abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
المعاهدة المصرية البريطانية عام 1936م
المعاهدة المصرية البريطانية عام 1936م
عدد : 03-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


توفي الملك فؤاد الأول يوم 28 أبريل عام 1936م وكانت قد أجريت إنتخابات البرلمان في عهد الحكومة القائمة حينذاك وهي وزارة علي ماهر باشا الأولي وأسفرت عن فوز حزب الوفد بالأغلبية وتم إستدعاء الملك فاروق الذى أصبح ملكا علي مصر بوفاة والده الملك فؤاد والذى كان في رحلة دراسية بالعاصمة الإنجليزية لندن فوصل إلي مصر يوم 6 مايو عام 1936م وقامت وزارة علي ماهر باشا بتقديم إستقالتها يوم 9 مايو عام 1936م وقام مصطفي النحاس باشا رئيس حزب الوفد الفائز بالأغلبية بتشكيل الوزارة الجديدة وجاء تشكيل الوزارة من مصطفي النحاس باشا رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية ووزيرا للصحة العامة وعلي فهمي باشا وزيرا للحربية والبحرية وعثمان محرم باشا وزيرا للأشغال العمومية ومحمد صفوت باشا وزيرا للأوقاف ومحمود فهمي النقراشي باشا وزيرا للمواصلات ومكرم عبيد باشا وزيرا للمالية وواصف بطرس غالي باشا وزيرا للخارجية ومحمود بك غالب وزيرا للحقانية وعلي بك زكي العرابي وزيرا للمعارف العمومية وقد تولت هذه الحكومة عقد سلسلة من المفاوضات الشاقة مع بريطانيا وذلك من أجل الوصول إلي إتفاق بشأن التحفظات الأربعة التي تضمنها تصريح 28 فبراير عام 1922م والذى بموجبه تم إنهاء الحماية البريطانية علي مصر وإعلان مصر دولة مستقلة ذات سيادة مع ترك عدد 4 مسائل معلقة لم يتطرق إليها التصريح ولم يشار إليها من قريب أو بعيد في هذا التصريح وتم تجاهلها تماما وهي تأمين طرق مواصلات الإمبراطورية البريطانية والدفاع عن مصر ضد أى تدخل أجنبي وحماية الأقليات والمصالح الأجنبية في مصر وأخيرا مسألة السودان ومستقبله وكان تبرير رئيس مجلس الوزراء البريطاني حينذاك المستر ديفيد لويد جورج لذلك أن مصر في ذلك الوقت كان ليس لديها حكومة رسمية قوية يمكن الإرتباط معها بمعاهدة مع بلاده وتكون قادرة علي الإلتزام بتحقيق كافة الضمانات التي تطلبها بريطانيا فيما يتعلق بتلك المسائل المعلقة وعلي أن يتم التفاوض بشأن هذه المسائل الأربعة فيما بعد وقد بدأت المفاوضات المشار إليها يوم 2 مارس عام 1936م بقصر الزعفران بالقاهرة وإنتقلت في بعض جولاتها إلى العاصمة البريطانية لندن وشهد قصر أنطونيادس بالإسكندرية جانبا منها وشاركت فيها جميع الأحزاب المصرية فيما عدا الحزب الوطني الذى كان شعاره لا مفاوضة إلا بعد الجلاء حيث إشترطت بريطانيا أن تكون المفاوضات مع كل الأحزاب حتى تضمن موافقتها جميعا وقاد فريق المفاوضات من الجانب المصرى حينذاك مصطفي النحاس باشا رئيس مجلس الوزراء وواصف بطرس غالي باشا وزير الخارجية ومن الجانب البريطاني السير أنتوني إيدن وزير الخارجية والسير مايلز لامبسون المندوب السامي البريطاني في مصر وقد إنتهت تلك المفاوضات بتوقيع المعاهدة المصرية البريطانية يوم 26 أغسطس عام 1936م بالعاصمة البريطانية لندن والتي إصطلح على تسميتها بمعاهدة عام 1936م .


