abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
كيف حول "بسمارك" ألمانيا الى قوة عظمى
-ج1-
كيف حول -بسمارك- ألمانيا الى قوة عظمى
-ج1-
عدد : 06-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


أوتو إدوارد ليوبولد فون بسمارك رجل دولة وسياسي بروسي الماني يعد من أشهر الساسة الأوروبيين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادى وقد شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا والتي كانت تضم أجزاء من المانيا الحالية وبولندا وروسيا وليتوانيا والدانمارك وبلجيكا وجمهورية التشيك بين عام 1862م وعام 1871م وأشرف على توحيد الولايات الألمانية وتأسيس الإمبراطورية الألمانية أو ما يسمى بالرايخ الألماني الثاني وأصبح أول مستشار لها بعد قيامها في عام 1871م وذلك في عهد الإمبراطور الألماني فيليم ألأول وسلفه الإمبراطور فريدريش الثالث الذى مكث 88 يوما في الحكم ثم توفي نتيجة مضاعفات مرض السرطان وإلي أن تم عزله من جانب الإمبراطور فيليم الثاني عام 1890م والذى كان معارضا لسياسة بسمارك الخارجية الحذرة والمترددة في التصرف وكان يطمح نحو توسع سريع وقوي لحماية مكانة المانيا في العالم ومن ثم نشبت الخلافات بينهما وإنتهي الأمر بعزل بسمارك من منصبه ومما يذكر عن بسمارك أنه كانت جذوره الإقطاعية وميراثه من المبادئ المحافظة القوية تضعه على نقيض التيارات الليبرالية وإن تحالف معها لفترة لإستيعاب خطرها من جهة ولتحقيق أغراضه السياسية من جهة أخرى وظل بسمارك مؤمنا بأن مستقبل الدولة الألمانية سيتشكل في ظل نظام عسكري صارم ورفض أن يكون للبرلمان أية سلطة حقيقية على الجيش أو أن يشارك البرلمان في وضع سياسة الدولة وخاضت بروسيا تحت قيادته عدة حروب أثبتت من خلالها إمكان تحقيق نتائج إيجابية من خلال تطبيق العلوم والأساليب البروسية في فن الحرب كما أنذرت هذه الحرب بظهور عصر تتقرر فيه أحداث التاريخ العظمى بالقدرة النسبية للدول على إستخدام مواردها الفنية والعلمية فيكون تسيير دفة الحرب شبيها إلي حد كبير بإدارة عمل صناعي واسع النطاق متشعب الفروع .

ومن جانب آخر فعلي الرغم من أن بسمارك كان يتهم أحيانا بمعاداة اليهود إلا أن جميع مواقفه تجاههم وعلاقاته بالشخصيات اليهودية إرتبطت بإعتبارات المصالح السياسية أو الإقتصادية المتبادلة وقد ربطته صداقة بأحد أفراد أسرة روتشيلد اليهودية المعروفة كما كانت له علاقة خاصة مع المفكر الإشتراكي الألماني فرديناند لاسال نظرا لموقفهما المشترك المعارض لليبرالية ولكن أهم علاقات بسمارك المالية كانت مع المموّل الألماني اليهودي جيرسون بليخرودر الذي إستفاد بخبراته المالية إلى درجة أنه إتهم عام 1875م بسبب صداقته هذه بأنه جعل اليهود وشركاءهم الطبقة الحاكمة في المانيا وعموما فقد حصل أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا على كامل حقوقهم المدنية في ظل رئاسة بسمارك للحكومة كما نجده قد أيد في عام 1878م اثناء إنعقاد مؤتمر برلين القرارات الرامية لحماية حقوق أعضاء الجماعات اليهودية في دول البلقان وتم ذلك في إطار قناعته بأن إعتبارات العلاقات والمصالح الدولية تحتم ذلك ومن جانب آخر كان بسمارك يستاء من يهود بولندا وهو شعور شاركه فيه يهود المانيا تجاه يهود شرق أوربا ذوي الثقافة اليديشية المغايرة وهي لغة كان يتحدث بها الكثير من يهود أوروبا الشرقية إلا أن موقفه هذا نبع من إستيائه من كل ما هو بولندي حيث كان بسمارك مؤمنا بأن الطموحات القومية البولندية تشكل التهديد الأكبر لوجود بروسيا ووحدة المانيا ومع ذلك وبداية من العام المذكور عام 1878م بدأ بسمارك يفقد تأييد الليبراليين له ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بعد أن بدأ في إنتهاج سياسة محافظة وخصوصا في مجال التجارة الخارجية وبوجه عام ونظرا للدور الهام والمحورى للمستشار بسمارك خلال فترة مستشاريته للرايخ الألماني فقد أثرت أفكاره على السياسة الداخلية والخارجية لالمانيا وعلي السياسة الأوروبية بوجه عام في نهاية القرن التاسع عشر الميلادى ولذا عرف بسمارك بلقب المستشار الحديدي .

