abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
رغيف الخبز المصري نمط سياحي عريق لم نستغله بعد!!!
رغيف الخبز المصري نمط سياحي عريق لم نستغله بعد!!!
عدد : 06-2019
بقلم دكتور/ نبيل حنظل


عرف الانسان الخبز يوم أن عرف طريقة استخدام الحبوب ، ومن يومها وهو متعلق به يحسنه ويتفنن فيه الى أن أصبح انتاجه آلياً ينتشر فى كل انحاء العالم بأنواع ذات نكهات واشكال متعددة تقرأ فيها تراث الجهة التي أنتجته وعاداتها وتقاليدها وحتى الموارد الطبيعية المتاحة لإنتاجه.

يشير التاريخ الى أن الإنسان بدأ بطهو الحبوب قبل صناعة الخبز ، وأن خبز الشعير كان أول الأغذية المصنوعة في تاريخ الغذاء وأن المصريين كانوا أول من اكتشفوا خميرة الخبز في العالم- 4000 ق.م- وأول من انتصر لدقيق القمح على غيره من الحبوب في تحضير الخبز بدءاً من الألف الثالث ق.م.

وقد أثبتت الأيام أن أهميه الخبز لا تقتصر على دوره الغذائي، لكنها تعدت ذلك الى أدوارعديدة يأتي في مقدمتها:-

ان للخبز علاقه بالحياة : وليس ذلك لأنه غذاء للبدن يشده ويقويه , وانما لان له علاقة عميقة بالحياة حتى ان هناك أسطورة تشبّه العجين برحم الحامل الذي يكبر شيئاً فشيئاً إلى أن ينضج فيقدم الحياة.. تماماً كما يرتفع العجين بالخميرة إلى أن يصبح جاهزاً للخبز ليؤكل. ويصبح الخبز نفسه داعما للحياة - ولقد أرتبط بعواطف الناس وفى هذا يقول (محمود درويش) في قصيدته “أحنّ إلى خبز أمي”. فنكهة رائحة خبز الصباح قريبة من رائحة الأرض والأمومة.

كذلك فإن الخبز مرتبط بالعقيدة: حيث يعتبر أن اللقمة ( نعمه) لها قدسيه اذ نضعها على عيوننا لنُقسِم بها كما نقسم بالكتب المقدسة، ونسارع إلى رفعها وتقبيلها اذا ما سقطت، ولازلنا نقدم الخبز قربانا فى الكنيسة ، وهديه لروح الميت ، وصدقة للفقير.

وفى الحياة الاجتماعية: تترادف كلمه الخبز مع كلمة العيش ، بل ان كلمه "أكل عيش"، تعنى العمل من أجل الحياة.
والخبز ايضا عنصر اقتصادي، تتميز فيه الطبقات العليا بتناول الأنواع الفاخرة, ويقنع البسطاء بأنواعه المتواضعة .

وقد استخدمه قدماء المصريون بدل النقود ليكون أجراً لبناة الأهرام فكان أجرا لعامل مكوناً من الخبز والجعة، ووفقا لمؤشر أسعار المستهلك فهو يستخدم حاليا لتحديد تطور كلفة المعيشة بين الأمم.

وليس الخبز بعيدا عن السياسة: فقد حرص السلاطين على توفيره وتحسينه تفادياً لما قد ينتج عن نقصه أو رفع سعره من قلاقل .

ويذكر ان السلطان بيبرس البندقداري وضع قوانين تحدد نوعية الخبز وأوزانه وأسعاره.. وجعل عقوبة الخباز المتلاعب أن يصلب بالمسامير على باب دكانه.

وفى اوروبا كان أباطرة الروم يقدمون هدايا من القمح لإلهاء الشعب عن السياسه . وكان يوليوس قيصر يأمر بتوزيع القمح أو ببيعه بسعر بخس للبسطاء , حتى بلغ عدد المستفيدين مئتي ألف شخص، وعندما أكمل أورليانوس هذه العادة زاد العدد عن ثلاثمائة ألف شخص يومياً.

بل وبلغ الامر منتهاه حين اصبح نقص القمح دافعا للاحتلال , فبسبب الخبز احتل "أغسطس" الاراضى الإسبانية (218 ق.م.) وشبه الجزيرة الايبيرية عام 17 ق.م.. كما احتل بلاد شمال افريقيه التى كان ينظر اليها على انها ( اهراء قمح)- وكان الخبز- في أحيان كثيرة محركاً للثورات ومن بينها الثورة الفرنسية , و كان تخفيض في وزن الرغيف في سوريا سبباً لإسقاط حكومة الشيخ تاج في الأربعينات, وسبباً لانتفاضة الخبز في مصر سنة 1977 و تونس سنة 1984 احتجاجا على المساس بسعره , كذلك كان الخبز حاضراً فى مطالب ثوره 25 يناير 2011 (عدالة – عيش – حرية) في نفس الوقت يكن الخبز بعيدا عن الفن الادب، قرأناه فى الرواية العربية ومنها رواية الرغيف للقاصّ اللبناني (توفيق يوسف عوّاد) التي دارت أحداثها خلال الحرب العالمية الأولى حين أطبقتِ المجاعة على لبنان، وكتب في مقدمتها التى أهداها لأبيه "أبى لقد قدّمْت إليّ في أيام الحرب الكبرى، وإلى إخوتي وأخواتي، أرغفةً سكبْتَ لها عَرَق جبينك ودمَ قلبك ."

