abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
تعرف على تضحيات أب الأمة من أجل استقلال وطنه
تعرف على تضحيات أب الأمة من أجل استقلال وطنه
عدد : 06-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


محمد الخامس بن يوسف بن الحسن بن محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل والذى ينتهي نسبه إلي الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وكان يكنى أبا عبد الله والذى خَلَف والده السلطان مولاي يوسف الذى حكم المغرب من عام 1912م وحتي عام 1927م وكان يعتبر ثاني سلاطين المغرب في عهد الحماية الفرنسية علي البلاد حيث تولى الحكم بعد تنازل أخيه السلطان مولاي عبد الحفيظ الذى حكم المغرب من عام 1908م وحتي عام 1912م عن العرش مباشرة بعد توقيع معاهدة الحماية الفرنسية علي المغرب يوم 30 مارس عام 1912م وقام بنقل مقر حكمه من مدينة فاس إلى مدينة الرباط وقد تم تقسيم المغرب بموجب المعاهدة المشار إليها إلى ثلاث محميات وهي المنطقة الشمالية والمنطقة الصحراوية في الجنوب ووضعت تحت الحماية الأسبانية والمنطقة الوسطى ووضعت تحت الحماية الفرنسية ومدينة وميناء طنجة المطلة علي مضيق جبل طارق والتي خضعت لحماية دولية بين فرنسا وإنجلترا والمانيا وأسبانيا وكانت وفاته يوم الخميس 22 جمادى الأولى عام 1346 هـجرية الموافق يوم 17 نوفمبر عام 1927م فبويع سلطانا علي بلاد المغرب بعد صلاة الجمعة في اليوم التالي 23 جمادى الأولى عام 1346 هـجرية الموافق يوم 18 نوفمبر عام 1927م في القصر السلطاني بمدينة فاس وظل سلطانا علي المغرب حتي عام 1957م وكانت سلطات الحماية الفرنسية قد إختارته ليكون خليفة لأبيه الراحل بدلا من أخيه الأِكبر سنا الأمير مولاى إدريس وتوقعت منه أن يكون أكثر توافقا وتعاونا معها منه ولكن بعد رفض السلطان محمد بن يوسف للإصلاحات المزعومة التي باشرتها السلطات الفرنسية قامت بنفيه خارج المغرب لمدة حوالي سنتين من عام 1953م وحتي عام 1955م وذلك بعد أن ساند السلطان نضال الحركة الوطنية المغربية المطالبة بتحقيق الإستقلال عن فرنسا مما دفعه إلى الإصطدام بسلطات الحماية الفرنسية وكانت النتيجة قيام سلطات الحماية بنفيه إلى جزيرة مدغشقر التي تقع في المحيط الهندي قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لقارة أفريقيا وعلى إثر ذلك إندلعت مظاهرات عارمة في بلاده مطالبة بعودته إلى وطنه وأمام إشتداد قوة وحدة المظاهرات قبلت السلطات الفرنسية بعودة السلطان إلى عرشه يوم 16 نوفمبر عام 1955م وبعد بضعة شهور وفي يوم 2 مارس عام 1956م تم إلغاء الحماية الفرنسية علي المغرب وإعلان إستقلال البلاد ثم إتخذ لقب الملك عام 1957م وظل ملكا علي المغرب حتي وفاته في شهر فبراير عام 1961م ليخلفه إبنه الملك الحسن الثاني .

