abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
كيف أسس محمد علي باشا مصر الحديثة ؟
كيف أسس محمد علي باشا مصر الحديثة ؟
عدد : 03-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

سعي محمد علي باشا بعد أن تمكن من الإنفراد بحكم مصر بعد أن تحلص من المماليك الذين كانوا يناؤئونه الحكم إلى بناء دولة عصرية حديثة ومتقدمة علي النسق الأوروبي في مصر من خلال إقامة مجتمع نموذجي علي أساس زراعي وصناعي يعتمد على أبجديات العلم الحديث وكان أول مافكر فيه لتحقيق هذا الهدف هو ضرورة الإهتمام بالتعليم فقد كان يدرك تماما أن الشعب الجاهل لايستطيع أن يبني دولة عصرية حديثة وأيضا كان يؤمن بأنه لن يستطيع أن يقيم إدارة فعالة وإقتصاد مزدهر وقوة عسكرية شديدة البأس وأن يمد كل هذه المجالات بالتقنيات العصرية إلا بإيجاد نظام تعليم عصرى حديث ومتطور يحل محل نظام التعليم التقليدى المتخلف الذى فرضه العثمانيون علي مصر طوال 3 قرون ولذا كانت أهم دعائم دولته العصرية المنشودة ما إتبعه من سياسة تعليمية وتثقيفية حديثة من أجل توفير الكوادر والكفاءات البشرية التي تكون لها القدرة علي إدارة مؤسسات وهيئات دولته الحديثة وجيشها القوى وإستعان في سبيل تحقيق هذا الهدف المنشود بخبراء أوروبيين أغلبهم من فرنسا التي كانت تربطه بها علاقات طيبة كما لجأ إلي إيفاد مجموعة من الطلبة الأزهريين إلى أوروبا للدراسة في مجالات عديدة وليكونوا النواة التي يبدأ بها النهضة الشاملة في مصر كما إتجه إلي تأسيس مدارس إبتدائية وعليا لإعداد أجيال متعاقبة من المتعلمين الذين يمثلون عصب دولته الحديثة .

وكانت أولى البعثات التعليمية إلى أوروبا في عام 1813م وكانت وجهتها إيطاليا حيث أوفد مجموعة من الطلبة إلى روما وميلانو وفلورنسا وليفورنو لدراسة العلوم الهندسية والعسكرية وطرق بناء السفن والطباعة ثم تلاها ببعثات إلي فرنسا وإنجلترا وكانت أعداد المبعوثين في البداية قليلة لاتتعدى 30 طالبا ومع ذلك نبغ منهم الكثيرون أمثال الأميرالاى عثمان نور الدين الذى أصبح قائدا للأسطول المصرى ونيقولا مسابكي والذى أسس مطبعة بولاق الأميرية بأمر من محمد علي عام 1821م إلا أن العصر الذهبي لتلك البعثات كان مع عام 1826م والتي تكونت من 44 طالبا تخصصوا في العلوم العسكرية والإدارية وصناعة الأسلحة والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي والكيمياء وهندسة المعادن والرى والهيدروليكا والطباعة والترجمة وفن العمارة ثم كانت بعثة أخرى بعدها بسنتين أى في عام 1828م توجهت إلى فرنسا وفي العام الذى تلاه 1829م كانت بعثة ثالثة إلى فرنسا وإنجلترا والنمسا وفي عام 1832م كانت بعثة رابعة متخصصة في علوم الطب فقط وشهد عام 1844م أكبر تلك البعثات وتوجهت إلى فرنسا وضمت 83 طالبا وسميت ببعثة الأنجال حيث كان من ضمنها عدد 2 من أبناء محمد علي هما الأميران محمد سعيد ومحمد عبد الحليم وعدد 2 من أحفاده هما الأميران أحمد رفعت وإسماعيل وبلغ إجمالي المبعوثين في كل هذه البعثات عدد 319 مبعوثا وكانت تكلفتها حوالي 304 ألف جنيه .


