abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
تعرف على عميد الادب الروسي في القرن ال 19
تعرف على عميد الادب الروسي في القرن ال 19
عدد : 05-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي والمعروف في المجال الأدبي بإسم ليو تولستوى هو واحد من عمالقة الروائيين الروس كما أنه يعد مصلح إجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي وعضو مؤثر في أسرة تولستوي ويعد من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر الميلادى وحتي أوائل القرن العشرين الماضي والبعض يعده من أعظم الروائيين علي مستوى العالم على الإطلاق كما أنه كان مفكرا عميق التفكير ولذا فقد تناول في كتاباته الأدبية مواضيع أخلاقية ودينية وإجتماعية عديدة وكانت له العديد من الأعمال الأدبية التي تعد من بين الأعظم على مر التاريخ وكان من أشهرها روايتا الحرب والسلام وأنا كارنينا واللتان تتربعان على قمة الأدب الواقعي حيث أنهما يعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في الحقبة الزمنية التي كان يعيش فيها تولستوى وقد ساهم تولستوي بشكل كبير إلى جانب الأديبين الروسيين الكبيرين فيدور دوستويفسكي وإيفان تورجينيف في النهضة الكبيرة التي شهدها الأدب الروسي خلال القرن التاسع عشر الميلادى وكفيلسوف أخلاقي فقد إعتنق تولستوى أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف وتبلور ذلك في كتاب مملكة الرب داخلك ذلك الكتاب الفلسفي الذى يقوم تولستوى من خلاله بعرض أفكار فلسفية تؤكد على أن السلم والصلح هو طريق السلام وتنبذ فكرة العنف او ما يدعى بالكفاح المسلح وهو العمل الذي أثر على العديد من مشاهير القرن العشرين الماضي كان علي رأسهم السياسي المعروف والزعيم الروحي للهند المهاتما غاندي والزعيم الزنجي الأميريكي الحاصل علي جائزة نوبل للسلام عام 1964م مارتن لوثر كينج في جهادهما الذي إتسم بسياسة المقاومة السلمية النابذة للعنف وقد كان لتولستوى العديد من المواقف الجريئة مثل التخلي عن ثروته ومعارضة الكنيسة بعد أن تعمق في القراءات الدينية ومن ثم قاوم الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا ودعا للسلام وعدم الإستغلال وعارض القوة والعنف في شتى صورهما ولم تقبل الكنيسة أراءه وأفكاره التي إنتشرت في سرعة كبيرة ولذا ففي عام 1901م كفرته الكنيسة وأبعدته عنها وأعلنت حرمانه من رعايتها ومع ذلك فقد أُعجب بآرائه عدد كبير من الناس وكانوا يزورونه في مقره بعد أن عاش حياة المزارعين البسطاء تاركا عائلتهِ الثرية المترفة ونستطيع أن نقول إنه قد تحول في المرحلة الأخيرة من حياته ليغدو أشبه بزعيم أخلاقي وديني .

