abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
حكاية حادثة 4 فبراير عام 1942م
حكاية حادثة 4 فبراير عام 1942م
عدد : 03-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


في يوم 2 فبراير عام 1942م قدمت وزارة حسين سرى باشا إستقالتها للملك فاروق بعدما تعرضت للنقد العنيف سواء من جانب الوفد أو من جانب الملك فاروق نفسه الذى تم إقناعه بأن الوزارة تنفذ كل مطالب الإنجليز وبعدما خرجت مظاهرات حاشدة ظهر يوم 2 فبراير عام 1942م تردد أسوأ هتاف ضد بريطانيا حيث كانت المظاهرات تردد يحيا روميل وإلى الأمام ياروميل وكان صدى تلك الهتافات يتردد أمام السفارة الإنجليزية في جاردن سيتي علي مرأى ومسمع من السفير الإنجليزي السير مايلز لامبسون ورجال سفارته وتشير المصادر إلى أن القصر كان وراء هذه الهتافات العدائية ضد بريطانيا التي كان يرددها الآلاف وبطريقة منظمة وكان الفيلد مارشال إرفين روميل يقود الجيوش الألمانية في شمال أفريقيا حينذاك وإستطاع أن يحقق إنتصارات مذهلة علي الجيش الثامن البريطاني وأن يصل إلي العلمين داخل الحدود المصرية وباتت معركة العلمين المرتقبة هي المعركة الفاصلة بين الإنجليز والألمان وأمام كل هذه المتاعب والقلاقل ونظرا للموقف العسكرى الحرج الذى كان قد وصل إليه الإنجليز وأصبح الوضع برمته شائكا ومعقدا هنا بدأت بريطانيا في التحرك السريع والحاسم لإنقاذ مايمكن إنقاذه من أجل تأمين الجبهة الداخلية في مصر وذلك من آجل التفرغ للإستعداد لمعركة العلمين الفاصلة مع الألمان والتي عليها سيتوقف مستقبل وجودها في مصر والتي لو دخلها الألمان فسوف يقطعون عليها خطوط مواصلاتها إلى الهند وإلي بلاد شرق قارة آسيا وفي واقع الأمر وبالعودة إلي الوراء قليلا فإن بريطانيا لم تكن مرحبة بوزارة علي ماهر باشا التي كانت تحكم البلاد عند قيام الحرب العالمية الثانية يوم 2 سبتمبر عام 1939م نظرا لعدم قبولها إعلان الحرب علي أعدائها ونظرا للمراوغات والمناورات التي قام بها علي ماهر باشا من أجل تجنيب مصر ويلات الحرب وبلا شك أنه كان على حق تماما في ذلك وإنتهي الأمر بتقديم الوزارة إستقالتها بعد أن لوحت بريطانيا بإمكانية اللجوء إلي الحل العسكرى وخلع الملك عن العرش ووضعه تحت المراقبة حتي لايهرب إلي الخارج مع إعلان الحماية البريطانية علي مصر مثلما حدث في الحرب العالمية الأولي خاصة مع إبن عمه الخديوى عباس حلمي الثاني وأن بريطانيا كانت لديها شكوك في توجهات الملك فاروق وميله إلي معسكر دول المحور المعادية لبريطانيا .


