abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
كيف حصل ديليسبس علي إمتياز حفر قناة السويس ؟
كيف حصل ديليسبس علي إمتياز حفر قناة السويس ؟
عدد : 03-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

في واقع الأمر كانت فكرة تنفيذ مشروع يصل بين البحرين المتوسط والأحمر فكرة قديمة منذ أيام الفراعنة حيث حفروا قناة سيزوستريس بين النيل والبحر الأحمر بحيث يتم الربط بين البحرين المتوسط والأحمر عن طريق تلك القناة وعن طريق نهر النيل الذى يصب في البحر المتوسط ولكن بمرور الزمن ردمت هذه القناة وبعد الفتح الإسلامي لمصر وتحريرها من الرومان تم التفكير مرة أخرى في هذا المشروع أيام ولاية عمرو بن العاص علي مصر ثم برزت الفكرة مرة أخرى إلى الوجود في زمن الحملة الفرنسية علي مصر ولم تنفذ أيضا وبعد تولي محمد علي باشا حكم مصر عرض فرديناند ديليسبس الفكرة عليه وكانت هناك صلات طيبة بين والده الكونت ماتيو ديليسبس وبين محمد علي باشا منذ أن كان قنصلا لفرنسا في مصر في أوائل عهده ولكن هذا الأخير رفض الفكرة ليس لعدم إقتناعه بها ولكنه كان يدرك أن تنفيذ هذه الفكرة سيزيد من أهمية موقع مصر الإستراتيجي كحلقة وصل بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا ومن ثم زيادة أطماع الدول الأوروبية الإستعمارية في إحتلالها والإستيلاء علي هذا الممر المائي شديد الأهمية ومن بعده رفض أيضا حفيده عباس باشا الأول الفكرة لما حاول ديلسبس عرضها عليه وإقناعه بتنفيذها فلما تولي محمد سعيد باشا حكم مصر تجدد الأمل لدى ديليسبس في تنفيذ مشروعه خاصة وأنه يعلم أن محمد سعيد باشا له ميول فرنسية فأرسل إليه رسالة يهنئه فيها بتوليه حكم مصر فسر بها وأجابه علي تهنئته وإستدعاه إلى زيارة مصر فلبي الدعوة وسارع بالحضور إلي الإسكندرية في شهر نوفمبر عام 1854م وإستقبله محمد سعيد باشا بترحاب شديد وبحفاوة بالغة وإصطحبه معه في رحلة سفارى من الإسكندرية إلي القاهرة عبر الصحراء الغربية .


وخلال هذه الرحلة والتي إستغرقت عدة أيام وجد ديليسبس أن هذه هي فرصته التي عليه إستغلالها ليفاتح محمد سعيد باشا في مشروع قناة السويس وأقنعه بأنه إذا وافقه علي تنفيذ هذا المشروع فإنه سيخلد ذكراه إلي الأبد ليس في مصر وحدها ولكن علي مستوى العالم كله وخاصة في قارة أوروبا ووعده محمد سعيد باشا بمساعدته وتأييده من اجل تنفيذ هذا المشروع وعندما وصل الإثنان إلى القاهرة لم تمر إلا عدة أيام حتي منح محمد سعيد باشا فرديناند ديليسبس حق إمتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس وإستثمارها لمدة 99 عاما تبدأ من تاريخ فتح القناة للملاحة وذلك بموجب العقد المؤرخ في يوم 30 نوفمبر عام 1854م وبذلك حقق ديليسبس حلمه الذى ظل يلهث وراءه طوال 23 عاما اى منذ عام 1831م عندما عرض المشروع لأول مرة علي محمد علي باشا ثم أتم بعد ذلك إستكمال الإجراءات الخاصة بالمشروع وكان ديليسبس قد إشترط ضرورة موافقة السلطان العثماني علي المشروع وإن كان في قرارة نفسه مصمما علي تنفيذ المشروع بغض النظر عن تلك الموافقة أو عدمها ولكنه كان لايريد أن يتعرض لإحتمال إثارة مشاكل او عوائق أو عراقيل من جانب السلطان العثماني يكون من شأنها تعطيل تنفيذه مشروعه الذى كان يحلم به ففضل أن يغلق ويوصد باب هذا الإحتمال بشكل نهائي .


