abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
تعرف على حياة ملهم الوجودية مابين القوة والجنون
تعرف على حياة ملهم الوجودية مابين القوة والجنون
عدد : 04-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


فريدريش فيليم نيتشه فيلسوف الماني وناقد ثقافي وشاعر وملحن ولغوي وباحث في اللغتين اللاتينية واليونانية وكان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث وكان قد بدأ حياته المهنية في دراسة فقه اللغة الكلاسيكي قبل أن يتحول إلى الفلسفة بعمر الرابعة والعشرين كما أنه أصبح أستاذ كرسي اللغة في جامعة بازل في عام 1869م حتى إستقال بعد 10 سنوات في عام 1879م بسبب المشاكل الصحية التي إبتلي بها معظم حياته وأكمل العقد التالي من عمره في تأليف أهم كتبه وفي عام 1889م وفي سن الرابعة والأربعين عانى من إنهيار وفقدان لكامل قواه العقلية وعاش سنواته الأخيرة في رعاية والدته وشقيقته حتى توفي عام 1900م عن عمر يناهز 56 عاما .

كان نيتشه من أبرز الممهدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميز كتب نصوصا وكتبا نقدية حول الدين والأخلاق والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية والمثالية الألمانية وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضا بلغة المانية بارعة ولذا فهو يعد من بين الفلاسفة الأكثر شيوعا وتداولا بين القراء وكثيرا ما تفهم أعماله خطأً أحيانا على أنها تحمل أساس الأفكار الرومانسية والعدمية ومعاداة السامية وحتى النازية لكن بعض الدارسين يرفضون هذه المقولات بشدة ويقولون إنه كان ضد هذه الإتجاهات كلها وإنه يعد ملهما للمدارس الوجودية وما بعد الحداثة في مجالي الفلسفة والأدب في أغلب الأحيان وإنه قد روج لأفكار إعتقد كثيرون أنها مع التيار اللاعقلاني وقد إستخدمت بعض آرائه فيما بعد من قبل أيديولوجيي الفاشية والنازية وعلي رأسهم الزعيم الألماني أدولف هتلر ومن ثم تبنى العديد من الأفكار المعادية للسامية والقومية والمناهضة للماركسية وقد رفض نيتشه المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان والميتافيزيقا بشكل عام ودعا إلى تبني قيم أخلاقية جديدة وإنتقد الكانتية وهي المدرسة الفلسفية التابعة لأفكار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت وذلك فيما يخص أرائه وتوجهاته الفكرية في مجالات فلسفة العقل ونظرية المعرفة والأخلاقيات وإنتقد أيضا الهيجلية وهو المصطلح الجمعي لحركات فلسفية تطورت عن أعمال الفيلسوف الألماني جورج هيجل وهي تعتبر إستيفاء للمدرسة المثالية الألمانية والتي أثرت على فلاسفة القرن التاسع عشر الميلادى في المانيا وخارجها وتتميز حاليا بمجموعة واسعة من المواقف الفلسفية وتنقسم حسب توجهات ممثليها إلى هيجلية يمينية وهيجلية يسارية كما سعى نيتشه إلى تبيان أخطار القيم السائدة عبر الكشف عن آليات تم عملها عبر التاريخ كالأخلاق السائدة والضمير وعلاوة علي ذلك يعد نيتشه أول من درس الأخلاق دراسة تاريخية مفصلة حيث قدم نيتشه تصورا مهما عن كيفية تشكيل الوعي والضمير فضلا عن إشكالية الموت وعلي الرغم من أن نيتشه كان رافضا للتمييز العنصري ومعاداة السامية والأديان ولا سيما المسيحية لكنه رفض أيضاً المساواة بشكلها الإشتراكي أو الليبرالي بصورة عامة .


ولد فريدريش نيتشه في يوم 15 أكتوبر عام 1844م في قرية قرب بلدة لوتسن في مقاطعة سكسونيا التابعة لبروسيا في ذلك الوقت لقس بروتستانتي لوثري وكان أجداده من جهتي الأب والأم ينتمون للكنيسة البروتستانتية منذ حركة الإصلاح في القرن السادس عشر الميلادى وكان العديد من أفراد أسرته قساوسة وسماه والده فريدريش لأنه ولد في نفس اليوم الذي ولد فيه فريدريش الكبير ملك بروسيا حيث كان والده مربيا للعديد من أبناء الأسرة الملكية وبعد سنتين ولدت شقيقته إليزابيث في عام 1846م وتوفي والده بعد ذلك بثلاثة سنوات في عام 1849م وهو في الخامسة من عمره كما توفي شقيقه الأصغر عام 1850م فإنتقلت الأسرة إلى مدينة ناومبورج والتي تقع حاليا في ولاية سكسونيا أنهالت بوسط المانيا علي بعد حوالي 60 كيلو متر من مدينة ليبزيش وقد أصبح صديق الأسرة برنارد داشسيل وزير العدل في وقت لاحق رسميا الوصي على الشقيقين اليتيمين فريدريش وإليزابيث بعد وفاة والدهما وبين عام 1850م وعام 1856م عاش نيتشه في أسرة من النساء هم أمه وأخته وجدته وعمتيه غير المتزوجتين والخادمة وبعد وفاة الجدة في عام 1856م تمكنت أم نيتشه من أن تستأجر مسكنا مستقلا لها ولأطفالها ودخل نيتشه في أول الأمر مدرسة عامة للبنين لكنه شعر أنه معزول جدا هناك فأُرسل إلى مدرسة خاصة حيث كون صداقات مع أبناء الأسر الراقية وعاش حياة مدرسية عادية ومنضبطة وسماه أصدقاؤه القسيس الصغير لكونه كان قادرا على تلاوة الإنجيل بصوت مؤثر منذ عام 1854م وهو في سن العاشرة وفي عام 1857م وهو في سن الثالثة عشرة ساعده القس جوستاف أوسوالد الذي كان صديقا مقربا من والده في الإستعداد لإمتحان القبول في المرحلة