abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
"بومدين".. أول رئيس عربي طالب بنظام دولي جديد بالأمم المتحدة
-بومدين-.. أول رئيس عربي طالب بنظام دولي جديد بالأمم المتحدة
عدد : 05-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


هواري بومدين هو الرئيس الثاني لدولة الجزائر المستقلة وقد شغل هذا المنصب من يوم 19 يونيو عام 1965م بعد إنقلاب عسكري على الرئيس أحمد بن بلة أول رؤساء الجزائر بعد الإستقلال والذى شغل منصبه من يوم 15 أكتوبر عام 1963م حتي يوم 19 يونيو عام 1965م بعد أن ناضل من أجل إستقلال البلاد من الإحتلال الفرنسي وشارك في تأسيس جبهة التحرير الوطني في عام 1954م والتي قادت الثورة من أجل تحرير البلاد وكان يعتبر هو زعيمها الروحي ومن ثم بعد الإستقلال في عام 1962م أصبح أول رئيس للجزائر المستقلة والذى كان رجلاً ثوريا ومناضلا وسياسياً ومدافعا عن حقوق الإنسان وكان يصنف كعروبي وداعم للقضايا العربية وضمن دعاة وحدة المغرب العربي وقد وصفه أحد المؤرخين بأنه شخصية كبيرة ومبتسمة وبشوشة وغير ملتزمة كثيرا بالبروتوكولات والجالس معه يحس بالراحة لبساطته وإشعاره لغيره بأنه يوافقهم الرأي أو متفهم لمواقفهم وكأنه في مكانهم لكن عند التعارض معه من دون طريقة سلمية لفض المشكلة فإنه قد يتحول لشخص شديد المراس وشرس ومثلما جلبت له أفكاره وتوجهاته ومواقفه إعجاب البعض من الناس فقد نال أيضا من سخط الآخرين فالبعض عارض إتجاهه العروبي والإسلامي والإشتراكي والبعض حمله كل أخطاء وأوزار فترة حكمه القصيرة رغم أنه لم يكن صاحب القرار الوحيد ومن ثم ففي النهاية إنقلب عليه وزير دفاعه هواري بومدين والذي دبر إنقلابا عسكريا عليه بالإشتراك مع طاهر زبيري أول رئيس أركان للجيش الجزائري بعد إستقلال البلاد ومجموعة وجدة والتي كانت عبارة عن مجموعة من الضباط العسكريين والسياسيين الجزائريين تشكلت خلال ثورة التحرير الجزائرية التي إندلعت مابين عام 1954م وعام 1962م في مدينة وجدة المغربية التي تقع غربي الجزائر في شرق المملكة المغربية علي بعد حوالي 14 كيلو متر من الحدود المغربية الجزائرية وكان الهدف من تأسيسها محاربة السيطرة الإستعمارية الفرنسية على الجزائر وتحقيق الإستقلال عن فرنسا بعد حوالي 132عاما من إحتلالها للبلاد وقد إستمر بومدين على رأس السلطة حتى وفاته في يوم 27 ديسمبر عام 1978م وخلفه الرئيس الثالث للجزائر الشاذلي بن جديد هذا ويعتبر بومدين من أبرز رجالات السياسة في الجزائر والوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين الماضي ويعد أحد رموز حركة عدم الإنحياز كما أنه لعب خلال فترة رئاسته لبلاده دورا هاما على الساحة الأفريقية والعربية وكان هو أول رئيس من العالم الثالث تحدث في الأمم المتحدة عن ضرورة تأسيس نظام دولي جديد .

ولد هوارى بومدين وإسمه الحقيقي محمد إبراهيم بوخروبة في يوم 23 أغسطس عام 1932م وكان أبوه فلاح بسيط من عائلة كبيرة العدد ومتواضعة الحال نزحت من ولاية جيجل عند بداية الإحتلال الفرنسي إلي قرية تسمي بني عدي والتي تقع على بعد بضعة كيلومترات غرب مدينة قالمة التي تقع شمال شرق الجزائر علي بعد حوالي 150 كيلو متر عن الحدود الجزائرية التونسية وكان والده يحبه كثيرا ورغم ظروفه المادية الصعبة قرّر إكمال تعليمه ولهذا دخل المدرسة القرآنية في القرية التي ولد فيها وكان عمره آنذاك 4 سنوات وعندما بلغ سن السادسة دخل مدرسة فرنسية تسمي ألمابير عام 1938م في مدينة قالمة وتحمل المدرسة اليوم إسم مدرسة محمد عبده وكان والده يقيم في بني عدي ولهذا أوكل أمره إلى عائلة من عائلات المدينة تسمي بنو إسماعيل وذلك مقابل الفحم أو القمح أو الحطب وهي الأشياء التي كان يحتاجها سكان المدن في ذلك الوقت وبعد سنتين قضاهما في دار بني إسماعيل أوكله والده من جديد لعائلة بامسعود بدار سعيد بن خلوف في حي مقادور والذي كان حيا لليهود في ذلك الوقت وبعد ثماني سنوات من الدراسة بقالمة عاد إلى قريته في بني عدي وطيلة هذه السنوات كان بومدين مشغول البال شارد الفكر لا يفعل ما يفعله الأطفال حيث كان بومدين يدرس في المدرسة الفرنسية وفي نفس الوقت يلازم الكتاب من طلوع الفجر إلى الساعة السابعة والنصف صباحا ثم يذهب في الساعة الثامنة صباحا إلى المدرسة الفرنسية ليظل بها حتي الساعة الرابعة عضرا وبعدها يتوجه إلى الكتاب مجددا وفي عام 1948م ختم القرآن الكريم وأصبح يدرس لأبناء قَريتِه القرآن الكريم واللغة العربية وفي عام 1949م ترك هواري بومدين أهله مجددا وتوجه إلى المدرسة الكتانية في مدينة قسطنطينة الواقعة شرقي الجزائر وتعد ثالث مدن دولة الجزائر بعد الجزائر العاصمة وميناء وهران وكان نظام المدرسة داخليا وكان الطلبة يَقُومون بأعباء الطبخ والتنظيف وفي تلك الآونة كان عمه الحاج الطيب بوخروبة قد عاد من أداء فريضة الحجّ مشيا على الأقدام وبعد عودته ذهب إليه هواري بومدين ليقدم له التهاني وكان هواري يسأل عمه عن كل صغيرة وكبيرة عن سفره إلى الديار المقدسة وكان عمه يخبره عن كل التفاصيل ودقائق الأمور وكيف كان الحجاج يتهربون من الجمارك والشرطة في الحدود وحدثه عن الطرق التي كان يسلكها الحجاج وكان بومدين يسجل كل صغيرة وكبيرة وكان في ذلك الوقت يخطط للسفر حيث أطلع ثلاثة من زملائه في المدرسة الكتانية على نيته في السفر وعرض عليهم مرافقته فرفضوا ذلك لأنهم لا يملكون جواز سفر فأطلعهم على خريطة الهروب وقال هذا هو جواز السفر .