ومن ثم جاءت وزارة حسن صبرى باشا ووزارتي حسين سرى باشا الأولي والثانية والتي إستطاعت إيجاد صيغة مناسبة للتعاون مع الإنجليز دون إعلان الحرب علي دول المحور وقبول الإنجليز لذلك إلي حد كبير لكن ماتعرضت له وزارة حسين سرى باشا الأخيرة وإضطرارها تقديم إستقالتها بالتزامن مع وصول الموقف العسكرى البريطاني في شمال أفريقيا إلى مرحلة غاية في الحرج أجبر بريطانيا علي التحرك السريع والعنيف فقامت بعد ظهر يوم الإثنين 2 فبراير عام 1942م عن طريق سفيرها في مصر السير مايلز لامبسون بتقديم مجموعة من الطلبات إلي الملك فاروق تتلخص في ضرورة تشكيل وزارة شعبية قوية تحرص على إحترام بنود المعاهدة المصرية البريطانية المعروفة بإسم معاهدة عام 1936م نصا وروحا وتكون قادرة علي تنفيذها وأن تكون حكومة تحظي بتأييد شعبي وأن يتم ذلك في موعد أقصاه ظهر اليوم التالي الثلاثاء 3 فبراير عام 1942م وآن الملك فاروق سيكون مسؤولا شخصيا عن أي إضطرابات أو قلاقل قد تحدث في البلاد نتيجة عدم تنفيذ تلك الطلبات وكان هذا يعني بوضوح تكليف مصطفي النحاس باشا بتشكيل الوزارة الجديدة بصفته زعيما لحزب الأغلبية في البلاد وأنه الوحيد الذى تنطبق عليه الشروط التي طلبتها بريطانيا وكانت تلك الطلبات قد تم الإتفاق عليها بالتشاور بين السفير البريطاني في مصر وبين وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء البريطانية في لندن والتي كان من رأيها بعد تقديم وزارة حسين سرى باشا إستقالتها تشكيل وزارة قوية تتمتع بما سبق ذكره في الطلبات التي قدمت إلي الملك فاروق وجدير بالذكر أنه بعد توقيع معاهدة عام 1936م ودخولها حيز التنفيذ لم يكن لبريطانيا الحق في التدخل في تشكيل الوزارات في مصر ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية أدت إلي وجود إنفاق غير مكتوب وغير معلن بأن يتم إختيار رئيس مجلس الوزراء في مصر بالتشاور مع الجانب البريطاني .


وماحدث عند تقديم الطلبات السابق ذكرها للملك فاروق أنه تلكأ وسوف في التصرف بشأنها ولم يحسن تقدير الموقف هو ورئيس ديوانه أحمد حسنين باشا وأن الجانب البريطاني قد أصبح مثله مثل الأسد الجريح وسيفعل ما بوسعه للخروج من الموقف الحرج ومن عنق الزجاجة الذى كانت فيه بريطانيا ولذلك لما جاء ظهر يوم الأربعاء 4 فبراير عام 1942م ولم يكن الملك فاروق قد بت في أمر الطلبات البريطانية قدم السفير البريطاني إنذار شديد اللهجة للملك فاروق ذكر قيه صراحة ضرورة تشكيل وزارة يترأسها النحاس باشا وكان نصه إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة من مساء نفس اليوم أن النحاس باشا سيشكل الحكومة فإن الملك يجب أن يتحمل كافة النتائج وكان النحاس باشا في ذلك الوقت في رحلة شتوية في صعيد مصر وتم إستدعاؤه علي عجل إلي إجتماع هام كان قد تقرر قبل وصول الإنذار البريطاني في قصر عابدين بعد ظهر يوم 4 فبراير عام 1942م فجاء من الصعيد بالقطار ومنه إلى قصر عابدين مباشرة لحضور الإجتماع المشار إليه والذى تم عقده في حضور معظم رؤساء الأحزاب ورجال السياسة الذين وجدوا أمامهم هذا الإنذار الشديد اللهجة الموجه إلى الملك وحاول الجميع إقناع النحاس باشا بقبول تشكيل وزارة إئتلافية إلا أنه يرفض إلا تشكيل وزارة وفدية وهو المبدأ الذى سار عليه الوفد بعد تجربة الوزارة الإئتلافية مع حزب الأحرار الدستوريين عام 1928م والتي سقطت بإنسحاب الوزراء الدستوريين منها ومن يومها لم يقبل الوفد الدخول في أى إئتلافات وزارية أى أن جميع حضور الإجتماع كانوا موافقين علي تولي النحاس باشا الحكم علي أن تكون الوزارة إئتلافية بما يعني ضمنا قبول الإنذار البريطاني وكان الرفض هو أن تكون الوزارة وفدية وهذا أيضا يدل علي عدم تقدير الموقف تقديرا سليما من جانب الحاضرين للإجتماع وأن الصراعات الحزبية كانت هي الغالبة والمؤثرة والحاسمة علي إتخاذ قرلراتهم وبعد مناقشات حامية الوطيس إنتهي الأمر برفض الإنذار البريطاني ووقع عليه الجميع بما فيهم النحاس باشا وإنصرف الحضور من قصر عابدين .