وإلى جانب تلك البعثات قام محمد علي بإنشاء العديد من المدارس العليا والتي تسمى الآن بالكليات بدأها بمدرسة المهندسخانة في عام 1816م لتخريج مهندسين يتعهدون بأعمال العمران وفي عام 1827م أنشأ مدرسة الطب في أبي زعبل بنصيحة من أنطوان كلوت بك رائد الطب في مصر لخدمة عامة الشعب من ناحية وتوفير إحتياجات الجيش من الأطباء من ناحية أخرى ثم ألحق بها في عام 1829م مدرسة للصيدلة وأخرى لطب أمراض النساء والولادة ثم أنشأ مدرسة في بولاق للهندسة العسكرية ومدرسة لهندسة المعادن في مصر القديمة عام 1834م وأتبعهما بمدرسة الألسن في الأزبكية عام 1836م ثم مدرسة الزراعة في نبروه بمحافظة الدقهلية حاليا ومدرسة المحاسبة في السيدة زينب عام 1837م ثم أخيرا مدرسة الطب البيطرى في رشيد ومدرسة الفنون والصنائع عام 1839م وبلغ عدد من إلتحق بتلك المدارس عدد 4500 طالب ولما تقدمت المدارس العليا وإتسع نطاقها وزاد عدد طلابها قرر محمد علي إنشاء ديوان المدارس في عام 1837م وأسند إدارته لعدد من أعضاء البعثات التي درست بالخارج وعادت إلى مصر وذلك لتنظيم وضبط التعليم بالمدارس العليا وكان مما قرره هذا الديوان توسيع قاعدة التعليم في مصر فوضع خطة لنشر التعليم الإبتدائي تقضي بإنشاء عدد 50 مدرسة إبتدائية وهو ماوافق عليه محمد علي وبحيث يكون منها عدد 4 مدارس بالقاهرة ومدرسة واحدة بالإسكندرية وكل من هذه الخمسة مدارس يضم كل منها عدد 200 طالب وعلي أن توزع باقي المدارس وعددها 45 مدرسة علي مختلف الأقاليم بالوجهين البحرى والقبلي وعلي أن تضم كل مدرسة عدد 100 طالب .

وإلي جانب ذلك كان هناك مجال التعليم العسكرى والذى توسع فيه محمد علي فأنشأ مدرسة الضباط في أسوان ومدرسة الجنود في بني عدي بأسيوط ولم يكتف بذلك فأنشأ 3 مدارس أخرى في النخيلة وجرجا وفرشوط بصعيد مصر كما أنشأ مدرسة إعدادية عسكرية بالقصر العيتي بالقاهرة لتجهيز وإعداد التلاميذ للإلتحاق بالمدارس العسكرية العليا وكان سعتها 500 تلميذ ثم نقلت إلى أبي زعبل حيث تم توسعتها ولتستوعب عدد 1200 تلميذ وأنشأ محمد علي أيضا مدرسة للمشاة في الخانكة ثم نقلت إلي دمياط عام 1834م ثم إلى أبي زعبل عام 1841م ومدرسة للسوارى في الجيزة عام 1831م وأخرى للمدفعية في طرة عام 1831م أيضا كما أسس مدرسة لأركان الحرب عام 1825م وأخرى للموسيقى العسكرية وأنشأ ايضا معسكرا لتدريب جنود الأسطول علي الأعمال البحرية في رأس التين بالإسكندرية وكذلك أسس مدرسة بحرية لتخريج ضباط قوات البحرية والأسطول علي ظهر إحدى السفن بميناء الإسكندرية ولما دعت الحاجة الي زيادة أعدادهم قسمهم إلي فرفتين كل فرقة منهما خصص لها سفينة بحرية وكان من أهم نتائج هذه الإنجازات في مجال التعليم تخريج جيل من الرواد في كل مجال من المجالات المختلفة تولى تخريج أجيال متتالية من بعده وحملت تلك الأجيال مشاعل النور من أجل بناء مصر الحديثة وكان من هؤلاء الرواد علي مبارك باشا رائد التعليم في مصر وأنطوان كلوت بك رائد الطب الحديث في مصر ورفاعة الطهطاوى مؤسس مدرسة الألسن والأميرالاى عثمان باشا نور الدين قائد الأسطول المصرى ونيقولا مسابكي رائد الطباعة في مصر وذلك علي سبيل المثال لا الحصر حيث كان محمد علي مؤمنا بأن التعليم هو القاطرة التي ستسحب وراءها جميع المجالات الأخرى نحو هدف بناء دولة عصرية حديثة علي النسق الأوروبي بما سيفرزه هذا المجال من كوادر وكفاءات بشرية قادرة على إستيعاب أبجديات العلوم الحديثة مما يؤدى إلى تحقيق هدفه المنشود بتأسيس مصر الحديثة .

