abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
" شليفن" رائد تطوير المناورات الحربية في القرن ال20
- شليفن- رائد تطوير المناورات الحربية في القرن ال20
عدد : 05-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


الفريد جراف فون شليفن وكثيرا ما يسمى بالكونت شليفن هو قائد وخبير عسكرى إستراتيجي الماني شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الإمبراطورية الألمانية من عام 1891م حتى عام 1906م وأطلق إسمه على الخطة التي وضعها في عام 1905م لهزيمة الإمبراطورية الروسية في الحرب العالمية الأولى والجمهورية الفرنسية الثالثة في الحرب العالمية الثانية ، وربما كان شليفن أفضل خبير عسكرى إستراتيجي معاصر معروف في وقته وذلك على الرغم من النقد الموجه إلى ضيق أفقه في التمسك الشديد بالتعاليم التقليدية العسكرية وكان لنظرياته العسكرية الخاصة بالعمليات الأثر العميق في تطوير المناورات الحربية في القرن العشرين الماضي بدرجة كبيرة بواسطة دراسته الإبداعية التي كانت بعنوان كاناي وهو إسم المعركة القديمة التي وقعت عام 216 ق.م وفيها هزم القائد القرطاجني هانيبال أو حنبعل الرومان ولقد قتلت نظرياته بحثا لاسيما في الأكاديميات العسكرية في الولايات المتحدة الأميريكية وقارة أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى ولقد كان مفكرو العسكرية الأميريكية ينظرون بإجلال وتقدير بالغين إلى شخصيته لدرجة أن عمله الأدبي الأساسي كاناي ترجم ووزع على أفراد جيش الولايات المتحدة الأميريكية وعلى الجمعيات الأكاديمية ولقد أشار كل من القائدين الأميريكيين الجنرال والتر بيديل سميث رئيس الأركان العامة ودوايت أيزنهاور القائد الأعلى لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية والعديد من ضباط الأركان وهم ممن تخرجوا من هذه الأكاديميات أنهم تشبعوا بأفكار شليفن وخاصة فيما يتعلق بالمناورات الجزئية والشاملة كذلك فإن الجنرال إريك لودندورف تلميذ شليفن وصانع النصر في معركة لييج خلال عملية غزو بلجيكا والتي كانت أول عملية عسكرية في الحرب العالمية الأولى كان من طبق تعليمات التطويق في معركة تاننبرج بالإشتراك مع الجنرال باول فون هيندنبورج ضد القوات الروسية في الأيام الأولى للحرب وكانت معركة مهمة بين القوات الألمانية والقوات الروسية حدثت في الفترة بين يوم 26 ويوم 30 أغسطس عام 1914م وإنتهت بإنتصار للقوات الألمانية وتدمير القوات الروسية الغازية وبعد فترة طويلة من وفاته إعترف ضباط هيئة الأركان العامة الألمانية فيما بين الحربين العالميتين وفترة الحرب العالمية الثانية لا سيما القائد الألماني خلال الحرب العالمية الأولي الجنرال هانز فون سيكت لشليفن بالجميل على نظرياته أثناء تطوير عقيدة الحرب الخاطفة التي إتبعها القادة الألمان وعلي رأسهم جيرد فون رونتشتيت وهاينز جوديريان وإرفين روميل وحققت نتائج مبهرة في المراحل الأولي من الحرب العالمية الثانية وإستطاعوا بها إكتساح كل من بولندا وفرنسا وتحقيق إنتصارات مذهلة علي الجيش الثامن البريطاني في جبهة شمال أفريقيا وهي تسمي أيضا حرب البرق وبالألمانية تسمي بليتزكريج وهي عبارة عن مفهوم عسكري يستخدم في العمليات الهجومية يعتمد علي عنصر المفاجأة والهجوم بسرعة والضغط علي نقاط ضعف العدو ومنعه من الصمود دفاعيا وإستغلال حالة إنعدام الوزن والإضطراب لديه لتحقيق النصر .