ولد بسمارك يوم 1 أبريل عام 1815م في شونهاوزن وهي منطقة كانت تمتلكها عائلته الثرية غرب برلين في مقاطعة ساكسونيا في مملكة بروسيا وكان والده فيليم فرديناند فون بسمارك الذى ولد عام 1771م وتوفي عام 1845م ضابط سابق في الجيش البروسي كما كان يطلق عليه لقب يونكر وهو اللقب الذى كان يطلق على الإقطاعيين الأثرياء في مملكة بروسيا وكانت والدته فيليمينه لويزه مينكن والتي ولدت عام 1789م وتوفيت عام 1839م والتي تزوجها والده في بوتسدام عاصمة ولاية براندنبرج حاليا والتي تقع بجوار برلين العاصمة عام 1806م إبنة أحد كبار المسؤولين الحكوميين في برلين وتنتمي إلى عائلة ساكسونية متوسطة وكان لبسمارك أخ وأخت أخوه الأكبر بيرنهارد والذى ولد عام 1810م وتوفي عام 1893م وشقيقته الصغرى مالوين والتي ولدت عام 1827م وتوفيت عام 1908م وتلقى بسمارك تعليمه في مدرسة يوهان إرنست بلامان الإبتدائية ومدارس فريدريش فيليم وجراوس كلوستر الثانوية ومابين عام 1832م وعام 1833م درس القانون في جامعة جورج أوجست بجوتنجن بولاية ساكسونيا السفلي بشمال المانيا حاليا والتي تعد من أعرق الجامعات الألمانية وكانت قد تأسست عام 1734م وتخرج ودرس بها وعمل عدد 45 من الحاصلين علي جائزة نوبل في تخصصات مختلفة ولذلك فهي تعد حاليا من جامعات المقدمة سواء علي مستوى المانيا أوالعالم ثم إلتحق بجامعة فريدريش فيليم ببرلين مابين عام 1833م وعام 1835م وفي عام 1838م درس الزراعة في جامعة جرايفسفالت وهي جامعة المانية مقرها مدينة جرايفسفالد التي تقع في شمال شرق المانيا على بعد حوالي 250 كيلومترا شمال برلين وشرق هامبورج وكانت قد أنشئت رسميا عام 1456م وتعد إحدى أقدم جامعات أوروبا والرابعة في القدم بين الجامعات الألمانية الحالية وعلى الرغم من أن بسمارك كان يطمح إلى أن يصبح دبلوماسيا إلا أنه بدأ تدريبه العملي كمحامي في مدينتي آخن وبوتسدام و تزوج بسمارك من يوهانا فون بوتكامر التي ولدت عام 1824م وتوفيت عام 1894م والتي تنحدر من عائلة نبيلة في عام 1847م وكان الإثنان يعتنقان اللوثرية التقوية وقد أنجبا ثلاثة أطفال وهم ماري في عام 1847م وهربرت في عام 1849م وفيليم في عام 1852م وماتوا جميعا في سن صغيرة هذا وينظر العالم لبسمارك على أنه يونكر كما ذكرنا في السطور السابقة وهي الصورة التي رسخها في الأذهان بإرتداء الزي العسكري كما كان بسمارك يعد شخصية عالمية وعلي درجة عالية من الثقافة وكان يتحدث خمس لغات غير لغته الأم الألمانية حيث كان يجيد اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والبولندية والروسية .

