abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
" مولتكه" أحد عظماء المفكرين الإستراتيجيين في القرن 19 عشر الميلادى
- مولتكه- أحد عظماء المفكرين الإستراتيجيين في القرن 19 عشر الميلادى
عدد : 07-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com

هيلموت كارل برنارد جراف فون مولتكه قائد بروسي تولى رئاسة أركان جيش مملكة بروسيا وهي المملكة التي تواجدت منذ عام 1701م حتى عام 1918م وكانت تضم أجزاء من المانيا الحالية وبولندا وروسيا وليتوانيا والدانمارك وبلجيكا وجمهورية التشيك وقد شغل هذا المنصب لمدة طويلة إمتدت من عام 1857م حتي عام 1888م وبعد تأسيس الإمبراطورية الألمانية علي يد المستشار الألماني الملقب بالمستشار الحديدى أوتو فون بسمارك عام 1871م صار جيش هذه المملكة الجيش الألماني.

وقد لعب هذا القائد دورا كبيرا ومؤثرا إلي جانب هذا الأخير من أجل تحقيق هذا الهدف وكان نموذجا جيدا للرجل والقائد العسكري الصبور المثابر والبطل القومي الذي أحب بلاده وأخلص لها وعمل على توحيدها ولذا فهو يعتبر الرجل الثاني في هذا الإنجاز الكبير بعد بسمارك وعلاوة علي ذلك فهو يعتبر أحد أعظم القادة والمفكرين الإستراتيجيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادى ومبتدع طريقة جديدة أكثر حداثة في قيادة الجيوش في الميدان حيث عمد بعد إستلامه لمنصبه كرئيس لأركان الجيش البروسي مباشرة إلى إحداث تغييرات كبيرة في المناهج العسكرية والتدريبية وفي مفاهيم الأركان المتصلة بالتكتيك والتعبئة والإستراتيجية وبدأ بالعمل المثابر للنهوض بخطوط المواصلات والإتصالات التي تيسر للجيش الحركة السريعة مع الإهتمام بالتدريب والتسليح والأخذ بكل التقنيات الحديثة المتوافرة في ذلك الوقت لتحقيق كل هذه الأهداف .

وفي سياق إهتماماته التاريخية أجرى دراسة لتحديد الأعداء المستقبليين لالمانيا ثم شرع في وضع خطط عسكرية لإخضاعهم وكثيرا ما يشار إليه بإسم مولتكه الأكبر لتمييزه عن إبن أخيه الجنرال هيلموت يوهان لودڤيش فون مولتكه الأًصغر الذي كان قائدا للجيش الألماني مابين عام 1906م وحتي عام 1914م عند إندلاع الحرب العالمية الأولى والذى إضطر لتقديم إستقالته من منصبه بعد أيام قليلة من هزيمة الألمان من الفرنسيين في بدايات الحرب العالمية الأولي خلال شهر سبتمبر عام 1914م في المعركة التي سميت معركة المارن نظرا لوقوعها عند نهر المارن الذى يعد أكبر روافد نهر السين والذى يصب فيه جنوبي شرق باريس وقد حمل النقاد العسكريون فون مولتكه الأصغر مسؤولية هذه الهزيمة ولم ينج من المقارنة بعمه حيث قالوا إنه يشبهه في الإسم فقط ولكنه ليس بنفس عبقريته وكفاءته لكن هذه المقارنة يبدو أنها تحمل شيئا من التجني بسبب إختلاف ظروف الحرب الفرنسية الروسية عام 1870م التي حقق فيها عمه الإنتصار كما سنرى في السطور القادمة بإذن الله عن الحرب العالمية الأولى حيث كان البروسيون يحاربون على جبهة واحدة في العام المذكور في حين كان الألمان يحاربون على جبهتين في وقت واحد هما الجبهة الروسية والجبهة الفرنسية عام 1914م وكان أعداؤهم يفوقونهم عددا وعدة وعموما فبإنتصار قوات الحلفاء في هذه المعركة إضطر الجنرال فون مولتكه الأصغر إلي تقديم إستقالته من رئاسة الأركان ومن ثم تم تعيين الجنرال إريش فون فالكانهاين بدلا منه في منصب رئيس الأركان في يوم 14 سبتمبر عام 1914م وإستمر في هذا المنصب حتي يوم 19 أغسطس عام 1916م حينما إضطر هو الآخر إلي تقديم إستقالته أثناء معركة فردان التي بدأت يوم 21 فبراير عام 1916م والتي فشل فيها الألمان في إختراق الخطوط الفرنسية وإضطروا إلي الإنسحاب بعد حوالي 11 شهر في يوم 20 ديسمبر عام 1916م وخلفه الجنرال باول فون هيندنبورج الذى صار رئيسا لالمانيا فيما بعد في عام 1925م وإستمر في منصبه حتي وفاته يوم 2 أغسطس عام 1934م .