الثانوية وفي يوم 5 أكتوبر عام 1858م تم قبول نيتشه لمنحة دراسية في مدرسة الدولة المتقدمة بفورتا التي كانت معروفة عالميا وكان مستواه الأكاديمي جيدا جدا وفي وقت فراغه كان يكتب الشعر ويؤلف الموسيقى وقد ظل طول حياته يحب الموسيقى الكلاسيكية وقام بمحاولات لتأليفها وقد درس في بفورتا حتى عام 1864م والتي كانت بيئتها مختلفة جدا عن بيئة أسرته المسيحية وتعلم هناك اللغات اللاتينية واليونانية والعبرية والفرنسية ليتمكن من قراءة أمهات الكتب بلغاتها الأصلية وفي تلك الفترة تعرف نيتشه على الشاعر إرنست أورتلب الذي كان غريب الأطوار ومعروفا بالتجديف وكان نيتشه معجبا به جدا وقد تعرف من خلاله على موسيقى ريتشارد فاجنر ولكنه كان أكثر الوقت مخمورا وقد وجد ميتا في حفرة بعد أسابيع من لقاء نيتشه به وفي شتاء عام 1864م إلتحق نيتشه بجامعة بون لدراسة فقه اللغة الكلاسيكي واللاهوت البروتستانتي وبالإضافة إلى المنهج المقرر كرس نيتشه نفسه لدراسة أعمال الهيجيليين الشباب بما في ذلك كتب برونو باور النقدية عن الإنجيل وكتاب حياة يسوع لدافيد شتراوس وكتاب طبيعة المسيحية للودفيش فويرباخ الذي جاء فيه أن الناس هم الذين خلقوا الإله وليس العكس وترك هذا أثرا على نيتشه الشاب وقد شجعه ذلك وخيب أمل والدته في إتخاذ قرار ترك دراسة اللاهوت بعد فصل دراسي واحد وفي رسالة لأخته المتدينة إليزابيث كتبها في شهر يونيو عام 1865م ظهر فيها فقدانه للإيمان حيث قال فيها ومن ثم فإن طرق الرجال تفترق إذا كنت ترغب في سلام الروح والطمأنينة فعليك بالإيمان وإذا كنت ترغب في أن تكون نصيرا للحقيقة فعليك بالشك .


وقرر نيتشه التركيز على دراسة علم اللغة وتأثر بما كتبه الفيلسوف الألماني الشهير آرثر شوبنهاور ولم يكن مرتاحا للوضع في بون فإنتقل لاحقا بأستاذه في جامعة بازل فريدريش ريتشل إلى جامعة ليبزيش بولاية سكسونيا في عام 1865م وهناك ظهرت أول منشورات نيتشه الفلسفية بعد فترة وجيزة وفي نفس العام 1865م درس نيتشه بدقة أعمال وكتب الفيلسوف آرثر شوبنهاور وإنغمس في قراءتها وهو مدين بصحوته الفلسفية لكتاب شوبنهاور العالم كإرادة وتصور وقد ذكر في وقت لاحق أن شوبنهاور واحد من عدد قليل من المفكرين الذين يحترمهم وكرس له مقالا بعنوان شوبنهاور كمعلم في كتابه تأملات قبل الأوان وتأثر أيضا في تلك الفترة بالفيلسوف الكانتي فردريك البرت لانج وكتابه تاريخ المادية الذي صدر عام 1866م وخلال تلك الفترة أقام صداقة وثيقة مع زميله الباحث التاريخي إرفين رود وإشتركا معا في عام 1866م في تأسيس جمعية فقه اللغة الكلاسيكي في جامعة ليبزيش وفي نفس العام أيضا 1866م إندلعت الحرب النمساوية البروسية وهي الحرب التي نشبت في صيف هذا العام بين الإتحاد الألماني تحت قيادة الإمبراطورية النمساوية وحلفاءها الألمان من جهة ومملكة بروسيا ومن حالفها من الألمان ومملكة إيطاليا من جهة أخرى وأسفرت هذه الحرب عن سيطرة البروسييين على الدول الألمانية ومن ثم إحتل البروسيون ليبزيش وفي عام 1867م وعلى الرغم من ضعف بصره وكونه الإبن الوحيد لأمه الأرملة إلتحق نيتشه بالجيش الألماني المتصف بالصرامة تحت نظام السنة الواحدة بسلاح المدفعية البروسية في نورمبيرج بولاية بافاريا وفي شهر مارس عام 1868م تعرض لحادثة سقوط خطيرة من على الفرس وأصبح عاجزا عن المشي لعدة أشهر وبسبب الإًصابة ألتي لحقت به بسبب هذه الحادثة أعفاه قائد فرقته من الخدمة وإستغل فترة علاجه للتفرغ وإنهاء دراساته الفلسفية في الجامعة فأنهاها آخر ذلك العام وقد ظل طول عمره متأثرا بالحياة العسكرية والأخلاق الإسبرطية بمعني التقاليد الصارمة في القيادة والتوجيه والتدريب التي عرفها أثناء فترة تجنيده في الجيش وفي ذلك العام أيضا كان لقاؤه الأول مع الموسيقار الألماني الشهير ريتشارد فاجنر وقد مثل له ذلك أهمية كبيرة خلال فترة من حياته وفي سنة التخرج إهتم نيتشه بالمسرح والفلسفة الإغريقية القديمة حيث فضل الفلاسفة الطبيعيين أو الحكماء الطبيعيين أو من يعرفون أيضا بالفيزيوقراطيين وحكماء ما قبل سقراط وهم من مهدوا لبزوغ الفلسفة في بلاد الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد على الذين ظهروا فيما بعد مثل الفيلسوفين الكبيرين سقراط وأرسطو وتأثر بالفلسفة الأبيقورية بشكل خاص والمقصود بها المذهب الفلسفي الذى أنشأه الفيلسوف اليوناني أبيقور ونسبت إليه وساد لمدة ستة قرون ومؤداه أن اللذة هي وحدها الخير الأسمى والألم هو وحده الشر الأقصى والمراد باللذة في هذا المذهب بخلاف ما هو شائع هو التحرر من الألم والإهتياج العاطفي وقد أكد أبيقور أن هذه المتعة لا تتم للمرء عن طريق الإنغماس في الملذات الحسية بل بممارسة الفضيلة وأقر اللذة الحسية لأن الإنسان كالحيوان يسعى إلى لذائذه بفطرته ولكنه حول اللذة الحسية إلى مذهب في الزهد فاللذة عنده تجمع بين الزهد والمنفعة وقد دعا إلى الحياة السعيدة دون أن تستعبد الإنسان شهوته وهو بذلك يؤثر اللذات العقلية والروحية علي اللذات الجسمية والحسية .