ولد شليفن في برلين في يوم 28 فبراير عام 1833م وكان أبوه ضابطا في الجيش البروسي وإلتحق بالجيش عام 1854م عندما كان في سن 21 عاما وتحرك سريعا إلى الأركان العامة وشارك في الحرب النمساوية البروسية عام 1866م والتي تعرف أيضا بـحرب التوحيد وحرب الأسابيع السبعة والحرب الأهلية الألمانية والتي نشبت في صيف العام المذكور بين الإتحاد الألماني تحت قيادة الإمبراطورية النمساوية وحلفاءها من الدوقيات الألمانية الجنوبية من جهة ومملكة بروسيا ومن حالفها من الدوقيات الألمانية الشمالية ومملكة إيطاليا من جهة أخرى وقد أسفرت هذه الحرب عن سيطرة البروسييين على الدوقيات الألمانية مما مهد إلي تأسيس الإمبراطورية الألمانية أو ما يسمى بالرايخ الألماني الثاني علي يد مستشار المانيا الشهير أوتو فون بسمارك عام 1871م وشارك أيضا في الحرب الفرنسية البروسية ويشار لها أحيانا بإسم الحرب السبعينية والتي إستمرت من يوم 19 يوليو عام 1870م وحتي يوم 10 مايو عام 1871م وكانت عبارة عن صراع مسلح نشب بين الإمبراطورية الفرنسية الثانية بقيادة نابليون الثالث والولايات الألمانية للإتحاد الألماني الشمالي بقيادة مملكة بروسيا وكان سببه طموح بروسيا بتوحيد الأمصار الألمانية وخوف فرنسا من تغير موازين القوى الأوروبية إذا نجحت بروسيا في مسعاها وبعض المؤرخين يقولون إن المستشار البروسي أوتو فون بسمارك أثار عمدا هجوم فرنسي من أجل جذب الدوقيات الألمانية الجنوبية المستقلة إلى تحالف مع الإتحاد الألماني الشمالي الذي تسيطر عليه بروسيا بينما يقول آخرون إن بسمارك لم يخطط لذلك وأنه إستغل بمهارة وحنكة سياسية الظروف التي ترتبت علي قيام هذه الحرب وإستطاع أن يؤسس الإمبراطورية الألمانية كما ذكرنا في السطور السابقة عام 1871م وفي عام 1884م أصبح شليفن رئيسا لقسم التاريخ العسكري بالأركان العامة وفي عام 1891م حل محل الكونت فون فالدرسي ليكون رئيس الأركان العامة البروسية بعد أن أمضى 37 عاما في الخدمة العسكرية وفي عام 1905م قدم شليفن خطة شليفن وهي مخطط لغزو كل من روسيا وفرنسا من شأنه أن يجعل المانيا لا تخوض الحرب على هاتين الجبهتين في نفس الوقت بل يتم أولا هزيمة فرنسا سريعا ومن ثم تثبيت هذه الجبهة ثم يتم الإنتقال بسرعة إلى جبهة روسيا وكان السبب الرئيسي الذى دعا شليفن للتفكير في وضع هذه الخطة أنه كانت قد إرتبطت المانيا مع الإمبراطورية النمساوية المجرية ومع مملكة إيطاليا بإتفاقية تحالف تم إبرامها عام 1882م فرد عليها الروس والفرنسيون بإتفاقية تحالف مماثلة تم إبرامها بعد 10 سنوات أى في عام 1892م وقد خلق هذا التحالف وضعا ومأزقا صعبا لالمانيا إذ أنه قد أصبح عليها الآن في حالة نشوب أي حرب مع روسيا أو فرنسا أن تحارب كليهما على جبهتين في نفس الوقت وكان مجموع قواتهما يتفوق كثيرا على قوات المانيا .

وأمام هذا الوضع الصعب بدأ شليفن في التفكير في إيجاد حل لهذا الموقف الصعب فإفترض أن الجيش الروسي يحتاج أشهرا لكي يتم تعبئته وذلك نظرا لكبر مساحة روسيا وكبر حجمه لذلك يجب أولا توجيه ضربة سريعة قوية وسريعة نحو القوات الفرنسية قبل أن يتم تعبئة القوات الروسية وعندما تتم هذه الأخيرة إستعداداتها يكون الجيش الألماني جاهزا لمواجهتها وهزيمتها ولم يستبعد الألمان إحتمال تعبئة الروس قواتهم بسرعة ولكنهم إن فعلوا فإنهم سيشنون هجوما على إقليم بروسيا الشرقية الذى يقع في بولندا حاليا والتي كانت مقسمة بين روسيا والمانيا وبالنسبة لفرنسا فستقوم القوات الألمانية بحركة إلتفافية واسعة تبدأ بهجوم نحو هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج ثم تتجه جنوبا نحو الحدود البلجيكية الفرنسية ثم تتجه نحو العاصمة الفرنسية باريس وفي نفس الوقت ستكون هناك خطة خداع للقوات الفرنسية بحيث لا تعرف أن هذا هو الهجوم الرئيسي ومن ثم ستقوم بهجوم نحو الحدود الألمانية الفرنسية وبذلك لن يجد الألمان قوة فعالة تصد هجومهم وقد تم إعتماد هذه الخطة عام 1906م وهو نفس العام الذي ترك فيه شليفن رئاسة الأركان وفي العام التالي تولى رئاسة الأركان الجنرال هيلموت فون مولتكه الأصغر الذي سيطبق هذه الخطة في بداية الحرب العالمية الأولى ويشاء القدر ألا يحضر شليفن هذا التطبيق إذ توفي في عام 1913م قبل حوالي 19 شهرا من قيام الحرب العالمية الأولي وذلك عندما دخلت المانيا تلك الحرب في شهر أغسطس عام 1914م حيث صار لزاما على فون مولتكه تطبيق هذه الخطة لكنه أدخل عليها بعض التعديلات ولم يلتزم بها إلتزاما دقيقاً إذ ألغى الهجوم على هولندا لخوفه من أن يغرق الهولنديون أراضيهم المنخفضة لإعاقة تقدم القوات الألمانية كما لم يلتزم ببعض التفصيلات الأخرى وبدأ الألمان تنفيذ خطة شليفن المعدلة في يوم 2 أغسطس عام 1914م وقاموا بإحتلال لوكسمبورج بدون أن يعلنوا الحرب وطلبوا من بلجيكا أن تسمح لقواتهم بالمرور فيها وصولا إلي فرنسا وكان الرد الطبيعي من البلجيكيين وعلى رأسهم ملكهم البرت الأول هو رفض هذا الطلب بشدة وفي اليوم التالي 3 أغسطس عام 1914م أعلنت الإمبراطورية الألمانية الحرب علي فرنسا وحسب خطة شليفن كما ذكرنا كان على القوات الألمانية الهجوم علي هولندا ثم علي بلجيكا ولوكسمبورج لغرض القيام بحركة إلتفافية كبيرة بغرض تطويق القوات الفرنسية إلا أنه قد تم إلغاء غزو هولندا كما ذكرنا ايضا في السطور السابقة كما كانت هناك صعوبة أخلاقية تمثلت في كون بلجيكا ولوكسمبورج دولتين محايدتين وكانت الحكومة البريطانية قد تعهدت بضمان هذا الحياد لكن مع هذا هجمت المانيا علي بلجيكا يوم 4 أغسطس عام 1914م فيما عرف بإسم معركة لييج والتي تم إعتبارها المعركة الأولي في الحرب العالمية الأولى والتي إستمرت حتي يوم 16 أغسطس عام 1914م عندما إستسلم الحصن الأخير في بلجيكا وفي اليوم التالي قامت حكومة بريطانيا بإعلان الحرب على المانيا لإنتهاكها حياد بلجيكا وفي يوم 7 أغسطس عام 1914م خطت أولى الوحدات البريطانية على الأرض الفرنسية لمساعدة حليفتها فرنسا .

وقد لقي الألمان من البلجيكيين مقاومة أكبر بكثير من المتوقع وعلي الرغم من سقوط مدينة لييج يوم 5 أغسطس عام 1914م إلا أن المقاومة في القلاع المحيطة بها إستمرت لعشرة أيام أخرى وبالإضافة إلى ذلك قام البلجيكيون بتخريب سككهم الحديدية فأدى ذلك إلى تعطل الإمدادات الألمانية وبالتالي إلى تعطل الهجوم الألماني ولحسن حظ الألمان لم يقدم الفرنسيون مساعدة فعالة للبلجيكيين وفي يوم 23 أغسطس عام 1914م تم إحتلال نامور وصار للألمان حرية كبيرة في تنفيذ خطة شليفن والهجوم على فرنسا ومع ذلك لم يتم إعلان إحتلال بلجيكا بشكل رسمي إلا بسقوط ميناء أنتويرب في يوم 9 أكتوبر عام 1914م ولمواجهة الغزو الألماني لفرنسا قام القائد الفرنسي العام جوزيف جوفري بشن هجوم على الحدود الألمانية الفرنسية وبالرغم من أن جوفرى لم يستبعد أن يهجم الألمان عبر بلجيكا المحايدة إلا أنه لم يتوقع أن ذلك الهجوم هو الهجوم الرئيسي وظل مشتبكاً فيما إعتقد أنه المعركة الأساسية علي الحدود الفرنسية الألمانية وذلك من يوم 14 إلي يوم 25 أغسطس عام 1914م فيما عرف بإسم معارك الحدود والتي إعتبرت معارك ثانوية مقارنة بمعركتي