وفي ذلك الوقت كانت فرنسا تحتل الجزائر وتعتبرها مستعمرة فرنسية وعليه كانت السلطات الفرنسية تعتبر الجزائريين فرنسيين وتفرض عليهم الإلتحاق بالجيش الفرنسي عند بلوغهم سن الثامنة عشرة ومن ثم تم إستدعاء بومدين للإلتحاق بالجيش الفِرنسي لكنّه كان مؤمنا في قرارة نفسه بأنه لا يمكن الإلتحاق بجيش العدو ولذلك رأى أن المخرج هو في الفرار والسفر وعندما تمكن من إقناع رفاقه بالسفر باعوا ثيابهم للسفر برا بإتجاه تونس ومن تونس توجه بومدين إلى مصر عبر الأراضي الليبية وفي مصر إلتحق وصديقه بن شيروف بالجامع الأزهر حيث درس هناك وتفوق في دراسته وقسم وقته بين الدراسة والنضال السياسي حيث كان منخرطا في حزب الشعب الجزائري كما كان يعمل ضمن مكتب المغرب العربي الكبير عام 1950م والذى أسسه زعماء جزائريون ومغاربة وتونسيون تعاهدوا فيما بينهم على محاربة فرنسا وأن لا يضعوا السلاح حتى تحرير الشمال الأفريقي وكان من مؤسسي هذا المكتب علال الفاسي من المغرب و صالح بن يوسف من تونس وأحمد بن بلة وآيت أحمد من الجزائر وكان هذا المكتب يضم طلبة المغرب العربي الذين يدرسون في الخارج وفي الفترة ما بين يوم 10 ويوم 24 من شهر أكتوبر عام 1954م عقدت لجنة الستة التي تضم قادة حركة إنتصار الحريات الديمقراطية وهم رابح بيطاط ومصطفى بن بولعيد وديدوش مراد ومحمد بوضياف وكريم بلقاسم والعربي بن مهيدي وهي الحركة التي كانت بمثابة حزب وطني جزائري تأسس في عام 1946م بعد حل حزب الشعب الجزائري وقررت هذه اللجنة بدء الكفاح المسلح ضد الإحتلال الفرنسي وتم تحديد تاريخ الأول من شهر نوفمبر عام 1954م لإنطلاق الكفاح المسلح تحت لواء جبهة التحرير الوطني الجزائرية كما قررت اللجنة أيضا منح مسمى جبهة التحرير الوطني للتنظيم الذي ينوي القيام بالثورة وقيادتها وأن يكون جيش التحرير الوطني هو الجناح العسكري لها وتتمثل مهمة جبهة التحرير بالتواصل مع التيارات السياسية التي تتألف منها الحركة الوطنية وحثها علي الإنضمام لصفوف الثُوار بالإضافة إلى تشجيع المواطنين الجزائريين على الكفاح ضد الإستعمار الفرنسي وفي اليوم المحدد إنطلقت شرارة الثورة بقيام مجموعات من الثوار المزودين بأسلحة قديمة وبنادق صيد وبعض الألغام بعمليات عسكرية تم من خلالها إستهداف مراكز الجيش الفرنسي في شتى أنحاء البلاد وكان من المخطط له أن تنفذ هذه العمليات في آن واحد وكانت الرصاصة الأولى التي أطلقت بمثابة إعلان للثورة وقد شملت هذه العمليات مهاجمة الثكنات الفرنسية بعدة مدن وقرى تشمل عدد 5 مناطق تقع شمالي دولة الجزائر حيث كانت المنطقة الأولي تقع جنوبي شرق العاصمة الجزائر وتشمل باتنة وأريس وخنشلة وبسكرة بينما كانت تقع المنطقة الثانية شمال شرقي الجزائر وتشمل قسطنطينة وسمندو وكانت المنطقة الثالثة تقع جنوبي غرب العاصمة الجزائر وتشمل العزازقة وتيغزيرت وبرج منايل وذراع الميزان أما المنطقة الرابعة فقد شملت كل من الجزائر العاصمة وبوفاريك والبليدة بوسط شمال الجزائر بينما كانت المنطقة الخامسة تقع غربي شمال الجزائر وشملت سيدي علي وزهانة ووهران .