وكانت بنود تلك المعاهدة لا تحقق كل المطلوب والمأمول بالنسبة لمصر من أجل الحصول علي الإستقلال التام ولكنها كانت بلا شك نقلة كبيرة حققت كثير من الإيجابيات التي كانت تطالب بها مصر والتي دارت حولها المفاوضات الماراثونية الشاقة والمضنية التي إستمرت أكثر من 14 عاما بين الجانبين المصرى والبريطاني تارة في القاهرة وتارة أخرى في العاصمة البريطانية لندن وذلك منذ صدور تصريح 28 فبراير عام 1922م وحتي توقيع تلك المعاهدة عبر مفاوضات ثروت / تشمبرلين عام 1927م ثم مفاوضات محمد محمود / هندرسون عام 1929م ثم مفاوضات النحاس / هندرسون عام 1930م وهكذا قال مصطفي النحاس باشا والذى أطلقوا عليه أبو المعاهدة أحيانا ومهندسها أحيانا أخرى ما معناه إن ماحققته المعاهدة التي قمت بتوقيعها ليس كل ماكنت أريده وأتمناه ولكنه ما إستطعت الحصول عليه وجاءت بنود تلك المعاهدة علي النحو التالي :-

-- يتحدد عدد القوات البريطانية في مصر بحيث لايزيد عن 10 آلاف جندى وضابط بالإضافة إلي عدد 400 طيار مع مايلزمهم من موظفين لازمين للقيام بالأعمال الإدارية والفنية وذلك وقت السلم فقط أما في وقت الحرب فلبريطانيا الحق في زيادتهم حسب ماتمليه ظروف الحرب .

-- يتم إنتقال القوات البريطانية من المدن المصرية إلي منطقة قناة السويس وذلك بعد أن تقوم مصر بإعداد وتجهيز ثكناتهم بمنطقة القناة وفقا لأحدث النظم مع بقاء القوات البريطانية في الإسكندرية لمدة 8 سنوات من تاريخ سريان المعاهدة وبقاء القوات البريطانية في السودان دون أى قيد أو شرط مع السماح بعودة قوات من الجيش المصرى إلى السودان والإعتراف لمصر بالإدارة المشتركة والحكم الثنائي للسودان مع بريطانيا وكذلك تظل القوة الجوية البريطانية في منطقة القناة ومن حقها التحليق بطائراتها في السماء المصرية ونفس الحق للطائرات المصرية .

-- في حالة قيام الحرب بين بريطانيا وأى طرف آخر تلتزم الحكومة المصرية بتقديم كل التسهيلات والمساعدات والعون للقوات البريطانية والتي يكون من حقها إستخدام الطرق والمطارات والموانئ المصرية دون قيد أو شرط .

-- مدة المعاهدة 20 سنة وبعدها يبحث الطرفان فيما إذا كان وجود القوات البريطانية ضروريا في مصر أم لا حيث أنه من المفترض أنه خلال هذه السنوات العشرين سيتم زيادة عدد ضباط وجنود الجيش المصرى وخاصة أعداد الضباط تدريجيا وستتواجد في مصر خلالها بعثة عسكرية بريطانية مهمتها تدريب الجيش المصرى تدريبا عاليا حديثا وكذلك تسليحه بأحدث الأسلحة العصرية بحيث يكون بعدها قادرا علي الدفاع عن قناة السويس بمفرده وإذا ماحدث خلاف بين الطرفين يتم عرضه علي منظمة عصبة الأمم التي كانت قائمة من بعد الحرب العالمية الأولى قبل إنشاء منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م .

-- يتم بموجب تلك المعاهدة إلغاء أى إتفاقيات أو وثائق منافية لأحكام هذه المعاهدة وعلي رأسها تصريح 28 فبراير عام 1922م بتحفظاته الأربعة كما يحق لمصر بموجب هذه المعاهدة المطالبة بإلغاء الإمتيازات الأجنبية ومنح مصر الحق في عقد وإبرام المعاهدات السياسية مع الدول الأجنبية بشرط عدم تعارضها مع معاهدة عام 1936م وأخيرا يتم بموجب هذه المعاهدة تبادل السفراء بين الحكومة المصرية وبين حكومة بريطانيا العظمى ويكون لقب ممثلها في مصر السفير البريطاني وليس المندوب السامي البريطاني كما كان الوضع قبل المعاهدة .

