abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
المدينة الباسلة
-ج2-
المدينة الباسلة
-ج2-
عدد : 07-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


كان الحدث الأبرز في تاريخ مدينة بورسعيد هو صمودها في مواجهة العدوان الثلاثي والذي شنته دول بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في يوم 29 أكتوبر عام 1956م ردا على تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لقناة السويس وهو ما أهلها لحمل لقب المدينة الباسلة حيث هب شعب المدينة بجميع طوائفه مشاركا في أعمال المقاومة الشعبية ضد العدوان وتم إتخاذ يوم 23 ديسمبر من كل عام عيدا قوميا للمدينة ويسمي عيد النصر وهو اليوم الذي يوافق تاريخ جلاء آخر جندي بريطاني عن المدينة عام 1956م وكانت خلفيات هذا العدوان أنه في يوم 16 ديسمبر عام 1955م أعلن التوصل إلى إتفاق يقضي بأن يتولى البنك الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا تمويل بناء مشروع السد العالي بتكلفة تقديرية قدرها 1.3 مليار دولار تنقسم على مرحلتين الأولى بمبلغ 70 مليون الولايات المتحدة مبلغ 56 مليون وبريطانيا مبلغ 14 مليون والثانية تغطى بقرض من البنك الدولي قدره 200 مليون بالإضافة إلى 130 مليون قرض من الولايات المتحدة و80 مليون قرض من بريطانيا وتدفع تلك القروض في هيئة أقساط سنوية بفائدة قدرها 5% على أربعين سنة وباقي المبلغ تتحمله مصر بالعملة المحلية بالإضافة إلى منحتين الأولى من الولايات المتحدة بمبلغ 20 مليون جنيه والثانية من بريطانيا بمبلغ 5.5 مليون جنيه وإشترطت لندن وواشنطن أن تركز مصر برنامجها التنموي على السد العالي بتحويل ثلث دخلها القومي لمدة عشر سنوات لهذا الغرض ووضع ضوابط للحد من التضخم ومنح عقود البناء على أساس المنافسة مع رفض قبول أي مساعدة من الكتلة الشرقية وألا تقبل مصر قروضا أخرى أو تعقد إتفاقيات في هذا الصدد دون موافقة البنك الدولي وإستاء عبد الناصر من تلك الشروط وبعد مفاوضات وافق أن يكون للبنك حقوق معقولة في تفقد إجراءات مقاومة التضخم وقدم عبد الناصر التعديلات التي يراها وفي مقدمتها التعهد بالتنفيذ حتى نهاية المشروع وكان لإرتباط قرض البنك ببريطانيا والولايات المتحدة آثار سلبية على التنفيذ فقد أراد الطرفان إخضاع مصر لإستراتيجيتهما بالشرق الأوسط مقابل تمويل السد العالي وإنعكس سوء العلاقات المصرية البريطانية على المشروع ورد عبد الناصر على الأصوات التي تعالت في بريطانيا تنادي بسحب عرض التمويل إنتقاما من مصر بأن العرض السوفيتي لتمويل المشروع لا يزال قائما وأن مصر ستنظر في أمر الموافقة عليه إذا إنقطعت المفاوضات مع الغرب في حين أقدمت بريطانيا على تحريض السودان ضد السد العالي وأصبحت الدلائل تشير إلى أن التصدع في العلاقات بين الغرب ومصر سوف يلقي بظلاله على تمويل السد فأبلغ رئيس البنك الدولي مصر بأنها إن لم تقبل الشروط فإن الحكومة الأميريكية ستكون في حل من العرض وتبعها إبلاغ واشنطن مصر بأنها أعادت إلى الخزانة المبلغ المخصص للمشروع لإنفاقه على مشروعات أخرى ورغبة من الرئيس عبد الناصر في كشف الأمور على حقيقتها طلب من السفير المصري في واشنطن إبلاغ الحكومة الأميريكية بموافقة مصر علي شروطها وقبل نقل الرسالة كان قد أعلن عن سحب العرض الأميريكي لتمويل المشروع وفي اليوم التالي أعلنت بريطانيا أيضاً سحب عرضها فسقط بالتالي قرض البنك الدولي لإرتباطه بمساهمة الدولتين وكان الغرض من ذلك هو إضعاف عبد الناصر بعد وقوفه عقبة في تحقيق الأهداف الأنجلو أميريكية الرئيسية في الشرق الأوسط بالإضافة إلى إعترافه بجمهورية الصين الشعبية وذلك في ظل الإشارات والدلائل على الساحة بأنه من المستبعد أن يساعد السوفييت مصر في بناء السد بسبب التكلفة الضخمة التي ستنهك مواردهم المالية وعلى الجانب الآخر ركزت مصر تصريحاتها على صعيدين على أكثر من مستوى الأول أنها سوف تحصل على النقد اللازم لتمويل السد بتأميم القناة إذا عدلت واشنطن ولندن عن التمويل والثاني بأن القناة جزء لا يتجزأ من مصر وأن عودة القناة لمصر جزء متمم لإسدال الستار على النفوذ الأجنبي خاصة بعد توقيع إتفاقية الجلاء وبذلك بدأت تتضح نية عبد الناصر تأميم قناة السويس ولكنه لم يكشف وقتا محددا للتأميم وخطط بالإتفاق مع المهندس محمود يونس على التنفيذ في سرية تامة .

