abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
كيف حول "بسمارك" ألمانيا الى قوة عظمى؟
-ج2-
كيف حول -بسمارك- ألمانيا الى قوة عظمى؟
-ج2-
عدد : 06-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


وبعد إنتهاء حرب عام 1866م ضم بسمارك مملكة هانوفر التي تحالفت مع النمسا ضد بروسيا وقد سعى الملك المعزول جورج الرابع ملك هانوفر إلى التوصل إلى إتفاق يمنحه الحق في الإحتفاظ بنصف ممتلكات التاج ويكون النصف الآخر ملك للدولة ثم يتحول إلى مكتسبات وطنية لكن بسمارك إتهمه بالتخطيط للإنقلاب ضد الدولة وقلص نصيبه من ممتلكات التاج إلى 16 من المائة وكان ذلك في ربيع عام 1868م وقد إستخدم بسمارك هذا المال لإنشاء صندوق سري عرف بصندوق المخبرين الوقحين والذي إستخدمه لرشوة الصحفيين ولتشويه سمعة خصومه السياسيين وإستخدم هذه الأموال في عام 1870م لكسب تأييد الملك لودفيش الثاني ملك بافاريا لجعل فيليم الأول إمبراطورا لالمانيا وإِستخدم بسمارك هذه الأموال أيضا لزرع المخبرين داخل حاشية قصر ولي العهد الأمير فريدريش والأميرة فيكتوريا زوجته وفي بث الأخبار الملفقة في الصحف التي تتهم الإثنين بأنهما عميلين بريطانيين يشيان بأخبار الدولة إلى الحكومة البريطانية وأيضا لإعادة تنظيم السلطة التنفيذية التي كان بسمارك يهدف للسيطرة عليها وقد أِدي إنتصار مملكة بروسيا على الإمبراطورية النمساوية إلى زيادة التوتر القائم مع الإمبراطورية الفرنسية وكان إمبراطور فرنسا نابليون الثالث يرغب بزيادة رقعة الإمبراطورية الفرنسية على الأراضي البلجيكية وعلى الضفة اليسرى لنهر الراين كتعويض عن عدم الإنضمام للحرب ضد بروسيا وخيبة أمله من النتيجة السريعة والمفاجئة للحرب وإدعى السياسي المعارض أدولف تيير أن فرنسا وليس النمسا هي التي هزمت حقًا في الحرب النمساوية البروسية وفي نفس الوقت كان بسمارك يرغب في الدخول في حرب مع الإمبراطورية الفرنسية رغم أنه كان يخشى الفرنسيين لعدة أسباب منها أنه كان يخشى أن تدخل الإمبراطورية النمساوية المتعطشة للثأر إلى جانب الفرنسيين في الحرب كذلك خَشِي أن تدخل روسيا القيصرية الحرب إلى جانب الإمبراطورية الفرنسية من أجل الحفاظ على توازن القوى الأوروبي ومع ذلك كان بسمارك يؤمن أنه إذا إعتدت الإمبراطورية الفرنسية على بروسيا وظهرت بمظهر المعتدي فإن الولايات الألمانية الصغيرة سوف تتحد مع بروسيا ولتحقيق ذلك قام بالترويج لمؤامرات حول رغبة نابليون الثالث بالتوسع على حساب لوكسمبورج أو بلجيكا ولكن المؤامرات التي تم الترويج لها لم تتحقق ولم تقم الإمبراطورية الفرنسية بأيٍ منها ولكنها أظهرت الإمبراطورية الفرنسية بمظهر الدولة الجشعة وغير الجديرة بالثقة وفي عام 1868م حدثت الثورة المجيدة في أسبانيا والتي نتج عنها خلع الملكة إيزابيلا الثانية وأصبح العرش الأسباني شاغرا فبدأت الدول الأوروبية في الشروع في عملية ترشيح وتنصيب ملك لأسبانيا وبدأت هذه الدول إتصالاتها ومشاوراتها من أجل إختيار مرشحيها لتولي العرش الشاغر فتم ترشيح ملك البرتغال فرديناد الثاني وكذلك الأمير الألماني ليوبولد إبن عم ملك بروسيا فيليم الأول وهما من عائلة المانية حاكمة واحدة يطلق عليها آل هوهنتسولرن .