وبعد هذا الإجتماع تطورت الأمور بشكل خطير فقد تحرك الإنجليز بدباباتهم بقيادة قائد القوات البريطانية في مصر والسفير الإنجليزي حوالي الساعة السادسة مساءا وقاموا بحصار قصر عابدين وإقتحمت إحدى الدبابات بوابة القصر ودخلت وراءها عدة دبابات إنتشرت في ساحة القصر الداخلية ودخلت ورائها سيارة تحمل السفير البريطانى ومعه الجنرال ستون قائد القوات البريطانية فى مصر بينما كان يسير أمامهما ثمانية ضباط بريطانيين ومسدساتهم فى أيديهم وتقدم إليهم كبير الأمناء بالنيابة يومئذ إسماعيل تيمور باشا وسألهم ماذا يريدون ولكن السفير البريطانى دفعه بيده من طريقه وهو يقول أنا عارف طريقى وهاجم الجنود البريطانيون حراس القصرالذين حاولوا المقاومة ولكن تكاثر الجنود البريطانيون عليهم وتغلبوا عليهم وأصابوا بعضهم بكسور فى العظام وجروح نتيجة المقاومة دون إطلاق رصاص وصدر أمر من القصر لرجال الحرس بعدم المقاومة حتى لاتحدث مذبحة أمام قصر عابدين وفى الوقت نفسه كانت الطائرات البريطانية واقفة مستعدة للتحليق فوق معسكرات الجيش المصرى وقذفها بالقنابل وتدميرها إذا ظهرت من الجيش أى بادرة للمقاومة وحاصر الجنود البريطانيون كل أقسام البوليس فى القاهرة وقطعوا جميع الخطوط التليفونية بين قصر عابدين والخارج كما حاصروا محطة الإذاعة المصرية ليمنعوا وصول الخبر إلى الشعب وتوجه السفير الإنجليزي إلي غرفة مكتب الملك مباشرة ودخل عليه وكان واقفا وإلى جواره أحمد حسنين باشا رئيس ديوانه وكان الجنرال ستون خلف السفير البريطانى بينما وقف الضباط الإنجليز يحرسون الباب خارج الغرفة وفى أيديهم المسدسات ودعاهم الملك للجلوس ووضع السفير البريطانى يده فى جيبه مخرجا وثيقة التنازل عن العرش وأعطاها للملك فاروق وهنا قال حسنين باشا ساخرا يبدو أننى لم اقرأ المعاهدة جيدا هل من بنودها هذا التدخل المسلح وكان رد السفير بجفاء أنا لم أحضر هنا لأجيب على أسئلة وأمسك الملك فاروق الورقة بيده وقال إننى عندما أريد التنازل عن العرش سأكتب التنازل باللغة العربية وليس باللغة الإنجليزية وإقترب حسنين باشا وهمس فى أذن الملك فاروق فإعتدل فى مقعده وقال كنت أستطيع أن أصمم على رفض الإنذار البريطانى فتتحول بلادى إلى بحار من الدماء ولكننى تجنبا لهذا الدم البرئ أبلغك أننى قد قبلت الإنذار وموافق على تعيين النحاس باشا رئيسا للوزراء بشروطه وفوجئ السفير البريطانى برد فعل الملك بينما إرتاح الجنرال ستون لما قاله الملك وإبتسم وقال هامسا للسفير البريطانى الآن إنتهت مهمتى ولكن السفير الذى كان عارفا عناد الملك مضى يتحداه قائلا ولكن هل ستتعاون معه فأجابه الملك فاروق نعم أعدك بالتعاون معه وسوف أستدعى الآن زعماء البلاد لأخبرهم أننى قد قبلت الإنذار البريطانى وكلفت النحاس باشا بتشكيل الوزارة الجديدة وإبتسم الملك وقال أراكم مضطربين سأطلب لكم بعض المرطبات ودق الجرس وطلب من إحدى الخادمات إحضار شربات للسفير البريطاني والقائد العام وقال السفير للملك فاروق وهو يهم بالإنصراف يجب أن يتم كل شئ الليلة يا صاحب الجلالة .