وإذا ما إنتقلنا إلي المجال الإدارى ونظام الحكم فسوف نجد أن محمد علي قد حكم مصر حكما أوتوقراطيا مع بعض المرونة والتي تتمثل في إستشارة بعض المقربين منه قبل إبرام الأمور وإصدار القرارات لذا إختلف نظام حكمه نسبيا عن الحكم الإستبدادى للمماليك والولاة العثمانيين والذى كان نظاما فوضويا عشوائيا لا أسس ولا قواعد له فنجده قد أسس مجلسا حكوميا سماه الديوان العالي مقره القلعة ويترأسه نائب الوالي محمد علي ويخضع لهذا الديوان دواوين تختص بشئون الحربية والبحرية والتجارة والشئون الخارجية والمدارس والأبنية والأشغال العمومية والتي كانت نواة تأسيس فيما سمي بالنظارات ثم تغير إسمها إلي الوزارات فيما بعد كما أنه أسس مجلسا سماه مجلس المشورة يضم كبار رجال الدولة وعدد من الأعيان والأشراف والعلماء ورجال الدين وينعقد في كل عام لمناقشة سياسة الإدارة والتعليم والأشغال العمومية والشئون الإقتصادية وبحلول عام 1837م وضع محمد علي قانونا حدد فيه إختصاص كل ديوان من الدواوين الحكومية التي سبق ذكرها سماه قانون السياستنامة وبالإضافة إلي ذلك قام محمد علي بتقسيم مصر إلى عدد 7 مديريات عدد 4 منها في الوجه البحرى وعدد 3 في الوجه القبلي وكانت مديريات الوجه البحرى أولها يضم الجيزة والقليوبية والبحيرة وثانيها يضم المنوفية والغربية وثالثها الدقهلية ورابعها الشرقية وبخصوص مديريات الوجه القبلي كانت أولها في مصر الوسطي وشملت الفيوم وبني سويف والمنيا والمديرتين الباقيتين كانتا في مصر العليا أو الصعيد أولهما شملت أسيوط وسوهاج والثانية شملت قنا وأسوان ووادى حلفا داخل حدود السودان وإلى جانب تلك المديريات كان هناك 5 محافظات كبرى هي القاهرة والإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس وبذلك نستطيع أن نقول إن محمد علي قد وضع بذرة نظام الحكم المحلي في مصر والمعمول به حتى يومنا هذا .