وقد ولد الملك محمد الخامس وكان يطلق عليه سيدي أحمادى في يوم 10 أغسطس عام 1909م بمدينة فاس التي كانت عاصمة المغرب حينذاك وكان أصغر إخوته الثلاثة وبينما كان والده السلطان مولاى يوسف يقضي معظم الوقت في مدينة الرباط قضى الأمير الصغير محمد جل وقته في القصر الملكي بفاس حيث كان يتلقى التعليم على الطريقة التقليدية المغربية العتيقة وهي دروس عربية دينية كانت تتخللها دروس مبادئ اللغة الفرنسية وهي اللغة التي لم يتقنها جيدا وكانت هي لغة المستعمر وكان من الضرورى تعلمها من أجل التواصل مع ممثلي سلطات الحماية الفرنسية وكان أستاذه الوحيد هو الفقيه الجزائرى الأصل محمد المعمري الذي جاءت به سلطات الحماية إلى المغرب ويروي الكاتب البريطاني روم لاندو أن تعليم مولاى محمد إقتصر على التعليم التقليدي العتيق نظرا لأنه كان مستبعدا في البداية عن تولي العرش وفي الأيام الأخيرة لفترة حكم السلطان مولاي يوسف في عام 1927م مرض مرضا عضالا فإجتمع الصدر الأعظم أى رئيس الوزراء محمد المقري مع المقيم العام الفرنسي أى ممثل الحكومة الفرنسية بالمغرب تيودور ستيك وتحدثا عن مرض السلطان وتناقشا عن من يخلفه بعد وفاته وكان كلاهما ضد الرأي الذي كان ينادى بترشيح إبنه الأكبر مولاي إدريس كوريث للعرش وإتفقا علي أن من يتولى المنصب من بعده هو الأمير الشاب سيدي أحمادى كما كان يلقب حينذاك وبعد وفاة السلطان مولاي يوسف إجتمع أعيان الدولة وكان العديد منهم يعرفون بوصية السلطان مولاي يوسف بتوريث الحكم إلى إبنه الأكبر مولاي ادريس ومن بينهم قاضي القضاة محمد بن رشيد العراقي ووزير العدل عبد الرحمن بن القرشي وآخرون ممن تمسكوا وأصروا علي ضرورة تنفيذ وصية السلطان الراحل مولاي يوسف بالإضافة لحاجب السلطان التهامي أعبابو الذي كان غائبا في ذلك الحين فتصدى لهم محمد المقري وتم تنصيب محمد بن يوسف سلطانا على المغرب يوم 18 نوفمبر عام 1927م وأصبح يلقب بالسلطان محمد الخامس وبعد أن أصبح سلطانا قام بتأسيس المعهد المولوي عام 1942م داخل القصر الملكي بمدينة فاس وإستكمل فيه تعليمه اللغوي وكان يحرص على حضور كل المحاضرات بها إلى جانب ولي عهده مولاي الحسن الثاني وكان هذا المعهد تحت إشراف ومراقبة جامعة بوردو التي تأسست لأول مرة في مدينة بوردو الفرنسية جنوبي غرب البلاد في عام 1441م قبل أن تنحل في عام 1793م ثم يعاد تأسيسها مرة أخرى في عام 1896م والتي منحت شهادة الإجازة في القانون فيما بعد لولي عهده مولاى الحسن الثاني كذلك منحت السلطان محمد الخامس عام 1950م شهادة الدكتوراة الفخرية وكانت تلك هي الشهادة الوحيدة التي حصل عليها .

وفي يوم 2 مارس عام 1942م بعد تعيين إريك لابون في منصب المقيم العام الفرنسي بالمغرب والذى ظل في هذا المنصب حتي يوم 13 مايو عام 1947م أعلنت سلطات الحماية الفرنسية ولفترة قصيرة القيام بمجموعة من الإصلاحات الليبرالية في المجالين الإقتصادي والإجتماعي سواء في المدن أو في البوادي وذلك من أجل التخفيف من حدة الأزمة التي كان السكان المغاربة يعيشونها في هذه المناطق وكانت سلطات الحماية الفرنسية قد خففت من تصعيد سياستها العنيفة ضد الوطنيين منذ وصول لابون إلى الرباط يوم 30 مارس عام 1946م وقد دفعت هذه السياسة بعض المؤرخين إلى إعتبار هذا المقيم العام الأكثر ليبرالية من ضمن كل نظرائه الذين تعاقبوا على السلطة في فترة الحماية على المغرب إذ قام بحملة سياسية تجاه إطلاق سراح بعض المعتقلين من الوطنيين وتحرير الصحافة بالسماح بتأسيس أربع صحف وطنية وإلغاء مديرية الشئون السياسية وفي هذه الأجواء عاد مؤسس حزب الإستقلال المغربي الزعيم الوطني والسياسي والأديب المغربي علال الفاسي من منفاه بالجابون والذى كان يعتبر زعيم الحركة الوطنية المغربية وأحد أعلام الحركة الإسلامية الحديثة التي ظهرت منذ بدايات القرن العشرين الماضي والتي دعت إلى نوع من السلفية التجديدية وكانت هذه السياسة التي بوشرت منذ عام 1946م قد إستقبلت بنوع من الإرتياح من طرف بعض الوطنيين ولكن غالبيتهم إعتبرها غير كافية مادام أنها لم تأت بجديد في مجال الإعتراف بحق المغرب في الإستقلال التام وخروج الفرنسيين من البلاد ولهذا السبب فشلت مبادرة إريك لابون بسرعة وإنتهت برفض الوطنيين التعاون معه وقد أقيل هذا الأخير بسبب ذلك في شهر مايو عام 1947م ليحل محله الجنرال الفونس جوان غير أن أهم مكسب للوطنية المغربية من هذه المبادرة هو خطاب مدينة طنجة التاريخي الذي ألقاه السلطان محمد الخامس يوم 19 من شهر جمادى الأولى عام 1366 هجرية الموافق يوم 9 من شهر أبريل عام 1947م وكان قد قام بزيارة لطنجة في ذلك التوقيت ليؤكد للعالم كله أن وحدة المغرب غير قابلة للتجزئة أو المساومة .