وبإعتراف السلطات الفرنسية الإستعمارية فإن حصيلة العمليات المسلحة ضد المصالح الفرنسية عبر كل مناطق الجزائر في ليلة أول نوفمبر عام 1954م قد بلغت ثلاثين عملية خلفت مقتل 10 أوروبيين وعملاء وإصابة عدد 23 آخرين بجراح وخسائر مادية تقدر بالمئات من الملايين من الفرنكات الفرنسية أما الثورة فقد فقدت في مرحلتها الأولى بعض من خيرة أبنائها الذين سقطوا شهداء في ميدان الشرف من أمثال بن عبد المالك رمضان وقرين بلقاسم وباجي مختار وديدوش مراد وغيرهم وبعد تنفيذ هذه العمليات تم توزيع بيان على الشعب الجزائري يحمل توقيع الأمانة الوطنية لجبهة التحرير الوطني ودعا هذا البيان جميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الإجتماعية وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية المناهضة للإستعمار الفرنسي إلى الإنضمام إلى الكفاح الذى تقوده جبهة التحرير الوطني وتم تشكيل الأمانة الوطنية لجبهة التحرير الوطني من تسعة أعضاء وجدير بالذكر انه لم يكن سهلا القضاء على ثورة أول نوفمبر على الرغم من الأوضاع الصعبة التي إنطلقت فيها هذه الثورة والتي كان منها ندرة الأسلحة وعمليات التمشيط التي تقوم بها القوات الفرنسية بحثا عن الثوار والأسلحة وصعوبات الإتصالات ومحاولة كل منطقة أن تقود الجماهير الشعبية بحسب ظروفها وأن تساند المجاهدين بجميع الأسلحة ومناوشة العدو ومواجهة عملياته الوحشية وفي نفس الوقت حاولت بعض الدول إظهار صورة الجزائر المقاومة وعملوا على تأييد الثوار وتدريبهم وتزويدهم بالأسلحة كان علي رأسها مصر حيث قامت مصر خلال فترة ثورة الجزائر في النصف الثاني من الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين الماضي بتبني قضية الجزائر وتدعيمها حيث أكد كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا وقتئذ أن التمرد في الجزائر لا تحركه سوى المساعدات المصرية فإذا توقفت هذه المساعدات فإن الأمور كلها سوف تهدأ لوجود مليون مستوطن فرنسي في الجزائر ولأن فرنسا إعتبرت الجزائر جزءا لا يتجزأ منها فقد ترتب علي ذلك إشتراك فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر مع بريطانيا وإسرائيل عام 1956م ولهذا أصدرت جبهة التحرير الوطني الجزائرية بيانًا قالت فيه لا ينسى أي جزائري أن مصر الشقيقة تعرضت لعدوان شنيع كانت فيه ضحية تأييدها للشعب الجزائري المناضل ولا ينسى أي جزائري أن انتصار الشعب المصري في معركة بورسعيد التاريخية ليس إلا إنتصار لواجهة من واجهات القتال العديدة التي تجري في الجزائر منذ ثمانية وثلاثين شهرا وأن الشعب الجزائري المنهمك في معركته التحريرية الكبرى ليبعث إلى الشعب المصري الشقيق وبطله الخالد جمال عبد الناصر بأصدق عواطف الأخوة والتضامن وعاشت العروبة حرة خالدة وعاش العرب تحت راية الإستقلال والعزة والمجد .

وقد تمثل الدعم السياسي المصرى للجزائر حتي قبل إندلاع ثورة الجزائر في إختيار القاهرة مقرا للجنة تحرير المغرب العربي المكونة من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب كما كانت أهم مجالات التنسيق الدبلوماسي الجزائري تتم عن طريق مصر ومن ثم إنطلقت من القاهرة معظم النشاطات السياسية والدبلوماسية لجبهة التحرير الوطني وقامت مصر بتمثيل الجزائر في مؤتمر دول عدم الإنحياز الذى تم عقده بمدينة باندونج بإندونيسيا في أواخر شهر أبريل عام 1955م كما كان لها دور فعال في تمكين الجزائريين من لعب دور مؤثر في منظمة تضامن الشعوب الأفرو آسيوية منذ نشأتها بالقاهرة في شهر ديسمبر عام 1957م ثم كانت كانت القاهرة هي مقر الحكومة الجزائرية المؤقتة التي تأسست في يوم 19 سبتمبر عام 1958م والتي ترأسها عباس فرحات عضو جبهة التحرير الوطني وإستمر رئيسا لها حتي شهر أغسطس عام 1961م ليحل محله يوسف بن خدة بعد أن إشتدت خلافاته مع القيادة العامة لجيش التحرير ويقول الكاتب الجزائري إسماعيل دبش في كتابه السياسة العربية والمواقف الدولية تجاه الثورة الجزائرية إن تأييد مصر للقضية الجزائرية ولكل مطالب جبهة التحرير الوطني كان مطلقًا ومتشددا وبدون تحفظ حتى لو تعلق الأمر بعلاقة مع دولة كبرى لها مصالح حيوية وإستراتيجية معها مثل الإتحاد السوفيتي وكان ذلك ما عبر عنه الرئيس عبد الناصر في تحذيره إلى الرئيس السوفيتي نيكيتا خروشوف من الإنسياق وراء محاولات الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديجول زيارة حاسي مسعود وهي منطقة آبار بترولية جزائرية كبرى بالصحراء وإلي جانب الدعم السياسي دعمت مصر الثورة الجزائرية ماليا فكانت أول صفقة سلاح من أوروبا الشرقية بتمويل مصري بلغ حوالي مليون دولار كما قدمت مصر 75% من الأموال التي كانت تقدمها جامعة الدول العربية للثورة الجزائرية والمقدرة بحوالي 12 مليون جنيه سنويا كما خصصت مصر بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر الدخل الأولى بعد تأميم قناة السويس والذى بلغ 3 مليارات فرنك فرنسي للكفاح الجزائري وأخيرا قدمت مصر للثورة الجزائرية دعما فنيا وثقافيا فالنشيد الوطني الجزائري من تلحين الموسيقار المصري محمد فوزي كما قام المطرب عبد الحليم حافظ بأداء أغنية بعنوان الجزائر تتحدث عن الثورة الجزائرية وقام المخرج المصري يوسف شاهين بإخراج فيلم جميلة الذي يتحدث عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد التي حاربت الإستعمار الفرنسي وتم القبض عليها بعد أن أصيبت برصاصة في كتفها وتم سجنها لمدة 3 سنوات قبل أن يطلق سراحها .

