abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
تعرف على العجوز صاحب المعجزة الإقتصادية الألمانية
تعرف على العجوز  صاحب  المعجزة الإقتصادية الألمانية
عدد : 04-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

كونراد هيرمان يوسف أديناور سياسي الماني خدم كأول مستشار لدولة المانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية من عام 1949م حتى عام 1963م وهي الدولة التي تألفت من مناطق الإحتلال الغربية الأميريكية والبريطانية والفرنسية في حين أقيمت جمهورية المانيا الشرقية في منطقة الإحتلال الشرقية من الأراضي الألمانية بتأييد الإتحاد السوفييتي السابق وكان هو من قاد الدولة الناشئة حديثا من أنقاض وخراب الحرب العالمية الثانية حيث كانت المانيا قد إستسلمت لدول الحلفاء في يوم 8 مايو عام 1945م ومن ثم وقعت في قبضة الدول الحليفة والتي قامت بتقسيمها كما ذكرنا في السطور السابقة إلي دولتين ثم بدأت الدول المحتلة للقسم الغربي من المانيا في تنفيذ خطة للإنتقال بدولة المانيا الغربية من وضع الحرب والإنتقام إِلى مرحلة جديدة من أجل إعادة تنظيم البلاد وذلك لتحويلها من دولة معادية محاربة إِلى بلد محتلة بمساعدة حكومة حليفة موالية لها وكان أديناور هو الرجل الذي وقع عليه الإختيار لإِدارة دفة السياسة الألمانية حينذاك فإستطاع خلال السنوات التي قضاها في السلطة أن ينتقل من الدور التنفيذي الذي كلفه القيام به قادة دول الحلفاء المنتصرين إِلى دور رجل الدولة وأن ينهض ببلاده المحتلة والمقسمة وأن يعيد لها كثيرا من الإعتبار والإحترام في مختلف الميادين الإقتصادية والسياسية والعلمية ومن ثم أصبحت بلاده دولة ديموقراطية حديثة ومنتجة ومزدهرة تتمتع بالإستقرار والإحترام الدولي كما إستطاع أن يقيم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأميريكية وفرنسا والمملكة المتحدة محققا بذلك ما أطلق عليه المعجزة الإقتصادية الألمانية وعلاوة علي ذلك ققد كان أول زعيم لحزب الإتحاد الديمقراطي المسيحي وهو حزب تم تأسيسه بأيديولوجية ديمقراطية مسيحية والذي أصبح تحت قيادته ومنذ تأسيسه الحزب الأكثر نفوذا في البلاد وقد ظل أديناور مستشارا لالمانيا حتى سن 87 سنة وكان يطلق عليه إسم Der Alte أى الرجل العجوز وقد قال عنه حينذاك المؤرخ البريطاني روي جنكينز إن أديناور هو السياسي الأكبر عمرا الذي يشغل منصبا منتخبا ومما يذكر أن أديناور كان لا يبدو عليه الكبر في السن بسبب عاداته في العمل المكثف وغريزته السياسية الخارقة وتفانيه بقوة لعرض رؤية واسعة لإقتصاد السوق المرتكز على أساس الديمقراطية الليبرالية ومعاداة الشيوعية وكسياسي داهية كان أديناور ملتزما بشكل عميق بسياسة خارجية ذات توجه غربي وإستعادة مكانة المانيا الغربية على الساحة العالمية وكان يعمل لإستعادة إقتصاد المانيا الغربية من دمار الحرب العالمية الثانية إلى مكانة مركزية في أوروبا مترأسا المعجزة الإقتصادية الألمانية كماأعاد تأسيس الجيش الألماني في عام 1955م وعلاوة علي ذلك فقد قام بإجراء إتفاقية تفاهم مع فرنسا الأمر الذي جعل من الممكن توحيد الإقتصاد في أوروبا الغربية وتحدى أديناور الدولة المنافسه له المانيا الشرقية وجعل أمته عضوا في حلف شمال الأطلسي وحليف قوي للولايات المتحدة الأميريكية ,