وقد تم تصديق البرلمان المصرى علي هذه المعاهدة يوم 22 ديسمبر عام 1936م حيث وافق أغلبية النواب عليها وعلي بنودها وبذلك أصبحت سارية المفعول وتم تسجيلها في سجلات عصبة الأمم الخاصة بالمعاهدات الدولية يوم 6 يناير عام 1937م هذا وبموجب هذه المعاهدة تم فتح أبواب الكلية الحربية أمام أبناء الطبقة الوسطى من الشعب المصرى لتخريج دفعات من الضباط المصريين يتم إلتحاقهم بالجيش المصرى من أجل زيادة عدده وتجهيزه وإعداده للدفاع عن مصر والقناة بعد إنتهاء مدة المعاهدة حتي يمكن الإستغناء نهائيا عن وجود أى قوات بريطانية في مصر وتشاء الأقدار أن يلتحق تباعا بالكلية الحربية حينذاك مجموعة من الشباب المصرى كان منهم الرئيسان الراحلان جمال عبد الناصر وأنور السادات وأعضاء مجلس قيادة الثورة عبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين وصلاح وجمال سالم وزكريا وخالد محيي الدين وباقي تنظيم الضباط الأحرار الذين سيقومون بخلع الملك فاروق بعد عدة سنوات كما قامت الحكومة المصرية بإنشاء وتجديد العديد من الطرق والمنشآت والثكنات والكبارى لتسهيل تحركات وإنتقالات القوات البريطانية منها طريق مصر الإسماعيلية الزراعي الموازى لترعة الإسماعيلية والمعروف بإسم طريق المعاهدة نسبة إلي معاهدة عام 1936م وأيضا كوبرى كفر الزيات العابر لنيل رشيد والمعروف أيضا بإسم كوبرى المعاهدة وتكلفت الخزانة المصرية تكاليف باهظة نتيجة ذلك ولكنها في النهاية كانت تلك الطرق والكبارى مشاريع إستفاد منها شعب مصر ومايزال يستفيد منها حتى الآن ومايزال طريق القاهرة الإسماعيلية الزراعي من أفضل الطرق في مصر حيث تم تنفيذه في حينه علي أعلي مستوى من الجودة والإتقان وفي شهر أبريل من العام التالي عام 1937م تم الإتفاق بين مصر والدول الأجنبية علي عقد مؤتمر في مدينة مونتيروه في سويسرا للنظر في أمر الإمتيازات الأجنبية في مصر وتم الإتفاق في هذا المؤتمر بين مصر وتلك الدول علي إلغائها وفي شهر مايو من نفس العام 1937م تم تقديم طلب من مصر للحصول على عضوية عصبة الأمم وعرض الأمر في إجتماع للدول الأعضاء تم عقده في مدينة جنيف بسويسرا ووافقت تلك الدول بالإجماع علي الطلب ونم إنضمام مصر إلي عصبة الأمم رسميا يوم 29 يوليو عام 1937م .

وبقيام الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر عام 1939م وإستمرارها حتي قرب نهاية عام 1945م تأخر كثيرا تنفيذ بنود معاهدة عام 1936م من الجانب البريطاني حيث إنشغلت بريطانيا والعالم كله بالحرب كما واجهت بريطانيا موقفا عصيبا في جبهة شمال أفريقيا وتعرضت لهزائم متتالية خلال عام 1942م وتعرض وجودها في مصر لخطر شديد بعد أن تمكنت قوات الفيلق الافريقي الألمانية بقيادة الفيلد مارشال إرفين روميل ثعلب الصحراء الوصول إلي العلمين داخل الحدود المصرية حيث دارت معارك طاحنة بين الطرفين ولحسن حظ بريطانيا تأخرت الإمدادات علي القوات الألمانية مما إضطرها إلي الإنسحاب غربا نحو ليبيا ثم إلي تونس وبذلك زال الخطر الذى كان يتهدد الوجود البريطاني في مصر وبعد إنتهاء الحرب حاولت حكومة إسماعيل صدقي باشا إستئناف المفاوضات مع بريطانيا بخصوص تنفيذ بنود المعاهدة التي تأجل تنفيذها بسبب ظروف الحرب وبدأت هذه المفاوضات فى مصر فى منتصف شهر أبريل عام 1946م وسارت في البداية سيرا حسنا ولكن بدا من مطالب الجانب البريطانى بعد ذلك أنه مصر على إستبقاء قاعدة حربية فى منطقة قناة السويس فى وقت السلم والحرب فى شكل إتفاقية دفاع مشترك وكان هذا الإصرار كافيا لقطع المفاوضات وكانت جميع التصريحات التى أدلى بها المستر إرنست