ولد الجنرال هيلموت فون مولتكه الأكبر يوم 26 أكتوبر عام 1800م في أسرة المانية موسرة ببلدة بارشيم بولاية مكلينبورج فوربومرن أحد ولايات المانيا الستة عشر والتي تقع في شمال شرق المانيا وكانت ضمن ولايات المانيا الشرقية قبل إعادة توحيد المانيا عام 1990م والتي تحدها من الشرق دولة بولندا ومن الشمال بحر البلطيق ومن الجنوب ولاية براندنبرج ومن الغرب ولايتا شليسفيش هولشتاين وسكسونيا السفلي وعندما بلغ فون مولتكه سن الخمس أعوام إنتقلت أسرته إلي الولاية المجاورة ولاية شليسفيش هولشتاين عندما كان مولتكه في الخامسة من عمره وحدث أن تعرضت ممتلكات أسرته هناك للحرق والنهب عندما إقتحمت القوات الفرنسية المنطقة في أثناء حرب التحالف الرابع مابين عام 1806م وعام 1807م عندما تم تشكيل تحالف أوروبي للهجوم على إمبراطورية فرنسا بواسطة روسيا وبروسيا وسكسونيا وبريطانيا العظمى ولكن إستطاعت القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت تحقيق الإنتصار عليها ودخول برلين في يوم 25 أكتوبر عام 1806م ولم تكتف بذلك فقط ولكن نابليون أمر قواته بالتقدم ومتابعة اللحاق بالقوات البروسية حتى وصلت القوات الفرنسية إلي أقصى شرق بروسيا والحدود الروسية وهناك حارب الفرنسيون الروس في معارك ضارية حتى هزم الروس في معركة فريدلند مما حدا بالروس أن يطلبوا السلام فجاءت معاهدة تيسليت في شهر يونيو عام 1807م والتي كانت قاسية جدا على بروسيا حيث تضمنت أن تقوم بروسيا بتسليم جميع الأراضي الموجودة على نهر الراين الأدني لفرنسا وأرسل مولتكه حينذاك إلى بلدة هوهنفيلد القريبة من الحدود الألمانية الدانماركية وكان عمره التاسعة وبعد سنتين دخل مولتكه المدرسة العسكرية في العاصمة الدانماركية كوبنهاجن بهدف الإنخراط بالجيش الدانماركي فواصل تعليمه العسكري لمدة سبع سنوات وتخرج برتبة ملازم ثان عام 1818م وبعد خدمته في وحدة مشاة دانماركية عاد الى المانيا مرة أخرى ودخل في خدمة الجيش البروسي ثم تم تعيينه مديرا لمدرسة عسكرية في مدينة فرانكفورت ومنها أمضى ثلاث سنوات في دراسة مسح عسكري لمقاطعتي سيلسيا وبوسين ثم نقل إلي رئاسة الأركان العامة في برلين عام 1832م نظرا لكفاءته وإمتيازه على زملائه وبحبه للفنون والموسيقى وقد ألف مولتكه كونه دارسا مولعا بالتاريخ أعمال عديدة في الرواية وبدأ في عام 1832م بعد إنتقاله إلي برلين في ترجمة كتاب جيبون تاريخ تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها إلى اللغة الألمانية وفي عام 1835م منح أجازة لمدة ستة أشهر زار خلالها دول اوروبا الجنوبية والشرقية وتركيا وبينما كان في إسطنبول طلب منه السلطان العثماني محمود الثاني المساعدة في تحديث الجيش العثماني فحصل على ترخيص من برلين ليمضي سنتين في تحديث الجيش العثماني قبل أن يصاحب هذا الجيش في حملة لصد جيش والي مصر حينذاك محمد علي باشا في معركة نزيب الواقعة قرب عينتاب بجنوب تركيا حاليا في شهر يونيو عام 1839م والتي قادها من الطرف المصري القائد إبراهيم باشا إبن محمد علي باشا ومعه الكولونيل الفرنسي سليمان باشا الفرنساوي بينما قاد الجيش التركي حافظ باشا وكان على رأس المدفعية العثمانية مولتكه ومعه عدد من الضباط الألمان .