ولد ليو تولستوي في عام 1828م في مقاطعة تولا والتي تقع على بعد 130 ميلا جنوب العاصمة الروسية موسكو وكان نبيلا ومن أسرة مرموقة حيث كان والده هو الكونت نيكولاس تولستوي وأمه الأميرة ماريا فولكونسكي وكانت أسرة والدته من سلالة روريك أول حاكم ورد إسمه في التاريخ الروسي وكان من ضمن هدية زواجها إقطاعية ياسنايا بوليانا الجميلة وهي التي ولد بها تولستوى وقد توفيت والدته عندما كان عمره سنتين أى في عام 1830م وقامت إحدى قريباته وتدعي تاتيانا بمساعدة والده في تربيته هو وأخوته ولكن توفي الأب بعد سنوات قليلة في صيف عام 1837م فتم وضع أطفاله تحت رعاية حاضن شرعي هي عمتهم الكونتيسة الكسندرا أوستن وأمضوا السنوات التالية إما في بيتها في موسكو أو في زيارة تاتيانا في ياسنا يابوليانا ولما توفيت الكونتيسة عام 1841م إنتقلت حضانة الأطفال إلى عمتهم الأخرى بالاجيا يوشكوف وقد ملأ الأسى قلب تاتيانا حينما أخذت بالاجيا الأطفال بعيدا إلى منزلها في مدينة كازان والتي تقع جنوبي شرق موسكو عند إلتقاء نهري الفولجا وكازانكا في روسيا الأوروبية وحاليا هي عاصمة جمهورية تتارستان وأحد أكبر المدن الروسية حيث تأتي بالمرتبة الثامنة في قائمة أكبر مدن روسيا الإتحادية حيث أمضى تولستوى بقية طفولته ومع ذلك فقد ظل يزور مربيته تاتيانا كل صيف وقد بدأ تولستوى يتلقى تعليمه الإبتدائي في المنزل على أيدي المعلمين الفرنسيين والألمان وفي شهر سبتمبر عام 1844م وكان سنه 16 عاما تم قبوله طالبا في كلية اللغات الشرقية بقسم اللغتين التركية والعربية بجامعة كازان ولقد إختار تولستوي هذا الإختصاص لسببين الأول لأنّه أراد أن يصبح دبلوماسيا في منطقة الشرق العربي والثاني لأنّه كان مهتما بآداب شعوب الشرق وعلى الرغم من أن تولستوي كان شغوفا بالقراءة منذ طفولته إلا أنه لم يستطع التركيز في دراسته عندما أصبح طالبا وإنغمس تماما في الحياة الإجتماعية بالجامعة وبعد أن فشل في إمتحانات السنة الأولى قرر أن يغير إتجاهه ويدرس القانون وكانت البداية في ذلك التخصص أكثر تبشيرا بالنجاح ولكن ما أن حل عام 1847م حتى كان تولستوي قد قرر ترك الدراسة دون أن يحصل على شهادته الجامعية وقد جاء ذلك عقب أن جاءته الأنباء بأن تقسيم أملاك الأسرة قد جعلته يرث إقطاعية ياسنا يابوليانا وهي إقطاعية كبيرة فيها أكثر من 330 عائلة من المزارعين وكان تولستوي رجلا ذو مثل عليا فأحس أن واجبه يحتم عليه العودة إلى إقطاعيته لرعاية أموره هناك ولتحسين أحوال رعيته من المزارعين وأعد مذكرات دقيقة عن خططه لتحقيق ذلك وعن رغبته في الوصول إلى درجة الكمال عن طريق أداء واجبه وقراءة أكثر ما يمكنه قراءته .

ولسوء الحظ فإن مثالية تولستوى النبيلة وشعوره الشاب بالمسؤولية لم يكونا هما الصفتان المناسبتان للتعامل مع المزارعين فبعد أن عاد تولستوي إلى منزل والديه مقررا أن يتولى الإشراف على زراعة الأراضي هناك لم يتمكن من المواظبة على فعل ذلك نظرا لكثرة المشاكل التي واجهته حين التعامل مع المزارعين وكثرة زياراته الإجتماعية إلى تولا وموسكو وبالتالي سرعان ما تبين له أنه غير مؤهل لتولي هذا الأمر وفي الوقت الذي كان فيه تولستوي منهمكا بشئون أراضيه والمشاكل التي تعرض لها عاد أخوه نيكولاي إلى منزل العائلة في أجازة قصيرة من الجيش وأقنعه بالإنضمام إليه فوافق تولستوي وسافر معه إلى وحدته العسكرية في جبال القوقاز تاركا إقطاعيته في رعاية زوج شقيقته ماريا وعندما وصل مع شقيقه إلى القوقاز عام 1851م ما لبث أن أغرم بمشهد الجبال الجميلة هناك وبعد تسعة أشهر من سفره إنضم إلى الفرقة الروسية القوقازية في القتال ضد قبائل السهول التتارية التي كان يقودها الإمام شامل القائد السياسي والزعيم الديني في شمال القوقاز وأحد أشهر المقاومين للوجود الروسي في هذه المنطقة وقد سجل تولستوى جانبا كبيرا من إنطباعاته التي كونها خلال تلك الفترة في روايته الشهيرة الحرب والسلام وفي هذه المرحلة من حياته إستغل تولستوي بعض فترات السلام أثناء وجوده في الجيش فعمل على تأليف رواية تروي سيرته الذاتية أطلق عليها إسم الطفولة وفي عام 1852م قدم تولستوي مسودة الرواية