وفي عام 1869م عين نيتشه وكان سنه 25 عاما أستاذا مشاركا لعلم اللغة الكلاسيكي في جامعة بازل بالمدينة التي تحمل نفس الإسم والتي تقع عند إلتقاء الحدود الألمانية والسويسرية والفرنسية وذلك حتي قبل أن يحصل على شهادة الدكتوراة وقبل إستلام شهادة التأهل للأستاذية وذلك بناءا على توصية كل من فريدريش ريتشل أستاذه في جامعتي بون وليبزيش وفيلهلم بيلفينجر الأستاذ الجامعي والسياسي السويسري المعروف ومما يذكر أن عرض التدريس هذا جاءه في وقت كان فيه يفكر في التخلي عن علم اللغة والإتجاه للعلوم وحتى يومنا هذا لا يزال نيتشه من بين أصغر الأساتذة الذين تم تسجيلهم في هذه الجامعة وعمل نيتشه في نفس الوقت مدرسا للغات في المدارس الثانوية وبناءا علي طلبه تخلى نيتشه عن الجنسية البروسية بعد إنتقاله إلى بازل وظل بدون جنسية بقية حياته ومع ذلك فهو قد خدم في الحرب الفرنسية البروسية لفترة قصيرة كمسعف على الجانب الألماني ويشار إلي هذه الحرب أحيانا بإسم الحرب السبعينية والتي إستمرت من يوم 19 يوليو عام 1870م إلى يوم 10 مايو عام 1871م وكانت عبارة عن صراع مسلح نشب بين الإمبراطورية الفرنسية الثانية بقيادة نابليون الثالث والولايات الألمانية للإتحاد الألماني الشمالي بقيادة مملكة بروسيا وخلال ذلك الوقت أصيب نيتشه بأمراض الزحار والخناق وإحتاج لفترة نقاهة طويلة ونظر نيتشه بريب وتشكك إلى تأسيس الرايخ الألماني وحقبة المستشار الآلماني الحديدى الشهير أوتو فون بسمارك مؤسس الإمبراطورية الألمانية أو ما عرف بالرايخ الألماني الثاني لكنه تأثر بوحدة المانيا وزعيمها بسمارك ورأى فيه في أول الأمر كمالا للشخصية الألمانية ويقول نيتشه في رسالة من عام 1868م بسمارك يمنحني سعادة غامرة أقرأُ خطَبه كما لو كانت نبيذا مسكرا لكنه لاحقا وصفه بالمغامر المضحك وفي عام 1870م وهو في جامعة بازل تعرف على زميله أستاذ الإلهيات الملحد فرانز أوفيربيك الذي ظل صديقا له حتى فترة مشاكله العقلية قرب نهاية حياته كما كان يكن تقديرا لزميله الأكبر سنا أستاذ التاريخ المعروف ياكوب بوركهارت وكان يشهد محاضراته كما كان نيتشه يزور بإستمرار ريتشارد فاجنر في بيته في كانتون لوتسيرن بسويسرا وفي عام 1872م نشر نيتشه أول عمل مهم له ولادة المأساة من روح الموسيقى وهي دراسة تبحث أصل المأساة وقد إستبدل طرق الدراسة اللغوية الكلاسيكية بالدراسة الفلسفية التكهنية ويتحدث فيها عن الأساطير الإغريقية وإرتباط الحضارة بالموسيقى وفي تلك الدراسة طور أسلوبه في علم النفس حيث حاول شرح المأساة اليونانية من خلال مفهومي أبولو وديونيسوس ولم يعجب البحث معظم زملائه الكلاسيكيين وقد هاجم أستاذ فقه اللغة الكلاسيكي أولريش موليندورف دراسة نيتشه بكتاب فيلولوجيا المستقبل فتدخل صديقاه إرفين رود الذي كان بروفيسورا في جامعة كيل بشمال المانيا والموسقي ريتشارد فاجنر للدفاع عنه وهنا عبر نيتشه بصراحة حول العزلة التي شعر بها داخل مجتمع علماء اللغة وحاول دون جدوى الإنتقال إلى منصب في مجال الفلسفة في بازل وإن كان كتابه المأساة قد لاقى بعض المديح ولام نيتشه الجامعات والمعاهد الألمانية على نبذها للفيلسوف آرثر شوبنهاور وغيره من الفلاسفة مما حدا بهم إلى نبذه هو الآخر حيث رأوا فيه عالماً لغويا لا غير وفي عام 1873م بدأ نيتشه في تجميع كراسات تم نشرها بعد وفاته تحت عنوان الفلسفة في العصر المأساوي لليونانيين بين عام 1873م وعام 1876م ونشر أربعة مقالات طويلة منفصلة أولها ديفيد شتراوس المعترف والكاتب وثانيها حول إستخدام وإساءة إستخدام التاريخ من أجل الحياة وثالثها شوبنهاور كمعلم ورابعها ريتشارد فاجنر في بايرويت وقد ظهرت هذه المقالات الأربعة في وقت لاحق في كتاب أصدره نيتشه بعنوان تأملات قبل الأوان وقد إتجهت هذه المقالات نحو النقد الثقافي في هجوم عنيف على الثقافة الألمانية النامية على ضوء أفكار الفيلسوف آرثر شوبنهاور والموسيقار ريتشارد فاجنر ولم تلاق هذه المقالات صدى يذكر في حينه .

