abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الحملة العسكرية لمحمد علي ببلاد الشام
الحملة العسكرية لمحمد علي ببلاد الشام
عدد : 03-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


بعد إنتهاء الحملات العسكرية الثلاثة الأولى لمحمد علي خارج مصر وكانت الأولي إلي الحجاز لإخماد ثورة الوهابيين وحققت تلك الحملة هدفها وبسط محمد علي نفوذه على شبه الجزيرة العربية وكانت الثانية إلي السودان وحققت أيضا الهدف منها وتم ضم السودان إلي مصر وإتسعت بذلك رقعة ملك محمد علي وكانت الثالثة إلى بلاد اليونان ولم تحقق الهدف منها فلم يتسع ملك محمد علي بل خسر فيها الجانب الأكبر من الأسطول البحرى المصرى وعدد لا بأس به من الجنود مابين قتيل وجريح وكان محمد علي يطمع في أن يكافئه السلطان العثماني بمنحه أحد الولايات الكبيرة إلى جانب ولاية مصر نظير الخدمات والمساعدات العديدة التي قدمها له إلا أن السلطان العثماني إكتفي بمنحه جزيرة كريت بالبحر المتوسط ليضمها إلى ملكه الأمر الذى لم يرض به محمد علي حيث كان من الصعب جدا أن تحكمها مصر نظرا لشهرة أهلها في إثارة القلاقل والتمرد والعصيان وكذلك صعوبة المواصلات إليها ولذلك قرر محمد علي أن يوجه حملته العسكرية الرابعة والأخيرة إلى الشام وكان وراء هذا القرار عاملان أساسيان أحدهما سياسي وثانيهما إقتصادي أما العامل السياسي فهو إتخاذ بلاد الشام حاجزا وقائيا يقى مصر من الضربات العثمانية في المستقبل وإنشاء دولة إسلامية عربية قوية كما أن مد نفوذه إلى بلاد الشام سيمكنه من زيادة أعداد جيشه عن طريق تجنيد مايمكن تجنيده من سكانها وأما الجانب الإقتصادي فهو إستغلال موارد الشام من الثروات الطبيعية ممثلة في الخشب والفحم الحجرى والحديد والنحاس وهي خامات لم تكن متوافرة في مصر علاوة على وجود علاقات تجارية ضخمة لبلاد الشام ببلاد أواسط آسيا وإقليم الأناضول وكذلك وقوع بلاد الشام في طريق قوافل التجارة القادمة من قارة آسيا إلى قارتي أوروبا وأفريقيا وبالعكس .


وفي حقيقة الأمر كان محمد علي يطمع في ضم الشام منذ عام 1810م وبموافقة ورضا السلطان العثماني وطلب منه ذلك عام 1813م بحجة أنه يريد تدعيم جيشه بجنود وموارد بلاد الشام من أجل إخماد الثورة الوهابية في الحجاز ووعده السلطان العثماني بذلك حيث كان في حاجة إليه لإنهاء ثورة الوهابيين والقضاء عليهم ولكنه بعد أن تحقق له ذلك أخلف وعده وخشي علي كيان السلطنة نفسها من تواجد محمد علي في الشام وبدأ محمد علي يمهد لتحقيق هدفه في ضم الشام إلي ملكه بتوطيد علاقاته مع أهم وأقوى رجلين في المنطقة وهما عبد الله باشا والي عكا وبشير الشهابي الكبير امير لبنان وكلاهما مدين له بالبقاء في منصبه حيث كان عبد الله باشا والي عكا قد إختلف مع والي دمشق عام 1821م وتوسط له محمد علي وناصره عند السلطان العثماني وأمده بالمال أثناء معاركه مع والي دمشق أما بشير الشهابي فقد ناصر والي عكا وأعد جيشا حارب به والي دمشق وهزمه فلما علم بذلك السلطان العثماني أعد جيشا للتوجه إلي دمشق فإضطر بشير الشهابي إلي الفرار إلى مصر ولجا إلى محمد علي ليتوسط له لدى السلطان العثماني وبالفعل نجح محمد علي أن يسترضيه ويجعله يوافق على إعادته إلي منصبه وبداية من عام 1825م بدأت تتبلور فكرة ضم الشام في ذهن محمد علي وتكلم في ذلك مع الجنرال الفرنسي بوابيه بأنه سوف يعمد بعد أن تنتهي الحرب في بلاد اليونان إلي ضم الشام ولن يهنأ له بال إلا بعد أن يصل إلى ضفاف دجلة والفرات وأن يشمل ملكه مصر والسودان وشبه الجزيرة العربية والشام وأن يكون هو المدافع عن حقوق الشعوب العربية التي تعاني من ظلم الدولة العثمانية وبحلول عام 1829م أصبح ضم الشام ضمن السياسة الإستراتيجية لمحمد علي وتعد حروب محمد علي في الشام من الناحية العسكرية حروبا هجومية ودفاعية في نفس الوقت فكونها حروب هجومية فلأن الهدف منها الإستيلاء على الشام وضمها إلى ملكه وأما كونها دفاعية فلأن محمد علي كان يدرك تماما أن السلطان العثماني لن يقف موقف المتفرج وهو يرى محمد علي يصول ويجول في الشام دون أن يتحرك لمواجهته ونستطيع أن نقول إن حروب محمد علي في بلاد الشام قد مرت بمرحلتين الأولى منهما هو ما إنتهت بما سمي بإتفاقية او تسوية كوتاهية عام 1833م والثانية هي ما إنتهت بمؤتمر لندن برعاية الدول الأوروبية الأربعة بريطانيا وفرنسا وبروسيا والنمسا عام 1840م وهو مانتناوله بالتفصيل في السطور القادمة بإذن الله تعالي .