وفي العام الذي تزوج فيه بسمارك أى في عام 1847م إختير ليكون نائبا في المجلس التشريعي الجديد والذى سمي مجلس الشورى الموحد وهناك إكتسب شهرة كمناصر للملكية وكسياسي محنك حين إنتخبه سكان مقاطعته ممثلًا عنهم في البرلمان البروسي والذى أدى فيه واجبه على أكمل وجه لما إمتلكه من موهبة خطابية وحجة قوية بليغة وبعد ذلك عين ممثلا لوطنه في مجلس الإتحاد في فرانكفورت وكان يدافع في كل مناسبة عن فكرة أن الملك لديه الحق الإلهي في الوجود وحين إندلعت الثورة في بروسيا في شهر مارس عام 1848م وكانت هذه الثورة إحدى الثورات الشعبية التي إجتاحت أوروبا في ذلك العام وكادت الثورة أن تسقط الملك فريدرش فيليم الرابع ورغم أنه رفض في البداية اللجوء إلى القوة العسكرية لقمع المتمردين وإخماد نيران الثورة إلا أنه قرر في النهاية إستخدامها لإنهاء الثورة قبل إستفحالها وبعد نجاحه في إخمادها وجه وعوده إلى الحركة الليبرالية بإقرار دستور يعترف بوحدة الشعب الألماني وحقه في إنشاء دولة متحدة وعين أحد الليبراليين وهو لودولف كام رئيسا لوزراء بروسيا في محاولة منه لإكتساب بعض الشعبية غير أن الحركة الليبرالية التي قادت الثورة ما لبثت أن ضعفت في أقل من عام بسبب تنافسهم الداخلي فعاد المحافظون إلى الحكم مرة أخرى حين نجحوا في إكتساب دعم الملك ورغم أن الدستور تم إقراره إلا أنه لم يف بالمطالب الدنيا للثوريين وفي عام 1849م إنتخب بسمارك لعضوية مجلس الشورى وهو أحد غرفتي المجلس التشريعي البروسي وفي هذه المرحلة من حياته السياسية كان بسمارك يعارض الوحدة الألمانية بحجة ان بروسيا سوف تفقد إستقلالها في ذلك الإتحاد وقد قبل تعيينه كأحد النواب في برلمان إرفورت عاصمة ولاية تورينجن بوسط المانيا حاليا وهو برلمان إجتمعت فيه عدة إمارات المانية لمناقشة مشروع الوحدة الألمانية إلا أن البرلمان فشل في صياغة هذا المشروع لغياب دعم أهم مملكتين المانيتين وهما بروسيا والنمسا وفي عام 1851م عينه فريدريش فيليم مبعوثا إلى مجلس الإتحاد الألماني في مدينة فرانكفورت وفي هذه الفترة أعجب به الأميرر فيليم ولي العهد عندما وجده صاحب شخصية قوية جدا قاسي الطبع يؤمن بالمبادئ الملكية الإستبدادية ولا يحترم الدساتير وأساليب الحكم الديموقراطي ويطوع موادها لتأييد أفكاره وقراراته وقد تميزت فترة الثماني سنوات التي قضاها في فرانكفورت بتغيرات هامة في آرائه السياسية فقد تخلص من تأثير أصدقائه المحافظين وأصبح أكثر إعتدالا سياسيا وأصبح يؤمن بأن بروسيا يجب أن تتحد مع الإمارات الألمانية الأخرى لمواجهة خط النفوذ النمساوي المتزايد وهكذا ترسخ لديه الإيمان بأمة المانية متحدة وفي عام 