وبخصوص النظام المالي فقد ألغى محمد علي نظام الإلتزام الذى كان معمولا به والذى كان يسمح لبعض الأفراد والذين يسمون بالملتزمين بسداد حصص الضرائب المستحقة علي بعض القرى علي أن يقوموا بجمعها من أهل القرى فيما بعد من المزارعين بمعرفتهم مما كان يرهق المزارعين نظرا لأنهم كانوا يحصلون منهم مبالغ أكبر بكثير مما دفعوه للوالي وإستبدل محمد علي هذا النظام بنظام الإحتكار بمعني أنه ألغي الملكية الفردية في البلاد فأصبح هو المالك الوحيد لأراضيها الزراعية والصانع الوحيد لمصنوعاتها والتاجر الوحيد لمنتجاتها ومن جانب آخر فرض ضرائب باهظة علي السكان وممتلكاتهم من الدور والمواشي وخلافه خاصة عندما كان يجهز لأحد حملاته العسكرية خارج مصر مما أرهق الأهالي خاصة أنهم كانوا لايعلمون نظاما أو قانونا محددا يتم بموجبه تحصيل الضرائب المستحقة عليهم كل عام وفي المجال الإجتماعي فقد إنقسم المجتمع في عهد محمد علي إلي عدة طبقات إجتماعية أعلاها الطبقة الحاكمة التي ضمت محمد علي وأسرته وكبار رجاله وموظفي الدولة من المتعلمين والمبعوثين للخارج تليها طبقة العلماء والأشراف والأعيان ثم طبقة المزارعين وعمال المصانع والأعراب وهم أبناء القبائل الذين ينحدرون من أصل عربي سواء من شبه الجزيرة العربية أو المغرب العربي ثم تأتي الطبقة الدنيا وتشمل الأرقاء الذين أسروا في حروبه المختلفة والجوارى الشركسيات والحبشيات والسودانيات والذين كانوا يخدمون في بيوت الأثرياء وقد بلغ تعداد السكان في مصر عام 1823م حوالي 2.5 مليون نسمة زادوا إلي حوالي 4.5 مليون نسمة في عام 1845م وأخيرا نقول إن المجتمع في عهد محمد علي كان يتكون من 3 طوائف دينية المسلمون واليهود والمسيحيين ومن هذه الناحية كان محمد علي متسامحا جدا وواسع الأفق فلم يفرق بين الناس علي أساس ديانتهم وعامل جميع الطوائف معاملة طيبة حسنة دون تفرقة بينهم فللجميع نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات بل إنه قرب إليه العديد من غير المسلمين وضمهم إلى رجال حكمه وحاشيته وصاروا من أكبر وأهم مستشاريه ومعاونيه .

وفي المجال العمراني نجد أن محمد علي قد إهتم ببناء المنشأت التي تخدم هدفه المنشود في بناء دولة عصرية فأسس مدنا جديدة خاصة في السودان مثل الخرطوم وكسلا وأقام القلاع للدفاع عن المدن والثغور كما شيد فنارا لإرشاد السفن في منطقة رأس التين غرب مدينة الإسكندرية وبني العديد من القصور علي رأسها قصر رأس التين بمنطقة بحرى بالإسكندرية ليكون المقر الصيفي له كما إهتم ببناء الدور الحكومية فأنشأ دفترخانة لحفظ الوثائق الحكومية ودار للآثار بعد أن أصدر قرارا بعدم خروجها من مصر كما أنه مهد الطرق ونظم حركة الرسائل والبريد وجعل علي الطرق محطات لراحة المسافرين والجياد التي كانت أهم وسيلة مواصلات في وقته وأخيرا كان هو أول من فكر في كيفية السيطرة على فيضان نهر النيل وتخزين مياهه لإستخدامها في رى الزراعات الصيفية فبدأ في عهده تشييد القناطر الخيرية على بعد حوالي 20 كيلو متر شمالي القاهرة عند بدء تفرع النيل إلي فرعيه دمياط