وعليه فقد قام الملك فاروق بإستدعاء الزعماء ورجال السياسة مرة أخرى علي عجل وبادرهم في أول الإجتماع بقوله إنني أكلف النحاس باشا أمامكم بتشكيل الوزارة فورا وهنا علا صوت أحد الزعماء الحاضرين قائلا للنحاس باشا أقبلت يا باشا أن تأتي إلى الحكم علي أسنة رماح الإنجليز مما أغضب النحاس باشا ورد عليه غاضبا وفي حضور الملك بقوله إخرس ووجه إتهاما لجميع زعماء أحزاب الأقلية بأنهم من أوصلوا البلاد إلي هذا الموقف المهين لكرامة البلاد وملك البلاد وتشير الوقائع إلي أن النحاس باشا قد أرسل بعد تشكيل الوزارة مباشرة رسالة إلي السفير البريطاني معاتبا جاء فيها كلفت بمهمة تشكيل الوزارة وقبلت هذا التكليف من جلالة الملك بكل ما له من حقوق دستورية وليكن مفهوما لديكم أن الأساس الذى قبلت عليه هذه المهمة هو أنه لا المعاهدة المصرية البريطانية ولا مركز ولا مكانة مصر كدولة مستقلة ذات سيادة يسمحان للحليفة بريطانيا بالتدخل في شئون مصر الداخلية وبخاصة في تأليف الوزارات أو في غيرها من الأمور وبعد فهذه أحداث يوم 4 فبراير عام 1942م بكل شفافية وحياد والتي مازال الجدل حولها مستمرا حتي اليوم وبعد مرور حوالي 75 عاما على حدوثها حيث يرى البعض من خصوم الوفد أن النحاس باشا قد تولى الحكم علي أسنة رماح الإنجليز كما قيل يومها ويهاجمون الوفد ورئيسه من هذه الزاوية بينما يرى آخرون ومنهم بالقطع مؤيدو الوفد أن النحاس باشا قد قبل تشكيل الوزارة إنقاذا لماء وجه الملك وصونا لكرامة ملك البلاد وحتي لايتم خلعه عن طريق الإنجليز وتكون لطمة قوية لكرامة مصر بعدما وصلت الأمور إلي طريق مسدود نتيجة عدم التقدير السليم للموقف وإدراك أن بريطانيا ستفعل أى شئ تراه في مصلحتها من أجل التصدى للموقف الحرج الذى كان فيه جيشها في شمال أفريقيا وضرورة التفرغ والإستعداد الكامل للمعركة الفاصلة مع الألمان التي باتت وشيكة وحبس العالم كله أنفاسه إنتظارا لنتائجها وأن النحاس باشا قد فعل ذلك وهو يدرك تمام الإدراك ماسوف يقال عنه وعن الوفد بعد ذلك ولكنه غلب الحس الوطني علي مصلحته الشخصية وعلي مصلحة حزبه ومن ثم فللتاريخ لم يكن النحاس باشا خليفة سعد زغلول باشا خائنا لوطنه أو متواطئا مع الإنجليز كما إعتقد الملك فاروق وأحمد حسنين باشا وهو ما أثبتته الوثائق السرية البريطانية وأثبته المؤرخون المحايدون جميعا دون إستثناء وكان النحاس باشا كما كتب فى مذكراته قد رأى أن يتولى الحكم يوم 4 فبراير عام 1942م لسببين أولهما حفظ كرامة مصر وإنقاذ عرش الملك فاروق من الضياع والثانى انه رأى أن هذا حقه الطبيعى فهو زعيم الأغلبية الجماهيرية ومن حقه أن يحكم لذلك فبعد توليه الوزارة مباشرة أجرى إنتخابات مجلس النواب ليحكم البلاد إستنادا لشرعيته الشعبية .