وفي يوم 25 أبريل عام 1859م ذهب ديليسبس إلى شاطئ البحر المتوسط في الموقع الذى أنشئت فيه مدينة بور سعيد بعد ذلك وأقيم هناك إحتفال كبير ضرب فيه ديليسبس أول معول في أرض القناة ومثله فعل كل الحضور وكانت تلك الضربات هي إشارة بدء العمل في حفر القناة وعلي الرغم من تعرض المشروع لمشاكل عديدة وتعرض العاملين فيه للإصابة بالأمراض ووفاة كثيرين منهم إلا أن العمل لم يتوقف وزار محمد سعيد باشا المشروع بنفسه أثناء تنفيذ الحفر وتفقد حالة وموقف الحفر وحال العمال وقام بحل الكثير من المشاكل والصعوبات وفي النهاية وبعد عمل شاق ومجهود جبار وظروف عمل في غاية الصعوبة وصلت بالفعل مياه البحر المتوسط إلي بحيرة التمساح عند مدينة الإسماعيلية الآن يوم 18 نوفمبر عام 1862م وهي المرحلة التي تمت في عهد محمد سعيد باشا وتمثل أكثر من نصف حجم العمل وتم إستكمال الجزء المتبقي من الحفر في عهد الخديوى إسماعيل بعد وفاة محمد سعيد باشا في شهر يناير عام 1863م وفي حقيقة الأمر كانت قناة السويس من أوائل الأمور التي واجهت الخديوى إسماعيل منذ أول يوم له في حكم مصر حيث توجهت أنظار كل دول أوروبا إلى مصر والخديوى إسماعيل متطلعة إلي ماسوف يؤول إليه مصير القناة بعد وفاة محمد سعيد باشا والذى كان معلوما عنه تأييده للمشروع ومساندته له وإهتمامه البالغ به وكذلك أحس ديليسبس بالقلق علي مصير مشروعه الحلم الذى ظل يلهث وراءه حوالي 23 عاما حتي أقنع به محمد سعيد باشا ولكن الخديوى إسماعيل سارع وبدبلوماسية بارعة بإعلان عزمه علي إستكمال المشروع مما بث الطمأنينة في نفوس ديليسبس وحكام دول أوروبا وكان حفر القناة في ذلك الوقت قد تم بنسبة النصف تقريبا وتم وصول مياه البحر المتوسط إلى بحيرة التمساح أى عند الإسماعيلية حاليا تقريبا كما ذكرنا في السطور السابقة وتبقي الجزء مابين الإسماعيلية إلى البحيرات المرة جنوبا ثم منها إلي السويس .