إلى مجلة The Contemporaryالتي كانت تعد الأكثر شعبية وإنتشارا آنذاك فوافقت إدارة المجلة على نشرها لتصبح بالتالي أول مؤلفات تولستوي المنشورة وبعد ذلك شرع تولستوي في كتابة قصة إسمها القوزاق تروي يومياته داخل وحدته العسكرية ولكنه لم يكملها إلا بعد مغادرته الجيش كما قام بتأليف رواية أخرى سماها الصبا عام 1854م والتي تعد تكملة لرواية الطفولة وأتبعها بعد ذلك بتأليف رواية الشباب عام 1857م والتي تعتبر تكملة لروايتي الطفولة والصبا وكان تولستوى في عام 1854م قد إنتقل إلى سيفاستوبول في أوكرانيا وإستمر في عمله كجندي حتى عام 1855م حيث إشترك في حرب القرم عام 1855م وهي الحرب التي قامت بين الإمبراطورية الروسية والدولة العثمانية في يوم 4 أكتوبر عام 1853م وإستمرت حتى عام 1856م في شبه جزيرة القرم التي تقع شمال البحر الأسود في دولة أوكرانيا حاليا ودخلتها مصر وتونس وبريطانيا وفرنسا إلى جانب الدولة العثمانية في عام 1854م التي كان قد بدأ يصيبها الضعف ثم لحقتها مملكة سردينيا التي أصبحت فيما بعد في عام 1861م مملكة إيطاليا . وقد إندلعت هذه الحرب بسبب الأطماع الإقليمية لروسيا على حساب الدولة العثمانية وخاصة في شبه جزيرة القرم التي كانت مسرح المعارك والمواجهات وقد إنتهت هذه الحرب في يوم 30 مارس عام 1856م بهزيمة الروس وتوقيع إتفاقية باريس والتي كانت ذا أهمية خاصة في التوازن على الساحة الدولية بين الدول الكبرى حيث تم إعتبارها من المعاهدات التي صاغت الوجه السياسي لقارة أوروبا خلال القرن التاسع عشر الميلادي وكانت مدخلا مهما لتطوير القانون الدولي حيث كانت بداية الفصل بين العقائد الدينية والعلاقات الخارجية وإنتقلت بالقانون الدولي من الحيز الأوروبي الذي كان يعبر في الأساس عن مجموعة من الأعراف غير الملزمة لغير الأوروبيين إلى إشراك الدولة العثمانية في هذا القانون الدولي وقد عبر تولستوى بعد مشاركته في حرب القرم عن آرائه حيال التناقضات الصارخة خلالها في سلسلة كتبه التي حملت إسم حكايات سيفاستوبول والتي تحدث فيها عن حصار هذه المدينة في فترة الحرب التي شارك فيها وعن بطولات الجنود والملاحم خلالها وبعد إنتهاء هذه الحرب غادر تولستوي الجيش وعاد إلى روسيا حيث إكتشف مدى إزدهار شعبيته في الساحة الأدبية في مدينة سان بطرسبرج ولكن نظرا لما إتسم به من غطرسة وعناد فقد رفض الإنضمام إلى أي مدرسة فكرية وأعلن عن إعتناقه الفلسفة الفوضوية وسافر بعد ذلك إلى باريس عام 1857م ولكنه لم يمكث هناك طويلا فسرعان ما عاد إلى روسيا لينجح في نشر روايته الشباب المشار إليها في السطور السابقة وفي باريس كان قد أعجب بطرق التدريس هناك ولذلك فلما عاد إلي مسقط رأسه بدأ في تطبيق النظريات التربوية التقدمية التي تعرف عليها وقام بفتح مدرسة خاصة لأبناء المزارعين في ضيعته وفي عام 1857م زار سويسرا ثم قام بزيارة كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا في الفترة من عام 1860م وحتي نهاية عام 1861م وكان مهتما بإقامة المدارس وأصبح معنيا بوجه خاص بمشكلة تعليم أولئك الذين فاتتهم فرصة التعلم في الصغر وفي عام 1862م أصدر أول عدد من مجلته ياسنايا بوليانا وهي مجلة تربوية شرح فيها أفكاره التربوية ونشرها بين الناس وتزوج في ذات العام من صوفيا أندرييفنا بيرز إبنة أحد الأطباء والتي كانت متفهمة ومحبة لخدمته وأقام معها ومع أولاده منها في ضيعته وقد أثبتت هذه المرأة حينذاك أنها خير الزوجات وأفضل رفاق الحياة بالرغم من أنها تصغره بستة عشر عاما ولقد أنجبا عدد 13 طفلا مات خمسة منهم في الصغر وحقا كان زواجه منها يعد ملاذه لهدوء البال والطمأنينة لأنها كانت تعيده إلى واقع الحياة هربا من دوامة أفكاره كما أنها كانت خير عون له في كتاباته فقد نسخت مخطوط روايته الرائعة الحرب والسلام 7 مرات حتى كانت النسخة الأخيرة والتي تم نشرها بعد أن أمضى الجزء الأكبر من عقد الستينيات من القرن التاسع عشر الميلادى في تأليفها وقام بنُشر جزءها الأول في مجلة Russian Messenger الأدبية عام 1865م وبعد 3 أعوام أى في عام 1868م أصدر 3 فصول أخرى ليتبعها في العام التالي 1869م بالجزء الأخير .