وبقيام المعركة بين الجيشين المصرى والعثماني تفوقت المرونة التكتيكية لإبراهيم باشا على الإحتياطات التحصينية لمولتكه وكانت النتيجة إندحار الجيش العثماني وإنتصار المصريين في هذه المعركة وكاد إبراهيم باشا أن يصل إلى إسطنبول بعد أن سحق الجيش العثماني بعبقريته العسكرية ولكن الموقف تبدل بسبب تدخل الدول الأوروبية بريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا لإنقاذ الدولة العثمانية من السقوط وعقدت فيما بينها معاهدة لندن في شهر يوليو عام 1840م والتي قضت بإجبار محمد علي باشا على سحب قواته من بلاد الشام حتى عكا والإكتفاء بولاية مصر وراثية له ولأولاده من بعده وبصعوبة فائقة تمكن فون مولتكه بعد إندحار الجيش العثماني من الفرار إلى البحر الأسود ومنه إلى إسطنبول فوجد أن السلطان محمود الثاني قد مات بحسرته نتيجة هزيمة جيشه فعاد مولتكه إلى برلين معتل الصحة في شهر ديسمبر عام 1839م وبلا شك أن مولتكه قد تعلم في هذه المعركة ضرورة التحلي بالمرونة التكتيكية في القتال والتي تتيح عند اللزوم تغيير الخطة الهجومية والدفاعية على أرض المعركة في أثناء القتال طبقا للظروف والمواقف التي تستجد أثناء سيرها وبمجرد عودته إلي المانيا قام مولتكه بنشر بعض الرسائل التي كان قد كتبها تحت عنوان رسائل عن الأحوال والأحداث في تركيا في المدة من عام 1835م وحتي عام 1839م وكان من بين هذه الرسائل رسالة حول رحلة له إلي مدينة الموصل بالعراق قام بها عام 1838م وتطرق فيها إلى إقامته في كنيسة الكلدان في الموصل كما قام بوصف المدينة وأثناء هذه الرحلة قام بالعديد من الإستطلاعات والمسوحات قاطعا الآلاف من الأميال فقد أبحر عبر شلالات الفرات وزار ورسم خرائط للعديد من أملاك الدولة العثمانية في تلك المنطقة وقد لقي هذا الكتاب إستحسانا كبيراعند نشره وفي مطلع العام التالي تزوج مولتكه من ربيبة شقيقته وكانت فتاة إنجليزية شابة تسمي ماري برت وكانت زيجة سعيدة وإن لم ينجبا أطفالا وفي عام 1840م تم تعيين مولتكه في قيادة أركان الجيش الرابع المتمركز في العاصمة برلين وفي هذه الفترة نشر خرائطه لإسطنبول وبالإشتراك مع مسافرين المان آخرين نشر خريطة لآسيا الصغرى ومذكرات عن جغرافيا البلد وفي هذه الفترة أصبح مولعا بالسكك الحديدية وكان أحد أول مديري سكة حديد هامبورج برلين وفي عام 1843م نشر مقالة بعنوان ما هي الإعتبارات التي ينبغي أخذها لإختيار مسار السكك الحديدية وفي عام 1845م نشر مولتكه كتاب بإسم الحملة الروسية التركية في أوروبا مابين عام 1828م وعام 1829م وقد لقي هذا الكتاب أيضا إستحسانا كبيرا في الدوائر العسكرية وأيضا في ذلك العام تم إرساله إلي العاصمة الإيطالية روما كمعاون شخصي للأمير هاينريش من بروسيا مما أتاح له رسم خريطة أخرى للمدينة الخالدة قام بنشرها عام 1852م وفي عام 1848م بعد عودة قصيرة للقيادة العليا للأركان العامة في برلين أصبح رئيس الأركان العامة للجيش الرابع الذي كانت قيادته تقع في ماجدبورج عاصمة ولاية سكسونيا أنهالت بوسط المانيا حاليا وهي أحد ولايات المانيا الستة عشر وكانت أحد ولايات المانيا الشرقية حيث بقي هناك سبع سنوات إرتقى خلالها إلى رتبة كولونيل وفي عام 1855م عمل مساعدا شخصيا للأمير فريدريش الذى أصبح لاحقا الإمبراطور فريدريش الثالث وقد صاحب الأمير إلى إنجلترا لكي يتمم زواجه من الأِميرة فيكتوريا أديلايد ماري لويزا أكبر أبناء الملكة فيكتوريا ملكة المملكة المتحدة حينذاك وكذلك صاحبه إلى العاصمة الفرنسية باريس وإلى سان پطرسبورج العاصمة الروسية حينذاك لحضور حفل تتويج الكسندر الثاني قيصر روسيا .