لييج والمارن وقد كلفت هذه المعارك الفرنسيين والبريطانيين حوالي 300 ألف جندي ما بين قتيل وأسير وجريح وفي يوم 23 أغسطس عام 1914م إشتبكت قوات الجيش الأول الألماني المكونة من 90 ألف مقاتل بقيادة فون كلوك لأول مرة مع الحملة البريطانية وكان قوامها 30 ألف مقاتل في مونس بوسط غرب بلجيكا وعلي الرغم من التفوق الألماني فقد توقف هجومهم خلال ذلك اليوم لكن الغلبة في النهاية كانت للقوات الألمانية ومع إستمرار تقدم الألمان نحو العاصمة الفرنسية باريس نقلت الحكومة الفرنسية التي يرأسها رينيه فيفياني مقرها إلي مدينة بوردو جنوبي غرب فرنسا وتم تحويل مدينة باريس إلى منطقة عسكرية بقيادة جالياني وقد بدا آنذاك أن لا شيء يوقف التقدم الألماني وقام جيش فون كلوك بالتقدم إلى شرق باريس بدلا من غربها ويوم 3 سبتمبر عام 1914م إكتشف مانوري قائد الجيش السادس البريطاني عن طريق الطيران الإستطلاعي عدم وجود الألمان غرب باريس وبذلك فإن جيشه وجيش جالياني واتتهم الفرصة للهجوم على فون كلوك وفي يوم 4 سبتمبر عام 1914م قام جالياني بإقناع جوزيف جوفرى أن يوقف الإنسحاب ويبدأ الهجوم وبالفعل قرر جوفرى أن يبدأ الهجوم يوم 6 سبتمبر عام 1914م وهي المعركة التي سميت معركة المارن نظرا لوقوعها عند نهر المارن الذى يعد أكبر روافد نهر السين والذى يصب فيه جنوبي شرق باريس .

وكان الفرنسيون حينذاك مصرين على إيقاف التقدم الألماني وفي اليوم التالي هجم البريطانيون والفرنسيون على الثغرة بين الجيشين الألمانيين الأول والثاني وفي العاصمة الألمانية برلين بدأ فون مولتكه يشعر بأن الأمور لا تسير على ما يرام لذلك أرسل إلى الجبهة في يوم 8 سبتمبر عام 1914م ضابطا برتبة مقدم يدعى هنتش ومنحه صلاحيات تخوله سحب كل القوات الألمانية إذا لزم الأمر وفي نفس اليوم إلتقى هنتش بفون بولوف قائد الجيش الثاني فوجده يائسا من تحقيق أي نصر وفي صباح اليوم التالي أمر فون بولوف جيشه بالإنسحاب وإنتقل هنتش في ذلك اليوم 9 سبتمبر عام 1914م إلى مقر إدارة الجيش الأول فوجد أن قائده فون كلوك قد أصدر أمره بالإنسحاب ولم يجد هنتش إزاء ذلك إلاّ أن يأمر باقي الجيوش الألمانية بالإنسحاب وبحلول يوم 11 سبتمبر عام 1914م كان أمر الإنسحاب قد شمل كل الجيوش الألمانية وفي يوم 12 سبتمبر عام 1914م إنسحبت القوات الألمانية خلف نهر أين وإنتهت بذلك معركة المارن وجدير بالذكر أنه رغم إنتصار الألمان في معركة لييج لكن المقاومة البلجيكية القوية قد أدت إلي تعطل التقدم الألماني مما أعطي الروس الفرصة لغزو الإمبراطورية الألمانية من الشرق وعليه فقد إضطر الألمان إلي نقل جزء من قواتهم بالجبهة الفرنسية إلى الجبهة الشرقية وربما كان هذا هو السبب وراء هزيمة الألمان عند المارن حيث حقق الفرنسيون وحلفاءهم البريطانيون النصر عليهم وفي الوقت نفسه حقق الألمان النصر علي الروس في معركة تاننبرج التي قامت بين يوم 26 ويوم 30 أغسطس عام 1914م وقد دارت هذه المعركة في المنطقة الواقعة جنوب أولشتين في بروسيا الشرقية في بولندا حاليا وكان الجيش الألماني يضم 153 ألف مقاتل بينما كان الجيش الروسي يضم 191 ألف مقاتل وإنتهت هذه المعركة بإنتصار القوات الألمانية وتدمير القوات الروسية الغازية في المنطقة التي دارت بها المعركة وأسر عدد كبير منهم وعموما فبإنتصار قوات الحلفاء في معركة المارن إضطر الجنرال فون مولتكه إلي تقديم إستقالته من رئاسة الأركان وذلك بعد أيام قليلة من خسارته للمعركة المذكورة ومن ثم تم تعيين الجنرال إريش فون فالكانهاين بدلا منه في منصب رئيس الأركان .

وبعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وإنتصار الحلفاء عام 1918م بدأت الدراسات حول ما يجنب فرنسا أي عدوان مرتقب خاصة على الحدود الشمالية الشرقية مع المانيا في منطقتي الألزاس واللورين وبعد دراسة الإستراتيجية الألمانية التي تبنت نظرية الحرب الخاطفة إتخذت فرنسا إستراتيجية دفاعية إعتمدت على بناء خط من التحصينات القوية المستديمة بحيث يكون هذا الخط قادرا على وقف تقدم القوات الألمانية المهاجمة مما يسهل قيام القوات الفرنسية المدافعة بتوجيه ضربات مضادة إليها وسحقها ولم يستوعب الفرنسيون خطة شليفن وما حدث خلال الحرب العالمية الأولي والتي تسبتعد أن يكون الهجوم الرئيسي علي فرنسا من جهة الحدود الألمانية الفرنسية بل سيتم بعمل حركة إلتفاف كبرى من هولندا إلي بلجيكا وإقتحام الحدود الفرنسية الشمالية بينها وبين بلجيكا وقد أثر هذا الفكر الإستراتيجي الخاطئ على تنظيم القوات الفرنسية المدافعة عن خط ماجينو وتكوينه وأدى إلى إهمال تطوير قواتها المدرعة والميكانيكية والقوات الجوية وقوات الإبرار الجوي وقد ساعد على الإقتناع بهذه النظرية أن القيادة العليا الفرنسية قد تأثرت بعدد القتلى والجرحى في الحرب العالمية الأولى التي إستمرت من عام 1914م إلى عام 1918م وكان من نتائجها أن صار الرأي العام الفرنسي على درجة عالية من الحساسية لفقد الأرواح موقنا إنها إن تكررت فستكون النتيجة نهاية فرنسا وأصبح البرلمان الفرنسي أكثر قناعة للأخذ بالدفاعات المحصنة التي توفر للجنود الفرنسيين الصمود والثبات وإلى جانب ذلك فقد طور المهندسون العسكريون أنماطا أوجدوها لزيادة قدرة الدفاع الدائري وتغطية الحصون بعضها بعضا بالنيران والقوات وتم نسبة هذا الخط الدفاعي إلى وزير الحربية الفرنسي حينذاك أندريه ماجينو الذي نادى للأخد بنظرية الدفاع الثابت ودافع عنها أمام البرلمان الفرنسي وخلال المدة من عام 1919م وحتي منتصف عام 1922م تم عمل الدراسات العسكرية والفنية اللازمة للتأكد من سلامة الفكرة والتحقق من الإختيار المناسب لأنواع التحصينات الدفاعية ومدى تناسبها مع الدراسة التكتيكية والطبوغرافية للأرض وإعداد التقارير بناءا علي هذه الدراسة وبداية من شهر أغسطس عام 1922م وحتي عام 1925م فنظراً لضخامة الإعتمادات المالية المطلوب تخصيصها للمشروع شُكلت اللجنة الإقليمية وأعقبتها لجنة جديدة سميت لجنة الدفاع عن الحدود برئاسة الجنرال جيليومات وكان الهدف من هذه اللجان هو دراسة التقارير التي تم إعدادها ووضع التصور النهائي لما سيكون عليه خط ماجينو وقد قررت هذه اللجان إنشاء ثلاث مناطق متاخكة للحدود الألمانية هي ميتز ولوتير وبلفور وأوصت اللجان بأن تكون التحصينات والمنشآت ذات تقنية عالية .