وفي هذه الفترة من مسيرة حياة نيتشه إلتقي في حلقة فاجنر الثقافية بهانز فون بولوف والكاتبة مالويدا فون ميسنبوج وبدأت أيضا صداقته مع الفيلسوف بول ري الذي حضه في عام 1876م على رفض التشاؤم الذي رآه في كتاباته المبكرة وفي ذلك العام أيضا أصيب نيتشه بخيبة أمل من مهرجان بايرويت الموسيقي الذي كان يقيمه فاجنر سنويا ويعد حدثا سنويا هاما يتم إقامته حتي يومنا هذا في مدينة بايرويت التي تقع في ولاية بافاريا بحنوب المانيا ويتم تخصيصه للأعمال الأوبرالية له حيث أثار إشمئزازه تفاهة العروض المقدمة وإنحطاط الحضور وكان ردة فعله موجهة بالأخص إلى فاجنر وإستنكر إحتفاءه بالثقافة الألمانية التي يراها نيتشه متناقضة وكذلك إحتفاله بشهرته وسط الجمهور الألماني كل هذا دفع نيتشه لينأى بنفسه عنه ومع نشر كتابه إنساني إنساني جدا في عام 1878م وهو عبارة عن مجموعة من الأمثال التي تتراوح بين الميتافيزيقا والأخلاق إلى الدين والدراسات الجنسانية ظهر بوضوح أسلوب نيتشه الجديد المتأثر بشكل كبير بكتاب الفكر والواقع للفيلسوف الروسي الكانتي أفريكان سبير وقد حمل هذا الكتاب رد فعل ضد الفلسفة المتشائمة لفاجنر وشوبنهاور وشاب البرود أيضا صداقة نيتشه برفيقيه إرفين رود وبول ديوسن وبعد إنحدار كبير في صحته وتفاقم نوبات الصداع النصفي وإضطرابات المعدة التي أصيب بها فضلا عن قصر النظر الشديد الذي أدى في النهاية إلى العمى العملي الذى عطله عن واجباته في التدريس إستقال نيتشه عام 1879م من منصبه في جامعة بازل ومما يذكر كان نيتشه حين تعرف على ريتشارد فاجنر قد رأى فيه تجسيداً للعبقرية وعاش معه فترة رافقه فيها في رحلاته لكنه إنقلب ضده وكانت القطيعة بينهما هي الشرارة التي أطلقت فكر نيتشه مثل العاصفة على القيم الأوروبية إذ رأى في المسيحية إنحطاطا ونفاقا وأن النمط الأخلاقي الصائب هو النمط الإغريقي الذي كان يمجد القوة والفن ويستخف بالرقة والنعومة وطيبة القلب التي رآها من صفات المسيحية وفي هذه الفترة دفعته أمراضه في البحث المستمر عن الظروف المناخية المثلى بالنسبة له فسافر كثيرا وعاش في أماكن مختلفة ككاتب مستقل حتى عام 1889م حيث جال أصقاع أوروبا لكي يجد مكان يناسب حالته الصحية وأقام فترات الصيف في سلس ماريا جنوب شرقي سويسرا في أعالي الجبال وكان يعتمد قبل كل شيء على راتب التقاعد الممنوح له كما كان يتلقى المساعدات المالية من حين لآخر من الأصدقاء وكان يقضي الصيف غالبا في سان موريتز في سويسرا وفصل الشتاء في جنوة أو تورينو بإيطاليا أو في نيس بجنوب فرنسا وبعد الإحتلال الفرنسي لتونس فكر في السفر إلى تونس كي يرى أوروبا من الخارج لكنه إستبعد الفكرة لأسباب صحية وكان يزور عائلته بإستمرار في ناومبورج وكان دائم الخلاف ثم المصالحة مع أخته إليزابيث وذات مرة وأثناء وجوده في جنوة دفعه ضعف النظر إلى محاولة إستخدام الآلات الكاتبة كوسيلة لمواصلة الكتابة لكنه في النهاية إستعان بطالبين سابقين عنده ليعملا لديه تقريبا كسكرتيرين وتكفل أحدهما وإسمه بيتر جاست بنقل ما كتبه نيتشه بخط يده وظل منذ ذلك الوقت ينسخ ويدقق ويصحح كل أعمال نيتشه تقريبا وكان واحدا من عدد قليل جدا من الأصدقاء الذين سمح لهم نيتشه بإنتقاده .