وفي عام 1857م تم تعيين مولتكه رئيسا لهيئة الأركان العامة تقديرا لجهوده ومهاراته العسكرية وبصفته تلميذا لكارل فيليب كوتفريد فون كلاوسفيتس المنظر العسكري الألماني مؤلف كتاب حول الحرب وبتوليه هذا المنصب إعتمد مولتكه على العديد من آرائه ونظرياته بخصوص الحرب ومنها أن الإستراتيجية هي توظيف الوسائل العسكرية لتحقيق الأهداف المطلوبة وكان يؤمن مثل أستاذه كلاوسفيتس أن أية خطة عسكرية لن تستمر بعد الإشتباك مع العدو كما تم وضعها وعلى ذلك تركز جهد مولتكه على تأكيد فرص النجاح في الحرب بطريق ضمان المرونة العالية وتأمين الجوانب الإدارية والإتصالات والمواصلات وجميع الطرق والوسائل اللازمة لجلب القوة الضرورية إلى النقاط الرئيسة للمعركة في الوقت الملائم بمعنى أن الخطة العسكرية ليست هيكلا جامدا بل عملية متغيرة وديناميكية وأن المعارك ينجم عنها فرص غير منظورة قد تأتي من العدو نفسه بوقوع خلل ما في صفوفه والقائد الماهر المحنك هو من يستطيع أن يدرك ويلمح موطن هذا الخلل فيركز عليه ويوجه إليه ضربته القاضية وبذلك يتمكن من تحقيق الإنتصار الحاسم علي العدو وفي عام 1859م حرك مولتكه الجيش البروسي في ممارسة ومناورة تعبوية تدريبية للحرب النمساوية السردينية والتي تسمي أيضا حرب الإستقلال الإيطالية الثانية أو الحرب الفرنسية النمساوية والتي دارت بين فرنسا بقيادة الإمبراطور نابليون الثالث ومملكة سردينيا بيدمونت ضد الإمبراطورية النمساوية في العام المذكور ولم يخض الجيش البروسي فيها أية معركة ولكنها كانت خطوة مفيدة وإعتبرت مناورة لتدريب الجيش البروسي وتنظيمه تحت قيادة مولتكه وفي عام 1862م توترت العلاقات بين مملكة بروسيا والدانمارك بخصوص بعض المناطق الحدودية فوضع مولتكه خطة حربية في حال نشوب الحرب مع الدانمارك وكان يعلم أن الدنماركيين سيكونون في وضع تصعب معه هزيمتهم إذا تراجعوا للإعتصام بحصون جزيرتهم فوضع خطة يتم بمقتضاها تطويقهم ومنعهم من التراجع وعندما بدأت المعارك بين الطرفين في شهر فبرايرعام 1864م لم تنجح خطته في البداية وتمكن الدانماركيون من الهرب مما دعاه إلى الحضور شخصيا إلى ميدان المعركة وقيادتها بنفسه وفي النهاية إنتهت المعركة لصالح الألمان فعزز نصره هذا مكانته لدى الإمبراطور الألماني فيليم الأول ورئيس وزراءه المستشار بسمارك اللذان كانا قد وضعا اللبنات والخطط الأولي من أجل توحيد المانيا وعهدت المهمة السياسية لتحقيق هذا الهدف لبسمارك وعسكريا لمولتكه وعندما بدأت الحرب بين مملكة بروسيا والإمبراطورية النمساوية عام 1866م فيما عرف بإسم الحرب النمساوية البروسية أو حرب التوحيد أو حرب الأسابيع السبعة تمكنت بروسيا بقيادة مولتكه ومن حالفها من الدوقيات الألمانية الشمالية بالإضافة إلي مملكة إيطاليا من الإنتصار على النمساويين ومن حالفهم من الدوقيات الألمانية الجنوبية على الرغم من كثرة جيوشهم وتعدد حلفائهم وكانت معركة كونيش جراتس التي قادها مولتكه هي أشهر معارك هذه الحرب .