ورجاه (رياض معلوف) ، ان يكرم من حَرَمهم الدَهر من اللقمة الطيَّبة قال له: يا رَغِيفُنا المُسْتَدِيرُ يا قمريُّ الوجهِ، كوجهِ المحبوبِ، الذي يَقْتَتِلُ الملايينُ في سبيل الحصول عليهِ فمنهم من يطاله بسهولةٍ – إذا حالفه الحظّ – ومنهم من يركض وراءه، والرغيف راكضٌ أمامه هارب , فرغيفنا الأسمر البلديُّ الشّهيُّ، تُشبعُ رائحتُه النّفس، وهو مُطلٌّ من الفُرنِ، أو الصّاجِ، أو التنّور، وهو معجونٌ بعرقِ الجبين، ودم القلب.

وهكذا ترى في احمرار خدِّه.. دماً هدر في سبيله، وماء وجهٍ بذلَ من أجْله وكثيرا ما كانت اللّقمة منهُ , دونها أهوالٌ ومصاعب. يا رغيفنا، يا أبا الّلقمة الطّيّبة، لولاك ما طابت المائدة، يا خبزنا اليوميّ الكريم، كُن إنساناً أكثر من الإنسان، وتكرّم على من حرمهم الدّهرُ من لُقمتك، وعلى من اشتاقوا كثيراً إلى طلعتِك وإطلالتِك .

ويحكى (ميخائيل نعيمة) ما دار بخلده عندما مر بسهل قمح فى أمريكا، حينها تذكر حصاد القمح في بلاده فتراءى له محراث والده بين أصابعه الدامية، وقامته المنحنية فوق السنابل .. قال :" سألت نفسي، وأنا أرقب تلك الحصّادة العجيبة تفري السنابل، ثمّ تلتهمها، ثم تنفث تِبْنها في الهواء، وتبصق حبّها في أكياس سمينة، مختومة.... ترى أيهما أطيب وأجلب للعافية: حبّة تبذرها كفّ إنسان، وتحصدها كفّ إنسان، وتذريها كفّ إنسان، ثم تغربلها وتطحنها وتعجنها وتخبزها كفّ إنسان؟ أم حبّة تزرعها وتحصدها وتذريها وتغربلها وتطحنها وتعجنها وتخبزها ماكينة مفاصلها وأضلاعها من الحديد، وروحها بنزين؟ "

-أما في مجال الفن: فهناك صور عديدة للخبز هي ابداعات الفنانين ، رأيناها في لوحات ( بيتر كلايتز ، فيلام كالف ) ولوحات الطبيعة الصامتة التي تفرعت عن المدرسة الفلمنكية في القرن السادس ، وفى عشرات اللوحات لفنانى القرن التاسع عشر وصولاً إلى مدارس القرن العشرين.

وشاهدناها محفورة على حوائط المعابد ورسماً على جدران المقابر – وتجسيماً فى ماكيتات آثار الدولة الوسطى فى الفيوم ، وعثرنا عليها حقيقه واقعه في حفائر اثريه بالجيزة مجسدة في مخبز عيش شمسى يعود إلى القرن الثالث ق.م.

وللخبز ايضا مكانته فى التراث الشعبي : فهو حاضر فى فنون الادب الشعبي والحكاية والسيرة والأسطورة المثل وحتى في تفسير الاحلام.

وسمعناها اغنيه ترددها النساء تباهيا ، بخبيزها تقول كلماتها :"عيشي مشمش يطلع ينفش، عيشي تفاح يطلع مرتاح، ياكلوه شبان ملاح".

وعرفنا في الأمثال الشعبية: عندما تقول لصاحبك ان “بيننا خبز وملح” فذلك يعنى ان الصله بينكما وثيقه وعندما يقول لكم احدهم ان “العيش مُرّ” فهو يعبر عن مشقة الحياة يصاحب العيش الناس فى يقظتهم , حتى اذا رأوه فى منامهم فان ذلك – كما يقول (ابن سيرين ) - بشاره بخير قادم.

الخبز والتراث الخبز والسياحة: والخبز ومراحل انتاجه فى السياحة عامل جذب سياحي هام – ثرى بعناصر جذب عديده فقد حرص العديد من منظمو الرحلات الاجنبيةعلى ابرازه وادراجه في برامجهم.