وقد إندهش الخديوى إسماعيل من ضخامة وفداحة المزايا التي نالتها شركة قناة السويس المنفذة للمشروع بموجب عقد الإمتياز الممنوح لها من محمد سعيد باشا فسعي جاهدا إلي تخفيف تلك المزايا وإستطاع بعد مجهود جبار أن يقلل عدد العمال المصريين الذين يعملون في حفر القناة وأن يسترد بعض الأراضي التي تم تخصيصها لشركة قناة السويس كما إتفق مع ديليسبس على أن تقوم الشركة بحفر جزء من ترعة الإسماعيلية التي توصل الماء العذب لكل من الإسماعيلية والسويس ومن أقواله الشهيرة في هذا المجال إنه يريد أن تكون القناة لمصر لا أن تكون مصر للقناة حتي أنه فكر يوما ما أن يتولى بنفسه تنفيذ المشروع ولكنه عمل حسابا لدول أوروبا بصفة عامة وفرنسا بصفة خاصة التي كانت ستعارضه في هذا الأمر لكون أن هناك عقد ملزم لمصر ونستطيع هنا أن نقول إن الخديوى إسماعيل كان في هذا الأمر أحرص على مصلحة مصر أكثر من عمه محمد سعيد باشا وأخيرا وبعد جهد جبار ومعاناة شديدة تم الإنتهاء من حفر القناة بالكامل في منتصف شهر نوفمبر عام 1869م وتم إتصال مياه البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر وذلك بعد حوالي 10 سنوات من العمل الدؤوب والجهد الجبار المتواصل وفي ظروف عمل غاية في الصعوبة والمشقة والشدة وبإجمالي طول قدره 164 كيلو متر وقد تسببت القناة في ظهور مدينتين جديدتين إلي الوجود تم بناؤهما أولهما عند المدخل الشمالي للقناة وبدأ بناؤها في عهد محمد سعيد باشا في الموقع الذى ضرب فيه ديليسبس ومن كان يرافقه أول معول في حفر القناة قبل 10 سنوات علي الضفة الغربية لمدخل القناة الشمالي وتم إستكمالها في عهد الخديوى إسماعيل وتعد حاليا من أهم الموانئ شرقي البحر الأبيض المتوسط والميناء الثاني في مصر بعد ميناء الإسكندرية وثانيهما مدينة الإسماعيلية التي تم بناؤها في عهد الخديوى إسماعيل وسميت بإسمه علي الضفة الغربية للقناة عند إلتقائها ببحيرة التمساح والتي تقع عند منتصف طول القناة تقريبا .

تميزت هاتان المدينتان بالتخطيط الجيد لشوارعهما وبنظافتهما وبالطراز الفرنسي لمعظم أبنيتهما مع إستخدام طراز البواكي التي يسير تحتها المشاة أسفل المباني للوقاية من الشمس صيفا ومن المطر شتاءا وبوجود المسطحات الخضراء والحدائق والمتنزهات في العديد من أحيائهما وليتم إفتتاح القناة رسميا للملاحة يوم 17 نوفمبر عام 1869م وبمناسبة هذا الإفتتاح أقام الخديوى إسماعيل حفلا أسطوريا ضخما بمدينة بورسعيد لم يشهد التاريخ مثله في التبذير والإسراف فقد بلغت تكلفته حوالي مليون وأربعمائة ألف جنيه وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك الوقت ودعا الخديوى إسماعيل في هذا الحفل العديد من أباطرة وملوك العالم وقريناتهم كان علي رأسهم إمبراطور فرنسا نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني والذى تم إطلاق إسمها علي أحد شوارع بور سعيد بالإضافة إلي إمبراطور النمسا فرنسوا جوزيف وملك المجر وولي عهد بروسيا وشقيق ملك هولندا الأمير هنرى وزوجته وسفيرى إنجلترا وروسيا بالآستانة وتم إقامة عدد 3 منصات بالحفل الأولي خصصت للخديوى إسماعيل ومعه ديليسبس والأباطرة والملوك والأمراء الذين ذكرناهم وسائر كبار المدعوين وكان منهم بالطبع الأمير محمد توفيق نجل الخديوى إسماعيل وولى العهد والأمير طوسون نجل محمد سعيد باشا والأمير عبد القادر الجزائرى ونوبار باشا ومحمد شريف باشا رئيسي مجلس النظار فيما بعد والثانية خاصة برجال الدين الإسلامي والثالثة خاصة برجال الدين المسيحي وكان الحفل يوم 16 نوفمبر عام 1869م وحضره حوالي 6000 مدعو وكان من المناظر الجميلة والتي أبهرت الحضور حينذاك في هذا الحفل الأسطورى إصطفاف جنود الجيش والأسطول المصرى في ميناء بورسعيد وعلي طول ضفتي القناة وكذلك إصطفاف عدد من الأهالي من كل المحافظات بنسائهم وأطفالهم وملابسهم الوطنية علي طول ضفتي القناة حيث كان الخديوى إسماعيل قد طلب من مديرى الأقاليم حضورهم فجاء وفد من النوبة ووفد من قبائل الصحراء الغربية ووفد من قبائل الصعيد ووفد من الوجه البحرى بما شكل بانوراما بديعة ورائعة لجميع طوائف الشعب المصرى وكان الخديوى إسماعيل يستهدف من تلك المناسبة إظهار حضارة وتقدم وعظمة مصر وشعبها وماوصلت إليه من تقدم ونهضة وإزدهار ورقي في عهده وماوصلت إليه من إستقلالية عن الدولة العثمانية .