وخلال المدة من عام 1925م وحتي عام 1936م تم بناء وتشييد التحصينات الدفاعية الثابتة وتشكلت لهذه المهمة اللجنة التنظيمية الإقليمية للتحصينات وكانت مهمتها الإختيار الدقيق لأماكن التحصينات وإختيار النموذج المناسب مما أعد في المرحلة السابقة بعد تطويره بواسطة لجنة الدفاع عن الحدود أما تصميم الأسلحة والمعدات وتصنيعها بما يتناسب مع الهدف الرئيسي من هذه التحصينات فقد أُسندت المسؤولية المباشرة عنها لمدير المدفعية الفرنسي وقد واكب بدء التشييد الفعلي فترة رواج إقتصادي عظيم لفرنسا بداية من عام 1929م مما وفر الإعتمادات اللازمة لإنشاء التحصينات وتصنيع الأسلحة اللازمة وخلال المدة من عام 1936م وحتي عام 1939م تم إختيار الأفراد وتنظيم قوات الدفاع عن الخط و وتدريبها وقد أُطلق عليها حامية الحصون وهي تتألف من وحدات من المشاة والمدفعية والمهندسين والفنيين المنوط بهم تشغيل الماكينات وأجهزة نقل الحركة في المركبات والعناية بالطاقة الكهربائية وفي هذه الفترة حدث أن أخل الزعيم الألماني أدولف هتلر ببنود إتفاقية فرساي المبرمة عام 1919م وأعاد تسليح المناطق الحدودية التي كانت منزوعة السلاح بموجب هذه الإتفاقية مما أجبر الفرنسيين علي بناء دشم على الإتجاه الشمالي الغربي تحت مسمى جبهات جديدة في مواقع أُطلق عليها ثغرة الثأر وفي منطقة أخرى أُطلق عليها هاي فوسجاس وأيضا في مناطق محاور التقدم بإتجاه الحدود البلجيكية وفي النهاية فيما بين عام 1939م وعام 1940م قام الفرنسيون بتقوية الدفاعات والتحصينات بما يحقق تنفيذ مبادئ الدفاع الثابت وهي ثبات الدفاع والدفاع ضد هجمات المشاة والدبابات والدفاع ضد الضربات الجوية وإستخدام الموانع والتحصينات الدفاعية لصد الهجوم الألماني سواء بالمشاة أو المدرعات مع إمكانية القيام بالضربات المضادة وبذلك تم إستكمال بناء خط ماجينو كما تم زيادة كثافة الموانع المضادة للدبابات على المواقع الأمامية في مواجهة خط سيجفريد الألماني والذى كان عبارة عن خط دفاعي مجهز بالتحصينات والمدافع والدبابات والملاجئ الحصينة وكان الألمان قد أنشأوه كجزء من خط هيندنبيرج بين عام 1916م وعام 1917م خلال الحرب العالمية الأولى وكان يبلغ طوله 630 كيلو متر ليكون خطا دفاعيا يحمي حدودهم الغربية التي تمتد من الحدود السويسرية في الجنوب حتى مدينة كليف الألمانية في الشمال وقد أعيد تجديده وتطويره وتجهيزه عام 1930م مقابل خط ماجينو الفرنسي الذى كان الفرنسيون قد شرعوا في تأسيسه وكان الألمان انفسهم يطلقون عليه إسم الجدار الغربي وقد حدثت حوله أهم معركتين قبل سقوط المانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية وهما معركة هيرتنجموالد ومعركة الثغرة وجدير بالذكر أنه كان يتكون من مئات المعاقل والدشم المقامة خلف عوائق طبيعية أو نتوءات من الخرسانة المسلحة أطلق عليها إسم أسنان التنين بهدف إعاقة تقدم المشاة والمركبات والمدرعات وقد نجحت قوات الحلفاء في ختراقه في أواخر عام 1944م وعام 1945م وإستكمال زحفها نحو العاصمة الألمانية برلين .

وقام الفرنسيون أيضا بإنشاء موقع ثان على مسافة 25 كيلو متر من موقع خط ماجينو ولكنه لم يكن في كفاءته نظرا للظروف الإقتصادية المتردية التي كانت قد وصلت إليها فرنسا في ذلك الوقت بعد فترة الرواج الإقتصادى التي كانت قبل حوالي 10 سنوات كما قامت فرنسا في نفس الوقت بإستكمال الدفاعات الدائرية عن العاصمة الفرنسية باريس ومع قيام المانيا بغزو فرنسا في الحرب العالمية الثانية وهي العملية التي بدأت يوم 10 مايو عام 1940م فشل خط ماجينو فشلا ذريعا في حماية فرنسا من الغزو الألماني إذ كانت الخطة الألمانية لإجتياح فرنسا قد أخذت بالحسبان وجود هذا الخط وطبقا للخطة التي وضعها القائد الألماني الشهير فون شليفن منذ مطلع القرن العشرين الماضي كما ذكرنا في السطور السابقة كانت مبنية علي القيام بحركة إلتفاف واسعة النط\ق لمهاجمة فرنسا من ناحية الحدود الشمالية الضعيفة عن طريق بلجيكا ولم تكن مبنية علي هجوم بالمواجهة عن طريق الحدود الألمانية الفرنسية حيث تتركز الدفاعات الفرنسية الحصينة ولم يكن في قدرة الفرنسيين مد خط ماجينو ليغطي الحدود الفرنسية البلجيكية لفداحة التكاليف من جهة ومن جهة أخرى خشية إغضاب بلجيكا إذ أن إمتداد الخط علي طول تلك الحدود معناه ببساطة تخلي فرنسا عن بلجيكا وتركها لقمة سائغة يستطبع الألمان بكل بساطة وسهولة إلتهامها في حالة وقوع أى هجوم من جانبهم ومن ثم نامت فرنسا مطمئنة وراء خط ماجينو ولم تستيقظ من سباتها العميق إلا علي هدير جحافل قوات البانزر المدرعة التي