وبداية من هذا اليوم إختار السلطان الإمتناع عن المصادقة على قرارات الإقامة العامة وإتجه علانية نحو إتخاذ موقف مساند لسياسة حزب الإستقلال وهنا قامت فرنسا بالعديد من المحاولات للوصول إلى تنحيته وتنصيب سلطان آخر مكانه يكون بمثابة دمية تحت تصرفها وإستعانت من أجل ذلك بالأعيان الموالين لها خاصة في مدينة مراكش حيث إجتمع يوم 20 مارس عام 1953م بالمدينة باشوات المدن المغربية الكبرى إضافة إلى عشرين قائدا وحرروا عريضة تسير في إتجاه سحب الشرعية الدينية عن السلطان الشرعي للبلاد محمد الخامس كإمام وعلي الرغم من أن السلطات الفرنسية تعهدت بالتطبيق الحرفي لمعاهدة الحماية الموقعة بفاس على أساس مساندة سلطان البلاد وحمايته ضد الأخطار المهددة لشخصيته أو لعرشه وذلك طبقا لبنود الفصل الثالث من المعاهدة إلا أن المقيم العام الفرنسي الجنرال أوجستين كيوم قرر تنحية سلطان المغرب وبالإتفاق مع الحكومة الفرنسية أبعد محمد الخامس عن المغرب يوم 20 اغسطس عام 1953م حيث تم نقله هو وعائلته في طائرة عسكرية بإتجاه جزيرة كورسيكا الفرنسية قبل أن ينقل من جديد بقرار من الجنرال كيوم يوم 2 يناير عام 1954م إلى جزيرة مدغشقر غير أن الحكومة الفرنسية إنتقدت بشدة هذا الإجراء الذي إتخذه كيوم بدون التنسيق معها مما كلفه الإقالة وتعيين فرانسيس لاكوست مكانه عام 1954م وهكذا إنتهت محاولات سلطات الحماية الفرنسية من أجل تنحية السلطان محمد الخامس بالفشل وهنا حاولت تلك السلطات بمباشرة المفاوضات معه منذ شهر فبراير عام 1955م وهو في المنفي ولم يتم التوصل بينهما إلي إتفاق وهنا لجأت السلطات الفرنسية إلى تهديده وهو علي أرض المنفى فقد إقترح عليه المفاوضون بمن فيهم طبيبه الخاص الدكتور ديبوا روكبير الخيار بين أمرين أحلاهما مر إما التنازل عن العرش والعودة إلى أرض الوطن للعيش بسلام وفي حماية الفرنسيين أو تشديد الخناق عليه في المنفى في حالة الرفض وكان جوابه هو الرفض المطلق للمقترحات المفترضة وفي أثناء فترة المنفى التي دامت من يوم 20 أغسطس عام 1953م إلى 16 نوفمبر عام 1955م كان ولي العهد مولاي الحسن مرافقا لأبيه السلطان محمد الخامس في كل اللقاءات التي كان يجريها وقام فيها بدور المستشار كما شارك أيضا في كل المفاوضات التي تمت بكورسيكا ومدغشقر وأيضا في النقاشات الرسمية وغير الرسمية وعلي التوازى مع أنشطة الحركة الوطنية المغربية إندلعت أعمال المقاومة المسلحة المنظمة للوجود الفرنسي في البلاد وتم تأسيس جيش التحرير في يوم 1 أكتوبر عام 1955م في عدة مناطق أهمها تطوان حيث وجد مقر القيادة العامة ومركز تكوين الضباط كما تم تأسيس جيش التحرير من قبل لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة من أجل تنظيم حركة المقاومة المغربية وجبهة التحرير الجزائرية وكان هدف هذه اللجنة هو العمل بكل الوسائل لعودة السلطان محمد الخامس لبلاده علاوة علي تحرير البلدين الشقيقين المغرب والجزائر من الإستعمار الفرنسي الذى جثم علي صدور أبناء البلدين سنين طويلة .