وقد ولد كونراد أديناور في يوم 5 يناير عام 1876م في مدينة كولونيا التي تقع علي نهر الراين شمال غرب المانيا في ولاية نورد راين فستفالين حاليا وكان أبوه يوهان كونراد أديناور يعمل موظفا صغيرا لدى الحكومة وكان هو الطفل الثالث بين إخوته الخمسة لأبيه وهم أغسطس ويوهانس وكانا الأكبر منه وليلي وإليزابيث وهما الأصغر منه وقد توفيت هذه الأخيرة بعد وقت قصير من ولادتها في عام 1880م وقد أنهى كونراد أديناور دراسته الثانوية في عام 1894م ثم بدأ في دراسة القانون والعلوم السياسية في جامعات فرايبورج وميونيخ وبون وفي عام 1896م وهو في سن 20 عاما تم إستدعاؤه للتجنيد في الجيش الألماني ولكنه لم يجتز الفحص الطبي بسبب إصابته بمشاكل مزمنة في الجهاز التنفسي لازمته منذ الطفولة وتخرج في عام 1900م وعمل محاميا في المحكمة في كولونيا كما كان عضوا في جمعيات عدة للطلاب الروم الكاثوليك تحت إشراف نادي الطلاب الكاثوليك في مدينة بون التي تقع علي مقربة من مدينة كولونيا حيث أنه كان روماني كاثوليكي متدين وفي عام 1906م تم تعيينه مساعدا لعمدة مدينته كولونيا ثم إنتخب لمنصب العمدة عام 1917م قبل نهاية الحرب العالمية الأولي بوقت قصير وظل في منصبه هذا حتى عام 1933م بعد أن خاض معارك إنتخابية حادة كما كان ايضا رئيسا لمجلس الدولة البروسية من عام 1922م وحتي عام 1933م وبإختياره عمدة لمدينة كولونيا عمل أديناور بشكل وثيق مع الجيش الألماني لزيادة دور المدينة كقاعدة خلفية للنقل والدعم للجبهة الغربية كما أنه أولى إهتماما خاصا مستخدما علاقات العمل الجيدة مع الحزب الديمقراطي الإجتماعي من أجل توفير إمدادات الغذاء للمدنيين وتمكين السكان من تجنب الوضع السئ من حيث النقص الحاد في السلع والخدمات الذي عانت منه معظم المدن الألمانية خلال الفترة مابين عام 1918م وعام 1919م وذلك لمواجهة الآثار السلبية لإنهيار النظام القديم وإمكانية قيام ثورة عارمة من الممكن أن تثير الفوضي على نطاق واسع مما يهدد الأمن والسلام في البلاد وبذلك حافظ أديناور على النظام في كولونيا وفي خطاب ألقاه يوم 1 فبراير عام 1919م دعا أديناور إلى حل بروسيا وإلى أن تصبح منطقة راينلاند البروسية المتاخمة للحدود الألمانية الفرنسية أرض مستقلة جديدة أو ولاية في الإمبراطورية الألمانية وكان ذلك بغرض منع فرنسا من ضمها وقد وقفت حكومة الرايخ وحكومة بروسيا تماما ضد هذا المقترح وعندما تم عرض بنود معاهدة فرساي التي فرضت العديد من القيود علي المانيا في شهر يونيو عام 1919م عرض أديناور مرة أخرى خطته على برلين لإقامة ولاية راينلاند ذاتية الحكم ومرة أخرى رفضت حكومة الرايخ طلبه .


وكانت المناصب التي شغلها أديناور سببا مباشرا في أنه قد أصبح يتمتع بمركز مرموق في الدولة والمجتمع إضافة إلي أنه إكتسب خبرة عميقة في الإِدارة من خلال شغله مناصبه المتعددة لسنوات طويلة كما إكتسب أنصارا كثيرين من الموظفين الذين يدينون له بالولاء والإحترام ومما يذكر أن شخصية أديناور كانت أكثر تأثرا بمنطقة الراين وتقاليدها الثقافية والإجتماعية وتكونت لديه قناعة تولدت من التجارب المريرة لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى بضرورة وضع حد للنزاع والحروب بين المانيا وجيرانها خاصة فرنسا وعلاوة علي ذلك كان أديناور رائدا سياسيا لحزب الوسط في جمهورية فايمار وهي الجمهورية التي نشأت في المانيا في الفترة من عام 1919م وحتي عام 1933م كنتيجة مباشرة للحرب العالمية الأولى وخسارة المانيا تلك الحرب وفرض عقوبات مجحفة عليها من جانب الدول المنتصرة وقد سميت الجمهورية الناشئه بإسم مدينة فايمار الواقعة بوسط شرق المانيا بولاية تورينجين الألمانية حاليا والتي إجتمع بها ممثلو الشعب الألمانى في عام 1919م لصياغة الدستور الجديد للجمهورية والذي إتبعته حتى عام 1933م حين تمكن الزعيم النازي أدولف هتلر من إحكام سيطرته على مقاليد الحكم في البلاد بعد توليه منصبي المستشارية ورئاسة الجمهورية وقد إعتبر المؤرخون هذا الحدث نهاية جمهورية فايمار وما بين عام 1933م وعام 1945م أى خلال الفترة التي اعقبت إستيلاء الحزب النازى علي السلطة في المانيا تحت قيادة الزعيم الألماني أدولف هتلر ثم قيام الحرب العالمية الثانية وحتي نهايتها عاش أديناور بعيدا عن الأضواء وتعرض للتهديد