وقد إستخدم الثوار الجزائريون في حربهم ضد الجيش الفرنسي أسلوب حرب العصابات حيث كانت هذه هي الوسيلة الأكثر ملاءمة لمحاربة قوة جرارة مجهزة أكبر تجهيز حيث كان الجيش الفرنسي يتكون من خليط من قوات الكوماندوز والمظليين والمرتزقة متعددة الجنسيات وقوات حفظ الأمن وقوات الإحتياط والقوات الإضافية من السكان الفرنسيين المقيمين بالجزائر أو من أطلق عليهم إسم الحركة خصوصا وأن الثوار لم يكونوا يمتلكون تسليحا معادلا لتسليح الفرنسيين كما إستخدم الثوار الجزائريون الحرب السيكولوجية بصفة متكاملة مع العمليات العسكرية من أجل خفض الروح المعنوية لقوات الجيش الفرنسي وتصدير الإحساس بالقلق وعدم الأمان لجنوده وقد حظيت قوات جيش التحرير الوطني التابعة للفرع العسكري من جبهة التحرير الوطني على تأييد الشعب الجزائري الكامل بل والجالية الجزائرية في المهجر وخاصة في فرنسا ومع إندلاع الثورة الجزائرية عام 1954م إنضم بومدين إلى جيش التحرير الوطني في المنطقة الغربية وفي عام 1956م أشرف على تدريب وتشكيل خلايا عسكرية بعد أن كان قد تلقى في مصر التدريب حيث إختير هو وعدد من رفاقه لمهمة حمل الأسلحة وفي العام التالي 1957م أصبح مشهورا بإسمه العسكري هواري بومدين تاركا إسمه الأصلي محمد إبراهيم بوخروبة وتولى مسؤولية المنطقة الخامسة غربي الجزائر وفي العام الذى تلاه 1958م أصبح قائد الأركان للمنطقة الغربية وفي عام 1960م أصبح قائد الأركان العامة والمشرف على تنظيم جبهة التحرير الوطني عسكريا وفي ذلك الوقت كانت المقاومة المستمرة للشعب الجزائري وصمود المجاهدين وإخفاق الحملات العسكرية الإستعمارية وإخفاق جميع الإجراءات السياسية الفرنسية وتعاطف عدد كبير من البلدان مع الجزائر قد مثلت عوامل أساسية مهدت الطريق لإجراء مفاوضات شاقة بين الجزائر وفرنسا للوصول إلي حل نهائي للمشكلة الجزائرية التي أصبحت تؤرق فرنسا وشعبها وذلك بعد أن أدرك الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديجول أنه لابد من منح الجزائر حق تقرير المصير بعد أن أخفق في تطبيق سياسته المسماة سلم الشجعان التي حاول بواسطتها الإتصال بالمسؤولين المحليين لجبهة التحرير الوطني وكذلك بعد إخفاق خطة شال العسكرية أو ما سمى بخطة قسطنطينة والإفراج عن المساجين ووافق الجزائريون على إجراء المفاوضات مع الفرنسيين وإنتهت المفاوضات بإبرام اتفاقية إيفيان في يوم 18 مارس عام 1962م وتم التوقيع عليها من طرف كريم بلقاسم رئيس الوفد الجزائرى المفاوض وفي اليوم التالي أعلن وقف القتال بين الطرفين وقد نصت هذه الإتفاقية علي إجراء إستفتاء علي منح الجزائر حق تقرير المصير والذى أجرى يوم 1 يوليو عام 1962م وتمت الموافقة علي منح الجزائر حق تقرير المصير وإنتهي الأمر بإعلان إستقلال الجزائر في يوم 5 يوليو عام 1962م وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه إحتلال فرنسا للجزائر في عام 1830م وقد تلا إعلان الإستقلال الرئيس الفرنسي حينذاك الجنرال شارل ديجول عبر التليفزيون مخاطبا الشعب الفرنسي وأعلن بعد ذلك ميلاد الجمهورية الجزائرية في يوم 25 من شهر سبتمبر عام 1962م .

وبميلاد الجمهورية الجزائرية تم إختيار أحمد بن بلة لرئاسة أول حكومة جزائرية بعد الإستقلال وكان في البداية مترددا ولكن بومدين أقنعه بقبول المسؤولية وضمن له دعم الجيش وفي يوم 26 سبتمبر عام 1962م نال ثقة المجلس الوطني التأسيسي بعدد 141 صوت لصالحه مقابل 13 معارض كما تم إنتخاب فرحات عباس رئيسا للمجلس الوطني ونالت حكومة بن بلة الثقة في يوم 28 سبتمبر عام 1962م وبذلك صار بن بلة رئيسا للحكومة الجزائرية في يوم 29 سبتمبر عام 1962م وتم إختيار بومدين وزيرا للدفاع في هذه الحكومة وبعد عام واحد أى في عام 1963م أصبح نائبا لرئيس المجلس الثوري دون أن يتخلى عن منصبه كوزير للدفاع وبعد أن وافق الشعب الجزائري على الدستور الأول للبلاد تم ترشيح بن بلة كأول رئيس للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية وإنتخبه الشعب بأغلبية ساحقة في إستفتاء أجرى يوم 15 أكتوبر عام 1963م وفي مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي إنعقد في شهر أبريل عام 1964م تم إنتخاب بن بلة أمينا عاما للمكتب السياسي وكانت بداية الجمهورية الجزائرية الفتية صعبة للغاية بخزينة خاوية لا تكفي لأكثر من أسبوع ونقص في الكوادر والكفاءات بعد رحيل الأوروبيين وخاصة الفرنسيين من الجزائر وكانت لا توجد في البلاد إلا جامعة واحدة بها 500 طالب كما كان لا يوجد في الجزائر كلها سوى عدد 120 طبيب وصيدلي وعدد 2 مهندسين معماريين وكانت أول المشاكل التي واجهت الحكومة حلول موسم دخول المدارس وحملة الحرث والبذر اللتان كانتا على الأبواب فأعلن بن بلة التحدي وإستطاع إنجاح عملية الحرث والبذر رغم الصعوبات فرزقت الجزائر بموسم زراعي سخي وبفضل علاقته الجيدة مع ديجول إستطاع بالتعاون مع فرنسا تسهيل وتنظيم دخول المدارس ومن جانب آخر كانت العروبة والإسلام والإصلاح الزراعي هي الأعمدة الثلاثة في برنامج بن بلة وإنطلاقا من شهر مارس عام 1963م بدأت حكومة بن بلة في تأميم الأراضي الزراعية ليعقد بعد بضعة شهور المؤتمر الأول للفلاحين وذلك في إطار سياسة زراعية سميت بالتسيير الذاتي يشرف عليها الديوان الوطني لإعادة الهيكلة الزراعية والذى أنشئ في نفس السنة كما أولى بن بلة للمرأة الجزائرية جانبا من الإهتمام وعلى الصعيد الدولي عمل بن بلة على إنضمام الجزائر لكل المحافل الدولية فإنضمت إلى منظمة الأمم المتحدة في شهر أكتوبر عام 1963م كما مدت يد العون لكل الثورات التحررية في العالم وخاصة في قارة أفريقيا إلى حد أن الجزائر وصفت بقبلة الثوار فقد ساندت دولة الجزائر عسكريا الحركات التحررية في جنوب أفريقيا وفي جنوب غرب أفريقيا وفي زيمبابوي وأنجولا .