ورشيد لتنظيم رى الأراضي الزراعية في دلتا مصر وإذا نظرنا إلي إنجازات محمد علي في المجال الإقتصادي بعناصره الثلاثة الزراعة والصناعة والتجارة فقد كان محمد علي يعي ويدرك تمام الوعي والإدراك أنه لكي يحقق الإستقلال السياسي للبلاد فلابد من تنمية ثروات البلاد وتقوية وتدعيم مركزها المالي وتحقيق الإكتفاء الذاتي من إحتياجاتها من غذاء وكساء وسلاح ولذلك وضع خططا طموحة هدفها الأساسي تنمية وتطوير وتنشيط عناصر الإقتصاد المصرى الثلاثة التي سبق ذكرها ولتحقيق ذلك فقد أولي مجال الزراعة إهتماما كبيرا فأدخل إلي مصر زراعة القطن طويل التيلة عام 1821م والذى يصلح لصناعة الملابس بعد أن كان الصنف الذى يتم زراعته لا يصلح سوى للتنجيد كما خصص مساحة قدرها 3000 فدان لزراعة التوت للإستفادة من أوراقه في تربية دودة القز لزوم إنتاج الحرير الطبيعي وأيضا توسع في زراعة أشجار الزيتون لزوم إنتاج الزيوت وإهتم بغرس الأشجار للإستفادة من أخشابها في بناء السفن وأعمال العمران وكذلك أدخل زراعة أنواع جديدة من الفواكه مثل اليوسفي وأخيرا فإنه أولي إهتماما شديدا بتنظيم أعمال الرى حتي لا تكون الأراضي الزراعية مستغلة بشكل موسمي في الشتاء فقط عقب موسم فيضان النيل ولا تزرع صيفا لعدم وجود مياه للرى فبدأ في إنشاء القناطر الخيرية عند تفرع النيل إلي فرعيه دمياط ورشيد علي بعد حوالي 20 كيلو متر شمالي القاهرة لتنظيم أعمال الرى في دلتا مصر كما ذكرنا في السطور السابقة كما إهتم بحفر الترع وتطهير ماهو محفور منها لزوم رى الأراضي الزراعية البعيدة عن مجرى نهر النيل مثل ترعة المحمودية وغيرها مما جعل أعمال الزراعة دائمة طوال العام شتاءا وصيفا مما كان له آثاره الإيجابية الممتازة علي زيادة الإنتاج الزراعي المصرى وتحقيق الإكتفاء الذاتي من المحاصيل وخاصة الغذائية كالقمح والذرة والشعير .

وفي مجال الصناعة فقد بني محمد علي قاعدة صناعية قوية لمصر وذلك بغرض توفير إحتياجات السكان الصناعية من ناحية ومن ناحية أخرى توفير إحتياجات الجيش فأنشأ مصانع للغزل والنسيج ومصنعا للجوخ في بولاق ومصنعا للأقمشة الحريرية وآخر للصوف وثالث لنسيج الكتان ورابع للطرابيش ببلدة فوه بمحافظة كفر الشيخ حاليا كما أنشأ مصانع لإنتاج الصابون والشمع والزجاج والصيني ومصانع لإنتاج مستلزمات السفن كالحبال وألواح النحاس التي تبطن بها جوانب السفن كما أنشأ مدابغ للجلود ومعامل لإنتاج السكر ومعاصر للزيوت ومطابع للكتب والصحف ومسابك للحديد وإلي جانب ذلك فقد توسع في مجال الصناعات العسكرية حتي يضمن الإستقلالية ولايقع تحت رحمة الدول الأجنبية في توفير إحتياجات الجيش من السلاح فأنشأ مصنعا لإنتاج البنادق والمدافع والأسلحة الأخرى في القلعة عام 1827م بلغت إنتاجيته مابين 600 إلى 650 بندقية في الشهر وبين 3 إلي 4 مدافع كل شهر أيضا وعلاوة علي ذلك كان ينتج العديد من الأسلحة مثل سيوف ورماح الفرسان وحمالات السيوف وألجمة وسروج الخيول وفي عام 1831م أنشأ مصنعا آخر للبنادق بمنطقة الحوض المرصود قرب حي السيدة زينب كانت إنتاجيته حوالي 900 