مرات عدة وإعتقل مرتين عدة أيام مرة مع آلاف آخرين بعد ليلة المدى الطويلة وهي عملية التطهير التي وقعت في المانيا النازية مابين يوم 30 يونيو عام 1934م ويوم 2 يوليو عام 1934م عندما نفذ النظام النازي سلسلة من عمليات الإعدام السياسية لمنتقدى ومعارضي حكمه ومرة أخرى بعد محاولة إغتيال هتلر في يوم 20 يوليو عام 1944م وذلك علي الرغم من أنه لم يقم بدور فعال في تلك المؤامرة والتي تزعمها ضابط في الجيش الألماني يدعي كلاوس شتاوفنبرج كان قد شارك في حملتي المانيا ضد بولندا وفرنسا وإستاء كثيرا من عنف الإحتلال الألمانى وديكتاتورية هتلر وسياسته التي أشعلت الحرب العالمية الثانية وإلتهمت الإقتصاد والشباب الألماني وذلك أثناء إجتماع كان مقررا له اليوم المذكور في مقر قيادته في بروسيا الشرقية وذلك بوضع قنبلة أسفل المنضدة التي سيجلس حولها هتلر ومعاونوه والقادة المدعوون لحضور الإجتماع وقد نجا هتلر من هذه المحاولة وتم القبض على المشاركين في محاولة الإغتيال وشكلت محكمة عسكرية لهم وحكمت على كل المتورطين فيها بالإعدام كما تم إعتقال أعداد كبيرة حامت حولها الشكوك بالإشتراك في هذه المحاولة كان منهم كونراد أديناور .


وبعد أن إنتهت الحرب العالمية الثانية بإستسلام المانيا للحلفاء في شهر مايو عام 1945م قامت قوات الإحتلال الأمريكية بإعادة تعيين أديناور في منصب عمدة مدينة كولونيا التي كانت قد تعرضت لقصف شديد وتعرضت العديد من منشآتها للدمار ثم تم في شهر ديسمبر عام 1945م نقل المدينة إلى منطقة الإحتلال البريطاني ومن ثم رفض رئيس حكومتها العسكرية الجنرال جيرالد تمبلر أديناور بحجة عدم الكفاءة وطرده من المدينة وحرمه من ممارسة أي نشاط سياسي وكان السبب المحتمل لهذا الرفض هو أن أديناور كان يعتبر الألمان متساويين مع قوات الحلفاء المحتلة وهي وجهة نظر لم تعجب البريطانيين مما أدى إلى إقالته من قبل البريطانيين وقد ساهمت هذه الإقالة بشكل كبير في نجاحه السياسي لاحقا وسمحت له بمواصلة سياسة التحالف مع الغرب في حقبة الخمسينيات من القرن العشرين الماضي دون مواجهة إتهامات بأنه خائن وأنه قد تعاون مع قوات الإحتلال وقد تم فك الحظر السياسي عنه بعد ذلك بوقت قصير فكرس نفسه لبناء حزب سياسي جديد وهو حزب الإتحاد الديمقراطي المسيحي وأعرب عن أمله في إحتضان كل من البروتستانت والرومان الكاثوليك في حزب واحد ومنذ ذلك الوقت إرتبط تطور السياسة الداخلية والخارجية لالمانيا ما بعد الحرب بإسم كونراد أديناور حيث تولى زعامة أكبر تجمع سياسي في البلاد وهو الحزب الذى قام بتأسيسه الحزب الديمقراطي المسيحي كما إنتخب رئيساً للمجلس النيابي التأسيسي لوضع دستور جديد للبلاد وتسلّم دفة الحكم عندما إنتخبه البرلمان الألماني الجديد مستشارا لالمانيا يوم 15 سبتمبر عام 1949م ومن ثم ترأس أول حكومة لجمهورية المانيا الإتحادية التي تأسست بتأييد الحلفاء الغربيين على أراضي مناطق الإحتلال الأميريكية والبريطانية والفرنسية عام 1949م وأصبح بذلك أول مستشار لالمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وإحتفظ بهذا المنصب أربعة عشر عاماً متواصلة حتى عام 1963م ليخلفه معاونه وأكبر مساعديه ووزير الإقتصاد في حكومته لودفيش إيرهارد والذى إشتهر بإصلاحاته الإقتصادية أثناء شغله منصب وزير الإقتصاد وهو صاحب نظرية إقتصاد السوق الإجتماعي التي صنعت المعجزة الإقتصادية الألمانية بعد خروج المانيا مدمرة تماما من الحرب العالمية الثانية وهو أيضا مؤلف كتاب الرفاهية للجميع وقد إحتفظ أديناور بعد تركه منصب المستشارية برئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي حتى عام 1966م وظل محتفظا بمقعده في المجلس النيابي الإتحادي في العاصمة الألمانية الغربية حينذاك مدبنة بون وهي المدينة التي تم إختيارها