وظل الأِمر معلقا دون حسم لفترة وفي عام 1870م ظهرت ذريعة مناسبة للحرب عندما عرض العرش الأسباني الشاغر على الأمير الألماني ليوبولد فإحتج الفرنسيون بشدة على التحيز للألمان بهذا الإختيار وأيضا حفاظا على نفوذها القوي في أسبانيا جارتها الجنوبية من أي تأثير من جهة بروسيا فعاد البروسيون في قرارهم وتخلوا عن ترشيح الأمير بعد ضغط دبلوماسي فرنسي قاده السفير الفرنسي فينسنت بيندتي رغبة منه في حل القضية من دون إثارة حرب بين المانيا مع فرنسا لكن رغم ذلك تعسف الفرنسيون بعد رضوخ البروسيين لهم وأرادوا ضمانة بألا يتم تولية أمير من آل هوهنتسولرن على أسبانيا مطلقا وبعث وزير الخارجية الفرنسي أنطونيو جرامونت إلي المانيا من أجل التفاهم حول هذا الغرض وقوبل الطلب الفرنسي برفض من الملك البروسي فيليم الأول وبسمارك وبعد كل ما حدث وجد بسمارك أن الوقت قد حان لتنفيذ مخططه وقام بحكم قربه من مسرح الأحداث بنشر ملخص معدل ومنقح وإستفزازي شديد الإهانة حول مادار في الإجتماعات والمداولات البروسية الفرنسية في الغرف المغلقة ونجح بسمارك بذلك في إستفزاز الفرنسيين ويرى الكثير من المؤرخين أن هذا الملخص الذي نشره بسمارك لعب دور ثانوي في إشعال الحرب ولم يكن سبب رئيسي وقد كتب بسمارك في مذكراته بأن الحرب الفرنسية البروسية يجب أن تحدث قبل أن يتم بناء المانيا الموحدة كذلك كتب بأن الجيش الفرنسي ضعيف وسيكون مصير فرنسا الخسارة إذا دخلت وحدها في حرب ضد بروسيا كذلك كان بسمارك يرى أن أقوى نقطة لصالح بروسيا هي أن فرنسا لن تجد لها حليف يدخل بجانبها الحرب بسبب أن إنتصار فرنسا على بروسيا سيهدد ميزان القوى وستصبح فرنسا خطر على الجميع بعكس بروسيا وحشدت فرنسا قواتها وأعلنت الحرب في يوم 19 يوليو عام 1870م فبدت بمظهر المعتدي أمام الأمراء والملوك الألمان فإندفعوا بنداء الوطنية والقومية إلى الإتحاد والتحالف مع بروسيا وقدموا قوات منهم لدعم الجيش البروسي كذلك شارك أبناء بسمارك في الحرب كضباط في سلاح الفرسان البروسي. وكانت هذه الحرب الفرنسية البروسية التي نشبت في عام 1870م نصرا كبيرا لبروسيا وتوالت إنتصارات الجيش الألماني بقيادة هيلموت فون مولتكه إنتصارا بعد إنتصار وقد وقعت المعارك الرئيسية في شهر واحد بين يوم 7 أغسطس ويوم 1 سبتمبر عام 1870م وهزمت فرنسا فيها كلها ولم تستمر الحرب طويلا إذ أن الجيش الفرنسي كان في حالة يرثى لها وغير متأهب للقتال وأسلحته قديمة نسبيا مقارنة مع الأسلحة البروسية الحديثة بالإضافة إلى الكفاءة العالية للجنود البروسيين والقيادة المتميزة لهيلموت فون مولتكه رئيس الأركان البروسي وخلال أسابيع قليلة نجح هذا الجيش في محاصرة الجيش الفرنسي فيما يعرف بحصار ميتز فتحرك نابليون الثالث لنجدته فإندلعت معركة سيدان التي إنتهت بهزيمة الجيش الفرنسي وتم أسر نابليون الثالث ونقله لبروسيا وبعد أن علم الفرنسيون بأن نابليون الثالث قد أسر في المعركة وأن جميع القوات الفرنسية أسرت وان الطريق أصبح مفتوحا إلى باريس قام الفرنسيون باسقاط نظام الإمبراطورية الفرنسية وتأسيس الجمهورية الفرنسية وتشكيل حكومة الدفاع الوطني الفرنسية .