بندقية شهريا ثم أنشأ مصنعا ثالثا بالقرب من القاهرة وبلغت إنتاجية المصانع الثلاثة حوالي 36 ألف بندقية سنويا هذا بخلاف الطبنجات والمسدسات كما أنشأ معملا للبارود والذخائر في جزيرة الروضة بعيدا عن العمران ثم أعقبه بمعامل أخرى في إهناسيا بمديرية بني سويف وفي الفيوم والأشمونين بمديرية المنيا والبدرشين بالجيزة وفي عام 1833م بلغت إنتاجية تلك المعامل مجتمعة حوالي 16 ألف طن وأخيرا لاننسي ترسانة بناء وصناعة السفن التي أنشأها في منطقة رأس التين بالإسكندرية وفي مجال التجارة فنظرا لزيادة الإنتاج الزراعي وخاصة محصول القطن إتسع نطاق تجارة مصر الخارجية فأصبحت تصدر القطن إلى دول أوروبا خاصة بريطانيا كما لعب إنشاء الأسطول التجارى المصرى وتطوير وإصلاح ميناء الإسكندرية وكذلك تعبيد طريق القاهرة / السويس وتأمينه لتيسير القوافل دورا هاما في إعادة حركة التجارة بين الهند وأوروبا عن طريق مصر فنشطت وتطورت حركة التجارة الخارجية لمصر نشاطا كبيرا وتقدمت تقدما عظيما حتي بلغت قيمة الصادرات المصرية حوالي 2.2 مليون جنيه وهذا مبلغ ضخم جدا بأسعار تلك الأيام .

وبالإضافة إلي كل ماسبق حيث أن محمد علي كان يدرك ويعي تماما أنه لابد من تأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة ضمن مخططه الذى يستهدف بناء دولة عصرية حديثة علي النسق الأوروبي في مصر من ناحية ومن ناحية أخرى من أجل تحقيق أهدافه التوسعية وبحيث تكون تلك القوة العسكرية هي الأداة التي تحقق له تلك الأهداف وحيث أن الجيش قبل توليه الحكم وفي بدايات حكمه كان يتكون من فرق غير نظامية تميل بطبيعتها إلي الشغب والفوضى والتمرد والعصيان ومعظمها من الأكراد والألبان والأتراك والشراكسة إلي جانب جماعات من القبائل العربية التي إستوطنت مصر سواء في الصعيد أو في الصحراء الغربية والذين كان يلجأ إليهم الولاة كمرتزقة وقت الحاجة وكانت أعمال تلك الفرق بدائية ولا تتعدى أساليب حرب العصابات في الكر والفر فقد رأى محمد علي أن جيش بهذا الشكل لا يعتمد عليه ومن هنا بذل قصارى جهده في إنشاء جيش يماثل ويضارع الجيوش الأوروبية الحديثة في قتالها ونظامها وإنضباطها فقرر أن يستبدل هؤلاء الجنود الغير نظاميين بجيش نظامي منضبط وطبقا للنظم العسكرية الحديثة ومن ثم بدأ محمد علي في تنفيذ خطته لتكوين جيش قوى وحديث في عام 1815م اى بعد حوالي 10 سنوات من توليه الحكم وذلك بعد إنتهاء حملته العسكرية الأولي في الحجاز ضد الوهابيين حيث قرر تدريب عدد من جنود الأرناؤوط التابعين لفرقة إبنه طوسون علي النظم العسكرية الحديثة في معسكر قام بإقامته خصيصا لهذا الغرض في بولاق ولم يستجب هؤلاء الجنود لهذا الأمر بسبب طبيعتهم التي تميل إلى الفوضى والعشوائية وعدم الإلتزام بالنظام فهاجوا وثاروا وهاجموا قصر محمد علي ودار قتال شرس بينهم وبين حرس القصر الذين إستطاعوا بعد عناء شديد أن يسيطروا على الموقف وهنا أدرك محمد علي تماما أنه لا يمكنه الإعتماد على أمثال هؤلاء الفوضويين الغير منضبطين من أجل تحقيق هدفه المنشود فأجل تنفيذ فكرته بعض الوقت .