وكان هوارى بومدين في ذلك الوقت من أشد مؤيدى أحمد بن بلة ولكن من جانب آخر فقد نازع كل من السياسيين الجزائريين البارزين عضوى جبهة التحرير الوطني واللذان كانا من أهم رموز الثورة الجزائرية آيت أحمد ومحمد بوضياف بن بلة الحكم بدعوى أن كل منهما هو الأجدر والأحق بمنصب الرئيس ولم يتوقف معارضو حلف بن بلة بومدين عن نقد بن بلة والتمرد عليه رغم ميل الكفة لصالح بن بلة فإتهموه بالديكتاتورية وإستمروا في أنشطتهم المعادية له وفي تنظيم تجمعات شعبية معارضة لنظام الحكم القائم ومع الوقت أصبحت هذه المعارضة تشكل تهديدا خطيرا لبمن بلة لبلوغها درجة التمرد العسكري فتم إعتقال بوضياف ثم أعلن آيت أحمد في يوم 9 يوليو عام 1963م عن تمرده علي الحكم وإلتحاقه بالمتمردين منذ إعلان الإستقلال بمنطقة القبائل شمالي شرق الجزائر وبهذا تكون معظم الزعامات والقيادات في منطقة القبائل قد إتحدت لإسقاط الرئيس بن بلة ولو بالقوة وفشلت كل محاولات رد آيت أحمد عن تمرده المسلح رغم إنسحاب حليفه العقيد محند أولحاج وتمكن الجيش الجزائري من إلقاء القبض عليه في يوم 17 أكتوبر عام 1964م وسجنه وأجريت له محاكمة وحكم عليه بالإعدام لكن بن بلة لم يتسرع في تنفيذ الحكم وكانت التمردات قد مست أيضا صفوف الجيش وكان تمرد منطقة القبائل وتمرد العقيد شعباني في الجنوب أبرزها حيث كان هذا الأخير على خلاف مع هوارى بومدين وزير الدفاع حول الضباط الفارين من الجيش الفرنسي لتشكيكه في إخلاصهم وإحتار بن بلة في التعامل معه مما أدى إلي تأزم الأمر ودفعه ذلك إلي إلقاء القبض على شعباني ومحاكمته والحكم بإعدامه وبهذا أمكن لبن بلة تحييد كل خصومه السياسيين حيث كان قد وضع فرحات عباس في إقامة جبرية في أدرار جنوب البلاد بعد أن قدم إستقالته من رئاسة المجلس الوطني في يوم 13 سبتمبر عام 1963م نتيجة خلافه مع بن بلة حول سياسته المتبعة في تصريف أمور البلاد ولم يطلق سراحه إلا في شهر مايو عام 1965م وإعتقل بوضياف وسجن آيت أحمد هذا إلى جانب الساسة الذين فضلوا المنفى خارج الجزائر كمنطلق للمعارضة .

وقد وجهت العديد من الإنتقادات لنظام بن بلة نظرا لقيامه بالقضاء علي معارضيه السياسيين مما دفع البعض إلي الإلتحاق بالمعارضة في الخارج رغم أنه إستهل عهده بإنتهاج سياسة الإعتدال لكثرة القيادات والتيارات وقد إنتقد نقدا شديدا أيضا نظرا لتفرده بالحكم والجمع بين عدة سلطات هذا لأنه كان مقتنعا أن الفترة الأولي بعد الإستقلال فترة عصيبة للغاية وتحتاج إلى سلطة مركزية قوية كما عاب البعض على فترة حكم بن بلة إنشغاله بتصريف الشئون اليومية عن بناء إستراتيجية بعيدة المدى وفشله في إرجاع الصورة الشعبية لحزب جبهة التحرير وحصر النشاط السياسي على هذا الحزب فقط وعلاوة علي ذلك ففي الجانب الإقتصادي وجهت لحكومة بن بلة إنتقادات شديدة نظرا لإرتفاع نسبة البطالة حيث وصل عدد المتعطلين عن العمل خلال عام 1964م 2.5 مليون فرد من أصل 11 مليون نسمة هم عدد سكان الجزائر كما فشل التسيير الذاتي في الشركات في إعطاء نتائج إيجابية كما كان نزوح سكان الأرياف إلى المدن طلبا لحياة أفضل سببا هاما في إرتفاع البطالة الأمر الذى حاول بن بلة التصدى له من خلال مشروع الإصلاح الزراعي وكان الهدف من نظام التسيير الذاتي أن تبقى الممتلكات للدولة ويعود ريعها على العاملين بها لتشجيعهم على العمل أكثر حيث رفض بن بلة أن يصبح بعض الجزائريين إقطاعيين جدد وكانت هذه السياسات أحد أسباب الخلاف مع فرحات عباس الذي كان يريد نظاما ليبراليا وعموما يرى بعض الدارسين أنه نظرا للفترة القصيرة التي حكم فيها بن بلة البلاد والتي بلغت سنتين ونصف السنة فقط فإنه لا يمكن الحكم على سياسته إيجابا أو سلبا وحتي هذه المرحلة كان الإنسجام بين بن بلة وحليفه ووزير دفاعه بومدين مستمرا حتي تاريخ إنعقاد مؤتمر حزب جبهة التحرير في يوم 14 أبريل عام 1964م الذي ظهرت بعده خلافات بين الرئيس ووزير دفاعه وقائد جيشه بومدين حيث لوح هذا الأخير بالإستقالة لكن بن بلة رفض الأمر بشدة وكان بومدين من بين المعترضين على عقد هذا المؤتمر والذى وجهت خلاله العديد من الإنتقادات الحادة ضد بومدين والجيش وقد صرح بن بلة لاحقا بأن الخلاف مع بومدين والجيش كان السبب الرئيسي له من الذي يحكم في الجزائر الجيش أم حزب جبهة التحرير ومن ثم بدأت تظهر معالم صراع جديد حول السلطة بين الرئيس بن بلة وحليفه السابق بومدين المتحكم بالجيش خاصة بعد إعلان بن بلة في شهر ديسمبر عام 1964م عن تشكيل حكومة جديدة إحتفظ فيها بحقائب الداخلية والمالية والأخبار وهنا صار بومدين متيقنا أن بن بلة يعمل على إزاحته ورغم عدم قبول بن بلة للإستقالة الجماعية لبومدين وآخرين عام 1964م بعد تشكيله للحكومة الجديدة إلا أن الأمور لم تهدأ ولكن بن بلة لم يتوقع إنقلابا يقوده وزير دفاعه وحليفه السابق هواري بومدين وفي بداية عام 1965م بدأ بومدين وحاشيته بالتخطيط للإطاحة ببن بلة لما ظهر منه وكأنه إبعاد لهم عن مقاليد الحكم ويذكر الشاذلي بن جديد الذى خلف بومدين بعد وفاته عام 1978م إن الإنقلاب كان مبرمجا بعد تردي العلاقات بين بن بلة وبومدين فقد إستطاع بومدين إقناع بعض قادة الأركان بضرورة تنحية بن بلة وأبعد من شك في موافقته .