وقد إعتبرت محاولات تنحية السلطان محمد الخامس عن العرش من الناحية السياسية خطأ إستراتيجي فادح إرتكبته السلطات الفرنسية فعلي الرغم من أن سلطات الحماية الفرنسية بالمغرب قد حاولت أن تضفي على ما إتخذته من إجراءات طابعا شرعيا بدفع بعض العملاء وبعض العلماء الأعيان إلى مساندة موقفها إلا أن المغاربة لم يعترفوا بتولية محمد بن عرفة إبن عم السلطان مولاى يوسف والد السلطان محمد الخامس الذى كان مستهدفا تنصيبه سلطانا كما أنه من الناحية السياسية الدولية فقد بدأت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في التخلي عن سياساتها المتحفظة تجاه ما كان يجري في المغرب إذ بدأت الدولتان بإعلان معارضتهما للقرارات التي كان يتخذها المقيم العام الفرنسي الفونس جوان منذ بداية عام 1951م ولم يعترف دبلوماسيو هاتين الدولتين بالعريضة التي وقعها الأعيان إذ إعتبروها محاولة فقط من سلطات الحماية لإجبار السلطان على قبول مخططاتها وإجبار السلطان بالتوقيع على قراراتها أما معارضة الدول العربية والآسيوية فإنها تمثلت في شنها لحملة شرسة عبر الصحافة والإذاعة ضد الإجراءات الفرنسية فما أن أعلن عن نبأ تنحية السلطان حتى أدان زعيم الحركة الوطنية علال الفاسي عبر إذاعة صوت العرب من العاصمة المصرية القاهرة إبعاد السلطان هو وعائلته عن الوطن وأما جامعة الدول العربية فقد عبرت عن تخوفاتها إزاء تطورات القضية المغربية وبدأت في الإلحاح على ضرورة منح الإستقلال للمغرب ومنذ يوم 21 أغسطس عام 1953م أظهرت 15 دولة عربية آسيوية عضو في هيئة الأمم المتحدة إنشغالها بمستقبل الإستقرار السياسي بشمال افريقيا بعد عملية نفي السلطان محمد الخامس وعلى مستوى العلاقات السياسية بين فرنسا وأسبانيا حدث الأمر نفسه فحسب الإتفاق الذي أبرم بين البلدين يوم 27 نوفمبر عام 1912م والذى نص علي أنه يتعهد البلدان بإلتزام الإحترام المتبادل بينهما وعدم إتخاذ قرارات منفردة في كلتا المنطقتين التابعة للحماية الأسبانية في الشمال والجنوب أو التابعة للحماية الفرنسية في الوسط وقد إستقبلت عملية محاولة تنصيب سلطان جديد على المغرب بأسبانيا بنوع من الإستياء إذ إعتبرته سلطات العاصمة الأسبانية مدريد إعلانا لنوع من العداء ضدها مما دفعها إلى تنظيم عملية توقيع عريضة مشابهة لتلك التي تمت بمراكش في المنطقة التي تخضع لسيطرتها وتمكنت من جمع 430 توقيعا من باشوات وأعيان هذه المنطقة ركزت فيها على رفض ومعارضة فكرة تنحية السلطان الشرعي محمد الخامس نتيجة للدسائس التي حاكتها سلطات الحماية الفرنسية ورفض سلطة محمد بن عرفة التي حاولت فرنسا تنصيبه سلطانا ضد إرادة الشعب المغربي ثم أعلنت العريضة أحقية المهدي بن إسماعيل والذى كان يعد نائب للسلطان محمد الخامس بالمنطقة التابعة لحماية أسبانيا بالسيادة عليها وذلك تحت إمرة سلطة الرئيس الأسباني الجنرال فرانشيسكو فرانكو .