ومن زاوية أخرى لم يمر ماحدث مساء يوم 4 فبراير عام 1942م دون أن يترك آثاره الشديدة على حياة الملك فاروق الشخصية والسياسية وعلى علاقاته بكل من حوله حتى أن معظم المؤرخين يعتبرونه يوما فارقا فى حياته دفعه إلى السير فى الطريق الذى إنتهى به الى المصير نفسه الذى تجنبه حين قبل الإنذار البريطانى بل إلى ماهو أسوأ منه فبدلا من أن يتنازل عن العرش إستجابة لإنذار من الجيش البريطانى ونزولا على إرادة مستعمر أجنبى تنازل عنه بعد عشر سنوات فى يوم 26 يوليو عام 1952م بعد إنذار من الجيش الذى كان قائده الأعلى وبعد ثلاثة أيام من الحادث قال أحمد حسنين باشا للصحفى الشهير محمد التابعى القلم كان جامد يا محمد ولسه بيرن على صدغى ولكن في الواقع فإن صفعة 4 فبراير عام 1942م تجاوزت صدغ فاروق لتهز كيانه كله وتزلزله نفسيا وتحطم إعتداده بنفسه وتفقده الثقة فى قيم كثيرة وهو الشاب قليل الخبرة الذى لم يكمل 22 سنة من عمره فقد كان حتى ذلك اليوم يتصرف مع الإنجليز بإعتداد وبدرجة عالية من الإحساس بالكرامة وبإعتباره ملكا مستقلا لدولة ذات سيادة فنبهته اللطمة إلى أن العالم تحكمه القوة لا الحق وأنه من الممكن أن يفقد عرشه الذى ورثه عن أبيه كما فقده قبله إبن عمه الخديوى عباس حلمى الثانى عام 1914م وقبله فقده جده الخديوى إسماعيل عام 1879م كما فقده صهره الإمبراطور رضا بهلوى الذى إحتل الإنجليز بلاده عام 1941م وأجبروه على التنازل عن العرش لولى عهده وإبنه الوحيد للسبب نفسه وهو شكوكهم فى إنحيازه لدول المحور وكان فاروق حتى ذلك اليوم يتصور أن الشعب يلتف حول عرشه وأنه سيثور إذا ماتعرض لخطر يتهدده ولكن خبر عودة الوفد إلى الحكم ماكاد ينتشر في البلاد حتى خرجت المظاهرات تهتف بحياة النحاس باشا وإختفت فجأة الهتافات التى تدعو روميل ليتقدم للأمام بل وحمل المتظاهرون السفير البريطانى على الأعناق وهى سابقة لم تحدث أبدا طوال عهد الإحتلال البريطاني لمصر .


ومن هنا فقد الملك فاروق الثقة فى الجماهير فقل تدريجيا حرصه على إرضائهم وحقا فقد ظل بقوة الدفع الذاتى وبتشجيع من مستشاريه يواصل حرصه على أداء صلاة الجمعة فى مسجد من المساجد الجماهيرية ويحضر الدروس الدينية ويفتتح المؤسسات الخيرية مواصلا محاولة التقرب إلى الشعب بل وبالغ فى ذلك أحيانا تحت وطأة المنافسة مع عدوه اللدود مصطفى النحاس باشا على الظهور فى مظهر الأكثر جماهيرية فأطلق فاروق لحيته وظهر بها علنا لأول مرة فى يوم 9 فبراير عام 1943م أى بعد مرور سنة كاملة على الحادث وكان ذلك فى إحتفال أقامته جامعة الإسكندرية بمناسبة منحها له لقب الدكتوراة الفخرية إلا أنه إندفع فى الوقت ذاته وبتشجيع من رجال القصر وحاشيته فى طريق الترفيه عن نفسه وبالغ فى ذلك إلى الحد الذى أساء لسمعته وإنتهى بتدمير علاقته بزوجته الملكة فريدة وهكذا تحققت مخاوف الملكة نازلى والدته وإنحاز الشعب الى الوفد ضده كما إنحاز إليه من قبل ضد والده ولم ينتبه فاروق وقتها الى خطأ سياسته ولم يدرك أن الشعب الذى إلتف حول عرشه فى بداية حكمه وكان يعبر بذلك عن أمله فى أن يمتنع عن سياسة أبيه وأن يحترم الدستور إلا أنه أخطأ فى حساباته السياسية وتوهم أن ماحققه من شعبية كان على حساب مكانة الوفد وأيده في ذلك رئيس ديوانه ورجال القصر فدفع الأمور الى موقف إستقطاب جعل الشعب يختار بينه وبين الوفد فكان طبيعيا أن يختار الشعب الحزب الذى قاد ثورة عام 1919م ودافع عن إستقلال مصر وعن الحرية وعن الدستور والقانون .