يقودها الجنرالات هاينز جوديريان وجيرد فون رونتشتيت وإريش فون مانشتاين وهي تشق طريقها عبر بلجيكا من خلال الحدود الشمالية الضعيفة الخالية من الدفاعات الحصينة حيث أخذت الخطة الألمانية لإجتياح فرنسا في الحسبان وجود خط ماجينو كما ذكرنا وقام الألمان بوضع قوة شكلية في مقابل الخط لخداع الفرنسيين بينما إندفعت القوات الألمانية عبر البلدان الواطئة هولندا وبلجيكا وعبر غابة الأردين الواقعة شمال التحصينات الفرنسية الرئيسية مطبقة بذلك حركة الإلتفاف الواسعة بالجناح الأيمن لها طبقا لخطة الجنرال شليفن تطبيقا مثاليا وفي نفس الوقت تم إختراق تحصينات خط ماجينو بالجناح الأيسر لها مما أجبر القوات المدافعة عنه إلي الهرب وبذلك نجح الألمان في الولوج إلى فرنسا دون الإصطدام بشكل مباشر بخط ماجينو ومن ثم تمكنت القوات الألمانية السيطرة على فرنسا وفي رسالة من القائد الألماني الشهير ثعلب الصحراء إرفين روميل الذى شارك في عملية الغزو إلى زوجته وصف روميل الحملة على فرنسا أنها كالبرق وقد بدأت المعركة بين المانيا وفرنسا يوم 10 مايو عام 1940م منهية بذلك مرحلة الحرب المزيفة التي أعقبت غزو المانيا لبولندا في أوائل شهر سبتمبر عام 1939م في بداية الحرب والذى أعقبه إعلان كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على المانيا وإستمرت المعارك حتي يوم 25 يونيو عام 1940م تاريخ سقوط فرنسا رسميا في يد الألمان .


وبشئ من التفصيل فقد تم الغزو الألماني لفرنسا وفقا لمرحلتين أساسيتين أولهما مرحلة العملية الصفراء التي بدأت بهجوم أول شنته القوات الألمانية على هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج وردت قوات الحلفاء التي كانت خليط من القوات الفرنسية والقوات البريطانية على ذلك بسرعة حيث قاموا بتحريك نخبة قواتهم شمالا نحو بلجيكا لمواجهة الغزو الألماني طبقا للخطة المعدة مسبقًا لكن الألمان نجحوا في إستدراج الحلفاء للتحرك شمالا وفاجأوهم بالهجوم عبر غابة الأردين التي تقع بين فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورج بنخبة قوات البانزر المدرعة والذي كان الهجوم الرئيسي في الخطة الألمانية ونجح هجوم أردين الذي سماه رئيس مجلس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل بضربة المنجل في فصل قوات الحلفاء الرئيسية التي تحركت نحو بلجيكا عن بقية القوات وقطع جميع خطوط الإتصالات والإمدادات عنها مما أدى في النهاية إلى عزلها وتطويقها وأمام الضغط المفروض عليها من القوات الألمانية عالية التنظيم سريعة الحركة بدأت القوات المحاصرة بالإنسحاب باتجاه البحر إلى مدينة وميناء دنكرك ولما تم إطباق الحصار عليها سارعت الحكومة البريطانية إلى إخلاء قواتها المحاصرة ومعها بعض الفرق الفرنسية في عملية سميت عملية دينامو منتهزة فرصة قرارا المانيا تم إتخاذه وكان أحد أكثر قرارات الحرب جدلية بتعليق الزحف بإتجاه دنكرك ومنح القوات الألمانية إستراحة لمدة ثلاثة أيام وفي هذه الأثناء بنى الحلفاء خطا دفاعيا وبدأت حملة عملاقة لإجلاء قواتهم عن مدينة دنكرك شاركت فيها القوات البحرية والسفن التجارية وحتى زوارق الصيد الصغيرة لتصبح حملة شعبية لإنقاذ الجيش البريطاني ومن معها من القوات الفرنسية وبالفعل نجح الحلفاء في إنقاذ 330 ألف جندى إلا أنهم خسروا 40 ألف آخرين بقوا في المدينة وقعوا في أسر القوات الألمانية كما حظي الألمان بغنائم ضخمة وكميات هائلة من العتاد والأسلحة والمؤن التي خلَّفتها وراءها قوات الحلفاء المنسحبة وبعد إنسحاب القوات البريطانية بدأ الألمان في يوم 5 يونيو عام 1940م تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الألمانية والتي سموها العملية الحمراء والتي أبدت القوات الفرنسية المستنزفة خلالها مقاومة أولية عنيفة لكن التفوق الجوي الألماني وسرعة حركة وتفوق المدرعات سحق تدريجيا بقايا القوات الفرنسية كما إستطاعت القوات الألمانية الإلتفاف على خط ماجينو والإستيلاء عليه وبدأت في الإندفاع في عمق الأراضي الفرنسية وكان قد تم تكليف الجنرال شارل ديجول بصد الهجوم الألماني عن باريس لكنه فشل في مهمته نظرا للتفوق الساحق للقوات الألمانية والتي وصلت بالفعل يوم 14 يونيو عام 1940م إلى العاصمة الفرنسية باريس التي كانت الحكومة الفرنسية قد أعلنتها مدينة مفتوحة وبسقوط باريس حدثت حالة من الإرتباك والفوضى وسط الحكومة الفرنسية التي فر العديد من أعضائها وإنتهت فعليا المقاومة العسكرية الفرنسية في يوم 18 يونيو عام 1940م وبذلك بدا الإحتلال النازى لفرنسا الذى إستمر حتي منتصف عام 1944م .