وبخصوص المرحلة الأولي من حروب محمد علي في الشام فمع أن والي عكا عبد الله باشا كان من المقربين جدا من محمد علي والذى كان له فضل في بقائه كوالي لعكا إلا أن خلافا حادا حدث بينهما حيث طلب محمد علي من عبد الله باشا إعادة الفلاحين المصريين الذين فروا من مصر إلى فلسطين هربا من دفع الضرائب والخدمة الشاقة في الزراعة فلما ماطل وسوف عبد الله باشا في تنفيذ هذا الطلب إتخذ محمد علي من ذلك ذريعة للزحف بجيشه إلي الشام وجعل إبنه الأكبر القائد إبراهيم علي رأس هذا الجيش وكان ذلك في يوم 14 أكتوبر عام 1831م وإستطاع الجيش أن يدخل جميع المدن الفلسطينية دون مقاومة تذكر فيما عدا عكا التي فرض عليها إبراهيم باشا الحصار برا وبحرا حتي لا تأتيها المؤن والمساعدات عن طريق البحر فيفشل الحصار كما فشل أيام نابليون لما حاصرها أثناء الحملة الفرنسية في عام 1799م وفي نفس الوقت كان أبناء الأمير بشير الشهابي الكبير أمير لبنان وبمعاونة الجنود المصريين يسيطرون على مدن بيروت وصور وصيدا وجبيل وكانت طرابلس هي ما صمدت أمامهم فأسرع إبراهيم باشا لمساعدتهم فسقطت هي الأخرى بين أيديهم وكان نتيجة ذلك أن إضطريت وإنزعجت بشدة الدولة العثمانية وإعتبرت ذلك خيانة من محمد علي فقررت التصدى له فأعدت جيشا بقيادة عثمان باشا والي حلب إصطدم بوحدات من الجيش المصرى جنوبي حمص ولكنه إنهزم وفي الوقت نفسه تمكن إبراهيم باشا من إقتحام عكا فدخلها فاتحا يوم 28 مايو عام 1832م وتم أسر واليها عبد الله باشا وإرساله إلى مصر وتابع إبراهيم باشا السير شمالا مع حلفائه الأمير بشير الشهابي وأبنائه وجيشه ففتحوا دمشق ورحب بهم سكانها حيث كانت لديهم الرغبة في الخلاص من مساوئ وظلم الولاة العثماتيين .