وبعد شهر من التحضيرات تولى طاهر زبيري قائد الأركان أمر إعتقال بن بلة في ليلة 18/19 يونيو عام 1965م في مقر الرئاسة الجزائرية وقد فاجأ بن بلة معتقليه بهدوئه وثباته في حين كان العسكر الذين يقتادونه إلى مستقبل مجهول متخوفين منه ومتوجسين من أي حركة يقوم بها لتحرير نفسه خاصة وهو الرجل العسكري السابق والرياضي المعروف وقام بومدين بالإعلان عن الإنقلاب على موجات الراديو في خطاب حاول من خلاله تبرير ما سمي بالتصحيح الثوري وقد جاء في هذا البيان حصر لأخطاء حكم بن بلة حيث إعتبر بومدين أن بن بلة قد خرج عن خط الثورة الجزائرية وإستأثر بالسلطة وإتهمه بالديكتاتورية والشوفينية وأخذ عليه إحتكاره لتسعة مناصب حساسة في وقت واحد وقال بومدين أيضا في بيانه إنه لجأ إلى الإنقلاب إنقاذا للثورة وتصحيحا للمسار السياسي وحفاظا على مكتسبات الثورة الجزائرية ولم تكن ردة فعل الشعب الجزائرى تجاه هذه الأحداث قوية وإن إستمرت بعض المناوشات المناهضة للإنقلاب لمدة شهر تقريبا وكانت أكثر ردات الفعل وقعا مظاهرات مدينة عنابة والتي أسفرت عن سقوط 38 قتيلا من مؤيدي بن بلة كما أوردت جريدة لوموند الفرنسية في عدد صدر لها في أغسطس عام 1965م بعض التفاصيل حول عدد القتلى بواقع قتيل في سكيكدة وقتيلان في تبسة و9 قتلى في وهران و 40 قتيل في عنابة وأرجع بن بلة ضعف ردة فعل الشعب الجزائري والذي كان دائما ما يردد أن غالبية من الشعب معه إلى كون الشعب لا يزال مجروحا مما حدث وفي خارج البلاد لم تدم ردة فعل أصدقاء بن بلة طويلا فقد إنتقد عدة رؤساء دول مثل الرئيس الكوبي فيدل كاسترو والرئيس اليوغسلافي تيتو الإنقلاب كما نظمت بعض المظاهرات في مصر والأردن وإستمرت عزلة الجزائر غير الرسمية عربيا قرابة سنتين وذلك حتي قيام حرب الخامس من يونيو عام 1967م وجدير بالذكر أن قادة الإنقلاب وعلي رأسهم بومدين لم يفوا بوعدهم بإصدار الكتاب الأبيض الذى أعلنوا أنه سيتم طباعته ويشرحون فيه أخطاء فترة حكم بن بلة والأهم من ذلك فقد شهدت فترة حكمهم وقوعهم في نفس أخطائه فالساحة السياسية شهدت إنغلاق أكبر بإقدام بومدين على حل كل المؤسسات الدستورية التي أنشئت في عهد بن بلة وإتضح حتى لمن ساعد في الإنقلاب لاحقا وعلى رأسهم العقيد زبيري قائد الأركان أنهم خلعوا ديكتاتورا ليضعوا مكانه ديكتاتورا آخر حتى أن بعضهم سعى للإطاحة بالنظام الجديد من خلال محاولة إنقلاب أو قتل لكنها فشلت ويرى البعض أن التاريخ قد كرر نفسه في الجزائر بعد إنقلاب بومدين علي بن بلة بعد أن كانت قد حدثت أحداث مماثلة في مصر قبل حوالي 11 سنة في عام 1954م عندما حدث إنقلاب عبد الناصر على محمد نجيب .

وعلي العموم فبعد أن تمكن هواري بومدين من ترتيب البيت الداخلي شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي ومن ثم إهتم بومدين بالإصلاح السياسي والإجتماعي والإقتصادى فقام بوضع أسس الدولة الجزائرية الحديثة وبدأ بوضع ميثاق وطني شاركت جميع فئات الشعب فيه وإنبثق عنه دستور وكان شعاره لا نريد تقبيل اليد ثم تم إنتخاب المجلس الشعبي الوطني من طرف الجماهير الواسعة وعلي الرغم مما يمكن أن يقال عن الميثاق الوطني والدستور إلا أنهما ساهما في ترتيب البيت الجزائري ووضع ركائز لقيام الدولة الجزائرية الحديثة وعلي صعيد آخر كانت أمام بومدين ثلاث تحديات كبيرة وهي الزراعة والصناعة والثقافة فعلى مستوى الزراعة قام بومدين بتوزيع آلاف الهكتارات على الفلاحين الذين كان قد وفّر لهم المساكن الصحية النظيفة من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين وأجهز على معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون وأمد الفلاحين بكل الوسائل والإمكانات التي كانوا يحتاجون إليها وقد أدت هذه الخطوط العريضة لسياسة الرجل على المستوى الداخلي إلي إستقطاب الكل لخدمة الوطن وأصبحت كل إيرادات الدولة توجه في صالح المواطن وكانت النتيجة أن إزدهر القطاع الزراعي في عهده وإسترجع حيويته التي كان عليها أيام الإستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة تصدر ثمانين بالمائة من الحبوب إلى العديد من دول قارة أوروبا وكانت ثورة هواري بومدين الزراعية خاضعة لإستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر وإقامة حواجز كثيفة من الأشجار أهمها السد الأخضر للفصل بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة إلى الشباب الجزائرى الذين كانوا يقومون بالخدمة الوطنية وفي يوم 14 يوليو عام 1971م إجتمع مجلس الثورة ومجلس الوزراء برئاسة الرئيس هواري بومدين بحيث أنهوا خلال هذه الجلسة دراسة الصيغة النهائية لمشروع الميثاق المتعلق بالثورة الزراعية وتم تعريف هذا المشروع بأنه يمثل الثورة الزراعية النابعة من ضرورة تاريخية وسياسية بما يعد إجراءا يحدد العوامل المحددة للنشاط الزراعي والحياة في المناطق الريفية بوجه عام وفي حقيقة الأمر شكلت الثورة الزراعية إنطلاقة جديدة لنشاط الزراعة في الجزائر كان من شأنها السماح بالوصول إلى أفق حقيقي للتنمية من خلال عمل منسق ومتواصل تجاه العوامل البشرية والمادية التي تعيق مسار النمو في هذا القطاع الهام وكانت الصيغة التي تم التصديق عليها لمشروع الميثاق المتعلق بالثورة الزراعية تحمل آفاق مستقبلية كونها لم تقتصر على عمليات إستصلاح ومنح الأراضي فقط بل وفرت أيضا الظروف الملائمة للتنمية الريفية وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بإنشاء مئات المصانع الثقيلة والتي كان خبراء من دول الكتلة الإشتراكية ومن الغرب يساهمون في بنائها ومن القطاعات التي حظيت بإهتمامه أيضا قطاع الطاقة ومعروف أن فرنسا كانت تحتكر إنتاج النفط الجزائري وتسويقه إلى أن قام هواري بومدين بتأميمه الأمر الذي إنتهى بحدوث توتر شديد في العلاقات الفرنسية الجزائرية وقد أدى تأميم المحروقات في الجزائر إلى توفير سيولة نقدية كبيرة للبلاد ساهمت في دعم مشاريع التنمية بباقي القطاعات الصناعية والزراعية والعمرانية والخدمية وفي عام 1972م كان هواري بومدين يقول إن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان الوطن العربي في غضون سنوات قليلة .