كعاصمة إدارية لجمهورية المانيا الإتحادية وذلك حتى وفاته وهو في سن الحادية والتسعين من عمره يوم 19 أبريل عام 1967م وجدير بالذكر أن إختيار بون كعاصمة إدارية لالمانيا الإتحادية كان إختيارا مثيرا للجدل حيث فضل أديناور بون وهي مدينة صغيرة نسبيا على مدينة فرانكفورت حيث وافق البريطانيون على فصل بون من منطقة الإحتلال الخاصة بهم وتحويلها إلى منطقة حكم ذاتي بالكامل تحت السيادة الألمانية ولم يكن الأميريكيون مستعدين لمنح نفس المزايا بالنسبة لفرانكفورت التي كانت تحت سيطرتهم كما رفض أديناور أيضا مدينة هايدلبرج التي كانت قد نجت من الحرب بحالة أفضل ويرجع ذلك جزئيا لإمتلاك النازيين شعبية هناك قبل وصولهم إلى السلطة وفي البداية مال أديناور كمستشار لالمانيا إلى إتخاذ معظم القرارات الكبرى بنفسه وتعامل مع وزرائه كمجرد إمتداد لسلطته في حين إنخفض هذا الإتجاه تحت قيادة خلفائه وهذا ما أنشأ صورة المانيا الغربية ولاحقا ألمانيا الموحدة في صورة مثالية للديمقراطية .

وبعد إختيار كونراد أديناور مستشارا لالمانيا بأيام قليلة وفي خطاب ألقاه يوم 20 سبتمبر عام 1949م ندد أديناور بكامل عملية إزالة أثر النازية المتفق على متابعتها من قبل الحكومات العسكرية المتحالفة معلنا في نفس الخطاب أنه يخطط لإستصدار قانون للعفو عن مجرمي الحرب النازيين وأنه يعتزم التقدم به إلى المفوضين الساميين للعفو المناسب للعقوبات التي فرضتها محاكم الحلفاء العسكرية وقال أديناور أيضا إن إستمرار عملية إزالة أثر النازية سوف تعزز وتنمي القومية المتطرفة حيث أن الملايين من الذين ساندوا النظام النازي سوف يجدون أنفسهم مستبعدين من الحياة الألمانية إلى الأبد وفي عام 1951م مررت القوانين من قبل البرلمان منهية عملية إزالة أثر النازية والتي كان ينظر لها من قبل الولايات المتحدة على أنها تأتي بنتائج عكسية وغير فعالة وكانت لا تعارض إنهائها وكان من رأى أديناور تحويل سياسة الحكومة إلى الإصلاح والتعويض لضحايا الحكم النازي وبموجب إتفاقية لوكسمبورج سمح للمسؤولين بإستعادة الوظائف في الخدمة المدنية بإستثناء الناس المصنفين ضمن المجموعة الأولى مجرمين كبار والثانية مجرمين ومن خلال إستعراض عملية إزالة أثر النازية ضغط أديناور لإعادة تأهيل النازيين السابقين من خلال التهديد بأن أي خروج من جانبهم عن الخط المرسوم يمكن أن يؤدي إلى إعادة فتح الملاحقات الفردية لهم وقد رفضت حكومة أديناور قبول خط أودرنايسه كحدود للقسم الشرقي من المانيا مع دولة بولندا وكان جزء كبير من هذا الرفض سببه تأييد حق المهجرين في العودة إلى ديارهم السابقة مدفوعا برغبته في كسب أصوات هؤلاء المهجرين والقوميين اليمينيين لحزب الإتحاد الديمقراطي المسيحي كما كان الغرض أيضا من هذا الرفض أن يكون التنازل عنه في إطار صفقة فيما إذا بدأت المفاوضات في أي وقت لإعادة توحيد المانيا بشروط إعتبرها أديناور غير مواتية مثل تحييد ألمانيا حيث أنه عرف جيدا بأن السوفييت لن يعيدوا النظر بخط أودرنايسه وجدير بالذكر أن هذا الخط الحدودى قائم على أساس جغرافي حيث أنه عبارة عن مجرى نهري أودر ونايسه حيث أن الأخير يصب في الأول ليصب في نهاية المطاف في بحر البلطيق وكانت الأراضي الواقعة شرقي هذا الخط موضع نقاش مؤتمر بوتسدام عام 1945م من قبل الحلفاء المنتصرين والذين جعلوها تحت إدارة بولندا وبعده تم إعتبار هذا الخط هو الخط الحدودي بين المانيا الشرقية وبولندا ما بين عام 1950م وعام 1990م على الرغم من المانيا الغربية قابلت ذلك بالرفض كما ذكرنا في السطور السابقة إلا أنها قبلته بتحفظ عام 1970م وفي عام 1990م وبعد إعادة توحيد المانيا جرى الإعتراف الرسمي من جانب البلدين بهذا الخط على أنه خط الحدود الفاصل بين البلدين وهو ما إستهدفه أديناور قبل ذلك بحوالي 40 عاما .