وكنتيجة مباشرة لهذه الإنتصارات التي حققها الجيش المصرى في بلاد الشام بقيادة إبراهيم باشا إنزعج جدا السلطان العثماني وخاصة بعد السيطرة بالكامل علي جنوب الشام وسقوط كل من عكا ودمشق وخشي أن يهتز مركزه وتضيع هيبته فحشد جيشا بقيادة السر عسكر حسين باشا لمواجهة الجيش المصرى وإجباره علي الإنسحاب من الشام والعودة إلى مصر وفي الوقت نفسه أصدر فرمانا سلطانيا أعلن فيه خيانة محمد علي وإبنه إبراهيم باشا للسلطة الشرعية المتمثلة في السلطان العثماني وتلاقي الجيشان عند حمص يوم 29 يونيو عام 1832م وتغلب الجيش المصرى علي الجيش العثماني ودخل حمص ومن بعدها حماة وحلب وواصل الزحف شمالا مما إضطر حسين باشا إلي التقهقر والتمركز في ممر بيلان وهو أحد أهم الممرات الفاصلة بين الشام والأناضول ولكن إبراهيم باشا هاجمه وتغلب عليه وأجبره علي الإنسحاب عن طريق ميناء الإسكندرونة وسيطر علي ممر بيلان كما إحتل ميناء أياس شمالي الإسكندرونة ودخل ولاية أضنة وطرطوس بما يعني بدء توغله في بلاد الأناضول وشجعت هزيمة العثمانيين إبراهيم باشا وماحققه من إنتصارات عليهم علي مواصلة طريقة فتوغل أكثر في بلاد الأناضول حتي وصل إلي مدينة قونيه التي لم تصمد أمامه وسقطت في قبضته يوم 20 ديسمبر عام 1832م وتم أسر قائد الجيش العثماني الذى كان يدافع عنها محمد رشيد باشا وبذلك أصبح الطريق ممهدا للوصول إلى الآستانة عاصمة العثمانيين وبدا للعالم كله حينذاك أن الدولة العثمانية علي وشك السقوط وإرتعدت فرائص السلطان العثماني خوفا من أن يقتحم إبراهيم باشا بجيشه الآستانة فأسرع يستنجد بالدول الأوروبية فلم تنجده سوى روسيا حيث كانت بريطانيا مشغولة بمشاكلها الداخلية وكانت فرنسا شبه مؤيدة لمحمد علي خاصة وأن في جيشه كان يوجد قادة وضباط فرنسيون ووقفت بروسيا والنمسا علي الحياد فقامت روسيا بإرسال أسطول بحرى للدفاع عن الآستانة وما أن قامت روسيا بذلك حتي هبت كل من بريطانيا وفرنسا منزعجتين من الوجود الروسي في مياه الآستانة خوفا علي مصالحهما ومن أن تسيطر روسيا علي الممرات البحرية بالبوسفور والدردنيل وهي الممرات التي تصل بين البحر المتوسط والبحر الأسود فتهدد بذلك مصالحهما فسارعتا إلى عرض ان يساعدا الدولة العثمانية بشرط أن يتخلى السلطان العثماني عن المساعدات الروسية ولكن روسيا رفضت التخلي عن السلطان العثماني إلا إذا خرج الجيش المصرى من الأناضول .
وعند هذه النقطة نشط ممثلو بريطانيا وفرنسا لعمل وساطة بين محمد علي والسلطان العثماني وبالفعل


بدأت الأجواء تتلطف بينهما وتبادلا الرسائل وحاولت فرنسا إستخدام علاقاتها الطيبة مع محمد علي لإقناعه بتسوية خلافاته مع السلطان العثماني وعدم التشدد في مطالبه وأن ينسحب من الأناضول ويكتفي بضم صيدا وطرابلس والقدس ونابلس ويترك دمشق وحمص وحماة وحلب ولكن محمد علي رفض هذا الأمر وأصر علي ضم كل بلاد الشام وولاية أضنة وان تكون جبال طوروس هي الحد الفاصل بين ممتلكاته وممتلكات الدولة العثمانية وطلب من إبراهيم باشا مواصلة التقدم لكي يضغط على الدولة العثمانية وبذلت فرنسا جهودا مضنية للتوفيق بين محمد علي والسلطان العثماني وهددت محمد علي لما رأت منه تشددا وعنادا وإصرارا علي مطالبه بقطع العلاقات معه ومعاداته وأخيرا نجحت الجهود الفرنسية وتم توقيع صلح أو إتفاقية كوتاهية يوم 4 مايو عام 1833م بين الجانبين المصرى والعثماني والتي تقضي بتنازل الدولة العثمانية لمحمد علي عن الشام بالكامل أى أضنة وسوريا ولبنان وفلسطين إلى جانب ولايته لمصر وجزيرة كريت مع تعهد محمد علي بأن يؤدى إلى السلطان العثماني الأموال التي كان يؤديها له الولاة العثمانيون من قبل وبذلك إنسحب إبراهيم باشا من الأناضول تنفيذا لتلك الإتفاقية وبدا أن الأمر قد إنتهي علي ذلك إلا أن الأمر لم يكن إلا تسوية مؤقتة ولتنتقل حروب الشام أو الحملة العسكرية لمحمد علي ببلاد الشام إلي مرحلتها الثاتية .