واهتمت وسائل الدعاية والترويج السياحية بإبراز ما سجلته النقوش على جدر المعابد والمقابر وناقشت العديد من الندوات و المعارض بتاريخه وطرق انتاجه وما بها من عناصر تراثيه وفنيه وميزت بين انواعه واشكاله ونكهاته التى تتنوع بين من منطقه واخرى بل وتتنافس لترويج منتجها، وتنشيطا للسياحة في بلدها ومن ذلك ان الخبازين (البولنديين) أنتجوا عام 2002م رغيفا عملاقا دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية. وان مدينة بلسفيو البولندية انتجت الرغيف الساخن الذي بلغ طوله 14 متراً ووزنه 1168 كيلوغراماً. وبنت شركة ميشيغان للأفران فى (شيكاجو) أعرض فرن في العالم عام 1893م وكان ارتفاعه 25 قدماً وطوله 30 قدماً وعمقه 20 قدماً.

كما شيد سكان شينجيانغ في أحد المتنزهات المشهورة في مدينة توروفان عام 2004م فى (الصين )، أكبر فرن لإعداد الخبز في العالم، بلغ قطره عشرة أمتار وارتفاعه ثمانية أمتار ويتسع للخبز وشى جمل وبقرتين وعشرة خراف, ويفتخر متحف (سويسرا )بأنه يقتنى بأحد أرغفة الخبز القديمة والتي تُعرف باسم كورثيليس وتعود إلى عام 2800 ق.م.

ونجحت ( فرنسا) في أن تجعل رغيف الباغيت معلما تراثيا سياحيا قوميا يقف جنبا على جنب مع برج إيڤل وقصر فرساي ومتحف اللوفر. ونصحت الزائر ان يتذوقه حتى تكون سياحته كاملة.

واصبحت الصورة النموذجية للمواطن الفرنسي في وجدان الكثيرين هي صورة رجل يضع البريه على وهو يتأبط رغيفاً من الباغيت.

لكننا نفتقد خبزنا المصري وسط هذا التنافس العالمي رغم ما يتمتع به من تاريخ عريق ورغم ما يملكه مقومات تؤهله للفوز في مضمار المنافسة العالمي وتجعل منه نمطا سياحيا جاذبا ومنشطا للسياحة، ولا اعرف لماذا لا نرى ولا نسمع ولا نقول شيئا عن خبزنا المصري بتنوعه ومذاقه ونكهته وتاريخه وما به من تراث وما يعنيه من معان ؟ ولماذا نفتقده حتى قائمه المعالم التراثية السياحية المصرية الرسمية في بلادنا او الموجهة الى العالم , ولا نراه فى برامج الزيارة السياحية الداخلية والخارجية ولماذا هو غائب عن المشاركة فى المؤتمرات الدولية السياحية والمتخصصة ؟

ولم لا نبرز في دعايتنا ان مصر هى اول من عرف طرق تخمير الخبز فى العالم ومنها انتقل الى أنحاء الدنيا، وان المصريين هم أول من نصب الأفران المخروطية ، وان حضارات مصر المبكرة ومنها حضارتي الفيوم (ا) و(ب) بنت اول صوامع لحفظ الحبوب، و ان المصريين هم أول من مزجوا بين البذور من نباتات مختلفة لإعداد خبز مغذٍ، وأن لوحات مصر القديمه تحكى بالتفصيل طريقه اعداد الخبز وتوضح لوحات مقبرة رمسيس الثالث كيف كان المصريون يعدون العجين .

كما أن الصور الاثرية تدل على انه كان هناك 15 نوعاً من الخبز منها الطويل و المخروطي والأرغفة المكعبة والهرمية , و أرغفة على شكل طيور وأسماك، كما قدمت اثار الجيزة نموذجا حقيقيا لمخبز اثرى للعيش الشمسى يعود إلى القرن الثالث ق.م. ورأينا ماكيتات المخبز في اثار الدولة الوسطى فى الفيوم وتماثيل لطريقه العجين وان في مصر الحديثة انتاجا متنوعا من الخبز تبدعه كل منطقه فتلمس فيه روحها وترى وتراثها بما يحويه وفن وعادات وتقاليد حتي انك لتجد فى كل رغيف تراثا و حكاية تبعا للموروثات والعادات والتقاليد ومعطيات الطبيعه في المنطقة التى انتجته ، فهناك الخبز الإسكندراني و الصعيدي و النوبى و الرغيف البلدى الأسمر. والعيش البيتى الطرى والمحمص،والعيش الفلاحى البكوم ،والشمسى خبز الشعير البتاو والمرحرح و الهبدريه والكسره ابو قرون ،الشدى، الخنريت ، الكابد الصاج، الخامر، المجردق وانواع عديده لكل منها شكله وطعمها ونكهتها.

وأقول لكل من له صله بالأمر، لماذا لا نبادر الى توظيف ذلك ليكون نمطا سياحيا جاذب للسياحة ومنافسا قويا بما له من امكانيات لم تستغل بعد ؟
 
 
الصور :