وفي يوم 19 سبتمبر عام 1870م وصل الألمان إلى باريس وحاصروا المدينة وإستمر الحصار لأكثر من أربعة أشهر وفي يوم 5 يناير عام 1871م بدأ الجيش البروسي في قصف المدينة وإنتهي الأمر بأن إستسلمت باريس في يوم 28 يناير عام 1871م واضعةً بذلك نهاية للحرب وأمضى نابليون فترة قصيرة بالسجن في المانيا ثم نفي لإنجلترا التي عاش وبقي فيها حتى مات وكان أبرز ما ميز هذه الحرب هو التنظيم البارع على الجانب البروسي والإضطراب الكبير على الجانب الفرنسي وفي النهاية إضطرت فرنسا إلى التنازل عن إقليم الألزاس وجزء من إقليم اللورين لأن هيلموت فون مولتكه وجنرالاته كانوا يصرون على وضع فرنسا موضع الدفاع وقد عارض بسمارك هذا الضم لأنه لم يكن يريد أن يجعل من فرنسا عدوا دائما ومن الطريف أن يذكر عن بسمارك أنه في عام 1889م غنى أغنية لامارسييز وتم تسجيل صوته في جهاز فونوغراف وهذه الأغنية تعتبر هي النشيد الوطني للجمهورية الفرنسية وقد كتبت في عهد الثورة الفرنسية وقام بهذا التصرف للإستهزاء بالفرنسيين ومع إنتصار بروسيا علي فرنسا تحرك بسمارك بحنكة وعبقرية سياسية لتأمين الطريق نحو إتحاد المانيا فتفاوض مع ممثلين عن الولايات الألمانية الجنوبية عارضا تنازلات خاصة لضمان موافقتهم على الإتحاد ونجحت المفاوضات فأعلن الملك فيليم الأول إمبراطورا لالمانيا في يوم 18 يناير عام 1871م في قاعة المرايا في قصر فرساي قرب العاصمة الفرنسية باريس للإمعان في إهانة فرنسا وكانت الإمبراطورية الجديدة إتحادية تتكون من 25 ولاية بما فيها الممالك والدوقيات الكبيرة والدوقيات والإمارت والمدن الحرة والتي إحتفظ كل منها ببعض السلطة ولم يكن ملك بروسيا كإمبراطور لالمانيا حاكما مطلقا على بقية المانيا بل كان كما أطلق عليه الأول بين متناظرين ولكنه كان يرأس البوندستاج الذي يجتمع لمناقشة السياسة المقدمة من المستشار الذي يعينه الرئيس الذي هو الإمبراطور وفي سنواته الأخيرة إدعى بسمارك أن حروب بروسيا ضد النمسا وفرنسا إنما نشبت عن طريق تلاعبه بالإمارات المحيطة وفقا لخطته الكبيرة وكانت هذه الرؤية مقبولة بين المعاصرين والمؤرخين حتى عقد الخمسينيات من القرن العشرين الماضي وبالرغم من ذلك فقد بنيت هذه الرؤية على مذكرات بسمارك التي كتبها بعد عزله والتي يضع نفسه فيها في مقدمة الأحداث غير أن فكرة سيطرة وتحكم بسمارك في الأحداث الكبرى قد شكك فيها بعض المؤرخين حيث قال بعضهم إن بسمارك كان قائدا هشا ذا سيطرة ضئيلة على الأحداث ويرى كذلك أن موهبة بسمارك الكبرى كسياسي هي موهبته في طريقة ردود أفعاله على الأحداث حين وقوعها وتحويلها إلى ميزة في صالحه وبوجه عام نستطيع القول إن أوتو فون بسمارك قد حقق هدف الوحدة الألمانية المنشودة وظهرت إلي الوجود دولة المانية وطنية حديثة بعدما كانت المانيا عبارة عن حوالي 400 دويلة مستقلة حتي منتصف القرن التاسع عشر الميلادى وأصبحت فقط 38 بعد الحروب النابليونية التي إجتاحتها .