ومع أن الأمور هدأت بعض الشئ وبدا في الأفق أن الأزمة بين محمد علي والسلطان العثماني قد إنفرجت إلا أن واقع الأمر كان غير ذلك فلم تكن تلك التسوية إلا تسوية مؤقتة فمحمد علي لم يوافق عليها إلا خشية من تهديدات الدول الأوروبية بحرمانه من فتوحاته وكذلك السلطان العثماني محمود الثاني لم يرضخ لتلك التسوية إلا لتحرج موقفه السياسي والعسكرى وخوفه من إنهيار الدولة العثمانية وهو يضمر في نفسه إستئناف القتال لإستعادة نفوذه في بلاد الشام في ظروف أفضل وإذا كان التفكير السياسي لكل من محمد علي والسلطان العثماني هكذا وعلي هذا القدر من التناقض كان حتميا إستئناف الحرب بينهما لحسم الأمر بصفة نهائية لصالح أحدهما ولتبدأ بذلك المرحلة الثانية من حروب الشام بين محمد علي والدولة العثمانية
وبدأ السلطان العثماني ينفذ خطته لإستعادة بلاد الشام بأن أخذ يحرض سكان بلاد الشام ضد الحكم المصرى لهم ومن ناحية أخرى أخذ يحشد قواته لضرب الجيش المصرى في الشام وإرغامه علي الخروج منسحبا إلي مصر وبمساعدة بريطانيا بالذات من الدول الأوروبية وأدرك محمد علي من سير الأمور أن موقف الدول الأوروبية كان في غير صالحه وأن تحقيق أحلامه في توسيع ملكه صعب المنال لكنه لم يفقد الأمل في ذلك وحاول إجراء مفاوضات مع السلطان العثماني الذى أرسل له مبعوثا يدعي صارم أفندى للتفاوض معه بإسم السلطان العثماني إلا أن هذه المساعي لم تنجح وفشلت فشلا ذريعا نظرا لعناد وتشدد وتمسك كل من الطرفين بموقفه وهنا وبعد أن تأزمت الأمور أصبحت الحرب وشيكة الوقوع بين الطرفين وحشد السلطان العثماني قواته وإنتهز فرصة ثورة سكان الشام علي الحكم المصرى لهم وفي ربيع عام 1839م دفع بجيش كبير بقيادة حافظ باشا نحو الشام وراقب إبراهيم باشا إبن محمد علي وقائد الجيش المصرى الموقف وكانت التعليمات الواردة له من أبيه ألا يبدأ القتال حتي لا يظهر بأنه هو المعتدى وأصدر السلطان العثماني أوامره لقائده حافظ باشا بمهاجمة جيش إبراهيم باشا المتحصن في حلب شمالي سوريا فأصبح هو البادئ بالقتال وهنا أصدر محمد علي باشا أوامره لإبنه وقائده إبراهيم باشا بصد الهجوم العثماني وبالفعل نفذ إبراهيم باشا الأمر ودارت معركة تسمي معركة نسيب بحوض نهر الفرات أقصي شمالي سوريا يوم 15 يونيو عام 1839م مني فيها الجيش العثماني بهزيمة فادحة وكاد أن يفني عن آخره وتم أسر حوالي 15 ألف جندى منه كما غنم الجيش المصرى كمية كبيرة من الأسلحة والمؤن وفي وسط هذه الظروف الحرجة توفي السلطان العثماني محمود الثاني وتولي إبنه عبد المجيد الأول الخلافة وكان صبيا صغيرا لم يبلغ بعد سن الثمانية عشر عاما .


وسرعان ما سارع السلطان الجديد إلى إجراء مفاوضات مع محمد علي وتمسك محمد علي بطلبه في أن يكون حكم مصر والشام حقا وراثيا في أسرته من بعده وكاد السلطان العثماني أن يوافق على ذلك لولا أنه تلقى رسالة من الدول الأوروبية الأربعة المتحالفة ضد محمد علي وهي بريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا تطلب منه قطع المفاوضات مع محمد علي وذلك خوفا من أن يحل محمد علي القوى مكان الدولة العثمانية الضعيفة في حكم المشرق العربي ويهدد بذلك مصالح الدول الأوروبية في المنطقة كما أن هذا من شأنه التحكم في طريق التجارة مع بلاد شرق آسيا وخاصة الهند وبخصوص فرنسا فقد وقفت موقف المؤيد لمحمد علي طمعا في أن يكون لها مكانة متميزة في المنطقة ومالبثت الدول الأوروبية الأربعة المتحالفة أن عقدت مؤتمرا في لندن عام 1840م دعت إليه الدولة العثمانية لبحث ماتم تسميته بالمسألة الشرقية ونتج عنه توقيع معاهدة سميت بمعاهدة التحالف الرباعي أو معاهدة لندن والتي بموجبها عرضت علي محمد علي أن يكون له ملك مصر وراثيا وأن تكون له ولاية عكا مدى حياته وأمهلته 10 أيام لقبول العرض فإذا مرت الأيام العشرة دون إجابة منه سحبت ولاية عكا من العرض ويتم منحه مهلة 10 أيام أخرى للموافقة على قبوله أن يكون له ملك مصر وراثيا فإذا مرت الأيام العشرة الثانية دون رد أيضا يترك أمره للسلطان العثماني يقرر بشأنه ما يشاء وتم إبلاغ محمد علي بهذا العرض إلا أنه كان متمسكا ببنود إتفاقية كوتاهية وكان يراهن على مساعدة فرنسا له فأخذ يتلكأ في الرد علي العرض حتي مرت الأيام العشرة الأولى فتم إبلاغه بسحب ولاية عكا من العرض ثم مرت الأيام العشرة الثانية دون رد منه أيضا فكان أن أصدر السلطان العثماني فرمانا بعزله عن ولاية مصر أما الدول الأوروبية المتحالفة ضده فقد إتخذت خطوات تصعيدية ضد محمد علي فقطعت علاقاتها مع مصر ووجهت بريطانيا أسطولها في البحر المتوسط بغية قطع المواصلات البرية والبحرية بين مصر والشام مع ضرب الموانئ في كل منهما مع تحريض أهل الشام ضد الحكم المصرى بواسطة سفيرها في الآستانة عاصمة الخلافة العثمانية .