وفي مجال العلاقات الخارجية فإجمالا كانت علاقة الجزائر بكل الدول وخصوصا محور الدول الإشتراكية حسنة للغاية عدا العلاقة بفرنسا والمملكة المغربية حيث شهدت العلاقات مع فرنسا العديد من فترات التوتر خاصة بعد تأميم البترول وإمتناع فرنسا عن شرائه من الجزائر وهو الأمر الذى كان يعد مثالا لباقي الدول المنتجة تتحدى به العالم الرأسمالي وبلا شك أن هذا قد جعل من الجزائر رمز وركن للصمود والمواجهة تحتذى به الدول الصغيرة كما كانت الثورة الجزائرية درسا للشعوب المستضعفة ومن جهة أخرى وخاصة بعد المؤتمر الأفرو آسيوي الذى إنعقد بالجزائر في يوم 3 سبتمبر عام 1973م وإستقبلت خلاله الجزائر العديد من زعماء دول العالم الثالث ووقف خلاله بومدين خطيبا وبدا في هذا المشهد كزعيم وقائد واثق من نفسه مطالبا بنظام دولي جديد أصبح ما يدعو إليه بومدين يشكل تهديدا واضحا للدول المتقدمة وبخصوص العلاقات مع المملكة المغربية فإن أهم ماميز العلاقات الجزائرية المغربية في عهد هواري بومدين هو ظهور جبهة البوليساريو في عام 1973م كمنظمة ثورية تريد تحرير الصحراء الغربية التي تقع غرب الجزائر وجنوب المغرب وشمال موريتانيا والتي تسعي إلي تكوين دولة مستقلة عن المغرب ومن المعروف أن الجزائر ساهمت في إنشاء هذه الجبهة وأمدتها بالسلاح والمال ولذا فقد ظلت العلاقات الجزائرية المغربية متوترة إلى أن قام الرئيس الجزائري الذى خلف بومدين الشاذلي بن جديد بإعادة العلاقات إلي طبيعتها مع المغرب بعد وساطة قام بها العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز في عام 1986ومن جانب آخر وفي مجال القضية الفلسطينية ففي أوائل عهد بومدين في النصف الثاني من عام 1965 أوفدت منظمة التحرير الفلسطينية سعيد السبع أحد قادتها لإفتتاح أول مكتب لفلسطين في الجزائر وفي تلك الفترة فتح هواري بومدين أبواب كلية شرشال العسكرية أمام الضباط الفلسطينين وتم تخريج الدفعة الأولي من الضباط بحضور الرئيس هواري بومدين وسعيد السبع وطاهر زبيري كما أنه منح مقر الجنرال ديجول ليكون مقرا لمنظمة التحرير الفلسطينية وكانت مواقفه الثابتة إزاء القضايا العربية والإنسانية وإيمانه الشديد والعميق بحق الشعوب في تقرير مصيرها هي التي رشحته للحصول في عام 1976م على ميدالية السلام التي منحتها إياه منظمة الأمم المتحدة عرفانا وتقديرا له على جهوده المتواصلة في الدفاع عن مبادئ السلم والعدالة في العالم ومما يذكر له قوله الشهير نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة وفي مؤتمر القمة العربية الذى إنعقد بالعاصمة المغربية الرباط مابين يوم 26 ويوم 28 من شهر نوفمبر عام 1974م أكد بومدين على أن لا وصاية على الفلسطينيين ولا تفاوض ولا تطبيع ولا تعامل مع العدو الإسرائيلي حيث كان من دعاة رفع التحدي ومقاومة الإستعمار والإمبريالية وبجهود رئيس الدبلوماسية الجزائرية آنذاك والرئيس السابق للجزائر عبد العزيز بوتفليقة تمكن الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات من إلقاء خطابه الشهير في الأمم المتحدة عام 1974م وفي حوار أجراه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مع الرئيس ياسر عرفات في الذكرى الخامسة عشر لإنطلاق الثورة الفلسطينية تطرق الشهيد أبو عمار إلى أدق التفاصيل لإنطلاق الثورة حيث أكد في حواره أن التأييد الأول الذي تحصلت عليه الثورة وهي في مهدها كان من الجزائر وأن أول مكتب فتح للثَورة كان بالجزائر وكان يستعمل قبل ذلك لتعذيب الجزائريين وأن جزائر بومدين لم تبخل يوما على الثورة الفلسطينية في أي طلب في كافة المجالات سواء كان دعما سياسيا أو لوجستيا فاتحةً ذِراعيهَا لإحتِضان الثَورة الفِلسطينية .