وفي عام 1882م نشر نيتشه جزءا من كتابه الحكمة الممتعة الذي يصفه نيتشه بأنه أقرب كتبه إليه وقد إحتوى هذا الكتاب على عدد كبير من القصائد وظهرت فيه لأول مرة فكرة موت الإله وفي ذلك العام إلتقى نيتشه لأول مرة بلو أندرياس سالومي وهي فتاة بروسية عمرها 21 عاما وأمضيا الصيف في تورينجن بالمانيا وكانت ترافقه أخته إليزابيث ولم يكن نيتشه يعتبر سالومي ندا مساويا له بل كطالبة موهوبة وقد ذكرت سالومي أن نيتشه طلب منها الزواج في ثلاث مناسبات وأنها رفضت على الرغم من أن مصداقية حديثها موضع تساؤل وفي الحقيقة كانت علاقة نيتشه بسالومي معقدة وهي في الأساس صديقة صديقه بول ري فهو يذكر في إقتباسات له من تلك المرحلة خلف كل مشاعر الرجل تجاه إمرأة يقبع إحتقار لجنسها الإنسان شيء غير كامل أبدا وإن حب شخص ما سيدمرني وإنه في كل حوار بين ثلاثة أشخاص يكون هناك شخص غير ذي ضرورة ويمنع تعمق الحوار وقد إنقطعت علاقة نيتشه مع سالومي في شتاء عام 1883م ويرجع ذلك جزئيا إلى مؤامرات أخته إليزابيث وذلك بعد أن أحب تلك الفتاة البروسية التي فارقته بعد رفضها له وزواجها وذلك بعد أن كان قد قبل الأرض من تحت قدميها لكي تقبل به لكنها رفضته فهام بها وقادته إلى الجنون ومن جانب آخر فقد وقع نيتشه في الحب عدة مرات لكنه فشل بسبب عينيه الحادتين ونظراته المخيفة برأي الفتيات لذا إتسمت حياته بالكآبة حتى نهايتها وفي خضم نوبات متجددة من المرض عاش نيتشه في عزلة بعد مقاطعته والدته وشقيقته بسبب سالومي ففر إلى رابالو بإيطاليا وهناك كتب في عشرة أيام فقط الجزء الأول من كتابه الأشهر هكذا تكلم زرادشت الذي مزج شعرا قويا وحساسا مع مبادئ فلسفية مبتكرة وواقعية ونداء إلى نظرة فلسفية جديدة حيث أعاد النظر بالمبادئ الأخلاقية الفلسفية ولم تعد بعده الفلسفة الأخلاقية كما كانت وفي تلك الفترة كان يجد صعوبة في النوم وكان يتعاطى الأفيون الذي كان شائعا في القرن التاسع عشر الميلادى ويقول عن ذلك في إحدى رسائله عزيزتي لو عزيزى رى إعتبراني كليكما كما المخبول ملتهب الرأس الذي حيرته تماما العزلة الطويلة الحالة التي صرت إليها بعد أن تعاطيت جرعة كبيرة من الأفيون بسبب اليأس بدلا من أن يضيع عقلي بسبب ذلك أظن أن شيئا من عقلي قد عاد لي وفي عام 1883م حين كان يقيم في نيس بجنوب فرنسا كان يصرف وصفات طبية لدواء هيدرات الكلورال المهدئ وكان يذيلها بتوقيع الدكتور نيتشه وأصيب نيتشه حينذاك بمرض شديد وشارف على الموت أكثر من مرة في هذا العام وأوصى أخته وخاطبها قائلا إنما إذا ما مت يا أختاه لا تجعلي أحد القساوسة يتلو علي بعض الترهات في لحظة لا أستطيع فيها الدفاع عن نفسي ولكن لم تتحقق أمنيته إذ تلا عليه القساوسة بعد حوالي 17 سنة حينما مات في عام 1900م في ساعة دفنه ولكنه في هذا العام شفي وذهب إلى جبال الألب ليتعافى ويكمل كتابه هكذا تكلم زرادشت . وبعد أن قطع نيتشه علاقاته الفلسفية مع شوبنهاور وعلاقاته الإجتماعية مع فاجنر لم يبق لنيتشه إلا عدد قليل من الأصدقاء وبعد كتاب زرادشت ذي الأسلوب الجديد صارت أعمال نيتشه أكثر غرابة وإستقبلها السوق بأقل إهتمام وكان نيتشه يعرف ذلك ويشتكي منه لكنه زاد من عزلته وقد ظلت كتبه غير مباعة إلى حد كبير في عام 1885م ولم يطبع إلا 40 نسخة فقط من الجزء الرابع من زرادشت وزع معظمها بين الأصدقاء المقربين وفي عام 1883م حاول وفشل في الحصول على وظيفة محاضر في جامعة ليبزيش وقد