وفي يوم 26 يوليو عام 1956م أعلن الرئيس عبد الناصر تأميم قناة السويس خلال خطابه بميدان المنشية بالإسكندرية وقدمت بريطانيا على إثر هذا القرار إحتجاجا رفضه جمال عبد الناصر على أساس أن التأميم عمل من أعمال السيادة المصرية فقامت هيئة المنتفعين بقناة السويس بسحب المرشدين الأجانب بالقناة لإثبات أن مصر غير قادرة على إدارة القناة بمفردها إلا أن مصر أثبتت عكس ذلك وإستطاعت تشغيل القناة بإدارة مصرية كان على رأسها مهندس عملية التأميم محمود يونس بمرافقة زميليه عبد الحميد أبو بكر ومحمد عزت عادل وقامت بعد ذلك كل من فرنسا وبريطانيا بتجميد الأموال المصرية في بلادهما في وقت كان للحكومة المصرية حساب دائن بإنجلترا من ديون الحرب العالمية الثانية يقدر في تاريخ التأميم بنحو 135 مليون جنيه إسترليني فيما قامت الولايات المتحدة بتجميد أموال شركة القناة لديها وكذلك تجميد أموال الحكومة المصرية حتى تتضح الأمور فيما يتعلق بمستقبل شركة قناة السويس وكانت أموال الحكومة المصرية هناك تقدر بنحو 43 مليون دولار أي ما يعادل نحو 15 مليون جنيه مصري وقت التأميم وبلغ مجموع الأموال المصرية التي تقرر تجميدها في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة ما يزيد على القيمة المالية لشركة قناة السويس كما قررت الولايات المتحدة وقف تقديم أي مساعدة مالية أو فنية لمصر وضغطت كل من فرنسا وإنجلترا على سويسرا لتتعاون معهما عن طريق تجميد الأموال المصرية لديها ولكنها لم تستجب لذلك وطالب مدير شركة قناة السويس جميع إتحادات أصحاب السفن بأن يدفعوا رسوم المرور في القناة إلى شركة قناة السويس وليس إلى الحكومة المصرية وبلغت نسبة مجموع الرسوم التي دفعت إلى الحكومة المصرية منذ التأميم وحتى إغلاق القناة 35% تقريباً والباقي دفع لشركة قناة السويس وقدر ذلك بأكثر من خمسة ملايين جنيه مصري وهو المبلغ الذي تقرر فيما بعد خصمه من مجموع التعويض الذي دفعته الحكومة المصرية للشركة أثناء مفاوضات التعويض ومن جانب آخر كان هناك رد دبلوماسي من جانب بريطانيا في محاولة لتعبئة الرأي العام الدولي ضد مصر وإقناعه بأن تأميمها لشركة قناة السويس قد خالف الشريعة الدولية وحطم مبدأ حرية المرور في القناة وهدد السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط ولتلافي كل هذه المخاطر إجتمع كل من وزير خارجية فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأصدروا في يوم 2 أغسطس عام 1956م بياناً يتضمن أن قرار التأميم الصادر من جانب الحكومة المصرية يهدد حرية الملاحة في القناة ويهدد الأمن فيها وفي ذلك مخالفة لأحكام إتفاقية القسطنطينية لذلك يرون ضرورة إقامة مؤتمر تدعى إليه الدول المنتفعة بالقناة وهي الدول التي وقعت على معاهدة القسطنطينية أو التي حلت محلها في الحقوق والإلتزامات وهذه الدول هي بريطانيا والمانيا وفرنسا والنمسا والمجر وإيطاليا وهولندا وأسبانيا وتركيا وروسيا ويمثلها الإتحاد السوفيتي بالإضافة إلى مصر ودول أخرى بإعتبارها من مستخدمي القناة وهي أستراليا ونيوزلندا وإندونيسيا واليابان وسيلان والهند وباكستان وإيران واليونان والسويد والنرويج والدانمارك والبرتغال وأثيوبيا والولايات المتحدة فيما رفضت الحكومة اليونانية في يوم 11 أغسطس عام 1956م أن تشترك في المؤتمر وفي يوم 12 أغسطس عام 1956م أعلنت الحكومة المصرية رفضها الإشتراك في هذا المؤتمر ووافقت الهند على الإشتراك بشرط ألا يمس إشتراكها الحقوق والسيادة المصرية ولا يتخذ المؤتمر أي