1858م أصيب الملك فريدريش فيليم بصدمة تسببت له بالشلل والعجز العقلي فتولى أخوه الأمير فيليم الوصاية على العرش وتولي إدارة شئون الحكم في مملكة بروسيا وما لبث فيليم أن عين بسمارك سفيرا لبروسيا في الإمبراطورية الروسية وكانت تلك نقطة هامة في حياة بسمارك السياسية حيث كانت روسيا أحد أهم جارتين سياسيتين لبروسيا وكانت الأخرى هي النمسا وقد عين الأمير فيليم الوصي على العرش حينذاك هيلموت فون مولتكه رئيسا جديدا للأركان في الجيش البروسي وأولبريشت فون رون وزيرا للحرب وأوكل إليه مهمة إعادة تنظيم الجيش البروسي وتقويته وكان هؤلاء الثلاثة بسمارك ورون ومولتكه هم من ساهموا مع الأمير فيليم بعد أن أصبج إمبراطورا لالمانيا في تحقيق الوحدة الألمانية المنشودة في السنوات الإثني عشرة التالية وقد بقي بسمارك في العاصمة الروسية حينذاك سان بطرسبورج لأربع سنوات ربطت الصداقة خلالها بينه وبين الأمير جورتشاكوف الذي سيكون خصمه في المستقبل .

وفي عام 1861م توج الأمير فيليم الوصي على العرش ملكا على بروسيا ولقب بالملك فيليم الأول بعد وفاة أخيه وفي شهر يونيو عام 1862م أرسل إلى باريس ليكون سفيرا لبروسيا في فرنسا وبرغم بقاءه الطويل خارج المانيا إلا انه لم ينفصل تماما عن الشئون الداخلية الألمانية فقد ظل على إطلاع كامل وإلمام كامل بها بسبب صداقته مع رون وزير الحرب وقد شكل الإثنان حلفا سياسيا قويا وكان الملك الجديد في خلاف متزايد مع المجلس البروسي الليبرالي وقد تفاقمت الأزمة بينهما في عام 1862م إثر رفض المجلس الموافقة على ميزانية إعادة تنظيم الجيش حيث لم يستطع وزراء الملك إقناع النواب بتمرير الميزانية ولم يكن الملك على إستعداد لإعطاء تنازلات وكان مقتنعا بأن بسمارك هو الشخص الوحيد الذي يستطيع معالجة الأزمة ولذا فحين أجمع مجلس النواب في شهر سبتمبر عام 1862م على رفض الميزانية المقدمة قرر فيليم إستدعاء بسمارك إلى بروسيا بناءا على نصيحة من رون وفي يوم 23 من شهر سبتمبر عام 1862م عين فيليم بسمارك رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية وكان بسمارك عازما على المحافظة على هيبة الملك بإنهائه الخلاف حول الميزانية لصالح الملك حتى لو إضطر إلى إستخدام وسائل غير دستورية وكانت وجهة نظره أن الدستور لم يفصل في حالة ما إذا فشل النواب في إقرار الميزانية وعليه فإن ميزانية العام الماضي تظل سارية وعليه فبناءا على ميزانية عام 1861م فإن جمع الضرائب سيستمر لأربعة سنوات أخرى وتصاعدت حدة الخلاف بين المجلس وبسمارك في السنوات التالية ففي عام 1863م أصدر مجلس النواب قرارا يفيد عدم شرعية بقاء بسمارك في منصبه وفي المقابل