وقد كان لنفي السلطان محمد الخامس أثر قوي في تصعيد المقاومة ضد المحتل الفرنسي فنجد أن المظاهرات التي قام بها الشعب المغربي ضد المحتل وبمشاركة من حزب الإستقلال أخذت تؤرق وتزعج المستعمر الفرنسي أكثر مما كان في السابق حيث إندلعت إنتفاضات قوية في مناطق متعددة من المغرب وكانت أقوى إنتفاضة هي تلك التي حدثت في وجدة يوم 16 أغسطس عام 1953م بتنظيم مناضلين من حزب الإستقلال كما طال الساحة السياسية المغربية نوع من الشلل والإضطراب الناتجين عن أجواء الإستياء العارم المصاحب لإبعاد السلطان الشرعي للبلاد عنها وقد قام الشعب المغربي بعرقلة إقامة حفل عيد الأضحى إحتجاجا على إمامة السلطان الدمية محمد بن عرفة لصلاة العيد ونحر الأضحية إذ ظهر خلال المناسبة أنه غير مؤهل أن يكون سلطانا للمغاربة لسبب بسيط وهو أنه لا تتوافر له السلطة الشرعية التي كانت مجتمعة في شخصية السلطان محمد الخامس وعلي هذا فقد أحدثت إذن محاولة تنحية ونفي محمد الخامس إنطلاق نوع جديد من المقاومة المغربية أعطى شكلا جديدا من الوفاء والإرتباط بالسلطان الشرعي للبلاد وبعد إشتداد الأزمة السياسية بالمغرب عقب الفراغ المؤسساتي الحادث إثر رفض المغاربة الإعتراف بمحمد بن عرفة كسلطان رضخت السلطات الفرنسية لمبدأ قبول التفاوض مع الشخصيات السياسية المغربية والممثلة للتوجه الراغب في تسيير المغرب من طرف أبنائه وتوجيهه نحو الإستقلال ولذلك تم عقد لقاء بين الأطراف المغربية والفرنسية في مؤتمر بمدينة إيكس ليبان بجنوب شرق فرنسا وكان الوفد الفرنسي المفوض الذي حضر مناقشات هذا المؤتمر يتكون من ايدكار فور رئيس الحكومة والسيد بيناي وزير الشئون الخارجية والجنرال كوينج وزير الدفاع وآخرين بينما كان الوفد المغربي يتشكل من 37 شخصية كان من بينهم السياسي المغربي ورئيس أول حكومة مغربية وطنية بعد الإستقلال مبارك البكاي والصدر الأعظم الحاج محمد المقري والحاج الفاطمي بن سليمان من أعيان مدينة فاس إضافة إلى ممثلين عن حزب الإستقلال وحزب الشورى والإستقلال إلى جانب بعض الشخصيات السياسية المعروفة وبعض العلماء كالسيد جواد الصقلي وحميد العراقي وإنطلقت هذه المناقشات يوم 23 أغسطس عام 1955م ودامت خمسة أيام وأسفرت عن إتخاذ قرار بصرف النظر عن تنصيب محمد بن عرفة علي العرش إضافة إلى تشكيل حكومة وطنية مغربية تضم مختلف الأطياف السياسية وذلك من أجل التفاوض مع الحكومة الفرنسية من أجل إدخال إصلاحات على نظام الحماية .