وكان السبب الرئيسي في إندلاع هذه الحرب هو أن منطقة أوروبا الوسطى كانت حينذاك منقسمة إلى عدة دول كبيرة نسبيا والمئات من الكيانات الصغيرة التي كان كل منها يحاول دائما أن يحافظ على إستقلاله بمساعدة قوى خارجية خاصة فرنسا وكانت النمسا عادة تعتبر قائدة الكيانات الألمانية لكن مع الوقت صعدت مملكة بروسيا بقوة وأصبحت هي القوة الفتية الصاعدة بقوة ومع نهاية القرن الثامن عشر الميلادى أصبحت تصنف كواحدة من القوى العظمى في أوروبا وبعد عام 1815م تم إعادة تنظيم الولايات الألمانية مرة أخرى في إتحاد ضعيف هو الإتحاد الألماني بقيادة النمسا وبدأ الصراع بين بروسيا والنمسا على حكم منطقة دوقية شليسفيش هولشتاين التي تقع شمال غرب المانيا حاليا والتي تم غزوها من قبل كلا الدولتين وتم الإتفاق بينهما علي أن يحتلاها سويا في عام 1864م ولكن النمسا قررت ضم هذه الدوقية الأمر الذي إعتبرته بروسيا خرقاً للإتفاقية المبرمة بينهما وقامت بإحتلالها وعندما قامت الجمعية البرلمانية الألمانية بالرد بتعبئة جزئية ضد بروسيا أعلن بسمارك نهاية الإتحاد الألماني ومما يذكر أن المعارك التي نشبت خلال الحرب النمساوية البروسية كانت المعارك الأولى التي تم فيها تطبيق أسلوب الحرب الخاطفة الذى إبتكره الألمان او ما يسمي بالألمانية بليتزكريج أو حرب البرق والتي تعتمد علي شن هجوم خاطف مفاجيء مركز وسريع علي العدو وتوجيهه إلي مناطق ضعفه مما يفقده توازنه ويخلق إضطراب وفوضي عارمة في صفوفه فيتم إستغلال هذه الحالة لتأكيد وإستثمار النصر المبدئي للقوات المهاجمة وبهذا الأسلوب الفريد الذى إبتكره الألمان وطبقوه خلال الحربين العالميتين الأولي والثانية كما تم تطبيقه في العديد من الحروب بعد ذلك تمكن مولتكه من سحق العدو خلال سبعة أسابيع ثم أشرف بعد ذلك على تدوين تاريخ الصراع مع الدانمارك والذي نشره عام 1867م .

وفي عام 1870م أملت التوترات المتنامية وسوء العلاقات مع فرنسا ضرورة تحريك الجيش البروسي وكان مولتكه حينذاك ما يزال رئيسا لهيئة الأركان العامة وهي مرتبة تخول له إصدار الأوامر بإسم الملك البروسي وكان مولتكه قد أمضى في السابق عدة سنوات في التخطيط للحرب ضد فرنسا وكانت هذه هي بداية الحرب البروسية الفرنسية والتي يشار لها أحيانا بإسم الحرب السبعينية والتي إستمرت من يوم 19 يوليو عام 1870م إلى يوم 10 مايو عام 1871م وكانت عبارة عن صراع مسلح نشب بين الإمبراطورية الفرنسية الثانية بقيادة نابليون الثالث والولايات الألمانية للإتحاد الألماني الشمالي بقيادة مملكة بروسيا وكان السبب الرئيسي الذى دفع فرنسا لهذه الحرب طموح بروسيا في توحيد الأمصار الألمانية وخوف فرنسا من تغير موازين القوى الأوروبية إذا نجحت بروسيا في مسعاها وبعض المؤرخين يقولون إن المستشار البروسي أوتو فون بسمارك أثار عمدا هجوم فرنسي من أجل جذب الولايات الألمانية الجنوبية المستقلة مثل دوقية بادن الكبرى ومملكة فورتمبيرج ومملكة بافاريا ودوقية هيسن الكبرى إلى تحالف مع الإتحاد الألماني الشمالي الذي تسيطر عليه بروسيا بينما يقول آخرون إن بسمارك لم يخطط لذلك وأنه إستغل الظروف التي حدثت وتوتر العلاقات البروسية الفرنسية وخلاف الدولتين حول إختيار ملك جديد يتولي عرش أسبانيا من أجل تحقيق هدفه حيث وجد بسمارك أن الوقت قد حان لتنفيذ مخططه بإنجاز توحيد المانيا وقام بحكم قربه من مسرح الأحداث بنشر تفاصيل الإجتماعات والمداولات البروسية الفرنسية بخصوص هذا الخلاف وأبرق رسالة إستفزازية شهيرة إلى فرنسا وصفت بأنها شديدة الإهانة والإيلام ونجح بذلك في إغاظة الأمة والقيادة الفرنسية وإلهاب الشعور الفرنسي فإستحث الجنرالات الفرنسيون الإمبراطور نابليون الثالث لإعلان الحرب وأكدوا له قدرة الجيوش الفرنسية على إركاع بروسيا على ركبتيها وهزيمتها هزيمة منكرة على الرغم من التفوق العددي البروسي وسعيا إلى