رد الملك بحل المجلس متهما إياه بمحاولة السيطرة الغير دستورية على الوزارة ثم قرر بسمارك فرض الرقابة على الصحافة وقد لقي هذا القرار معارضة علنية من ولي العهد الأمير فريدريش فيليم الذي أصبح فيما بعد الملك فريدريش الثالث وفي هذه الفترة ومع الإنتقادات العديدة ظل بسمارك سياسيا عديم الشعبية في الوسط السياسي الألماني خاصة وأنه قد سقط مؤيدوه في إنتخابات شهر أكتوبر عام 1863م التي فاز فيها الإئتلاف الليبرالي الذي يقوده حزب التقدم بأكثر من ثلثي مقاعد المجلس وقد طالب أعضاء المجلس مرارا وتكرارا الملك فيليم الأول بإقالة بسمارك إلا أن الملك ظل على تأييده له خوفا منه بان يحل محل وزارة بسمارك وزارة ليبرالية تختلف معه في الرأى وتنشب بينهما خلافات وتسبب له المتاعب ومع تكالب أغلبية الظروف ضد بسمارك إلا أن خططه إستمرت ولم تتغير وقد عكستها خطبته الشهيرة المعروفة بخطبة الدم والحديد التي تعد من أهم الخطب السياسية في التاريخ الحديث ففيها أعلن بسمارك سياسته وهي أن المانيا لن تقوى من خلال حرية الخطابة ولكن من خلال سياسة تعتمد على الدم والحديد أي أن المانيا تحتاج لتطوير وتنمية وحروب وتضحيات كبرى لكي تقوى وتأخذ مكانتها اللائقة في القارة الأوروبية وعلى الفور بدأت حركة التطوير تأخذ مجراها خاصة في الجيش وتوازت معها حركة أخرى لا تقل أهمية دعمت من فرص التوحد الألماني الذى كان يستهدفه بسمارك من خلال تفعيل الإتحاد الجمركي الذي سبق لبروسيا إنشاؤه لتوحيد التعريفة الجمركية مع عدد من المقاطعات الألمانية وقد ركز بسمارك على عملية التكامل الإقتصادي وجعلها تأخذ مجراها الطبيعي إستعدادا للإندماج السياسي فيما بعد وهو ما يثير في الذاكرة على الفور نموذج الإتحاد الأوروبي الحالي وعلاوة علي ذلك كانت الثورة الإدارية التي أدارها بسمارك وهو رئيس للوزراء والتي كانت خطوة مهمة للغاية لتكون أساسا للتوحد الإداري لالمانيا أما سياساته الإقتصادية فقد سمحت لبروسيا بأن تقود الصناعة والتجارة في الدويلات والمقاطعات الألمانية وأصبحت مسألة توحيد المقاطعات الألمانية مسألة حنكة وسياسة وتوقيت بعد أن مهد بسمارك جميع الظروف والأرضية المناسبة لتحقيق هذا الهدف ولم يتأخر بسمارك في ذلك كثيرا فكانت تحركاته التالية تمثل مدرسة في فن الدبلوماسية والسياسة فكان هو الرجل القوي والمتوقد الذهن الذي حقق الوحدة الألمانية وقهر أعداءه وأحكم رسم خططه ولذا فهو يعد واحدا من عظماء التاريخ فقد كان يعرف ما يريد وكيف يصل إلى ما يريد ومن ثم إستطاع الرجل في أقل من عقدين من الزمان تحقيق حلم منشود داعب الشعوب الألمانية لقرابة 14 قرنا كما سنرى في السطور التالية .