بيفن وزير الخارجية البريطانية فى مجلس العموم البريطانى تشير إلى هذا الإتجاه وأصدرت السفارة البريطانية فى مصر بيانا حول المفاوضات لم يكن يبشر بالخير ورغم ذلك إستمرت المفاوضات وتبين أن مشروع المعاهدة الجديد الذى عرضته بريطانيا لايختلف فى جوهره عن معاهدة عام 1936م ولم يشأ الجانب المصرى أن يصارح الأمة بهذه الحقيقة تفاديا للأضرار التى يمكن ان تحدث فأوقف المفاوضات وأصدر الجانبان بيانا بأن هناك بعض المسائل يرى الوفد البريطانى ضرورة الرجوع فيها الى المستر بيفن فى لندن مما يتطلب بعض الوقت وكان معنى هذا وقف المفاوضات ورأى إسماعيل صدقى باشا بعد تعثر المفاوضات فى مصر أن يسافر الى لندن ليتباحث بنفسه مع وزير الخارجية البريطانية وهناك توصلا الى مشروع معاهدة يوم 25 أكتوبر عام 1946م رفضه 7 من أعضاء وفد المفاوضات الإثنى عشر وبدلا من أن يتوج هذا الإتفاق أعمال وزارة صدقى باشا إذا به يؤدى الى نهايتها فقد سارت المظاهرات فى طول البلاد وعرضها تحتج على مشروع المعاهدة وفى يوم 8 ديسمبر عام 1946م قدم صدقى باشا إستقالته من الوزارة وبناها على أسباب صحية والواقع أنها ترجع لفشله فى المفاوضات وصدامه مع الإنجليز فى شأن السودان وتعارض تصريحاته مع تصريحات رئيس مجلس وزراء بريطانيا فى هذا الشأن فضلا عن فشله فى السيطرة على الأمن العام في البلاد والحد من الإضرابات والمظاهرات وهو الأمر الذى كان أحد الأسباب التى على ضوئها تم إختياره في الأصل للوزارة .

وفى اليوم التالي 9 ديسمبر عام 1946م قبل الملك فاروق إستقالة الوزارة وتم تكليف محمود فهمي النقراشي باشا بتشكيل الوزارة الجديدة والذى إستأنف المفاوضات مع السفير البريطانى فى مصر في ذلك الوقت السير رونالد كامبل الذى كان قد خلف السير مايلز لامبسون فوجد إصرارا من الحكومة البريطانية على موقفها فقرر مجلس الوزراء عرض قضية البلاد على مجلس الأمن وأعلن هذا القرار فى بيان ألقاه النقراشي باشا أمام مجلسي النواب والشيوخ وكانت قضية مصر من أهم القضايا التى نظرها مجلس الأمن وقد شن النقراشى باشا هجوما عنيفا على بريطانيا فى المجلس وسمى أعمالها بالقرصنة البريطانية وكانت مطالب مصر تدور حول جلاء القوات البريطانية جلاءا تاما عن مصر والسودان وإنهاء النظام الإدارى المطبق حينذاك بالسودان ومع وضوح جميع حجج مصر وقوتها إلا أن المجلس إمتنع عن إصدار أى قرارات بجلاء القوات الإنجليزية عن مصر والسودان ووقف موقفا سلبيا وترك القضية معلقة دون أن يصدر فيها قرارا ولعل من أهم أسباب فشل القضية أمام مجلس الأمن سيطرة النزعة الإستعمارية على هذا المجلس وتكاتف الدول الإستعمارية وتآمرها على مصر للحيلولة دون تحقيق مطالبها العادلة ولم يكن للمجلس حين نظر القضية محكمة تحكم بالحق والعدل بل كانت هيئة سياسية تسيطر على قراراتها الدول الكبرى وثمة سبب آخر أدى الى فشل القضية تمثل فى الخلافات الحزبية التى برزت أثناء عرض القضية وأدت الى إضعاف مركز مصر أمام المجلس وتمثل ذلك فى الرسالة التى بعث بها حزب الوفد إلى رئيس مجلس الأمن أشار فيها إلى أن الدعوى التى رفعتها الحكومة المصرية أمام المجلس لا تمثل وجهة نظر شعب وادى النيل التى تؤيد أغلبيته الساحقة الوفد وأنها على أكثر تقدير تمثل الأشخاص الذين تتألف منهم الوزارة المصرية وكان لمثل هذه الرسالة اكبر الأثر فى طعن موقف مصر من الخلف وخلال النصف الثاني من عام 1948م والنصف الأول من عام 1949م إنشغلت مصر بحرب فلسطين كما تم إغتيال رئيس مجلس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا يوم 28 ديسمبر عام 1948م وعين إبراهيم