وبإعلان الوحدة الألمانية يوم 18 يناير عام 1871م منح بسمارك لقب أمير فون بسمارك وعين في نفس العام مستشارا للإمبراطورية الألمانية الناشئة بجانب إحتفاظه بمناصبه في مملكة بروسيا كرئيس للوزراء ووزير للخارجية وبذلك فقد كان بسمارك على درجة عالية من النفوذ والسيطرة على الشئون الداخلية والخارجية لالمانيا الموحدة وقد حدث في عام 1873م أن عزل بسمارك عن منصب رئيس الوزراء وعين مكانه أولبريشت فون رون غير أن ذلك لم يدم طويلا فما لبث فون رون أن إستقال لأسباب مرضية وعاد بسمارك مرة أخرى ليكون رئيسا للوزراء في بروسيا وفي السنوات التالية كانت أحد أهم أهداف بسمارك داخليا هو الحد من تأثير الكنيسة الكاثوليكية في المانيا وربما كان ذلك بسبب خوف بسمارك من تأثير البابوات على المسيحيين الكاثوليك الألمان وإستخدامهم لفكرة عصمتهم وتوجيههم نحو وجهة سياسية معينة وخلق عدم إستقرار عن طريق دق أسافين بين الكاثوليك والبروتستانت وقد حاول بسمارك دون نجاح أن يتوصل إلى تفاهم مع الحكومات الأوروبية الأخرى حين كانت هناك إنتخابات بابوية جديدة في الفاتيكان حيث كانت الحكومات الأوروبية ستوافق على مرشحين غير مناسبين وسيدفعون كاردينالاتهم إلى إختيار بابا جديد غير مؤمن بفكرة التعايش بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا وكانت بروسيا فيما عدا منطقة الراين أغلبيتها من البروتستانت لكن كان هناك الكثير من الكاثوليك يسكنون في الولايات الجنوبية وخصوصا بافاريا وبوجه عام فقد كان ثلث الألمان من الكاثوليك وكان بسمارك يعتقد أن الكنيسة الكاثوليكية تحوز سلطة سياسية أكبر مما ينبغي وكان قلقا أيضا من تكوين الحزب المركزي الكاثوليكي وقد حدث هذا في عام 1870م وعلى هذا فقد بدأت حملة معادية للكاثوليكية معروفة بإسم الحرب الثقافية فألغي القسم الكاثوليكي لوزارة الثقافة البروسية وطرد اليسوعيين من المانيا في عام 1872م وقام بسمارك بدعم اللوثرية والكنائس المعادية للكاثوليكية الرومانية القديمة وسنت في عام 1873م قوانين عديدة معادية للكاثوليكية الرومانية والتي سمحت للحكومة الإشراف على تعليم رجال الدين الكاثوليك الرومان وقللت من السلطات التأديبية للكنيسة وإشترطت مراسم مدنية لحفلات الزواج التي تؤدى في الكنائس لكن هذه الكنائس زادت من قوة الحزب المركزي الكاثوليكي وتخلى بسمارك عن حملة الحرب الثقافية في عام 1878م ومات البابا بيوس في نفس العام وحل محله البابا ليو الثالث عشر الذي كان أكثر واقعية من سلفه وقد خرج بسمارك من هذه الحملة بكسب حليف جديد هو حزب الأحرار الوطني العلماني الذي أصبح حليفا رئيسيا له في البرلمان الألماني المعروف بإسم الرايخستاج .