تعزيز شعبيته الهابطة في فرنسا وأملا في تحقيق نصر وتأمين إمبراطوريته التي أنشأها قام نابليون الثالث بعد خمسة أيام فقط من وصول الرسالة البروسية بإعلان الحرب علي بروسيا بعد أن صوت البرلمان الفرنسي في يوم 16 يوليو عام 1870م بالموافقة على ذلك وبدأت الإشتباكات الفعلية بين الطرفين بعد ثلاثة أيام أى في يوم 19 يوليو عام 1870م وكانت قوات التحالف الألماني أكبر بكثير من الفرنسيين وكان مولتكه قد حشد قواته جنوبي مدينة ماينز عاصمة ولاية راينلاند بفالز حاليا بالمانيا والتي تقع علي نهر الراين غربي المانيا ووزعها على ثلاثة جيوش وكان هدفه التحرك في أراضي فرنسا بهدف دحر الجيش الفرنسي والزحف نحو باريس وكانت الخطة تقضي عمل خداع عن طريق تغيير حركة الجيوش المهاجمة وبدلا من مواجهة الجيش الفرنسي الرئيسي يتم عمل إلتفاف إلى اليمين لدفع الفرنسيين إلى الشمال وقطع إتصالهم بباريس وغزت القوات البروسية بسرعة شمال شرق فرنسا حيث كانت متفوقة بالعدد ولديها تدريب وقيادة أفضل وسخرت التكنولوجيا الحديثة المتوافرة حينذاك بشكل أكثر فعالية خصوصاً السكك الحديدية والمدفعية حيث إستغلت السكك الحديدية لنقل الجنود والأسلاك البرقية لإصدار الأوامر كما تم وضع المؤن والذخيرة في كل قرية بإتجاه الحدود الفرنسية وبذلك حققت القوات البروسية إنتصارات حاسمة في شرق فرنسا بلغت ذروتها في حصار مدينة ميتز شمال شرق فرنسا وفي معركة سيدان .

وقد بدأت هذه المعركة الهامة في يوم 1 سبتمبر عام 1870م وكان الجيش الفرنسي بقيادة المارشال باتريس ماكماهون ويرافقه الإمبراطور نابليون الثالث قد حاولا رفع الحصار عن ميتز وإرتكب القائد الفرنسي ماكماهون عدة أخطاء عسكرية كبدت جيشه خسائر فادحة إضطرته للتراجع إلى سيدان وهناك إستطاع مولتكه أن يحاصر القوات الفرنسية ويسلط عنيها مدافعه ولم يستسلم الفرنسيون بسهولة بل إشتدت المعارك وتساقط القتلى من الطرفين وأخيرا إضطر الإمبراطور نابليون الثالث الموجود بين جنوده المحاصرين أن يأمر ضباطه برفع العلم الأبيض لإنهاء هذه المجازر وأرسل إلى ملك بروسيا رسالة كان نصها بما إني لم أتمكن من الموت مع جنودي فإنني أضع سيفي على أعتاب جلالتكم وقد بلغ قتلى الفرنسيين 1700 جندي وتم أسر 82 ألف مع الإمبراطور وتقدمت القوات البروسية بإتجاه باريس وقد أنهت هذه المعركة الإمبراطورية الثانية في فرنسا وأعلنت حكومة الدفاع الوطني الفرنسية المؤقتة والتي تشكلت في باريس في يوم 4 سبتمبر عام 1870م بعد إستسلام نابليون الثالث في معركة سيدان قيام الجمهورية الفرنسية الثالثة في بلدية باريس وتوجه وزير خارجية الحكومة الفرنسية الجديدة لإجراء مفاوضات مع بسمارك لكنها إنهارت بعد أن إشترط الألمان التنازل عن مجموعة مدن بإقليمي اللورين والألزاس وأثناء ذلك تمكن الألمان من التقدم نحو باريس وضربوا عليها الحصار وقد دامت هذه الحكومة 130 يوم حتى يوم 12 يناير عام 1871م حيث قام أعضاء الحكومة المؤقتة بالفرار من الحصار بإستخدام منطاد وقاموا يتشكيل قوات في الأرياف المحيطة للدفاع عن باريس والتي سقطت أخيرا بالكامل يوم 28 يناير عام 1871م وإقتحم الألمان العاصمة الفرنسية وقتلوا وأسروا الكثير وأضرموا النار في أشهر رموز فرنسا قوس النصر وبذلك إستسلمت الأمة الفرنسية وكان قد أعلن قيام الإمبراطورية الألمانية من داخل غرفة المرايا الشهيرة وسط قصر فرساي الشهير تحت حكم الملك البروسي فيليم الأول في يوم 18 يناير عام 1871م وتم إختيار هذا القصر تحديدا بالعاصمة الفرنسية باريس إمعانا في إذلال الفرنسيين وبذلك توحدت المانيا أخيرا كدولة قومية كما تمكنت المانيا بموجب معاهدة فرانكفورت التي وقعت في يوم 10 مايو عام 1871م من الإستيلاء علي معظم أراضي إقليم الألزاس الفرنسي وأيضا بعض أجزاء من أراضي إقليم اللورين وأصبحت تلك الأراضي مقاطعة المانية واحدة بإسم الألزاس واللورين .