ولنا هنا وقفة نعرض فيها وجهتين مختلفتين للنظر الأولى أن مؤرخي أوروبا وخاصة الفرنسيين يعتبرون أن مشروع قناة السويس هو مفخرة لمحمد سعيد باشا وأنه بهذا العمل قد قدم خدمة عظيمة للإنسانية والبشرية والحضارة وبلا شك فهم ينظرون لهذا العمل من منظور أوروبي بحت فقد أفادت قناة السويس التجارة الأوروبية فائدة كبيرة وعظيمة فقد قربت طريق المواصلات بين أوروبا والشرق كما أنها مكنت دول أوروبا الإستعمارية وخاصة بريطانيا وفرنسا من إرسال حملاتها العسكرية لإحتلال وإخضاع بلاد قارتي أفريقيا وآسيا بدلا من الدوران عبر المحيط الأطلنطي والمحيط الهندى أى حول قارة أفريقيا عن طريق رأس الرجاء الصالح وحصيلة ذلك كله فوائد عظيمة عادت علي التجارة وعلي الإستعمار الأوروبي وأما وجهة النظر الأخرى والمعاكسة تماما فكانت من جانب المصريين الذين رأوا إن القناة كانت شؤما ووبالا علي البلاد وإستقلالها حيث أصبحت مصر مطمعا للدول الإستعمارية أكثر من ذى قبل وبلا شك أن بريطانيا قد سال لعابها وتضاعفت رغبتها في إحتلال مصر بعد حفر القناة الأمر الذى حدث بالفعل بعد سنوات قليلة بحجة تأمين هذا الطريق الجديد ضد المخاطر التي قد تهدد طريق المواصلات الجديد والسريع والأقل تكلفة بين الشرق والغرب والذى يختصر الوقت والتكاليف العالية للوصول إلي مستعمراتها في بلاد الهند خاصة وأن حفر القناة قد تزامن مع بدء لجوء محمد سعيد باشا إلي الإقتراض من الخارج وكانت تلك بداية الكارثة التي أصابت البلاد في عهد الخديوى إسماعيل ومن بعده الخديوى توفيق علما بأن الحالة الإقتصادية للبلاد كانت مزدهرة وجيدة في مجملها بالإضافة إلي عدم وجود أى أسباب أو ظروف من شأنها إستنزاف موارد وثروات وخيرات البلاد من حروب طويلة الأمد وخلافه كما أن أسلافه محمد علي باشا وإبراهيم باشا وعباس باشا الأول لم يطرقوا هذا الطريق الوعر المحفوف بالمخاطر والذى من شأنه تهديد إستقلال البلاد وفتح الطريق أمام التدخل الأجنبي في شئونها وفي النهاية فإن واقع الأمر يقول إننا حتي لو إفترضنا جدلا بان محمد سعيد باشا قد أخطأ في قرار تنفيذ حفر القناة ومنح إمتياز حفرها وإستثمارها إلي فرديناند ديليسبس إلا أنها اليوم تمثل قيمة كبيرة لمصر وتعتبر من أهم مصادر الدخل القومي والعملات الأجنبية الصعبة اللازمة لتمويل إستيراد السلع الضرورية ومستلزمات الإنتاج اللازمة للصناعة .
 
 
الصور :
فرديناند ديبيسبس يعرض رسومات مشرع قناة السويس مشهد تخيلي أثناء العمل في حفر قناة السويس لوحة الإحتفال بإفتتاح قناة السويس للفنان محمود سعيد فرديناند ديليسبس محمد سعيد باشا الخديوى إسماعيل