ومن جانب آخر ففي عام 1873م دخلت المانيا ومعظم دول أوروبا فترة الكساد الطويل حين إنهارت سوق الأوراق المالية في العاصمة النمساوية فيينا وعرفت هذه الأزمة بأزمة المؤسسين وهو الكساد الذي ضرب الإقتصاد الألماني للمرة الأولى منذ التنمية الصناعية الواسعة في عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر الميلادى بعد ثورة عام 1848م ومن أجل مساعدة الصناعات المتعثرة أصدر بسمارك قرارات بإلغاء التجارة الحرة وفرض تعريفات وقائية أضعفت الأحرار الوطنيين الذين كانوا ينادون بالتجارة الحرة والذين كان بسمارك يدعمهم منذ حملة الحرب الثقافية وهكذا إنتهت الصلة بين بسمارك وبين الأحرار الوطنيين في عام 1879م تقريبا وعاد بسمارك لطلب الدعم وإنشاء الصلات مع القوى المحافظة ومن بينها الحزب المركزي الكاثوليكي وللحيلولة دون وقوع مشاكل عنصرية بين الأقليات المختلفة مثل المجريين والنمساويين والفرنسيين شرع بسمارك في محاولة ألمنة هؤلاء الذين كانوا يقطنون المناطق الحدودية الألمانية مثل الدنماركيين في الشمال والفرنسيين في إقليمي الألزاس واللورين والبولنديين في الشرق ونهج بسمارك تجاه البولنديين سياسة عدائية مما ساعد علي إزدياد الإحساس بالتمييز القومي بين البولنديين والألمان مما أدى إلى توتر العلاقة النفسية بينهم وكانت فكرة بسمارك في هذا هو إعتقاده بأن الوجود البولندي في المانيا يمثل تهديدا للدولة الألمانية الوليدة وعلاوة علي ذلك فقد كانت من الأمور التي تثير قلق بسمارك هو ازدياد شعبية الحركة الإشتراكية في المانيا وإنتشار أنصارها فقرر في عام 1878م سن قوانين مناهضة الإشتراكيين والتي بموجبها تم منع التنظيمات والإجتماعات الإشتراكية كما قام بإعتقال الإشتراكيين وتمت محاكمتهم في محاكم بوليسية لكن على الرغم من ذلك فقد إستمرت شعبية الاشتراكيين في التزايد وتمكنوا من الفوز بعدد مقاعد لا بأس بها في الرايخستاج حين رشحوا أنفسهم كمرشحين مستقلين غير معلنين تبعيتهم لأي حزب من الأحزاب وهو ما كان يسمح به الدستور الألماني وقت ذاك وهنا إتجه بسمارك إلى إستخدام مبدأ حارب عدوك بسلاحه فشرع في التحول إلى الإشتراكية لمحاولة إسترضاء الشعب وكسب تأييد الطبقة العاملة التي تمثل أغلبية الشعب الألماني فشرع في سن قوانين تهدف إلى الإصلاح الإجتماعي والتي تعتبر أولى القوانين الإشتراكية في قارة أوروبا ومن تلك القوانين كانت قوانين التأمين الصحي على العمال التي صدرت في عام 1883م والتي تنص على أن يدفع العامل ثلثي مبلغ التأمين ورب العمل الثلث الباقي ثم أضيفت قوانين التأمين ضد الحوادث في عام 1884م ومعاشات التقاعد والتأمين ضد العجز الجسدي عن العمل في عام 1889م كما حددت القوانين معايير وشروط عمل النساء والأطفال ونظمته إلى حد كبير وبرغم هذه القوانين إلا أن الطبقة العاملة بقيت غير راضية عن حكومة بسمارك المحافظة .