وخلال حرب العاشر من رمضان عام 1393 هجرية السادس من أكتوبر عام 1973م والتي دارت بين كل من مصر وسوريا بمشاركة عدة دول عربية من جهة والكيان الصهيوني من الجانب الآخر كان للجزائر ورئيسها هوارى بومدين دور أساسي وموقف مشرف حيث قام الجيش المصرى والسورى في آن واحد بهجوم مفاجئ على قوات الإحتلال الإسرائيلية في سيناء وهضبة الجولان وقد هدفت مصر وسوريا إلى إسترداد شبه جزيرة سيناء والجولان التي سبق أن إحتلتهما إسرائيل عام 1967م وقد عاش بومدين ومعه كل الشعب الجزائري تلك الحرب بكل جوارحه وشاركت جميع الدول العربية تقريباً في هذه الحرب طبقا لإتفاقية الدفاع العربي المشترك لكنها كانت مشاركة رمزية عدا العراق والجزائر اللتان كان جنودهما يشاركون بالفعل مع المصريين والسوريين في القتال وفي بداية هذه الحرب إتصل بومدين بالرئيس المصرى السادات وقال له إنه يضع كل إمكانيات الجزائر تحت تصرف القيادة المصرية وطلب منه أن يخبره فورا بإحتياجات مصر من الرجال والسلاح فقال السادات للرئيس الجزائري إن الجيش المصري في حاجة إلى المزيد من الدبابات وأن السوفييت يرفضون تزويده بها وهو ما جعل بومدين يطير إلى الإتحاد السوفيتي خلال شهر نوفمبر عام 1973م ويبذل كل ما في وسعه بما في ذلك فتح حساب بنكي بالدولار لإقناع الروس بالتعجيل بإرسال السلاح إلى الجيشين المصري والسوري ووضع به 200 مليون دولار بواقع 100 مليون دولار لكل دولة وتم بالفعل شراء 200 دبابة سوفيتية وتم إرسالها إلي مصر تعويضا لها عما فقدته من دبابات طوال أيام الحرب وفي شهادات على العصر قال الرئيس الراحل أنور السادات إن جزءا كبيرا من الفضل في الإنتصار الذي حققته مصر في حرب أكتوبر بعد الله عز وجل يعود لرجلين إثنين هما الملك فيصل بن عبد العزيز عاهل السعودية والرئيس الجزائري هواري بومدين وبشئ من التفاصيل فقد شاركت الجزائر في حرب أكتوبر على الجبهة المصرية بالفوج الثامن للمشاة الميكانيكية والذى كان يشمل 2115 جندي و812 صف ضباط و192 ضابط جزائري كما قام الرئيس بومدين بارسال عدد 50 طائرة حديثة عبارة عن سرب طائرات سوخوي 7 وسرب طائرات ميج 17 وسرب طائرات ميج 21 كما وصل إلى مصر لواء جزائري مدرع في يوم 17 أكتوبر عام 1973م معه عدد 96 دبابة وعدد 32 آلية مجنزرة وعدد 12 مدفع ميدان وعدد 16 مدفع مضاد للطائرات هذا بخلاف الدبابات التي إشتراها بومدين من الإتحاد السوفيتي وتم شحنها إلي مصر .


وبداية من عام 1974م أصيب هواري بومدين بمرض غريب ونادر إستعصى علاجه وقل شبيهه وفي بداية الأمر ظن الأطباء أنّه مصاب بسرطان المثانة غير أن التحاليل الطبية نفت هذا الإدعاء وذهب طبيب سويدي إلى القول بأن بومدين أصيب بمرض والدنسستروم أو الداء العظمي الغضروفي لكردوس الفخذ وهو مرض ورمي في الخلايا اللمفاوية من أعراضه فقدان الوزن والتعب الشديد عند بذل أقل مجهود وكان هذا الطبيب هو نفسه مكتشف المرض وجاء إلى الجزائر خصيصا لمعالجة بومدين وثبت له أن بومدين ليس مصابا بهذا الداء وبعد معاناة طويلة مع مرضه النادر إستمرت أكثر من 4 سنوات مات هواري بومدين في صباح يوم الأربعاء 27 ديسمبر عام 1978م في الساعة الثالثة وثلاثين دقيقة فجرا وحين دقت ساعة توديع الزعيم ظهر وزير الخارجية الجزائرى حينذاك عبد العزيز بوتفليقة في الواجهة وهو يلقي الكلمة التأبينية التي كانت آخر ما تلي على بومدين قبل أن يصبح تحت التراب في عالمه البرزخي وفي خطاب الوداع الذي تؤكد بعض المصادر أن وزير التربية الأسبق علي بن محمد هو من كتب نصه بدا بوتفليقة متأثرا جدا لفراق رفيقه ورئيسه ورئيس كل الجزائريين ولكنه ظل متماسكا حتى النهاية وحينها قال بوتفليقة في خطاب الوداع الشهير بأرواحنا نفديك لو كان يقبل منا الفداء هذا وقد إنتشرت وراجت في الجزائر شائعات كثيرة حول موت هواري بومدين وسط غياب الرواية الحقيقية وصمت الذين عاصروه وكانوا من أقرب الناس إليه وكان من هذه الشائعات أن هواري بومدين شرب لبنا مسموما حيث كان يدمن شرب اللبن وهذا السم إستقدم من تل أبيب وقيل أيضا إن العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني كان على علم بإختفائه قريبا عن المشهد الدنيوي وقيل إن المخابرات الأميريكية كانت مستاءة منه جملة وتفصيلا وإنها قد ساهمت في إغتياله وقيل أيضا إنه أصيب برصاصة في رأسه في محاولة إغتيال في ثكنة عسكرية وكانت مجلة العالم السياسي الجزائرية والتي توقفت عن الصدور بعد ذلك قد نشرت ملفا كاملا بعنوان الرواية الكاملة لإغتيال هواري بومدين وقد أفادت هذه الرواية أنه تمت تصفيته من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي عن طريق التسميم لكن الرواية لم تتضمن أى تفاصيل تكشف هوية من أوصل السم الى مائدة بومدين في مقر سكنه الرئاسي ومهما كثرت الروايات حول وفاته فإن الجزائر خسرت الكثير والكثير بغياب هذا الرجل المفاجئ الذي كان يحلم أن يجعل الجزائر يابان العالم العربي وأخيرا فقد كان لهوارى بومدين العديد من الأقوال المأثورة منها هل الأمة العربية مستعدة لبذل الثمن الغالي الذي تتطلبه الحرية وإن اليوم الذي يقبل فيه العرب دفع هذا الثمن لهو اليوم الذي تتحرر فيه فلسطين ومن أقواله أيضا إن تاريخ الشعوب ليس إلا سلسلة من المعارك المتنوعة تخرج ظافرة من معركة لتدخل مزودة بسلاح جديد إلى معركة جديدة فإذا كنا قد خرجنا من معركة الإستقلال فإن ذلك يعد سلاحاً لابد منه لخوض معركة أخرى هي معركة النهضة والرقي والحياة والذي يرغب في الثورة عليه أن يترك الثروة .