وإستقبل السلطان محمد الخامس في منفاه في يوم 5 سبتمبر عام 1955م وفدا فرنسيا إضافة إلى الوفد المغربي وتم إبلاغه بالنتائج التي توصل إليها الطرفان المتفاوضان كما تم الحصول على التعليمات التي يجب إتباعها بعد مشاورات طويلة لعب فيها ولي العهد آنذاك مولاي الحسن دورا أساسيا في توجيه الموقف الذي إتخذه محمد الخامس وهو الموافقة على النتائج التي توصل إليها الطرفان وهي إنشاء مجلس حفظة العرش وتعيين السلطان محمد الخامس لحكومة تكون مهمتها إستكمال المفاوضات مع الفرنسيين بعد إنتقاله من منفاه في مدغشقر إلى فرنسا وقام مبارك البكاي في يوم 6 نوفمبر عام 1955م تحت إمارة السلطان محمد الخامس بتشكيل أول حكومة وطنية قامت بمتابعة المفاوضات مع سلطات الحماية الفرنسية من أجل إسترجاع إستقلال البلاد إضافة إلى بناء الدولة المغربية وتنظيمها وفي يوم 16 نوفمبر عام 1955م هبطت الطائرة التي تحمل السلطان محمد الخامس وأسرته في مطار الرباط الدولي بسلام وبعودته كثف السلطان محمد الخامس وبجانبه ولي العهد آنذاك مولاي الحسن مجهودات جبارة ومتواصلة أسفرت عن توقيع وثيقة الإستقلال في يوم 2 مارس عام 1956م وبعد إسترجاع المغرب لمنطقة الحماية الفرنسية وجه السلطان محمد الخامس مجهوداته نحو إستكمال الوحدة الترابية بإعادة الجيوب المتبقية تحت الإحتلال الأسباني إلى المغرب وفي هذا الإطار فتح مفاوضات مع أسبانيا إنتهت بتوقيع معاهدة مدريد التي وضعت حدا للحماية الأسبانية في المنطقة الشمالية يوم 7 أبريل عام 1956م وبإستعادة هذه المنطقة من أرض المغرب يكون محمد الخامس قد أزال الحدود الوهمية التي وضعتها كل من فرنسا وأسبانيا بين المناطق التابعة لكل منهما بالمغرب طيلة 43 سنة ونستطيع أن نقول في هذا المقام إن السلطان محمد الخامس يستحق عن جدارة أن نصفه بأنه شخصية متميزة في تاريخ المملكة المغربية وبلاد المغرب العربي وقارة أفريقيا بشكل عام كما كان بحق شخصية يغلب عليها الجانب الإنساني والروحي في علاقته مع الشعب المغربي ويشهد علي ذلك مواقفه الإنسانية والوطنية في ظل الظروف السياسية والتاريخية التي كانت تمر بها حينذاك بلاد منطقة المغرب العربي وقارة أفريقيا بشكل عام .


وقد إستطاع الملك محمد الخامس بكل حكمة وحنكة أن يوحد المغرب الذي كان ممزقا بين فرنسا وأسبانيا إضافة إلى الدعم غير المشروط الذى قدمه من أجل إستقلال الجزائر وعلاوة علي ذلك كانت للملك محمد الخامس جهوده في إنقاذ اليهود المغاربة وغيرهم من اليهود أبناء جاليات الدول الأخرى مثل اليهود الفرنسيين في بلاده خاصة في عقد الأربعينيات من القرن العشرين الماضي في وقت كانت فيه الأقليات الدينية اليهودية في أوضاع مزرية في كثير من بلدان العالم حيث كان ينظر إليهم في كثير من البلدان علي أنهم عبء وأقليات ثقافية لا تنتمي للدولة وخطر محدق بها حيث عمل السلطان محمد الخامس على مقاومة مطالب سلطات الحماية الفرنسية بالتخلص منهم خلال عهد حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان مابين عام 1940م وعام 1945م رغم أن المغرب آنذاك كان تحت الحماية الفرنسية أى كان في موقف ضعف ولكل هذه الأسباب مجتمعة كان السلطان محمد الخامس يتمتع بإحترام وحب عفوي من الشعب المغربي بمختلف أطيافه ومكوناته وتعتبر فترة حكمه نموذج يحتذى به في السلم المدني والتعايش السلمي وكانت الصورة التي إرتسمت له من خلال سيرته في تاريخ المغرب خصوصا وعلاقته بشعوب المغرب العربي وأفريقيا عموما بمثابة أب الأمة تلك الصورة التي تكرست أكثر بعد حادثة النفي إلى مدغشقر وحتي وفاته في يوم 21 فبراير عام 1961م عن عمر يناهز 52 عاما وذلك بعد أن سقط مريضا في اليوم السابق علي وفاته بنزيف في أنفه أدخل بسببه بسرعة إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية وصفت بالبسيطة لكنه توفي في اليوم التالي وليفقد المغرب والوطن العربي كله رجلا من خير الرجال ويخلفه إبنه مولاى الحسن الثاني الذى ظل يحكم المغرب من عام 1961م وحتي وفاته في يوم 23 يوليو عام 1999م وليخلفه إبنه الملك محمد السادس والذى ما يزال يحكم المغرب حتي وقتنا الحاضر .
 
 
الصور :
الملك الحسن الثاني يقبل يد أبيه الملك محمد الخامس ملوك المغرب بالترتيب من اليمين محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس الملك محمد الخامس وأسرته