وكان بناء حكومة إتحادية قوية بشكل فعال واحدة من أعظم الإنجازات الهائلة لأديناور ولذا سنجده في إطار تخفيف القيود علي المانيا ما بعد الحرب والحصول علي ما يمكن من تنازلات من جانب دول الحلفاء قام أديناور بتوقيع إتفاقية سميت إتفاقية بيترسبيرج في شهر نوفمبر عام 1949م تحققت بموجبها أولي التنازلات من جانب دول الحلفاء حيث تم خفض عدد المصانع الألمانية المخطط لتفكيكها ومن جانب آخر أدت موافقته على الإنضمام إلى الهيئة الدولية لمنطقة الرور لإنتقادات شديدة وفي المناقشة اللاحقة في البرلمان قال أديناور ردا علي الإنتقادات التي تم توجيهها له إن الحلفاء قالوا لي بأن عمليات التفكيك سيتم إيقافها فقط إذا لبيت رغبة الحلفاء بالأمن فهل يريد الحزب الإشتراكي المعارض مواصلة تفكيك المصانع حتي نذهب إلى النهاية المرة وقد رد عليه زعيم المعارضة كورت شوماخر بوصف أديناور بأنه مستشار الحلفاء متهما إياه بوضع العلاقات الجيدة مع الغرب من أجل الحرب الباردة فوق المصالح الوطنية الألمانية ومن أجل وضع حجر أساس توحيد أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة فبعد عام من المفاوضات تم التوقيع على معاهدة باريس في يوم 18 أبريل عام 1951م والتي بموجبها تم تأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب وهي منظمة تكونت من ستة دول هدفت إلى وضع أساس للتطورات الحديثة في قارة أوروبا وتعتبر هذه الجماعة أول منظمة تستند إلى مبادئ أعلى من مبادئ القوميات وكان وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان أول من إقترح تأسيس هذه الجماعة في يوم 9 مايو عام 1950م بإعتبارها وسيلة لمنع إندلاع حرب جديدة بين فرنسا والمانيا حيث أعلن أن هدفها ليس جعل الحرب لا يمكن تصورها فحسب بل جعلها مستحيلة ماديا وكانت هذه المعاهدة لا تحظى بشعبية في المانيا حيث كان ينظر إليها على أنها محاولة فرنسية للسيطرة على الصناعة الألمانية وخاصة وأن ظروف المعاهدة كانت مواتية للفرنسيين وكانت وجهة نظر أديناور بشأن هذا الأمر أن الشئ الوحيد الذي يهمه هو التكامل والإندماج الأوروبي بما يحقق مصلحة بلاده وكان أديناور حريصا على أن يرى بريطانيا تنضم إلى الجماعة الأوروبية للفحم والصلب حيث أنه إعتقد أن السوق الحرة البريطانية ستكون أكثر موازنة لنفوذ الفرنسيين المتزايد ولتحقيق هذا الغرض زار لندن في شهر نوفمبر عام 1951م للقاء رئيس الوزراء ونستون تشرشل ولكنه إعتذر له قائلا إن بريطانيا لن تنضم إلى المجموعة الأوروبية للفحم والصلب لأن ذلك سيعني التضحية بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأميريكية وبدول الكومنولث البريطاني .