عبد الهادى باشا رئيسا للوزراء والذى واجهت حكومته العديد من العمليات الإرهابية التي قام بها الإخوان المسلمون ولم تعمر طويلا ومكثت في الحكم حوالي 6 شهور وجاءت بعدها حكومة حسين سرى باشا وكانت مهمتها الأساسية إجراء الإنتخابات النيابية التي كان موعدها في أوائل شهر يناير عام 1950م والتي فاز فيها حزب الوفد بالأغلبية وتم تكليف مصطفي النحاس باشا بتشكيل الوزارة الجديدة يوم 12 يناير عام 1950م وكانت هذه الوزارة هي الوزارة السابعة والأخيرة في تاريخ وزارات حزب الوفد قبل قيام ثورة يوليو عام 1952م .


وقامت الحكومة الوفدية بإستئناف المباحثات مع الجانب البريطانى بعد شهرين فقط من تشكيلها في شهر مارس عام 1950م وكان قد تم تعيين سفير جديد لبريطانيا في مصر خلفا للسير رونالد كامبل هو السير رالف ستيفنسون وقد إستمرت المفاوضات طوال 19 شهرا وإنتهي الأمر إلي تعثر المفاوضات نتيجة تعنت وعناد الجانب الإنجليزي فتوقفت المفاوضات تماما وإنتهى الأمر بإلغاء معاهدة عام 1936م وإتفاقيتى الحكم الثنائى فى السودان بقرار منفرد من جانب واحد إتخذته الحكومة المصرية بعد موافقة البرلمان في شهر أكتوبر عام 1951م عندما وقف النحاس باشا في البرلمان مخاطبا أعضائه قائلا من أجل مصر وقعت معاهدة عام 1936م ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بالموافقة علي إلغائها وكان لهذا القرار خلفياته ورأت الوزارة أن مثل هذا القرار يمثل ضربة وطنية كبرى قد تمكنها من إستعادة بعض شعبيتها التى كانت قد فقدت الكثير منها لحساب الجماعات العقائدية التى كانت قد ظهرت فى هذه الفترة مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين والإشتراكيين وقد ردت السفارة البريطانية في مصر علي هذا القرار ببيان أعلنت فيه تمسكها بالمعاهدة وأن الحكومة البريطانية تعتبرها سارية المفعول هذا وبموجب إلغاء المعاهدة تم إطلاق لقب ملك مصر والسودان علي الملك فاروق وإمتدت موجات المد الوطنى وإرتفعت على نحو هائل فى أعقاب ذلك وقامت الحكومة بشكل غير رسمي بدعم هذه الموجات كما وفرت للعمال الذين إنسحبوا من خدمة القاعدة الإنجليزية بمنطقة القناة أعمالا بديلة ومن لم ينخرط منهم في عمل قررت له إعانة عاجلة حتي يجد عملا آخر ومع تصاعد أعمال العنف ضد القوات البريطانية في منطقة القناة تعددت مظاهر العنف من الجانب البريطانى وتمثل ذلك فى الحجر على حرية المواطنيين المصريين بحجة أو بأخرى وفى دخول القوات البريطانية لمدن القناة وإحتلال بعض مناطقها بحجة البحث عن الفدائيين المصريين إلا أنها وصلت إلى أقصي مداها بالمذبحة التى قامت بها القوات البريطانية والتى إستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة ضد قوت بلوكات النظام فى محافظة الإسماعيلية صباح يوم الجمعة 25 يناير عام 1952م عندما حاصرت القوات الإنجليزية مبني محافظة الإسماعيلية وطالبت قوات الشرطة بالإستسلام وتسليم أسلحتها وتم الإتصال بوزارة الداخلية في القاهرة وصدرت إليهم التعليمات بالصمود وعدم الإستسلام وقامت معركة غير متكافئة حيث واجهت قوات الشرطة ببنادقها البسيطة مصفحات ومدرعات ودبابات الإنجليز وإنتهت تلك المعركة بخروج قوات الشرطة المصرية من مبني المحافظة بدون إستسلام مرفوعة الرأس وكان علي رأسهم اليوزباشي أى النقيب مصطفي رفعت وإستشهد منهم عدد 50 شهيدا وأصيب عدد 80 منهم بجراح وقدم لهم الجنرال إكسهام قائد القوات الإنجليزية التحية العسكرية لهم هذا ويحتفل رجال الشرطة ومصر كلها فى مثل هذا اليوم من كل عام بهذه الذكرى العطرة ويعتبرونه عيدا للتضحية والفداء من أجل مصر .