وفي مجال السياسة الخارجية كرس بسمارك جهوده السياسية للإبقاء على إستقرار القارة الأوروبية من الناحية السياسية لضمان عدم تهديد بروسيا من أي قوة كانت ولأنه أجبر على إبقاء روح التنافس والإنتقام مع فرنسا منذ الحرب الأخيرة التي قامت بينهما وهي الحرب الفرنسية البروسية فقد عمل على تنفيذ سياسة تهدف إلى عزل فرنسا سياسيا بينما أبقى على العلاقات الودية بين بروسيا وبقية الدول والممالك الأوروبية الأخرى ولتجنب الدخول مع المملكة المتحدة في تنافس على السيطرة فقد تنازل عن الطموح نحو إمبراطورية إستعمارية ورفض توسيع الأسطول والجيش الألماني وفي عام 1872م عرض الصداقة على الإمبراطورية النمساوية المجرية وكذلك على روسيا اللتين إنضم إمبراطوراهما إلى الإمبراطور الألماني فيليم الثاني في تحالف عرف بتحالف الأباطرة الثلاث كما حافظ بسمارك على علاقات جيدة مع إيطاليا وبعد إنتصار روسيا على الإمبراطورية العثمانية في الحرب الروسية التركية ما بين عام 1877م وعام 1878م قام بسمارك بالإشتراك في المفاوضات التي جرت في مؤتمر برلين عام 1878م وقد أثمرت هذه المفاوضات عن توقيع معاهدة برلين التي قللت من المزايا التي إكتسبتها روسيا في جنوب شرق أوروبا وقد عارض بسمارك وزعماء أوروبيون آخرون نمو النفوذ الروسي وحاولوا لذلك حماية الإمبراطورية العثمانية وإقامة علاقات أكثر ودا معها ونتيجة لذلك فقد أصاب العلاقة بين روسيا والمانيا شرخ كبير وقد إتهم الأمير الروسي جورتشاكوف بسمارك بالتقليل من هيبة الأمة الروسية وقد إزداد الشرخ بينهما إتساعا بسبب السياسات الوقائية الألمانية وحين تم حل حلف الأباطرة الثلاث حاول بسمارك إنشاء تحالف ثنائي مع إمبراطورية النمسا والمجر ثم أصبح الحلف ثلاثيا بإنضمام إيطاليا ومن جانب آخر باءت كل محاولات الصلح بين ألمانيا وروسيا بالفشل الذريع ,

وبخصوص فكرة التوسع الإستعمارى ففي بادئ الأمر كان بسمارك معارضا لهذه الفكرة محتجا بفكرة أن تكاليف إحتلال مستعمرة والدفاع عنها ستتجاوز فوائدها غير أن الرأي العام في أواخر عقد السبعينيات من القرن التاسع عشر الميلادى كان مع الحصول على مستعمرات وأراض جديدة وفي الوقت الذي تسابقت فيه الدول الأوروبية في الحصول على مستعمرات جديدة فيما عرف بفترة الإمبريالية الجديدة وخلال أوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر الميلادى إنضمت المانيا إلى الدول الأوروبية المتنافسة على الوجود الإستعماري في أفريقيا وكانت من بين المستعمرات الألمانية في أفريقيا مستعمرة توجولاند وهي حاليا جزء من غانا وتوجو والكاميرون ومستعمرة أفريقيا الشرقية الألمانية وهي حاليا رواندا وبوروندي وتنزانيا ومستعمرة جنوب غرب أفريقيا الألمانية وهي حاليا ناميبيا وفي مؤتمر برلين مابين عام 1884م وعام 1885م إتفقت الدول التي حضرته على وضع عدة قواعد لتنظيم الإستعمار في أفريقيا وإتفق على أن تكون هناك منطقة تجارة حرة في أجزاء معينة من منطقة حوض الكونغو كما حصلت المانيا على مستعمرات تطل على المحيط الهادي في قارة آسيا مثل غينيا الجديدة الألمانية وعلاوة علي ذلك فقد كان بسمارك خلال الأزمة البلغارية مؤيدا لخيار السلام وألقى خطابا في الرايخستاج حول أخطار حرب أوروبية وحذر من إحتمالية أن تحارب ألمانيا على جبهتين وتحدث عن رغبته في السلام ثم عرض الأزمة في البلقان ووصف الحرب المحتملة بالعقيمة فبلغاريا هذا البلد الصغير الواقع بين نهر الدانوب والبلقان بعيد عن أن يكون ذا أهمية كافية ولأي سبب يتم الزج بدول قارة أوروبا من موسكو حتى جبال البرانس بين فرنسا وأسبانيا ومن بحر الشمال حتى باليرمو عاصمة جزيرة صقلية في أتون حرب لا يعلم مداها أحد وفي نهاية الصراع يجب علينا ان نعلم بصدق لماذا بدأنا القتال .