وبعد حوالي 5 سنوات وفي عام 1820م لجأ محمد علي إلي الحيلة فأنشأ مدرسة حربية في أسوان وألحق بها ألف جندى من مماليكه ومماليك كبار أعوانه وقام بتدريبهم علي النظم العسكرية الحديثة علي يد ضابط فرنسي إسمه جوزيف سيف جاء إلي مصر عارضا خدماته علي محمد علي وإستوطن في مصر وإعتنق الإسلام وأصبح إسمه سليمان باشا الفرنساوى وقام بجهد جبار في مجال إنشاء وتدريب وتسليح الجيش المصرى الحديث مع محمد علي باشا وإبنه القائد إبراهيم باشا ويعتبر هو أبو العسكرية المصرية الحديثة وتكريما له أطلق إسمه علي شارع وميدان من أهم شوارع وميادين وسط القاهرة وبعد مرور 3 سنوات من التدريبات العملية الشاقة نجحت التجربة نجاحا باهرا وتخرجت تلك المجموعة علي يد سليمان باشا الفرنساوى وليكون هؤلاء الضباط هم النواة التي بدأ بها تكوين الجيش المصرى العصرى الحديث وبعد ذلك كان أمام محمد علي مشكلة وهي أنه بالتجربة ثبت أن الجنود الأكراد والألبان والأتراك والشراكسة لا يصلحون لكي يكونوا جنودا في جيشه نظرا لعدم تقبلهم فكرة أن يندرجوا في جيش نظامي ولذا تحجج بحاجته إليهم في تأمين الثغور والحدود فارسلهم إلي دمياط ورشيد ليخلي القاهرة منهم ولكي يطمئنهم أرسل بعض من أبنائه معهم كقادة لهم ثم أرسل إلى إبنه إسماعيل ليمده بعدد 20 ألف جندى من السودان بعد أن فتحها وضمها لمصر ليتم تدريبهم علي النظم العسكرية الحديثة في معسكرات تم إعدادها خصيصا لهذا الغرض في بني عدى قرب أسيوط ولكن تلك التجربة فشلت أيضا فشلا ذريعا نظرا لتفشي الأمراض بين الجنود السودانيين لإختلاف المناخ وعدم التأقلم علي الحياة العسكرية الشاقة وهنا أسقط في يد محمد علي وأدرك أنه لا مفر أمامه سوى الإعتماد على أبناء الفلاحين المصريين الذين لم يتجاوبوا أولا معه وكانوا يعتبرون أن إنخراطهم في سلك الجندية يعتبر نوع من السخرة ولكن بمرور الوقت تقبلوا هذا الأمر خاصة وأنهم إستشعروا تحت راية الجيش بروح الكرامة والعزة وأنهم يضمنون المأكل والملبس أثناء تجنيدهم بدلا من عملهم الشاق في الزراعة ونجحت تلك التجربة نجاحا باهرا وفي خلال 4 سنوات فقط وبحلول شهر يونيو عام 1824م أصبح لدى محمد علي حوالي 25 ألف جندى نظامي تم تقسيمهم إلى عدد 6 كتائب فأمر بنقلهم إلي القاهرة وبذلك أصبح لمصر جيش نظامي بدأت أعداده في الزيادة تدريجيا وبعد 9 سنوات وفي عام 1833م بلغ تعداده حوالي 169 ألف جندى وضابط وبعد 6 سنوات أخرى وفي عام 1839م بلغ العدد حوالي 236 ألف جندى وضابط مما إستدعي إنشاء ديوان تمت تسميته ديوان الجهادية يكون إختصاصه تنظيم شئون الجيش وتأمين إحتياجاته من الذخائر والأسلحة والمؤن والأدوية وخلافه وتنظيم الرواتب وهو ماتطور بعد ذلك إلى نظارة ثم وزارة الحربية والآن يسمى بوزارة الدفاع وكانت أول مشاركات هذا الجيش في حرب المورة ببلاد اليونان والتي أظهرت للعالم كله حينذاك ماوصلت إليه العسكرية المصرية من قوة وشأن ومكانة بين القوى العسكرية في عصره وبعد ذلك إعتمد إبراهيم باشا عليه في الحملة العسكرية علي بلاد الشام والأناضول والتي حقق فيها إنتصارات مدوية علي الدولة العثمانية التي كادت أن تسقط تحت سنابك خيله لولا تدخل الدول الأوروبية التي هرعت لنجدتها خوفا من التواجد المصرى ببلاد الشام .