وكان لهذه المذبحة ردود فعل واسعة كان أخطرها ماحدث فى القاهرة فى اليوم التالى مباشرة السبت 26 يناير عام 1952م من إحراق عدد من المؤسسات والمحال والمبانى والمنشآت الهامة فيما هو معروف بحريق القاهرة والذى كان بمثابة نهاية لآخر وزارة حزبية قبل قيام ثورة يوليو عام 1952م كما كان بمثابة بداية النهاية والإحتضار للنظام الملكي كله وبالإضافة إلي ذلك ففى الساعة السادسة من صباح نفس اليوم السبت 26 يناير عام 1952م تمرد جنود بلوكات النظام فى العباسية وخرجوا يحملون أسلحتهم وساروا فى مظاهرة شبه عسكرية بشوارع القاهرة حتى وصلوا الى جامعة فؤاد الأول سابقا القاهرة حاليا وهناك إختلطوا بطلاب الجامعة وسار الجميع وقد إنضمت إليهم فئات من الشعب إلى رئاسة مجلس الوزراء وفى فناء المجلس أعلنوا إحتجاجهم على ماحدث لزملائهم بالإسماعيلية على أيدى القوات البريطانية وطالبوا بالسلاح لمواصلة الكفاح وقتال الإنجليز وتطورت الأحداث التى أدت إلى مزيد من الحرائق بالقاهرة وهو الحادث الذى لم تعرف أسبابه حتى الآن والحقيقة أن الحرائق كان من الممكن السيطرة عليها فى بدايتها ولكن ثورة الشعب العارمة والسخط الشعبي المتزايد والذى كان قد بلغ مداه قد زادتها إشتعالا حتي قيل إن شرارة الغضب قد أشعلت من الحريق فى القاهرة أكثر مما أشعلته يد التدبير الآثمة الخفية التى بدأت عملية الحريق وكان آخر إجتماع للوزارة الوفدية القائمة قد تم عقده مساء يوم السبت 26 يناير عام 1952م وكان قد تقرر نزول قوات الجيش إلي شوارع القاهرة للسيطرة على الحالة الأمنية قبله وقد عقد الإجتماع بمنزل النحاس باشا بحي جاردن سيتي بالقاهرة وفى الساعة العاشرة والنصف أذاعت الوزارة مرسوما وقعه الملك بإعلان الأحكام العرفية فى جميع أنحاء البلاد بداية من مساء هذا اليوم وتعيين النحاس باشا حاكما عسكريا عاما وكان أول قرار أصدره بهذه الصفة منع وحظر التجوال فى القاهرة وضواحيها وبندر الجيزة منعا باتا فيما بين الساعة السادسة مساءا والساعة السادسة من صباح اليوم التالى وإغلاق المحال التجارية فى هذه الفترة كما أصدر أمرا بمنع التجمهر وبإعتبار كل تجمهر مؤلف من 5 أشخاص فما يزيد مهددا للسلم والأمن العام ويعاقب كل من يشترك فيه بالحبس مدة لاتزيد على سنتين وهكذا كان آخر عمل للوزارة إعلان الأحكام العرفية نظرا لما وصلت إليه الحالة الأمنية بالبلاد وفي صباح يوم الأحد 27 يناير عام 1952م تسلم النحاس باشا فى منزله كتاب إقالة وزارته موقعا عليه من الملك وأسدل بذلك الستار علي آخر وزارة شكلها حزب الوفد وكانت كذلك آخر وزارة حزبية خلال العهد الملكي كما أسلفنا القول وكلف الملك فاروق علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة الجديدة دون إبطاء وفي أسرع وقت ممكن وعلي عجل .