هذا من ناحية الأمور الداخلية أما من ناحية السياسة الخارجية فقبل ستينيات القرن التاسع عشر الميلادى كانت المانيا تتألف من عدد كبير من الإمارات والولايات التي كانت مرتبطة ببعضها البعض كأعضاء في الإتحاد الألماني وكان أكبر أعضاء الإتحاد الألماني مملكة بروسيا والإمبراطورية النمساوية وقرر بسمارك حينها إستخدام كل من الدبلوماسية والعسكرية البروسية لتحقيق هدف الوحدة الألمانية وإستثنى النمسا من هذا الإتحاد لرغبته في أن تكون بروسيا هي أقوى الأعضاء وأكثرهم نفوذا في الدولة الألمانية الموحدة الجديدة وقد واجه بسمارك أزمة دبلوماسية حين مات فريدريك السابع ملك الدانمارك في شهر نوفمبر عام 1863م فقد نشأ نزاع حول تبعية دوقيتي شليسفيش وهولشتاين بشمالي غرب المانيا حاليا بين ملك الدانمارك الجديد كريستيان التاسع وبين فريدريش فون أِوجوستنبورج وهو دوق الماني وكان الرأى العام البروسي يؤيد تبعية الدوقيتين للدوق الألماني غير أن بسمارك إتخذ خطوة غير شعبية بإصراره على تبعية الدوقيتين للدانمارك بموجب بروتوكول لندن الموقع قبل عشر سنوات غير أنه عاد فأعلن رفضه لضم الدانمارك للدوقيتين وبدعم من النمسا أرسل قراره النهائي إلى كريستيان بضرورة إعادة الدوقيتين إلى الوضع الذي كانتا عليه من قبل وحين رفضت الدانمارك القرار قررت مملكة بروسيا والإمبراطورية النمساوية شن الحرب على الدانمارك وعرفت هذه الحرب بإسم حرب شليسفيش الثانية وأجبرت الدانمارك على التنازل عن كلتا الدوقيتين وفي الأساس فقد إقترح أن يقرر مجلس الإتحاد الألماني الذي يمثل كل الإمارات الألمانية مصير الدوقيتين ولكن قبل أن يحدث هذا أقنع بسمارك النمسا بالموافقة على معاهدة جاستاين وبموجب هذه الإتفاقية الموقعة في يوم 20 أغسطس عام 1865م تذهب شليسفيش إلى بروسيا وتذهب هولشتاين إلى النمسا وفي هذا العام منح بسمارك لقب أمير فون بسمارك شونهاوزن لكن مع حلول عام 1866م خالفت الإمبراطورية النمساوية الإتفاق السابق وذلك بمطالبتها بأن يقرر المجلس مصير شليسفيش وهولشتاين فإستغل بسمارك ذلك ذريعة لبدء حرب ضد الإمبراطورية النمساوية متهما النمساويين بأنهم أخلوا بإتفاقية جاستاين وأرسل بسمارك القوات البروسية لإحتلال هولشتاين وسرعان ما طلبت الإمبراطورية النمساوية مساعدة باقي الإمارات الألمانية التي لبت هذا الطلب وخاضت الحرب البروسية النمساوية وبفضل إعادة تنظيم الجيش البروسي الذي قام به أولبريشت فون رون والعبقرية العسكرية التي إتصف بها هيلموت فون مولتكه فإن قوة الجيش البروسي كانت تضاهي قوة الجيش النمساوي وفي نفس الوقت شكل بسمارك حلفا سريا مع مملكة إيطاليا التي كانت تطمع في السيطرة على البندقية التي كانت خاضعة للسيطرة النمساوية وبدخول إيطاليا الحرب إضطرت الإمبراطورية النمساوية إلى تقسيم قواتها لمواجهة الجيش البروسي من جهة والجيش الإيطالي من جهة أخرى وفي هذه الأثناء ومع بداية الحرب حاول أحد المتطرفين الألمان ويدعى فرديناند كوهين بلايند إغتيال بسمارك في برلين فأطلق عليه النار خمس مرات من مسافة قريبة ولكنه نجا من هذه المحاولة وأصيب بإصابات طفيفة تم معالجته منها وقد تم القبض علي الجاني الذى إنتحر في وقت لاحق في زنزانته .