إتضح له بعد ذلك أنه نظرا لمواقفه من المسيحية ومن الإله أصبح غير مقبول في أي جامعة المانية وقال في رسالة لمساعده بيتر جاست إنه قد أثارتني مشاعر الإنتقام والإستياء والغضب لأنني أدركت بكل معنى ممكن أن هذه الوسائل البائسة من سوء سمعة إسمي وشخصيتي وأهدافي كافية لتأخذ مني الثقة والإمكانية في الحصول على تلاميذ وفي عام 1886م إختلف نيتشه مع ناشره إرنست شميتسنر بعد أن إستاء من سوء تسويق كتبه حيث رأى نيتشه أن كتبه مهملة ومدفونة في هذا المستودع المعادي للسامية واصفا شميتسنر وحركة معاداة السامية بأنه يجب على كل عقل راشد أن يرفضها كلية وبكل إزدراء وبعد ذلك طبع نيتشه كتابه ما وراء الخير والشر على نفقته الخاصة كما حصل على حقوق النشر لأعماله السابقة وعلى مدى العام التالي 1887م أصدر طبعات ثانية من كتبه ولادة المأساة وإنساني إنساني جدا والحكمة الممتعة وأضاف إليها مقدمات جديدة ليضع مجمل أعماله في سياق أكثر تماسكا وبعد ذلك رأى أن عمله قد إكتمل وأعرب عن أمله في أن يزداد قراؤه قريبا وفي الواقع إزداد الإهتمام بفكر نيتشه شيئا ما في ذلك الوقت وإن كان ببطء وبالكاد لاحظه هو وفي عام 1886م أيضا تزوجت شقيقته إليزابيث وسافرت هي وزوجها إلى باراجواي بأمريكا الجنوبية وإستمرت علاقة نيتشه بأخته إليزابيث من خلال المراسلات وتخللتها فترات خلافات ومصالحات ولم يلتقيا مرة أخرى إلا بعد إنهياره العقلي وظل نيتشه يتعرض لهجمات متكررة ومؤلمة من المرض مما جعل العمل المتواصل مستحيلا سواء كان جسديا أو عقليا وأصبحت حياته حياة إستثنائية في مصارعة الألم والصداع وآلام الرأس والإستفراغ نتيجة إصابته بمرض الزهرى الذي إلتقطه من بيت دعارة في ليبزيش وفي عام 1887م كتب نيتشه مؤلفه المثير للجدل عن جنيالوجيا الأخلاق وخلال العام نفسه إتجه لقراءة أعمال الكاتب الروسي الكبير فيدور دوستويفسكي وشعر بأنه قريب منه في كتاباته كما تبادل رسائل مع المؤرخ الفرنسي المعروف إيبوليت تين والناقد الدانماركي جورج براندز وقد دعاه براندز إلى قراءة فلسفة سورين كيركجور التي كان يدرسها فرد نيتشه بأنه سيأتي إلى كوبنهاجن ليقرأ كيركجور معه لكن المرض منعه من الوفاء بهذا الوعد وفي بداية عام 1888م قدم براندز في كوبنهاجن واحدة من أوائل المحاضرات عن فلسفة نيتشه وعلى الرغم من أن نيتشه قد ذكر في نهاية كتابه عن جنيالوجيا الأخلاق أن عمله القادم سيكون بعنوان إرادة القوة في محاولة لإعادة تقييم جميع القيم فإنه تخلى عن هذه الفكرة وبدلا من ذلك إستخدم بعض مسودات ذلك الكتاب في تأليف كتبه التي نشرها ذلك العام وفي نفس العام ألف نيتشه خمسة كتب حيث كانت صحته قد تحسنت مؤقتا وفي الصيف كان في معنويات عالية لكن كتاباته ورسائله من خريف عام 1888م تشير بالفعل إلى بدء إصابته بالوهم حيث كان يبالغ في رؤية ردود الفعل على كتاباته خاصة كتابه المثير للجدل قضية فاجنر وفي عيد ميلاده الرابع والأربعين قرر أن يكتب سيرته الذاتية هو ذا الإنسان بعد أن أنهى كتابيه شفق الأصنام الذي كتبه في أسبوع والمسيح الدجال وفي شهر ديسمبر عام 1888م في رسائل له مع الكاتب السويدي أوجست ستريندبرج إعتقد نيتشه أنه كان على وشك تحقيق إنطلاقة دولية حيث حاول شراء حقوق كتبه القديمة من الناشر الأول وكان يخطط لأن تترجم إلى اللغات الأوروبية الرئيسية إضافة إلى ذلك كان يعتزم تجميع ونشر مقالة بعنوان نيتشه ضد فاجنر وتجميع قصائد له في ديوان .