حظيت هذه الرواية بإعجاب منقطع النظير لدى الجمهور وأوساط النقاد فقد كانت أحداثها بمثابة صورة تاريخية عن روسيا والمجتمع الروسي خلال الحروب النابليونية خلال الفترة ما بين عام 1805م وعام 1820م وتناول فيها غزو نابليون لروسيا عام 1812م كذلك تضمنت هذه الرواية 3 فصول مهمة تطرق فيها تولستوي إلى قوانين التاريخ وعبر عن رفضه لها وسخريته منها وبعد النجاح الساحق لرواية الحرب والسلام عكف تولستوي على تأليف روايته الشهيرة الأخرى أنا كارنينا وبالرغم من كون قصة الرواية خيالية فإنها إستمدت بعض أحداثها من حياة تولستوي الشخصية ولاسيما علاقته مع زوجته أثناء فترة الخطوبة وقد تم نُشر هذه الرواية على دفعات بداية من عام 1873م وحتى عام 1877م وقد ساهمت العائدات التي حصل عليها تولستوي من مؤلفاته في زيادة ثروته وعلي الرغم من النجاح الكبير لرواية أنا كارنينا وعدم معاناته من أى أزمة مادية إلا أنه عانى من أزمة روحية بلغت حد الإكتئاب حيث كان آنذاك منهمكًا في محاولات حثيثة للعثور على إجابات حول تساؤلاته عن معنى الحياة فلجأ إلى الكنيسة الأرثوذكسية ولكنه لم يجد ما يبحث عنه وبعدما تعمق في النصوص الدينية توصل إلى إعتقاد مفاده وجود فساد داخل الكنيسة المسيحية فإعتنق مبادئ جديدة بعيدا عن معتقدات الدين وقرر أن ينشر تلك المعتقدات في مجلة جديدة إسمها The Mediator وفي المقابل لم تغض الكنيسة الطرف عن آراء تولستوي فأعلنت حرمانه وإبعاده عنها ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد كان أيضا خاضعا لمراقبة الشرطة السرية .