وبعد سقوط باريس في يد الألمان وإعلان قيام الإمبراطورية الألمانية الموحدة وقع ممثل فرنسا السياسي جول فافر مع المستشار الإمبراطوري الألماني أوتو فون بسمارك يوم 28 يناير عام 1871م هدنة تقرر فيها وقف الأعمال العسكرية لمدة خمسة عشر يوما قابلة للتجديد وتم تشكيل جمعية وطنية مسؤولة عن تحديد هل تكمل فرنسا الحرب أم توقع معاهدة سلام وكانت النتيجة أن تصاعدت أحداث التوتر داخل باريس خصوصا بين عامة الشعب والبسطاء من أصحاب الحرف مثل النجارين والدباغين والإسكافية وصناع الأحذية والخياطين والبنائين وأجريت إنتخابات يوم 8 فبراير عام 1871م في عجالة للتوقيع بسرعة على الهدنة وأنتجت جمعية وطنية مكونة أساسا من 400 نائب من الملكيين الذين أصدروا لوائح تدعو لهدف السلام وعلي العكس كان هناك تيار مناهض لهؤلاء الملكيين يتكون أساسا من الجمهوريين الباريسيين والذين كان من رأيهم إستكمال الحرب وإعتبروا الهدنة غير مقبولة بعد أن قاوموا العدو لمدة أربعة أشهر مما جعلهم يحسون بالمهانة بعد الهزيمة من الألمان وضياع كرامة فرنسا وعموما فقد كانت هناك فجوة فكرية بين العاصمة باريس والمحافظات وصلت في بعض الأحيان حتى السخط وحتى تشكيل الحكومة لم يرض عنها العامة والتي تشكلت من ثلاثة من البونابارتيين في مناصب والي الأمن لويس إرنست فالونتان وقائد الحرس الوطني الجنرال دوريل دو بالادين والمحافظ الجنرال فينوي وفي يوم 9 مارس عام 1871م منع والي الأمن صدور أهم جرائد أقصى اليسار ومن ضمنها صرخة الشعب والتي كان رئيس تحريرها جول فالي وقد ساهم نهج الجمعية الوطنية الملكية المنتخبة المسالم للألمان والتي لقبت أيضا من طرف الباريسيين بجمعية القرويين في زيادة التوتر وفي يوم 10 مارس عام 1871م نقلت الجمعية مقرها من باريس إلى فرساي لأنها رأت في العاصمة بؤرة الثورة المنظمة وعاصمة الفكر الثورى وتم إصدار قانون في ذلك اليوم ينص علي وضع حد لوقف الدفع على الأوراق التجارية مما أدى إلى إفلاس الآلاف من الصناع والتجار كما تم إلغاء منحة مقدارها فرنك ونصف يوميا كانت تدفع للحرس الوطني وفي يوم 17 مارس عام 1871م شكك أدولف ذيرز الرئيس المؤقت للجمهورية الفرنسية وحكومته في نوايا الباريسيين الذين كانوا قد إستولوا على مدافع الحرس الوطني لمنع القوات الألمانية من الوصول إليها وأرسل في تلك الليلة قوات تحت قيادة الجنرال لوكونت للإستيلاء على تلك المدافع المتمركزة في هضبة حي مونمارت وألقى الثوار القبض على الجنرال المذكور وأعدموه في صبيحة اليوم التالي هو والجنرال كليمون توماس وحينما قررت الحكومة نزع سلاح الباريسيين أحسوا بالتهديد فقد كان هذا الأمر يقضي بإنتزاع 227 مدفعا خزنوها في بيلفيل وحي مونمارت إلي جانب ما يمتلكونه من بنادق وإعتبر الباريسيون هذه المدافع كملكية خاصة بهم دفعوا ثمنها حينما جندوا للحرب ضد بروسيا ورأوا أنهم سيكونون دون أي دفاع وكانت نتيجة كل هذه التداعيات المتتالية أن قامت إنتفاضة ثورية تسمى كومونة باريس إستولي خلالها الثوار الباريسيون على السلطة في العاصمة في أواخر شهر مارس عام 1871م وإستمر ذلك لمدة شهرين حتى قام الجيش الفرنسي بقمع هذه الإنتفاضة دمويا في نهاية شهر مايو عام 1871م .