وفي يوم 3 يناير عام 1889م تعرض نيتشه لإنهيار عصبي حيث لحق به شرطيان بعد إضطراب أحدثه في شوارع تورينو والقصة الحقيقية لهذا الحدث غير معلومة بدقة لكن الشائع أن نيتشه سمع صهيل حصان يجلد بالسوط في آخر ساحة قصر كارينيانو فركض إلى الحصان ثم رمى ذراعيه حول عنقه وإحتضنه ليحميه ثم إنهار على الأرض وقد شخص البعض سبب الإنهيار على أنه شلل تدريجي نتيجة لمرض الزهري الذى كان مصابا به ويعتبر هذا التحليل مثيرا للجدل حتى اليوم وفي الأيام التالية بعث نيتشه بمجموعة رسائل قصيرة عرفت فيما بعد بإسم رسائل الجنون إلى عدد من الأصدقاء من ضمنهم ياكوب بوركهارت وزوجة ريتشارد فاجنر بعضها ذيلها بتوقيع ديونيسوس وبعضها عليه توقيع المصلوب وبعد رؤية تلك الرسائل تنبه أصدقاؤه وأمه فأُرسِلوه إلى مستشفى الأمراض النفسية وفي لحظات معينة كان يظن نفسه أحيانا شكسبير وأحيانا أخرى قيصر أو ملك إيطاليا أو فاجنر أو يسوع أو نابليون أو بوذا أو الإسكندر المقدوني وفي يوم 6 يناير عام 1889م أطلع بوركهارت صديقه فرانز أوفربك على رسالة نيتشه وفي اليوم التالي إستلم أوفربك رسالة مماثله من نيتشه وهنا قرر أصدقاؤه أن عليهم إحضاره إلى بازل فسافر أوفربك إلى تورينو وأتى بنيتشه وعرضه على عيادة نفسية في بازل ومع مرور الوقت إتضح أن نيتشه كان يعاني مرضا عقليا خطيرا فقررت والدته نقله إلى مستشفى في مدينة يينا الألمانية تحت إشراف طبيب النفس والأعصاب السويسري أوتو بينزوانجر وفي نفس الشهر يناير عام 1889م تم نشر كتاب نيتشه الذي كان جاهزا أفول الأصنام وبين شهر نوفمبر عام 1889م وشهر فبراير عام 1890م حاول المؤرخ يوليوس لانجبان علاج نيتشه بنفسه مدعيا بأن أساليب الأطباء كانت غير فعالة في علاج حالة نيتشه وكانت والدة لانجبان قد تعرضت لمرض مماثل وتولى لانجبان علاج نيتشه لفترة لكنه لم ينجح وفي شهر مارس عام 1890م أخرجت أم نيتشه إبنها من المستشفى وفي شهر مايو عام 1890م جلبته إلى منزلها في ناومبورج وكان نيتشه حتى ذلك الوقت يستطيع إجراء بعض المحادثات القصيرة وخلال تلك الفترة كان صديقا نيتشه فرانز أوفربك وبيتر جاست يفكران فيما يجب القيام به نحو أعماله غير المنشورة فطبعا كتابه ضد فاجنر في طبعة محدودة بخمسين نسخة فقط وقررا عدم نشر كتاب المسيح الدجال وكتاب إيكو هومو بسبب محتواهما الراديكالي وفي ذلك الوقت بالذات بدأت أعمال نيتشه تلقى الإهتمام والإعتراف لأول مرة وفي عام 1893م عادت أخته إليزابيث من باراجواي بعد موت زوجها منتحرا وقامت بقراءة ودراسة كل أعمال أخيها وتولت منذّ ذلك الوقت العناية بها ونشرها فأسست عام 1894م ما أسمته أرشيف نيتشه وبعد موت والدته في عام 1897م نقلته أخته للإقامة في فايمار والتي تقع حاليا في ولاية تورينجن بوسط المانيا حيث كانت تقيم وتولت رعايته وسمحت بمجيء الزوار له وكان منهم المهندس المعمارى والفيلسوف النمساوى رودلف شتاينر الذي ألف عام 1895 واحدا من أوائل الكتب التي تشيد بنيتشه وقد إستعانت إليزابيث بشتاينر لفترة لمساعدتها على فهم فلسفة شقيقها ووفقا للرؤية الطبية السائدة في ذلك الوقت تم تشخيص مرض نيتشه بأنه ناتج عن تفاقم مرض الزهري ويرى معظم المعلقين أن إنهياره العقلي ليس له علاقة بفلسفته إلا أن جورج باطاي ألمح إلى عكس ذلك وكذلك التحليل النفسي الذي أجراه الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار الذي رأى فيه أن السبب هو خصومة نيتشه مع ريتشارد فاجنر ومنذ ذلك الحين ظهرت تحليلات عديدة عن سبب الإنهيار منها تشخيص حدوث مرض الهوس الإكتئابي ثم الذهان وهي حالة عقلية يحدث فيها خلل ضمن إحدى مكونات عملية التفكير المنطقي والإدراك الحسي والتي يليها حالة من ضعف الإدراك وبين عام 1898م وعام 1899م تعرض نيتشه مرتين على الأقل للسكتة الدماغية التي سببت له شللا جزئيا جعله غير قادر على الكلام أو المشي وبحلول عام 1899م تعرض لحالة شلل نصفي في الجانب الأيسر من جسده وبعد إصابته بإلتهاب رئوي حاد في منتصف شهر أغسطس عام 1900م تعرض بعد ذلك بعشرة أيام في ليلة 25 أغسطس لسكتة دماغية أخيرة وتوفي ظهر اليوم التالي ودفنته إليزابيث بجانب والده في كنيسة في لوتزن وألقى صديقه وسكرتيره بيتر جاست كلمة التأبين في جنازته وضمنها قوله سيكون إسمك المقدس لجميع الأجيال القادمة .