ومن الأهداف التي سعي لها أديناور أيضا منذ بداية فترته في منصب المستشارية العمل علي الضغط من أجل إعادة تسليح المانيا بعد إندلاع الحرب الكورية في يوم 25 يونيو عام 1950م دفاعا عن أوروبا الغربية ضد أى غزو سوفيتي محتمل وعلاوة على ذلك ففي نفس الوقت أسهم أيضا مناخ الأزمة بسبب عنتريات زعيم المانيا الشرقية فالتر أولبريخت الذي أعلن أن إعادة توحيد المانيا تحت الحكم الشيوعي باتت وشيكة في تهدئة المخاوف الفرنسية من إعادة تسليح المانيا وهنا إٌقترح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفين ما يسمى خطة بليفين في شهر أكتوبر عام 1950م والتي بموجبها تكون وظيفة قوات الجمهورية الإتحادية العسكرية كجزء من الجناح العسكري لمجموعة الدفاع الأوروبية متعددة الجنسيات وقد عارض أديناور بشدة خطة بليفين لكنه إضطر لتقديم الدعم لها عندما أصبح واضحا أن هذه الخطة كانت هي الطريقة الوحيدة لموافقة فرنسا على إعادة التسلح الألماني وفي هذا العام 1950م إندلع جدل كبير خارج المانيا عندما تبين أن وزير الدولة هانز جلوبكه قد لعب دورا رئيسيا في صياغة القوانين المعادية للسامية في المانيا النازية وقد أبقى أديناور جلوبكه في منصب وزير الدولة كجزء من إستراتيجيته للتكامل والإندماج مع دول أوروبا الغربية وبداية من شهر أغسطس عام 1950م بدأ أديناور بالضغط على الحلفاء الغربيين للإفراج عن جميع مجرمي الحرب الذين في عهدتهم ولا سيما من قوات الفيرماخت وترجمتها قوة الدفاع وهو الإسم الذى كان يطلق علي القوات المسلحة الألمانية الموحدة حيث إدعى أديناور أن إستمرار حبسهم سيجعل من إعادة تسليح المانيا أمرا مستحيلا وكان من المعروف آنذاك أن أديناور فيما سبق كان قد عارض سلسلة محاكمات نورمبيرج التي عقدت مابين يوم 20 من شهر نوفمبرعام 1945م وحتي يوم 1 أكتوبرعام 1946م بواسطة قوات الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية للعسكريين الألمان البارزين خلال فترة الحكم النازي والذين تم إتهامهم بإرتكاب فظائع بحق الإنسانية فى قارة أوروبا من بينها إنشاء معسكرات الإعتقال للمدنيين الأوروبيين والزج بهم فى تلك المعتقلات التى إتسمت بأسوأ الظروف المعيشية وعدم الإهتمام بسلامتهم ولا بتوفير أدنى سبل الراحة لهم فى تلك المعتقلات وبعد أن أصبح مستشارا طالب بالإفراج عن ما كان يسمى سبعة شبانداو وهم ما تم إعتبارهم مجرمي الحرب السبعة وأدينوا في هذه المحاكمات وسجنوا في سجن شبانداو ببرلين وفي يوم الثاني من شهر يناير عام 1951م إلتقى أديناور مع المفوض السامي الأمريكي جون ماكلوي للقول بأن تنفيذ الحكم بالإعدام في من صدر ضدهم هذا الحكم من العسكريين الألمان السابقين سوف يدمر وإلى الأبد أي جهد في إمكانية أن تلعب الجمهورية الإتحادية دورها في الحرب الباردة وفي إستجابة لمطالب أديناور وضغط من الرأي العام الألماني قام ماكلوي في يوم 31 يناير عام 1951م بتخفيض أحكام الإعدام الصادرة بحق أكثر من 102 منهم وتم تنفيذ الحكم في عدد 7 منهم فقط بينما نجا الباقون .