وبدلا من أن يراجع الملك فاروق سياسته ويعترف بأنه المسؤول الأول عن حادث 4 فبراير عام 1942م بمحاباته لدول المحور وأنصارهم وبسوء تقديره هو ورئيس ديوانه لما يمكن أن يفعله الإنجليز فى وسط حرب طاحنة تعد مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم خاصة وأنهم في وضع عسكرى في منتهي الحرج بعد تعرضهم لهزائم متتالية في جبهة الشمال الأفريقي وأنهم علي إستعداد لفعل أى عمل يكون من شأنه خروجهم من هذا المأزق فيسعى لتحسين علاقته بالوفد ويفوت على الإنجليز فرصة الإستفادة من التناقض بينهما إعتبر الحادث هزيمة للقصر ونهض للإنتقام من السفير البريطانى السير مايلز لامبسون وزعيم الوفد النحاس باشا ولأن مايلز لامبسون كان هدفا صعبا فقد كان النحاس باشا هو الهدف المباشر للإنتقام حيث كان من وجهة نظر فاروق هو المتهم الأول فى الجريمة وصاحب السوابق فى الإعتداء على حقوق العرش عندما إعترض علي الإحتفال الديني الذى كان قد تم إقتراحه بمناسبة بلوغ الملك فاروق 18 عاما وتنصيبه ملكا علي مصر بلا مجلس وصاية ولم يكن المطلوب هو مجرد معاقبته على جريمة 4 فبراير عام 1942م بل أيضا إستغلال الحادث لتلويث تاريخه والقضاء على شعبيته ومن جانب آخر كان رئيس ديوانه أحمد حسنين باشا يعتبر حادث 4 فبراير عام 1942م أكبر لطمة وهزيمة له فى حياته السياسية حيث ضاعت هدرا كل جهوده لكى يعود النحاس باشا إلى الحكم بشروط القصر فعاد للحكم بشروطه كاملة ليرأس وزارة وفدية خالصة ويحل مجلس النواب الذى جاء بإنتخابات مزورة في عهد وزارة محمد محمود باشا عام 1938م ويجرى إنتخابات تقاطعها أحزاب الأقلية بعد إصرار الوفد على منافستهم فى جميع الدوائر ليعود مجلس نواب بأغلبية وفدية كاسحة إستند النحاس باشا إليها وإلى الدعم البريطانى ليطيح بكل ماكان للقصر من نفوذ فى الحياة السياسية وعلي الرغم من ذلك فإن كل هذه الكوارث لم تهزم حسنين باشا بل دفعته للتحدى فنهض لقيادة القصر فى حملة لتأديب النحاس باشا وتوالت الإحتكاكات بين الطرفين طوال 32 شهر أمضتها الحكومة الوفدية فى الحكم فعندما يطلب النحاس باشا من الملك منح الباشوية لبعض وزرائه أو لعدد من الأعيان الموالين له يرفض القصر أو يهمل الطلب وعندما تنظم زينب هانم الوكيل حرم النحاس باشا أسبوعا خيريا لتجمع تبرعات لمقاومة الحفاء يتبنى القصر فى نفس الأسبوع يوم المستشفيات لجمع التبرعات ويفتتحه الملك شخصيا وبالطبع كان النحاس باشا بالمرصاد فى مباراة التحدى والعناد فضرب عرض الحائط بالتقاليد المستقرة التى تقضى بألا تنتقل الحكومة إلى المقر الصيفى بالإسكندرية إلا بعد أن ينتقل الملك إلى هناك رسميا فسبقه النحاس باشا وعقد إجتماعات هناك لمجلس الوزراء بينما الملك لايزال في القاهرة ولما إشتعل الموقف الحربى فى الجبهة الغربية على حدود مصر وداخل أراضيها يجتمع النحاس باشا بقائد القوات البريطانية ولا يخطر القصر بشئ مما حدث ويجتمع زعماء العالم فى فندق ميناهاوس لتنسيق خطط الحرب فينصح الملك زعماء أحزاب المعارضة بتقديم مطالب مصر الوطنية إلى الزعماء العالميين ولايكلف بذلك رئيس الحكومة النحاس باشا ويقيم القصر سرادقا خلال شهر رمضان فى ميدان عابدين يتلو فيه مشاهير القراء القرآن الكريم فتقرر الحكومة عدم إذاعته من محطة الإذاعة .