وقد إستمرت الحرب البروسية النمساوية سبعة أسابيع وعلي الرغم من أنه كان لدى الإمبراطورية النمساوية جيش قوي كما أنها كانت متحالفة مع بعض ولايات المانيا الشمالية وجميع الولايات الألمانية الجنوبية إلا أنه مع ذلك إنتصرت مملكة بروسيا في معركة سدوا الحاسمة وأراد الملك وجنرالاته غزو إقليم بوهيميا الذى يوجد في دولة التشيك حاليا والمضي قدما إلى العاصمة النمساوية فيينا إلا أن بسمارك قلق من أن يتغير الحظ العسكري البروسي أو أن تتدخل فرنسا إلى جانب الإمبراطورية النمساوية فإستعان بولي العهد الذي عارض الحرب وحاول إثناء والده عن خوضها وبعد عدة إجتماعات عن الحرب أصر بسمارك حينها على السلام الناعم دون أي ضم أو إستعراض للنصر حتى يتمكن من إستعادة العلاقات الودية مع الإمبراطورية النمساوية بسرعة وعموما فقد هزمت بروسيا النمسا وحلفائها هزيمة ساحقة في هذه الحرب وكنتيجة لصلح براج الذي عقد في عام 1866م فقد تم حل الإتحاد الألماني وضمت بروسيا إليها شليسفيش وهولشتاين وفرانكفورت وهانوفر وهيسين وكاسل وناساو وتعهدت النمسا بعدم التدخل في الشئون الداخلية الألمانية ولتعزيز السيطرة البروسية فقد ضَمت بروسيا إمارات شمال المانيا الأخرى لتكوين ما سمي بالإتحاد الألماني الشمالي في عام 1867م وكان يحكم هذا الإتحاد دستور صاغه بشكل كبير بسمارك وضع فيه السلطة التنفيذية بيد الرئيس ويكون التعيين في منصب الرئيس بالوراثة وتكون حكرا لملوك بروسيا ويكون للرئيس مساعد يطلق عليه لقب المستشار ويكون المستشار مسؤولا فقط أمام الرئيس أما السلطة التشريعية فتكون بيد الرايخستاج وهي هيئة منتخبة شعبيا والبوندسرات وهي هيئة إستشارية تمثل الولايات الألمانية وكان البوندسرات من الناحية العملية أقوى مجلس وترأس الإتحاد الملك فيليم الأول وشغل بسمارك فيه منصب المستشار ومع أن مملكة بروسيا كانت أكبر الولايات الألمانية في الإتحاد إلا أنها لم تكن تملك إلا 17 مقعدا من أصل 43 مقعدا في البوندسرات ولكن بسمارك كان بإمكانه التحكم بسهولة في أي إجراء في المجلس من خلال عقد تحالفات مع الولايات الألمانية الصغرى مثل ساكسونيا وهيسين وكاسل وهانوفر من خلال إغرائها بالوعود مثل الحماية من الغزو الأجنبي والقوانين التجارية العادلة ومنذ هذه النقطة بدأ ما يسميه المؤرخون بؤس النمسا والتي شكلت فيه الإمبراطورية النمساوية دولة ضئيلة بالنسبة لجارتها المتفوقة المانيا وظلت هذه العلاقة بين الإمبراطورية النمساوية والمانيا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وقد أكسب النصر العسكري الألماني دعما سياسيا ضخما لبسمارك في بروسيا ففي إنتخابات مجلس النواب في عام 1866م تكبد الليبراليون خسارة فادحة حيث خسروا أغلبيتهم الكبيرة وكان البرلمان الجديد المكون في أغلبيته من المحافظين يمثل ظلا لبسمارك فقد وافق بطلب منه على الميزانية التي رفضت في الأعوام الأربع السابقة ونفذت رغم ذلك ومنذ ذلك الوقت بدأ ِنجم بسمارك في الصعود وأصبح بسمارك يعتبر واحدا من أبرز السياسيين في التاريخ .

يمكنكم متابعة الجزء الثانى من المقال عبر الرابط التالى
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=41671