وخلال الفترة من يوم 27 يناير عام 1952م وحتي قيام ثورة 23 يوليو عام 1952م شهدت البلاد إضطرابا وإرتباكا شديدين حيث تم إقالة وزارة علي ماهر باشا يوم أول مارس عام 1952م وتكليف أحمد نجيب الهلالي باشا بتشكيل الوزارة الجديدة والتي مكثت في الحكم حتي يوم 2 يوليو عام 1952م لتخلفها وزارة حسين سرى باشا والتي لم تمكث في الحكم سوى أيام قلائل تفجرت خلالها أزمة كبيرة مع ضباط الجيش نتيجة عدم رضا الملك عن نتائج إنتخابات مجلس إدارة نادى ضباط الجيش وقرار الملك بحل مجلس الإدارة المنتخب برئاسة اللواء محمد نجيب قائد سلاح المشاة حينذاك والذى تم إنتخابه تحديا لإرادة القصر حيث كان القصر يؤيد مرشحا آخر ضد اللواء محمد نجيب حينذاك وهو اللواء حسين سرى عامر قائد سلاح حرس الحدود وكان هذا التصرف بمثابة شرارة إندلاع ثورة 23 يوليو عام 1952م فقد كان صبر ضباط الجيش علي الأوضاع السياسية المتردية في البلاد وعلي عبث الملك فاروق قد نفذ ولم يعد هناك حلا أو منفذا سوى التخلص من الملك ونظامه إلي الأبد وإلي غير رجعة وقد عاشت هذه الوزارة أغلب أيامها القليلة تواجه هذه المشكلة التي تسبب فيها الملك بعناده فبينما كان يحاول رئيس مجلس الوزراء ووزير داخليته محمد هاشم باشا تهدئة حدة المشكلة وإيجاد حل مناسب لها كانت تصرفات الملك ورجال الديوان الملكى وحاشية القصر وحيدر باشا القائد العام للجيش تزيد من أسباب حدتها وتتصاعد بأحداثها وكأنهم يرسمون نهايتهم الحتمية بأيديهم ومما زاد من حدة الأزمة أن الملك قام بإرسال مذكرة إلى رئيس مجلس الوزراء تتضمن إنذارا لحيدر باشا قائد الجيش بأنه يعتبر مفصولا من منصبه إذا لم يعمل خلال 5 أيام على تنفيذ قرار حل مجلس إدارة نادى الضباط ونقل أعضائه خارج القاهرة وسارع حيدر باشا لتنفيذ الأمر وهو ما أثار الضباط وأدى إلى تقديم محمد نجيب إستقالته وحاول سرى باشا إنقاذ الموقف بأن طلب من الملك تعيين اللواء محمد نجيب وزيرا للحربية ورفض القصر طلب رئيس مجلس الوزراء مما دعاه الى تقديم إستقالته فى يوم 20 يوليو عام 1952م لعدم تمكنه من حل هذه المشكلة أمام عناد الملك وسده الطريق أمام أى حل من الممكن أن يخفف من وطأة الأزمة وبالرغم من محاولات الملك وحاشيته إثناء سرى باشا عن الإستقالة إلا أنه صمم عليها وقد أدت بوادر حركة الجيش التي كانت قد بدأت تبدو في الأفق من ناحية وإستقالة وزارة حسين سرى باشا من ناحية أخرى إلى الوصول بالقصر إلى طريق شبه مسدود فلم يجد الملك منه مخرجا سوى إستدعاء الهلالى باشا مرة أخرى لسمعته الطيبة ليكلفه بتشكيل الوزارة الجديدة وكان للهلالى باشا شروطه فى قبول تشكيله الوزارة منها إبعاد كريم ثابت من الإذاعة وكان مسيطرا عليها لحساب القصر وأن يختار الهلالى باشا وزراءه كما يشاء دون أى تدخل من جانب القصر والحاشية والديوان الملكي وأن يتم إبعاد العناصر الفاسدة من رجال الحاشية وأن يتم رفع الأحكام العرفية المعلنة في البلاد وعلى أن تقرر الوزارة الجديدة موعد الإنتخابات البرلمانية الجديدة بدون أى تدخل من جانب القصر ولم يكن أمام الملك سوى الرضوخ لطلبات الهلالي باشا وقبول هذه الشروط التى تألفت بمقتضاها الوزارة بعد ظهر يوم الثلاثاء 22 يوليو عام 1952م وكانت هذه الوزارة من أقصر الوزارات عمرا في التاريخ فلم تدم اكثر من 18 ساعة ففي صباح اليوم التالي الأربعاء 23 يوليو عام 1952م وقبل أن تكمل يوما كاملا في الحكم أى 24 ساعة قامت حركة الجيش وتم إقالتها وتكليف علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة الجديدة كما تم نفي الملك فاروق إلي إيطاليا وغادر مصر مساء يوم 26 يوليو عام 1952م علي اليخت الملكي المحروسة متوجها إلي ميناء نابولي في إيطاليا ومنها إلي روما والتي عاش متنقلا بينها وبين إمارة موناكو حوالي 13 عاما لم يعد خلالها إلي مصر إلا بعد أن وافته المنية في شهر مارس عام 1965م عن عمر يناهز 45 عاما ليدفن في ترابها .

