذية في مسرحيته الأستاذ مزيكا التي عرضت عام 1978م التي تدور قصتها حول ماسح أحذية يهوى التمثيل بجنون فيدفعه عشقه للفن للذهاب إلى الفنانة زمردة التي لعبت دورها الفنانة نوال أبو الفتوح والتي تتبنى الوجوه الجديدة حيث تستغله بدورها لحل مشكلة خاصة بها .


وكذلك أيضا تم تجسيد هذه الشخصية في المسرحية الغنائية الكوميدية بتلوموني ليه من تأليف وإخراج وتمثيل الدكتور أحمد حلاوة وشاركته البطولة الفنانة أحلام الجريتلي والتي عرضت على مسرح الطليعة في مصر عام 2007م حيث برزت قوة تشويق ودلالات أغنية ماسح الأحذية والتي تقول كلماتها "مساح جزم وأنا الممسوح والدنيا سروح ألطف يا لطيف أحلامي راحت قدامى مع أيامي سرقها من عمري حرامي له سلطة مخيف".

كما لم تهمل السينما العالمية هذه القضية فهناك الفيلم الهندي ماسح الأحذية إنتاج عام 1954م والذي لعب بطولته طفلان وتدور أحداثه حول ولد يكافح من أجل لقمة العيش ويأبى أن يكون متسولا للحصول على المال فيعمل ماسحا للأحذية وحينما يستبد به وبأخته الجوع فجأة نجد أنها تبادر لأن تمد يدها بعفوية فيضع أحد الأشخاص بعض النقود في يدها معتقدا أنها متسولة فإذا بها ترجو أخاها أن تشتري الطعام بهذا المال ولكنه يوجه إليها لطمة شديدة ويرمي المال علي الأرض قائلا إنه أهون عليها أن تموت على أن تحيا متسولة وهكذا تتفاعل أحداث الفيلم لتصل إلى عوالم وأسرار وكواليس مهنة ماسح الأحذية .

جدير بالذكر أنه علي المستوى العالمي نجد الكثير من الشخصيات العالمية قد بدأت حياتها العملية من أسفل الهرم الإجتماعي كماسحي أحذية بما في ذلك سياسيين وأدباء ومطربين ورياضيين ورؤساء وزعماء بعض الدول خصوصا في الولايات المتحدة الأميريكية وفي قارة أمريكا اللاتينية ونذكر منهم شخصية الملاكم العالمي مايك تايسون بطل العالم في الملاكمة في الوزن الثقيل عام 1986م ومن الأدباء العرب محمد شكري صاحب رواية "حياة الهامش" عن واقع بعض دول شمال أفريقيا والمغرب العربي تحت عنوان "الخبز الحافي" واللذان عملا في بداية حياتهما أيضا كماسحي أحذية كما كان أيضا الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا من أهم الشخصيات العالمية التي عرف عنها مزاولتها لمهنة ماسح الأحذية لدى المارة والذي إنتخب رئيسا للبرازيل للمرة الأولي عام 2002م ثم أعيد إنتخابه مرة أخرى عام 2006م بعد أن فاز بنسبة 60% من أصوات الناخبين وبذلك فقد تولي رئاسة البرازيل من يوم 1 يناير عام 2003م وظل رئيسا لها حتي 31 ديسمبر عام 2010م وقد إختير كشخصية العام وذلك في عام 2009م من قبل صحيفة لوموند الفرنسية وصنف بعد ذلك في السنة التالية حسب مجلة تايم الأمريكية كالزعيم الأكثر تأثيرا في العالم والذى لقب بأشهر رجل في البرازيل من الجيل الحديث وذلك لأنه خلال سنين حكمه إستطاع أن ينهض ببلاده ويحقق معدلات نمو إقتصادى عالية حيث قام بوضع العديد من البرامج الإجتماعية الناجحة التي أسهمت إلى حد كبير في التقدم الذي حدث في البرازيل حتي أنه قد تم إعتباره خبيرا إقتصاديا وفقاً للعديد من التقارير علي الرغم من إفتقاره للخلفية الأكاديمية وكان قد تسرب الخوف إلي قلوب الرأسماليين كماغضب اليمينيون عندما فاز داسيلفا لأول مرة برئاسة جمهورية البرازيل وذلك بسبب فكره الإشتراكي اليساري ولكنهم وبعد فترة قصيرة تنفسوا الصعداء عندما رأوه يتبني سياسة إقتصادية ناجحة حيث كانت البرازيل على شفا الهاوية وفي خلال سنين قليلة أصبحت تتمتع بفائض في ميزان مدفوعاتها يزيد عن 200 مليار دولار كما أصبحت صاحبة أقل نسبة تضخم في دول العالم الثالث وذلك بفضل مجهودات دا سيلفا وسياساته الإقتصادية الناجحة التي أنقذت بلاده من الإفلاس الذى كان يتهددها وقد حزن البرازيليون كثيرا عندما ترك منصبه أول عام 2011م طبقا للدستور البرازيلي الذى لا يسمح إلا بمدتين فقط لمن يتولي رئاسة الجمهورية ولكنهم مازالوا يذكرون فضله علي بلادهم وأعماله المجيدة .
 
 
الصور :