وعلي صعيد آخر فقد أربك الغزو الألماني لفرنسا وتوحيد المانيا ميزان القوى الأوروبية الذي وجد منذ مؤتمر فيينا في عام 1815م وحظي المستشار أوتو فون بسمارك بسلطة كبيرة وشهرة واسعة في الشئون الدولية والسياسة العالمية لعقدين من الزمن وكان الإصرار الفرنسي على إستعادة أراضي الألزاس واللورين التي تم ضمها لالمانيا والرغبة الملحة في إستعادة فرنسا لكرامتها التي فقدتها بسبب هزيمتها أمام المانيا إضافة إلى المخاوف البريطانية حول توازن القوى في القارة الأوروبية من أهم الأسباب التي أدت إلي قيام الحرب العالمية الأولى بعد 43 عاما في عام 1914م ومن جانب آخر كان من نتائج الحرب البروسية الفرنسية إحياء الألعاب الأوليمبية الحديثة بعد إندثارها طويلا وتعود المبادرة في ذلك إلى البارون الفرنسي بيير دي كوبرتين الذي توخى من خلالها هدفين أولهما زيادة شعبية الرياضة في وطنه حيث إعتقد كوبرتين أن سوء اللياقة البدنية للجنود الفرنسيين كان من أسباب هزيمتهم في هذه الحرب وثانيهما أن توحيد مختلف البلدان بواسطة منافسات رياضية سلمية يعد أفضل وسيلة لتجنب الحروب في المستقبل ويسجل التاريخ أن كوبرتين عرض أفكاره بخصوص إعادة إحياء الألعاب الأوليمبية التي لاقت القبول في أوائل عام 1892م ونتيجة لجهوده المكثفة والمنسقة ونتيجة للخبرات التي كان قد إكتسبها من خلال دراسته وإطلاعه على مسابقات عام 1859م وعام 1892م والتي كانت عبارة عن مسابقات مفتوحة شارك فيها كل من أراد المشاركة ولم تسجل نتائجها ضمن الألعاب الأوليمبية الحديثة قرر تسطير قائمة تضم أسماء أبرز قادة الرياضة في جميع أنحاء العالم طالبا معونتهم ومعاونتهم فكريا ومعنويا لإعادة تنظيم الألعاب الأوليمبية بعدها كانت محاضرته الشهيرة التي ألقاها في جامعة السوربون بباريس في يوم 25 نوفمبر عام 1892م والتي لقيت كل القبول وقد وضع كوبرتين دستورا للدورات الأولمبية حين قال إن أهم شئ في الألعاب الأوليمبية ليس الإنتصار بل مجرد الإشتراك وإن أهم ما في الحياة ليس الفوز وإنما النضال بشرف وأخيرا نجحت جهوده وتم إقرار تنظيم دورة للألعاب الأوليمبية كل 4 سنوات في أحد المدن الكبيرة وتم بالفعل تنظيم أول دورة أوليمبية في عام 1896م في العاصمة اليونانية أثينا وبعد 4 سنوات وفي عام 1900م تم تنظيم البطولة الثانية في العاصمة الفرنسية باريس وتوالي التنظيم بعد ذلك ولم تتوقف تلك الدورات إلا في عام 1916م وعام 1940م وعام 1944م بسبب ظروف الحربين العالميتين الأولي والثانية وكان مما قام به كوبرتين أيضا كتابته كلمات القسم الأوليمبي في عام 1920م وتم ترديد ذلك القسم لأول مرة في أوليمبياد عام 1920م بأنتويرب ببلجيكا وهو عبارة عن قسم يحلف به الرياضيون أثناء مراسم إفتتاح دورات الألعاب الأوليمبية هذا وتكريما لمولتكه وتقديرا لأعماله وخدماته الجليلة لبلاده تم منحه لقب كونت أو جراف بالألمانية عام 1870م كما تمت ترقيته إلي رتبة فيلد مارشال أى مشير عام 1871م وأقيم له تمثال بوسط العاصمة الِألمانية برلين كما تم منحه العديد من الأوسمة والنياشين منها نيشان فرسان القديس إسكندر نيڤيتسكي ووسام الإستحقاق للفنون والعلوم ونيشان فرسان القديس أندراوس ونيشان فرسان العقاب الأسود كما حصل علي لقب مواطن فخري في برلين وعلاوة علي ذلك فقد أصبح نائبا في الرايخستاج أو البرلمان الألماني في السنة نفسها 1870م وبقي في منصبه رئيسا لهيئة الاركان العامة للجيش الألماني حتى عام 1888م حيث قدم إستقالته من هذا المنصب بينما بقي عضوا في البرلمان حتى وفاته في يوم 24 من شهر أبريل عام 1891م عن عمر يناهز 91 عاما .
 
 
الصور :
بسمارك ورون ومولتكه الزعماء الثلاثة لپروسيا عام 1860م تمثال مولتكه ببرلين