وأكثر من ذلك كانت خطة حسنين باشا هى ضرب حزب الوفد من الداخل لذلك ماكاد يلمح بوادر خلاف بين أصدقاء العمر النحاس باشا رئيس الوزراء وزعيم الوفد ومكرم عبيد باشا وزير المالية وسكرتيرعام الحزب حتى عمل بمهارة على تأجيج الصراع بين الرجلين وليبتلع مكرم عبيد الطعم دون إنتباه ليشتعل الخلاف أكثر ويتصاعد حتى إنتهى بإقالة مكرم عبيد باشا من الوزارة ومن منصبه كسكرتير عام للوفد قبل أن تمر 4 شهور على حادث 4 فبراير عام 1942م ويخرج مفصولا من حزب الوفد بعد أن ظل الرجل الثانى فيه لمدة 15 عام متواصلة وخرج معه مجموعة من قيادات وشباب الحزب وكون حزبا معارضا سماه الكتلة الوفدية كانت مهمته الأولى كشف ما إعتبروه فضائح للوفد وفضح وقائع تعد من وجهة نظرهم فساد فى حكومته ويصدر بها كتاب سموه الكتاب الأسود وقد إستمرت ضغينة الملك فاروق من حادث 4 فبراير عام 1942م طويلا حتى بعد ان هدأت الحرب وأعطته بريطانيا الضوء الأخضر لكي يعزل النحاس باشا من الوزارة بعد 32 شهر من الحكم كان فاروق طوالها يحاول عزله من الحكم لكنه كان يواجه بالرفض البريطانى دون إعلان رسمي بذلك إلي أن صرح وزير الخارجية البريطاني بأن إختيار رئيس الوزراء في مصر يعد شأنا داخليا لا تتدخل بريطانيا فيه وإستغل فاروق هذا التصريح ووقائع الفساد التى كتبها مكرم عبيد باشا فى الكتاب الأسود وإعتبرها مبررا ضمن مبررات أخرى لإقالة الحكومة الوفدية بخطاب إقالة مهين وموجع كما سعد الملك فاروق أيما سعادة عندما تم تم نقل السفير البريطاني السير مايلز لامبسون من مصر بعد أن ظل في منصبه حوالي 12 سنة وذلك بعد نجاح العديد من المساعي والإتصالات التي قادها أحمد حسنين باشا وعبد الفتاح باشا عمرو سفير مصر في إنجلترا مع وزير الخارجية البريطاني لتحقيق هذا الهدف وكان لامبسون قد منح حينذاك لقب لورد نظرا لجهوده الكبيرة أثناء فترة الحرب وتم تعيين السير رونالد كامبل سفيرا لبريطانيا في مصر بدلا منه .
 
 
الصور :
حصار قصر عابدين بالدبابات البريطانية الملك فاروق أحمد حسنين باشا علي ماهر باشا حسن صبرى باشا رونالد كامبل حسين سرى باشا مكرم عبيد باشا