ونستطيع أن نقول في هذا الصدد إن خطة فون شليفن لغزو فرنسا قد تم تطبيقها بمهارة في الحرب العالمية الثانية وذلك علي الرغم من أن الدبابات والمدفعية الفرنسية كانت تعد أقوى وأكثر عددا من الدبابات الألمانية ولكن هذه الأخيرة كانت تتمتع بأنها أسرع وميكانيكيا أكثر فعالية حيث كانت الدبابات الألمانية الحديثة ذات أطقم مكونة من قائد ومدفعي وسائق ومصوب وملقم وميكانيكي درب كل منهم فرديا لأداء مهمة معينة وكونوا فيما بينهم فريقا قتاليا شديد الفعالية وكان عدد أفراد الطاقم لدى الفرنسيين أقل فقد كان من مهمة القائد تلقيم المدفع الرئيسي وبلا شك أن هذا الأمر كان يشغله عن أداء مهمته الرئيسية لرصد التحركات وضبط الإنتشار التكتيكي وعلاوة علي ذلك فقد كانت الورقة الرابحة الحقيقية التي بأيدي الألمان هي الراديو حيث كانت جميع دبابات البانزر تملك أجهزة راديو للتواصل مع الوحدات الأخرى مما أتاح لها الرد سريعا على تغيرات أرض المعركة المتلاحقة وسمحت بتغييرات في الدقائق الأخيرة للخطط والتكتيكات والتحركات في ميدان المعركة بشكل أسرع من العدو وسمحت الإتصالات أيضا للألمان بتنسيق تشكيلاتهم وجمعها مع بعض لتكوين قوة نارية كبيرة في الهجوم أو الدفاع مما أتاح للألمان هامشا حاسما في المعركة وهمش التفوق في العدد والعتاد للفرنسيين الذين كانت تنقصهم أجهزة الراديو وكانوا يقومون بتناقل الأوامر شفهيا وجدير بالذكر أن إستعمال الراديو تجاوز حد تناقل الأوامر من دبابة لأخرى فقد سمح أيضا بالإتصال بين القوات البرية والجوية وفي كل فرقة بانزر كانت توجد وحدة تكتيكية للتحكم في القوات الجوية المعاونة لها تتنقل معها في مركبات مدولبة وهو ما أتاح لكل فرقة إمكانية إستدعاء القوات الجوية لدعم هجماتها وقصف الأهداف التي لا تستطيع المدفعية تدميرها وكان معدل التوقيت بين طلب تدخل سلاح الجو ووصوله يتراوح بين 45 إلي 75 دقيقة وفي صفوف المشاة أيضا تمتع الألمان بالأفضلية من خلال عقيدة مهمة أمر تكتيك والتي عبرها يمكن للضباط الإعتماد على مبادراتهم الشخصية لتنفيذ تعليمات وأوامر قادتهم وذلك من خلال منحهم حرية التحكم الكلي في كل الأسلحة المساندة والمعاونة هذا وقد توفي الجنرال فون شليفن في يوم 4 يناير عام 1913م بالعاصمة الألمانية برلين عن عمر يناهز 79 عاما و قد كانت له بعض الأقوال المأثورة نذكر منها يولد المرء بسمات الفكر الإستراتيجي ولا يكتسبها ومنها أيضا لنفوز علينا أن نسعى لنصبح أقوى الطرفين في نقطة التأثير وأملنا الوحيد يكمن في أن يصبح إختيارنا هو العمليات وليس الإنتظار السلبي لإختيارات العدو لنا .
 
 
الصور :
الأسرى الروس بعد معركة تاننبرج باول فون هيندنبورج والتر بيديل سميث إريك لودندورف ضريح الفريد فون شليفن ببرلين