وفي العام التالي 1952م رفض أديناور العروض التي تقدم بها ديكتاتور روسيا ستالين الخاصة بإجراء عملية مقايضة لأجزاء من ألمانيا في شطريها فيما عرف بمذكرة ستالين كما تضمن العرض توحيد الكيانين الألمانيين في دولة واحدة محايدة مع إنشاء جيش وطني خاص لها لإحداث قوة عظمى منفصلة عن أوروبا الوسطى حيث كان أديناور وحكومته بالإجماع رافضين لمطلب ستالين وشاركوا الحلفاء الغربيين شكوكهم حول صدق هذا العرض ودعموا الحلفاء في ردودهم الحذرة وكان مدعوما بهذا الصدد من زعيم المعارضة كورت شوماخر وهو أمر نادر الحدوث جدا أن تتفق الحكومة والمعارضة ومن هنا كان الرفض القاطع لأديناور لما طلبه ستالين ومن جانب آخر فقد ندد بعض النقاد به لإضاعته فرصة جاءت في وقت مبكر لإعادة توحيد المانيا من جديد وأرسل السوفييت مذكرة ثانية ذات لهجة مهذبة وتم رفض طلبات ستالين مرة أخرى وبالنظر إلى واقع الحرب الباردة كانت عملية إعادة توحيد المانيا وإستعادة الأراضي التي فقدت في شرق ألمانيا أهداف غير واقعية في ذلك الوقت ولا يمكن تحقيقها وكان التهديد السوفييتي لجمهورية المانيا الإتحادية هو الهاجس الأكبر الذي ظل على الدوام يقلق أديناور في ذلك الوقت والذى كان يوجه إهتماماته وخططه السياسية مع الدول المجاورة ومن هذا المنطلق فقد شدد على ضرورة تكاتف العالم الحر للوقوف في وجه ذلك التهديد وكان ذلك سببا هاما أيضا أدى إلي تقوية حجة أديناور في ضرورة إعادة تسليح الجيش الألماني والدخول في حلف أوروبي غربي تتحول المانيا فيه الى حصن قوي يقاوم خطر التوسع الشيوعي ويمثل الإمكانية الوحيدة المتوافرة على صعيد الواقع لضمان حرية بلاده وإستقلالها ولذا سيبقي كونراد أديناور في التاريخ الألماني رجل السياسة الغربية بعد الحرب وذلك إلي جانب قيامه بمقاومة الشيوعية في المانيا ومن ثم فقد تلقى التأييد والثناء من زعماء الغرب وكان أديناور ينطلق في سلوكه هذا من قناعة راسخة أن المعسكر الشيوعي لا يفهم سوى سياسية القوة ومن ثم مضى قدما في وضع حجر الأساس لمشروع الوحدة الأوروبية خاصة وأنه جمع بين منصب المستشار ومنصب وزير الخارجية مابين عام 1951م وعام 1955م إضافة إلى تحقيق المصالحة التاريخية مع فرنسا بإتصالاته مع رئيسي الحكومة الفرنسية بيير منديس فرانس وجي موليه وتمخضت هذه الإتصالات بتوقيع معاهدة روما عام 1957م مع دول الحلفاء ثم باللقاء مع الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديجول في يوم 14 سبتمبر عام 1958م وتم فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين الأوروبيين الكبيرين اللذين كان تنافسهما ونزاعهما سببا رئيسيا في إندلاع حربين عالميتين في القرن العشرين الماضي وقد تم تتويج ذلك بوضع خطوط السياسة الجديدة القائمة علي التعاون والتكامل فيما بين البلدين في المعاهدة الفرنسية الألمانية التي وقعت عام 1963م بين المستشار الألماني أديناور والرئيس الفرنسي شارل ديجول واللذان نشأت بينهما صداقة قوية وبإختصار شديد نستطيع أن نلخص رؤية أديناور في مسألة الوحدة الألمانية بأنه قد إعتمد على سياسة القوة وعلى ما سمي بنظرية المغناطيس والتي تقوم على ضرورة تأسيس دولة قوية ومزدهرة ومتقدمة إقتصاديا وديمقراطية كالمانيا الغربية مندمجة مع الغرب بحيث ستكون هي المغناطيس الذي من شأنه أن يجلب في نهاية المطاف نظام المانيا الشرقية وهو الأمر الذى تحقق بالفعل بعد حوالي 40 عاما في يوم 3 أكتوبر عام 1990م علي يد المستشار الألماني الشهير هيلموت كول الذى شغل منصب المستشار الألماني لمدة 16 سنة خلال الفترة من عام 1982م حتي عام 1998م والذى أطلق عليه لقب مهندس الوحدة الألمانية بعد أن تم تمهيد الأرض وتهيئة جميع الظروف المناسبة والمناخ السياسي خاصة خارج المانيا والتي تضمن نجاح هذه الوحدة وإستمرارها .