ومن جانب آخر كان تولستوى متميزا بقراءاته الواسعة وتبحره في الأديان المختلفة بحثا عن روح الأديان وجوهرها لذلك درس الإسلام ومن ثم قال عنه كنت أدرس البوذية ورسالة محمد من خلال الكتب أما المسيحية فمن خلال الكتب والناس الأحياء المحيطين بي وقد إحتوت مكتبته الشخصية على العديد من المراجع التي تتناول الإسلام بالشرح والتفسير وإستحوذت معاني القرآن الكريم على إهتمامه كما إستأثرت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بعنايته وإهتمامه ويتصدر كتاباته في هذا المجال كتاب بعنوان حكم النبي محمد وهو كتاب وضعه تولستوي دفاعا عن الحق في مواجهة التزوير والتلفيق اللذين لَحقا بالدين الإسلاميِ والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم على يد جمعيات المبشرين في كازان والذين صوروا الدين الإسلامي على غير حقيقته وألصقوا به ما ليس فيه ويصف ليو تولستوي النبي محمد في هذا الكتاب قائلا هو نبي ومؤسس دين الإسلام تلك الديانة التي يدين بها في جميع جهات الكرة الأرضية 200 مليون شخص في ذلك الوقت في أوائل القرن العشرين الماضي ويضيف تولستوى عن النبي محمد صلي الله عليه وسلم إنه قد قام بعمل عظيم بهدايته لوثنيين قضوا حياتهم في الحروب وسفك الدماء فأنار أبصارهم بنور الإيمان وأعلن أن جميع الناس متساوون أمام الله ولقد تحمل في سنوات دعوته الأولى كثيرا من إضطهاد أصحاب الديانة الوثنية القديمة وغيرها شأن كل نبي قبله دعا أمته إلى الحق ولكن هذه المحن لم تثن عزمه بل ثابر على دعوة أمته مع أن محمدا لم يقل إنه نبي الله الوحيد بل آمن أيضا بنبوة موسى والمسيح ودعا قومه إلى هذا الإعتقاد أيضا وقال إن اليهود والنصارى لا ينبغي أن يكرهوا على ترك دينهم بل يجب عليهم أن يتبعوا وصايا أنبيائهم وأضاف تولستوي أيضا وقد إمتاز المؤمنون عن العرب بتواضعهم وزهدهم في الدنيا وحب العمل والقناعة وبذلوا جهدهم لمساعدة إخوانهم في الإيمان لدى حلول المصائب بهم ويقول تولستوي أيضا ومما لا ريب فيه أن النبي محمد كان من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمات جليلة ويكفيه فخرا أنه هدى أمة بأكملها إلى نور الحق وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية وفتح لها طريق الرقي والمدنية وهذا عمل عظيم لا يقوم به شخص عادى مهما أوتي من قوة ورجل مثل هذا جدير بالإحترام والإجلال وقد قام تولستوى في هذا الكتاب بالرد بالحجة والدليل القاطع والبرهان الساطع على المدعين وجمعيات المبشرين عندما إختار عدد 64 من الأحاديث النبوية الشريفة وإنتقاها بنفسه وأشرف على ترجمتها إلى الروسية ومراجعتها وأوردها في كتابه بعد مقدمة جليلة الشأن واضحة المقصد قال فيها إن تعاليم صاحب الشريعة الإسلامية هي حكم عالية ومواعظ سامية تقود الإنسان إلى سواء السبيل ولا تقل في شيء عن تعاليم الديانة المسيحية كما يشير تولستوى في مقدمة هذا الكتاب إلى عقيدة التوحيد في الإسلام وإلى الثواب والعقاب والدعوة إلى صلة الرحم فيقول وجوهر هذه الديانة يتلخص في أن لا إله إلا الله وهو واحد أحد ولا يجوز عبادة أرباب كثيرة وأن الله رحيم عادل ومصير الإنسان النهائي يتوقف على الإنسان وحده فإذا سار على تعاليم الله فسيحصل على الجزاء أما إذا خالف شريعة الله فسينال العقاب وتحت عنوان من كان محمد يقول تولستوى من أراد أن يتحقق مما عليه الدين الإسلامي من التسامح فليس له سوى أن يطالع القرآن الكريم بإمعان وتدبر فقد جاء في آياته ما يدل على روح الدين الإسلامي السامية وكان من بين الأحاديث التي أوردها تولستوى في كتابه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وإرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وإن الله عز وجل يحب أن يرى عبده ساعيا في طلب الحلال وإنما النساء شقائق الرجال واللهم إرزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك .

وبالإضافة إلي ما سبق فإننا نجد أن تولستوى كان يحمل إحتراما خاصا للأدب العربي والثقافة العربية والأدب الشعبي العربي حيث كان قد تعرف علي الحكايات العربية منذ طفولته فقد عرف حكاية علاء الدين والمصباح السحري وقرأ كتاب ألف ليلة وليلة وعرف حكاية علي بابا والأربعون حرامي وحكاية قمر الزمان بن الملك شهرمان ولقد ذكر هاتين الحكايتين ضمن قائمة الحكايات التي تركت في نفسهِ أثرا كبيرا قبل أن يصبح عمره أربعة عشر عاما وهناك دليل آخر على إحترام ليو تولستوي للتراث العربي حيث يذكر أنه قد أمضى إحدى الليالي في غرفة جدته وأصغى إلى حكايات المحدث الأعمى ليف ستيبا نفتش الذي كان يعرف حكايات عربيةً كثيرةً ومنها حكاية قمر الزمان بن الملك شهرمان وقد كتب بروفيسور الأدب الأوروبي بجامعة أوديسا الروسية فيلاديمير لازورسكي في مذكراته وحدثنا تولستوى حكايةً عربيةً من ألف ليلة وليلة حيث تحول الساحرة الأمير إلى فرس إنّه يحب كثيرا الحكايات العربية إلي درجة العشق ويثمنها ويقدرها تقديرا عاليا ويدعو الآخرين إلى مطالعتها وخصوصا الشباب لأنها تعلمهم القيم والحكمة وترشدهم ويقول تولستوى أيضا إنه يجب معرفة هذه الحكايات العربية منذ الطفولة حيث يرى إنها نافعة أكثر من مقالة ماهي الليبرالية التي نشرت في مجلة النقد الأدبي وقد إستلم تولستوي في السنة الأخيرة من عمرهِ طبعةً فرنسيةً جديدةً لألف ليلة وليلة وقرأها من جديد بكل سرور هذا وتعود علاقة تولستوي الأولى بالأدب الشعبي العربي إلى عام 1882م فلقد نشر في ملحق مجلته التربوية ياسنايا بوليانا بعض الحكايات العربية الشعبية منها حكاية علي بابا والأربعون حرامي ويظهر تأثر ليو تولستوي بألف ليلة وليلة في روايته لحن كريستر وأيضا يذكر أنه قد تراسل مع الإمام محمد عبده علي الرغم من إختلاف المسافات بينهما إلا أنهما قد تلاقيا فكريا وروحانيا وتواصلت الرسائل والأفكار بينهما حيث كان الإمام محمد عبده قد قرأ روايات تولستوي وكتابه حول حكم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان تولستوي رغم ديانته المسيحية معجبا بالنبي محمد ومحبا للإسلام ويراه دينا راقيا يدعو للسلام والحياة ورقي الإنسان كما ذكرنا في السطور السابقة وهو ما أعجب الشيخ محمد عبده في الأديب الروسي وجعله يقبل على قراءة رواياته ونلاحظ أن الإثنان قد إتفقا على أن الدين والإنسان يصنعان الحياة وأن الإنسان هو أغلى وأثمن ما في هذه الحياة وجاء الدين ليرتقي ويسمو بنفس وعقل هذا الإنسان ليصنع الحياة ويعمرها ويقول حفيد الإمام محمد عبده الدكتور مالك منصور إن رسالتين متبادلتين بين جده الإمام وتولستوي مازالتا محفوظتين في متحف تولستوي بالعاصمة الروسية موسكو شاهدتين على تسامح الأديان وعظمة الرجلين ودعوتهما للخير والحب ونبذ التعصب ويضيف أن جده كتب الرسالة النادرة بخط يده بتاريخ 8 أبريل عام 1904م وأرسلها بريديا وكان وقتها يشغل منصب مفتي مصر ورد تولستوي على الرسالة بأخرى رقيقة محبة ونبيلة مليئة بكل القيم والمثل الإنسانية الجميلة ولكن حدث أن توفى الإمام محمد عبده في يوم 11 شهر يوليو عام 1905م ولم يكملا تحاورهما الذى شمل هاتين الرسالتين فقط .