وفي عام 1888م مات الإمبراطور الألماني فيليم الأول تاركا العرش لإبنه فريدريش الثالث لكن العاهل الجديد كان مصابا بالسرطان وقضى ثلاثة أشهر وهي فترة حكمه في صراع معه قبل أن يموت فحل محله إبنه فيليم الثاني وكان الإمبراطور الجديد معارضا لسياسة بسمارك الخارجية الحذرة والمترددة في التصرف وكان يطمح نحو توسع سريع وقوي لحماية مكانة المانيا في العالم كما ذكرنا في صدر هذا المقال وسرعان ما أفسدت الخلافات بين فيليم الثاني ومستشاره جو العلاقات بينهما وقد إعتقد بسمارك أن بإمكانه السيطرة على فيليم الثاني فأبدى إحتراما قليلا لسياساته إلا أن الشرخ النهائي بينهما قد حدث بعد أن حاول بسمارك تنفيذ قوانين مكافحة الإشتراكيين في بداية عام 1890م وكانت الأغلبية البرلمانية المكونة من حزب المحافظين والحزب الليبرالي القومي على إستعداد لتمديد مدة العمل بهذه القوانين ولكن الخلاف حدث بشأن سماح تلك القوانين لقوات الشرطة بنفي الإشتراكيين من بلداتهم وهي سلطة كانت تستخدم لقمع الخصوم السياسيين وقد رفض الحزب الليبرالي القومي الموافقة على هذا البند في حين سانده المحافظون فقط إذا تم تعديله وهددوا بعدم الموافقة عليه لأن بسمارك لم يمنح موافقته على تعديل القانون ومع إستمرار الجدل إزداد إهتمام فيليم بالقضايا الإشتراكية وخاصة معاملة عمال المناجم الذين أعلنوا إضرابهم في عام 1889م وإستمر في تنفيذ سياسته النشطة في الحكومة وكان دائما ما يقاطع بسمارك في المجلس لكي يوضح سياسته الإشتراكية وقد عارض بسمارك بحدة سياسة فيليم وعمل على تجاهلها ورغم أن فيليم دعم قانون مكافحة الإشتراكيين المعدل فقد حاول بسمارك دفعه إلى عدم الموافقة على هذا التعديل كلية ولكن حين لم تنجح حجج بسمارك في إقناع فيليم لم يستطع التحكم في أعصابه وإندفع يفصح لفيليم رغبته في تأجيج الصراع مع الإشتراكيين لكي يتخذ ذلك حجة للقضاء عليهم وتحطيمهم فأجابه فيليم بأنه لا يريد بدء فترة حكمه بمعركة دموية ضد رعاياه وحين أدرك بسمارك الحماقة التي إرتكبها وتسرعه في هذا القول حاول نهدئة الجو بينه وبين الإمبراطور والتوصل معه إلى حل وسط، فوافق على سياسته تجاه عمال الصناعة بل وإقترح أيضا تكوين مجلس أوروبي لمناقشة ظروف العمل يرأسه الإمبراطور الألماني .

وعلي الرغم من هذا فقد أدت سلسلة الأحداث إلى زيادة الهوة بين فيليم وبسمارك وشعر بسمارك بكراهية الإمبراطور وعدم تقديره له وبمحاولة مستشاريه تشويه صورته لديه فرفض التوقيع مع فيليم على إعلان لحماية حقوق العمال كما كان يشترط الدستور الألماني وقد أظهر ذلك مدى إستياء بسمارك من تدخل الإمبراطور المتزايد في سلطات بسمارك الغير محدودة وقد عمل بسمارك من خلف الكواليس على تحطيم مجلس العمل العالمي الذي كان فيليم يعتز به أيما إعتزاز وكانت آخر فصول الخلاف حين حاول بسمارك تكوين أغلبية برلمانية جديدة فصوتت كتلته بالموافقة على قانون الإشتراكيين أما القوى الأخرى في الرايخستاج فكانت الحزب المركزي الكاثوليكي وحزب المحافظين وأراد بسمارك تشكيل تحالف جديد مع الحزب المركزي ودعا لودفيج فيندهورست الزعيم البرلماني إلى مناقشة إمكانية التحالف بينهما وكانت هذه آخر مناورات بسمارك السياسية وغضب فيليم لدى سماعه خبر زيارة بسمارك لفيندهورست حيث كان فيليم يعتقد بأن لديه الحق في أن يتم إبلاغه بلقاء رئيس وزرائه مع الزعيم البرلماني المذكور قبل حدوثه ومن ثم أدرك إستهانة بسمارك به كإمبراطور وأمام هذا الموقف المتفجر