وبخصوص العلاقات بين المانيا وإسرائيل فقد إعترف أديناور بإلتزام الحكومة الألمانية بتعويض إسرائيل عن المحرقة بإعتبارها الممثل الرئيسي للشعب اليهودي وقد بدأت المانيا المفاوضات مع إسرائيل لإستعادة الممتلكات المفقودة ودفع تعويضات لضحايا الإضطهاد النازي وتم إقرار هذه التعويضات بين إسرائيل والمانيا الغربية بموجب إتفاقية لوكسمبورج التي تم توقيعها عام 1952م حيث وافقت المانيا بموجبها على دفع تعويضات لإسرائيل بعد أن تم تجميع مطالب اليهود في مؤتمر المطالب اليهودية الذي مثل الضحايا اليهود في المانيا النازية وقد دفعت المانيا آنذاك نحو 3 مليارات مارك لإسرائيل وحوالي 450 مليون لمؤتمر المطالبات إلا أن المدفوعات قد إستمرت بعد ذلك حيث قدمت مطالبات جديدة في مواجهة معارضة شديدة سواء من الجمهور ومن الحكومة نفسها ولكن أديناور إستطاع الحصول على مصادقة البرلمان على إتفاق التعويضات فقط من خلال دعم الحزب الديمقراطي الإجتماعي وقد إنقسم الرأي العام الإسرائيلي حول قبول المال ولكن في نهاية المطاف وافقت الدولة الوليدة تحت قيادة ديفيد بن جوريون على أخذه معترضا عليه من قبل الجماعات الأكثر تطرفا مثل الآرجونزفاى الذين كانوا ضد هذه المعاهدات وكانت تلك المعاهدات سبب رئيسي لمحاولة إغتيال أديناور من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة وفي يوم 27 مارس عام 1952م إنفجر طرد كان مرسلا إلى المستشار أديناور في القيادة العامة لشرطة ميونيخ مما أسفر عن مقتل ضابط شرطة وقد كشفت التحقيقات أن العقل المدبر وراء محاولة الإغتيال كان مناحيم بيجين الذي أصبح لاحقا رئيس وزراء إسرائيل وهو الذى كان القائد السابق لمنظمة الآرجونزفاى ورئيس حزب حيروت في ذلك الوقت وكان في ذلك الوقت عضوا في البرلمان الإسرائيلي المعروف بإسم الكنيست وقد عارض بشدة موضوع التعويضات وشن حملة عنيفة علي قبولها معتبرا أن الدم اليهودي لا يقدر بثمن وكان هدفه من محاولة الإغتيال هذه الضغط على حكومة المانيا الغربية ومنع توقيع إتفاق التعويضات بينها وبين إسرائيل وكان من ضمن من شاركوا في هذه المؤامرة اليعازر سوديت مراسل صحيفة فرانكفورتر الجماينه تسايتونج الألمانية في إسرائيل وبعد عدة أسابيع إعتقل في فرنسا خمسة إسرائيليون إشتبه بضلوعهم في محاولة إغتيال أديناور كان أحدهم اليعازر سوديت ولم تعلن الحكومة الألمانية الغربية حينذاك أى تفاصيل عن حقائق هذه العملية لمنع أي ردود معادية للسامية من الجمهور الألماني .


وقبل أن نختم مقالنا هذا نستطيع أن نقول بإختصار شديد إن من أهم ما كان يميز أديناور الفطنة التي مكنته من إتخاذ القرارات المهمة التي كان يستبق بها الأحداث ويؤثر في توجيهها وفي تكوين الرأي العام حولها وكان نجاحه الكبير أن إستطاع في سنين قليلة إسترداد مكانة خاصة لبلاده المقسمة الممزقة والتي تعرضت كبرى مدنها وبنيتها التحتية لدمار شبه كامل وهو يدير حكومتها في ظل قوات الإحتلال وجدير بالذكر أنه في عام 1964م تم تأسيس مؤسسة بإسم كونراد أديناور وهي موالية للحزب الديموقراطي المسيحي الذى أسسه أيضا كونراد أديناور وهي مؤسسة غير ربحية تهتم بدعم الديمقراطية والمحافظة علي حقوق الإنسان وسيادة القانون وتعزيز السلام في أكثر من 120 دولة كما أن لديها 16 مكتبا في ألمانيا وأكثر من 80 مكتب في بلدان أخرى ومن أجل تحقيق أهدافها فهي تعتمد على المنظمات المحلية أي المجتمع المدني ممثلا في الشباب والأكادميين والمثقفين ورجال الأعمال كما تقوم المؤسسة أيضا بمتابعة ومراقبة الإنتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية في العديد من الدول حول العالم وعمل دراسات وتقارير حول سير العمليات الإنتخابية من بداية فتح باب الترشح مرورا بعملية الإقتراع وظهور النتائج ورصد أى تجاوزات خلال تلك المراحل وبالإضافة إلي ذلك تقدم هذه المؤسسة منح دراسية للطلبة الذين يريدون إستكمال دراستهم سواء بعد إتمام الدراسة الثانوية أو الجامعية بإحدى الجامعات الألمانية الحكومية أو الخاصة في تخصصات العلوم السياسية والعلوم الإجتماعية والآداب والإقتصاد والإعلام وذلك حسب الشروط التي تضعها كل جامعة من حيث السن والدرجات والتقديرات الحاصل عليها الطالب ومدى نشاطه من خلال منظمات المجتمع المدني ودرجة إجادته اللغة الألمانية .
 
 
الصور :
كونراد أديناور إلي اليمين وقيلي برانت مستشار المانيا في أوائل السبعينيات إلي اليسار عام 1961م أديناور في عام 1951م يقرأ في منزله في روندورف ملصق دعاية إنتخابية لأديناور كونراد أديناور