وفي المرحلة الأخيرة من حياة تولستوى وبالتحديد خلال آخر 30 عاما في عمره أصبحت حياته مليئة بالقلق المتزايد فقد كان يبحث للعثور على إجابة عن مشاكل البشرية وكان يريد مساعدة الفقير والضعيف وأعلن الثورة على الظلم والعنف والحرب وعلى رياء الرجال المحيطين به وإصطدمت مثله العليا بتقاليد أسرته وواجه تولستوي في هذه الفترة من حياته مشاكل عائلية مع زوجته التي تغير موقفها منه خلال هذه الفترة لأنه كان راغبا في التخلي عن ثروته كلها ولذا فقد دبت الخلافات بينهما إلى أن وافق تولستوي على منحها حق الحصول على عائدات النشر الخاصة بمؤلفاته قبل عام 1881م كما أنها كانت من أشد المعارضين لأفكاره ولذا فقد ساد الإضطراب علاقتهما في هذه الفترة وفي هذه المرحلة من حياته أيضا عاد تولستوى لكتابة القصص الخيالية فكتب موت إيفان إيلييتش عام 1886م كما كتب بعض الأعمال المسرحية مثل قوة الظلام عام 1888م وكان من أشهر أعماله التي كتبها في أواخر حياته أيضا قصة سماها البعث وهي قصة كتبها عام 1899م وتلتها في الشهرة قصة الشيطان والتي كتبها عام 1889م وقصة كريوتز سوناتا والتي كتبها عام 1891م وقصة الحاج مراد وقصة الأب سيرجي التي نشرت بعد وفاته والتي توضح عمق معرفته بعلم النفس ومهارته في الكتابة الأدبية ومدى حبه ومعرفته ببلاد القوقاز وعلي وجه العموم فقد إتصفت كل أعماله بالجدية والعمق وبالطرافة والجمال وفي نهاية هذه الفترة من حياته لم يجد تولستوي حلا سوى السفر بعيدا عن إستياء زوجته فمضى إلي مدينة القدس في رحلة للحج مع إبنته وطبيبه الخاص وكانت صحته قد بدأت تسوء تدريجيا ولكنه علي الرغم من ذلك فقد كان في شيخوخته متماسكا وقوي الذاكرة دون أن تضعف رؤاه إلا أنه بعد عودته من رحلة الحج والتي كانت رحلة صعبة وشاقة بالنسبة له وفي يوم 20 نوفمبرعام 1910م توفي تولستوى في قرية إستابو في محطة القطار حيث أصيب بإلتهاب رئوي حاد من شدة البرد وكان قد بلغ من العمر 82 عاما ودفن في حديقة ضيعته ياسنايا بوليانا ولم يتم دفنه وفق الطقوس الدينية الأرثوذكسية لأنه رفض أن يدفن حسب تعاليم الكنيسة أو أن يوضع صليب على قبره لأنه كان كاشفا لزيف رجال الدين والكنيسة وقتها ووقوفهم إلي جانب القياصرة ومناصرتهم في أعمال الظلم التي تقع علي الفقراء وأخيرا فقد كان لتولستوى العديد من الأقوال المأثورة نذكر منها :-

-- الجميع يفكر في تغيير العالم ولكن لايفكر في تغيير نفسه . -- ليس الكمال الأخلاقي الذي يبلغه المرء هو الذي يهمنا بل الطريقة التي يبلغه بها . -- أيسر على المرء أن يكتب في الفلسفة مجلدات عدة من أن يضع ولو مبدأ واحد في حيز التطبيق . -- الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة ستكون لديه دوما فكرة خاطئة عن الموت . -- أقوى المحاربين هما الوقت والصبر . -- لا يوجد إنسان ضعيف بل يوجد إنسان يجهل موطن قوته . -- الحب الروحي يوحد البشر والصداقة تهذبهم أما اللهو فإنه مفسدة لهم . -- إننا نبحث عن السعادة غالبا وهي قريبة منا كما نبحث أحيانا كثيرة عن النظارة وهي فوق عيوننا . -- إذا وجد المضمون إنصاع الشكل . -- الحزن المطلق مستحيل مثلما هو الفرح المطلق . -- لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك فالنجاح هو ما تفعله للآخرين . -- إن غاية الحياة هي الحصول على السعادة وقد أرادها الله لنا فمن يطلبها يتمم إرادة الله . -- وهم غريب أن تفترض أن الجمال هو الخير . – إن الحرب التي تشنها الدولة تفسد الناس في عام واحد أكثر مما تفسدهم ملايين جرائم النهب والقتل . -- قبل أن تصدر الحكم على الآخرين إحكم على نفسك . -- إعمل الخير لأصدقائك يزيدوك محبة وإعمل الخير لأعدائك ليصبحوا أصدقاءك .
 
 
الصور :