وقبل أن ننهي مقالنا عن نيتشه لابد وأن نذكر شيئا عن أهم كتبه وهو كتاب هكذا تكلم زرادشت وحقا كتب نيتشه بعده العديد من الكتب ولكنها كلها كانت تقريباً تعليقا على هذا الكتاب الذي كان يعتبره إنجيله الشخصي ولكنه واجه صعوبات كبيرة في نشره ولم يلق هذا الكتاب ترحيبا كبيرا في أوساط الجامعات الألمانية المتمسكة بالمثالية الهيجلية ويبدأ هذا الكتاب بقصة زرادشت نسبة إلى الحكيم الفارسي القديم الذي نزل من محرابه في الجبل بعد سنوات طويلة من التأمل ليدعو الناس إلى الإنسان الأعلى وهي الرؤية المستقبلية للإنسان المنحدر من الإنسان الحالي وهي رؤية أخلاقية وليست جسمانية حيث الإنسان الأعلى هو إنسان قوي التفكير والمبدأ والجسم إنسان محارب ذكي والأهم شجاع ومخاطر ويلتقي زرادشت بعدها بعجوز يصلي ويدعو الله فيستغرب ويقول أيعقل أن هذا الرجل العجوز لم يعلم أن الله قد مات وأن جميع الآلهة قد ماتت ويواجه زرادشت في البداية صعوبة كبيرة في جذب الناس إلى دعوته حيث يتلهون وينشغلون عنه بمراقبة رجل يلعب لعبة خطيرة على حبل عال لكن الرجل يقع فيأخده زرادشت بين يديه ويخاطبه أنه يفضله عن الجميع ويحبه لأنه عاش حياته في خطر ورجولة وهكذا يتابع زرادشت رحلته ودعوته ليعبر عن أفكار نيتشه التي ربما رأى البعض أنها عنصرية ومن هنا فإن الكثير من المؤرخين والمحللين والنقاد يعدون نيتشه من أعمدة النزعة الفردية الأوروبية حيث أعطى أهمية كبيرة للفرد وإعتبر أن المجتمع موجود ليخدم وينتج أفرادا مميزين وأبطالا وعباقرة ولكنه ميز بين الشعوب ولم يعطها الأحقية أو المقدرة نفسها حيث فضل الشعب الألماني على كل شعوب القارة الأوروبية وهو ما آمن وإقتنع به وأخذه عنه الزعيم الألماني أدولف هتلر كما إستُخدم أجزاء محددة من أعمال نيتشه لتكون أساسا لبرامج وأفكار الحزب النازي الذى كان يتزعمه في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين الماضي وكمبررات لنشاطاته وإلي جانب ذلك إعتبر نيتشه أن الثقافة الفرنسية هي أرقى وأفضل الثقافات بينما يتمتع الإيطاليون بالجمال والعنف والروس بالمقدرة والجبروت أما أحط الشعوب الأوروبية برأيه هي الإنجليز حيث أثارت الديموقراطية الإنجليزية وإتساع الحريات الشخصية والإنفتاح الأخلاقي إشمئزازه وإعتبرها دلائل إفتقار للبطولة ويمكننا القول بأن نيتشه قد دخل عالم الفلسفة عبر الفيلولوجيا كعالم لغوي وشاعر وهي دراسة الكتب التاريخية في إطارها التاريخي الصحيح من دون ترجمة ومكنته دراسته الجامعية من تحصيل ثقافة كونية شاملة وكان إهتمامه الأولي ومهنته هي الكتب الفلسفية اليونانية القديمة وكان الرافد الأساسي لكل ما قدمه في التفكير الفلسفي هو الفكر الإغريقي القديم الذي كان بالنسبة إليه مقياس الأشياء والذي رأى من خلاله إنحطاط عصره ولقد كان نيتشه أقرب إلى أن يكون أخلاقيا من أن يكون فيلسوفا بالمعنى المعروف في عصره إذ نظر للأخلاق وبحث فيها ولم ينظر للماهيات .

ويحسب لنيتشه تأثيره الكبير على فلسفة القرن العشرين الماضي وعلم اللاهوت والفن وبلا شك فقد ساهمت أفكاره في الفردية والأخلاق ومعنى الوجود في تفكير وإتجاهات فلاسفة كبار كثيرين جاءوا بعده مثل مارتن هيدجر وجايكوب ديريدا وميشيل فوكو وكارل يونج وسيجموند فرويد والأخيرين هما من الشخصيات المؤسسة لعلم النفس كما تأثر به كتاب وأدباء كبار من قبيل ألبير كامو وجان بول سارتر وتوماس مان وهيرمان هس وغيرهم وكان مما قاله عنه صديقه ريتشارد فاجنر قبل أن يفترقا أنت الكسب الوحيد الذي عادت به الحياة علي وقد قرأتك من جديد وأقسم لك أمام الله إنك الوحيد الذي يعرف ماذا أريد كما قال عنه الفيلسوف الوجودى الفرنسي المعاصر البير كامو إن مع نيتشه تغدو العدمية نبوية وفيه تصير لأول مرة واعية وقد تفحصها وكأنها واقعة سريرية وقد شخَّص في نفسه ولدى الآخرين عجزا عن الإعتقاد وزوال الأساس الأول لكل إيمان أي الاعتقاد بالحياة وبدلا من الشك المنهجي مارس النفي المنهجي والتدمير النظامي لكل ما يحجب العدمية عن نفسها ومن يشاء أن يكون خالقا سواء في الخير أم في الشر فعليه أولا أن يكون هداما وأن يحطم القيم وقال عنه توماس مان أرجح الظن إن نيتشه لم يعرف صفة مرضه لكنه كان مدركا تماما لما هو مدين له به فمن خاصة هذا المرض أن يستحدث ثملا تنداح فيه أمواج من السعادة والقدرة وتنتشي فيه قوى الحياة ذاتيا وقبل أن يغرق ضحيته في الليل العقلي ويقتله يمحضه تجارب وهمية من القدرة واليسر والوحي والإشراق ويقتاده إلى إعتبار نفسه أداة الإله ووعاء النعمة بل إلها متجسدا كما قال عنه أيضا الفيلسوف والكاتب وعالم المنطق والمؤرخ البريطاني المعاصر برتراند راسل إن نيتشه قد إعترض على المسيحية لأنها هي السبب لما أسماه أخلاق العبيد لا السادة وعنده ومن وجهة نظره أن المسيحية منحلة ومفعمة بالعناصر المفسدة العفنة ومنكرة لقيمة الكبرياء والإختلاف والمسؤولية العظمى والنزعة الحيوانية الرائعة وغرائز الحرب وتأليه العاطفة والثأر والغضب والشهوانية والمغامرة والمعرفة وكلها عناصر خير تقول عنها المسيحية إنها شر .
 
 
الصور :