وإلي جانب القوات البرية شرع محمد علي في تكوين قوات بحرية قوية ليكون الجيش المصرى مكتملا خاصة وأنه عند بداية الحملة العسكرية الأولى علي بلاد الحجاز إقتضت الحاجة نقل الجنود عبر البحر الأحمر فأنشأ ترسانة بولاق لبناء السفن وتم نقل قطع كل سفينة علي ظهور الجمال ليتم تجميعها في ميناء السويس وإقتصر دور الأسطول في البداية علي أعمال نقل الجنود والمؤن طوال سنوات الحملة ولكن بعد تأسيس الجيش النظامي وجد أنه من الضرورى والحتمي تأسيس أسطول حربي قوى تكون لديه سفن حربية حديثة مسلحة بالمدافع وقادرة على الدخول في معارك بحرية قوية وإعتمد محمد علي في البداية علي شراء سفن جاهزة من أوروبا ثم إعتمد بعد ذلك علي بناء سفن لحساب مصر في بعض موانئ أوروبا ولكن بعد تدمير الجانب الأكبر من الأسطول المصرى في موقعة نفارين البحرية في بلاد اليونان عام 1827م أمام أساطيل إنجلترا وفرنسا وروسيا الأكثر تطورا لم ييأس محمد علي وفي عام 1829م أمر ببناء ترسانة الإسكندرية لبناء السفن وإستعان بمهندس فرنسي إسمه سريزى وقامت الترسانة بمهمة بناء سفن الأسطول المصرى علي الأنماط الأوروبية الحديثة وفي خلال 8 سنوات وحتى عام 1837م كان قد تم بناء عدد 28 سفينة حربية من بينها 10 سفن كبيرة كل منها مسلح بعدد 100 مدفع وبذلك إستغنت مصر عن شراء السفن من الخارج ومن شدة إهتمام محمد علي بهذه الترسانة أنه كان يزورها بإستمرار كل فترة ويشجع عمالها علي العمل ويثني على مجهوداتهم كما كان حريصا علي حضور إحتفالات تدشين السفن الجديدة وإنضمامها إلي الأسطول المصرى الحديث وإلي جانب كل ماسبق فقد إهتم محمد علي بإنشاء المدارس العسكرية لتخريج أجيال متتالية من الضباط والجنود يتزود بهم الجيش المصرى وهو مازاد في أعداده كما ذكرنا تدريجيا سنة بعد أخرى وفي تخصصات عديدة كالمشاة والسوارى والمدفعية والبحرية وهو ماشرحناه بالتفصيل أثناء تناولنا إنجازات محمد علي في مجال التعليم كما إهتم محمد علي أيضا بالصناعات العسكرية لتوفير إحتياجات الجيش من الأسلحة والذخائر وهو ما شرحناه أيضا ضمن حديثنا عن إنجازات محمد علي في المجال الإقتصادي وبذلك إستطاع محمد علي أن ينهض بمصر وينقلها من غياهب العصور الوسطي إلي العصر الحديث ولكي يستكمل خلفاؤه من بعده مسيرته في تحديث ونهضة مصر خاصة الخديوى إسماعيل والخديوى عباس حلمي الثاني والملك فؤاد والملك فاروق .
 
 
الصور :
جامع محمد علي بالقلعة الدفترخانة بالقلعة القناطر الخيرية المطبعة الأميرية ببولاق أنطوان كلوت بك رائد الطب المصرى الحديث تمثال سليمان باشا الفرنساوى بالمتحف الحربي بالقلعة القائد إبراهيم باشا