وفي مصر إستقبل محمد علي نبأ عزله بأعصاب هادئة متمسكا بالأمل في الخروج من هذه الأزمة منتصرا لكنه ما لبث أن جنح إلى السلم عندما ظهر قائد الأسطول البريطاني قرب الإسكندرية مهددا بضربها كما انه وجد أن التأييد الفرنسي له غير كافي فلن تستطيع فرنسا الوقوف في وجه أوروبا كلها وقام بتوقيع إتفاقية مع قائد الأسطول البريطاني بمقتضاها وافق علي شروط الدول الأوروبية المتحالفة بالإكتفاء بولاية مصر علي أن يكون الحكم فيها حقا وراثيا لأسرته من بعده إلا أن الدولة العثمانية لم تقبل بهذا وتشددت بإيعاز من بريطانيا بضرورة التمسك بقرار عزل محمد علي إلا أن فرنسا ساعدته وبدا في الأفق بوادر أزمة أوروبية تهدد بنشوب حرب بين دولها مما دعا كل من بروسيا والنمسا إلي التدخل من أجل الضغط على بريطانيا وروسيا والدولة العثمانية بقبول ماوافق عليه محمد علي ورضي به وبالفعل نجحت مساعيهما ونجا بذلك محمد علي من مأزق خلعه من ولاية مصر وأصدر له السلطان العثماني فرمانا يجعله واليا علي مصر فقط مدى حياته وأن يكون حكمها حقا وراثيا في أسرته من بعده وإنتهت بذلك الأزمة المصرية العثمانية وإنسحب الجيش المصرى من الشام وكانت تلك خاتمة حملات محمد علي باشا العسكرية خارج مصر وتتبقي هنا كلمة حيث يتبادر إلي أذهاننا سؤال وهو ما الذى عاد علي مصر من الحملات العسكرية التي خاضها محمد علي حيث يرى البعض أنها قد أرهقت مصر ماليا كما خسرت مصر الكثير من أفراد جيشها وأسلحته وخاصة أسطولها الذى تم تدميره في حملة بلاد المورة باليونان بينما يرى آخرون إن حروب مصر في عهد محمد علي باشا هي التي مكنتها من تحقيق إستقلالها القومي وإن ظلت إسميا تابعة للدولة العثمانية وأنه لولا تلك الحروب لما كان ذلك الإستقلال وظلت البلاد تحت الحكم العثماني ولبقيت زمنا لا يمكن تقديره ولاية تحكمها الدولة العثمانية كما كانت تحكم سائر الولايات التابعة لها يتعاقب عليها الولاة كل سنة أو سنتين كما أن مصر كنتيجة لحملة السودان قد توسع ملكها كما أنها بوصولها إلي منابع النيل قد أمنت إحتياجاتها المائية اللازمة للزراعة والرى والإستخدامات البشرية الأخرى علاوة علي إمكانية إستغلالها لزيادة إنتاجها الزراعي والحيواني نتيجة وجود مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة وتوافر مياه الرى اللازمة لذلك في بلاد السودان علاوة علي إمكانية تجنيد عدد كبير من أبناء السودان وضمهم إلي الجيش المصرى الذى تم إنشاؤه في عهد محمد علي باشا .
 
 
الصور :
القائد إبراهيم باشا الأمير بشير الثاني الشهابي الكبير السلطان محمود خان الثاني