بين الطرفين وللمرة الأولى إضطر بسمارك على كتابة إستقالته في يوم 20 مارس عام 1890م بعد أن أدرك أن قرار عزله على وشك الصدور وشجب فيها تدخل فيليم في الشئون الداخلية والخارجية ولم تنشر هذه الإستقالة إلا بعد وفاة بسمارك وهكذا سقط بسمارك ضحية لإمبراطور صنع هو إمبراطوريته بنفسه وكان عمره حينذاك يناهز الخامسة والسبعين عاما ليخلفه في مستشارية المانيا ورئاسة الوزراء في بروسيا ليو فون كابريفي وبدأ فترة تقاعده الهادئة في ضيعته في فارتسين الواقعة حاليا في بولندا وإنتقل بعد شهر من وفاة زوجته في يوم 27 نوفمبر عام 1894م إلى فريدريشسروهه بالقرب من مدينة هامبورج شمالي المانيا منتظرا بلا جدوى خطاب إستدعائه للخدمة مرة أخرى الأمر الذى لم يتحقق وعموما فبمجرد خروجه من السلطة بدأ المواطنون في تمجيده فجمعوا الأموال لبناء النصب التذكارية تخليدا له وتحققت له شهرة واسعة في المانيا فسميت العديد من المباني بإسمه وألفت الكتب عنه والتي حققت نجاحا كبيرا كما رسمه الكثير من الرسامين ومن بينهم فرانتس فون لينباخ وعلاوة علي ذلك فقد إتخذه القوميون الألمان بطلهم القومي وأشاد المؤرخون بدوره كرجل دولة ساهم في الوحدة الألمانية وإستخدم سياسة توازن القوى للحفاظ على السلام في القارة الأوروبية في عقدى السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر الميلادى وقد أنفق بسمارك سنواته الأخيرة في جمع مذكراته المعنونة أفكار وذكريات وكانت وفاته في يوم 30 يوليو عام 1898م عن عمر ناهز الثالثة والثمانين عاما في فريدريشسروهه حيث دفن في ضريحه المسمى ضريح بسمارك ونقش على شاهد قبره الرخامي الخادم الألماني المخلص للقيصر فيليم الأول .

وقد حصل بسمارك علي العديد من الأوسمة والنياشين منها نيشان فرسان العقاب الأسود البروسي عام 1864م ووسام سيرافيم الملكي السويدى ونيشان البشارة المقدسة ووسام الإستحقاق من بروسيا ووسام فارس رهبانية الصوفة الذهبية ونيشان فرسان القديس أندراوس وهو أرقي وأقدم الأوسمة الروسية ووسام الإستحقاق للفنون والعلوم وبالإضافة إلي ذلك تم إطلاق إسمه علي أكبر وأضخم سفينة حربية المانية تم تدشينها في ربيع عام 1941م والتي كانت مفخرة البحرية الألمانية وكانت تعد منصة مدافع عائمة ذات مظهر مروع ومثير وأخيرا فقد كانت لبسمارك العديد من المقولات التي خلدها التاريخ منها :-

-- كلما زادت قوتنا قلت إحتمالية الحرب
-- الصحافة بالنسبة لي حبر على ورق .
-- الحمقى وحدهم يحتقرون تجارب غيرهم
-- القليل من الصداقة أحب إلي من الكثير من الإعجاب .
-- كلما عرف الناس أقل عن فن صناعة السجق والقوانين ناموا أفضل .
- يكثر الكذب عادة قبل الإنتخابات وخلال الحرب وبعد الصيد .
-- يكون لدينا متسع من الوقت عندما نعرف كيف نستخدمه .
-- كثرة العدد ليست بدليل على الصواب وإلا كان تسعة حمير يفهمون أكثر مني ومنك .
إذا قال شخص ما إنه موافق مبدئيا على أمر ما فهذا يعني أنه لا ينوي تطبيقه البتة .
-- العوامل العاطفية توشك أن تكون معدومة الأثر في حلبة السياسة كما هي في ميدان التجارة .
-- الأنانية تولد الحسد والحسد يولد البغضاء والبغضاء تولد الإختلاف والإختلاف يولد الفرقة والفرقة تولد الضعف والضعف يولد الذل والذل يولد زوال الدولة وزوال النعمة وهلاك الأمة .

يمكنكم متابعة الجزء الاول من المقال عبر الرابط التالى
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=41670
 
 
الصور :
تمثال بسمارك في مدينة هامبورج