ومع قيام ثورة يوليو عام 1952م بدأت جولة مفاوضات جديدة مع بريطانيا بدأت يوم 27 يوليو عام 1954م وإنتهت بتوقيع إتفاقية الجلاء عن مصر يوم 19 أكتوبر عام 1954م وقد وقعها من الجانب المصرى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بصفته رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت ومن بريطانيا اللورد ستانسجيت وزير الدولة للشئون الخارجية وتم الإتفاق على أن تتم عملية الجلاء علي عدة مراحل كما تم الإتفاق عما سوف يتبع حيال القاعدة البريطانية في القناة وقد تمت المرحلة الأولى من الجلاء في يوم 18 فبراير عام 1955م و الثانية في يوم 16 يونيو عام 1955م والثالثة في يوم 25 مارس عام 1956م والرابعة والأخيرة في يوم 18 يونيو عام 1956م حيث تم جلاء آخر جندي بريطاني عن أرض مصر ورفع العلم المصري لأول مرة على مبنى البحرية البريطانية والمتواجد في ذلك الوقت في ميناء بورسعيد وقد جاء في ديباجة هذه الإتفاقية أنه بعد الإطلاع على الإعلان الدستوري الصادر في يوم 10 فبراير عام 1953م وعلى القانون رقم 637 لعام 1954م بالموافقة على الإتفاق وملحقيه والخطابات المتبادلة الملحقة به والمحضر المتفق عليه المعقود بين حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة والموقع عليه بالقاهرة في يوم 19 أكتوبر عام 1954م وبناءا على ما عرضه وزير الخارجية وأن يعمل به إعتبارا من يوم 19 أكتوبر عام 1954م وأن علي الوزراء تنفيذ هذا القرار كل فيما يخصه وشملت هذه الإتفاقية عدد 13 مادة منها أن تجلو قوات صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا جلاءا تاما عن الأراضي المصرية خلال فترة عشرين شهرا من تاريخ التوقيع على الإتفاقية وعلي أن تعلن حكومة المملكة المتحدة إنقضاء معاهدة التحالف الموقع عليها في لندن في يوم 26 أغسطس عام 1936م وكذلك المحضر المتفق عليه والمذكرات المتبادلة والإتفاق الخاص بالإعفاءات والميزات التي تتمتع بها القوات البريطانية فى مصر وجميع ما تفرع عنها من إتفاقات أخرى تخص هذه المعاهدة كما شملت الإتفاقية تقديم حكومة جمهورية مصر تسهيلات مرور الطائرات وكذا تسهيلات النزول وخدمات الطيران المتعلقة برحلات الطائرات التابعة لسلاح الطيران الملكي البريطاني التي يتم الإخطارعنها وأن تقر الحكومتان المتعاقدتان أن قناة السويس البحرية التي هي جزء لا يتجزأ من مصر طريق مائي له أهميته الدولية من النواحي الإقتصادية والتجارية والإستراتيجية وأيضا تعربان عن تصميمهما على إحترام الإتفاقية التي تكفل حرية الملاحة في القناة الموقع عليها في القسطنطينية في يوم 29 أكتوبر عام 1888م