قرار نهائي إلا بموافقة مصر ووافقت الحكومة السوفيتية مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعة أخرى من الدول منها الدول العربية والدول الإشتراكية وتم عقد المؤتمر فيما بين يوم 16 ويوم 23 أغسطس عام 1956م ونال خلاله المشروع الأميريكي المقدم للتصويت أغلبية الأصوات والذي تضمن إقتراحا بإقامة منظمة دولية تقوم على نمط الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة لتشرف على إدارة القناة وعارضت هذا المشروع كل من الهند والإتحاد السوفيتي وإندونيسيا وسيلان وتم عرض المشروع على مصر ورفضه عبد الناصر وإزاء هذا الرفض أعلن أنتوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا في مجلس العموم إنشاء هيئة جديدة بإسم هيئة المنتفعين سيكون لها طابع مؤقت وستكون مسؤولة عن تنسيق المرور في القناة وتحصيل رسوم المرور وإنعقد في لندن مؤتمر آخر فيما بين يوم 19 ويوم 21 سبتمبر عام 1956م لوضع القانون الأساسي لتلك الهيئة وأصدر مجلس الأمن قراره في يوم 13 أكتوبر عام 1956م الذي تألف من شطرين أولهما يتضمن مبادئ ستة تكون أساسا للمفاوضات التي تجرى مستقبلا أما الشطر الثاني فيتضمن الإعتراف بهيئة المنتفعين التي ستكلف بالإشراف على القناة إلا أنه لم يفز حين الإقتراع عليه إلا بتسعة أصوات وإعتراض صوتين كان منهما صوت الإتحاد السوفيتي المتمتع بحق الفيتو. وأمام فشل السياسة الاستعمارية في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي الدولي تم تدبير مخطط لإستعمال القوة العسكرية حيث عقدت بريطانيا النية على تدبير رد عسكري علي مصر وإنتهزت فرنسا الفرصة وقررت ضرب مصر ردا على مساعدة عبد الناصر لثورة الجزائر وشاركت معهما إسرائيل ردا على منع مرور سفنها بقناة السويس فكانت بذلك خطة ثلاثية للإعتداء على مصر حيكت خيوطها في ضاحية سيفرز بالقرب من باريس .

وبالوصول إلي هذا المنعطف التاريخي وتنفيذا لخطة العدوان الثلاثي علي مصر بدأ هجوم إسرائيلي مفاجئ يوم 29 أكتوبر عام 1956م علي سيناء تلاه في اليوم التالي 30 أكتوبر عام 1956م تقديم كل من بريطانيا وفرنسا إنذار لمصر يطالب بوقف القتال بين الطرفين ويطلب من مصر وإسرائيل الإنسحاب عشر كيلو مترات عن قناة السويس وقبول إحتلال بورسعيد والإسماعيلية والسويس من أجل حماية الملاحة في القناة وهو ما أعلنت مصر رفضه فورا وفي يوم 31 أكتوبر عام 1956م هاجمت الدولتان مصر وبدأت غاراتهما الجوية على القاهرة والقناة والإسكندرية وأصبحت مصر تحارب في جبهتي سيناء والقناة فأصدر جمال عبد الناصر الأوامر بسحب جميع القوات المصرية من صحراء سيناء إلى غرب قناة السويس وفي يوم 5 نوفمبر عام 1956م بدأت عملية غزو مصر من جانب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد التي تم ضربها بالطائرات والقوات البحرية تمهيدا لعمليات الإنزال الجوي بالمظلات والبرى من السفن وقاومت بورسعيد الإحتلال بضراوة وكفاح وإستبسال هز ضمير العالم وحركه ضد القوات البريطانية والفرنسية ودارت معارك عنيفة بين قوات الإحتلال وقوات المقاومة الشعبية ظهرت خلالها أمثلة مشرفة للعديد من أبطال المقاومة مثل الأبطال السيد عسران ومحمد مهران وساندت الدول العربية مصر أمام العدوان وقامت بنسف أنابيب البترول ومنعوا وصوله إلى بريطانيا وفرنسا وإتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بإيقاف القتال كما وجه الإتحاد السوفيتي إنذارا إلى بريطانيا وفرنسا وأعلن عن تصميمه لمحو العدوان بالقوة إذا لم تتراجع الدولتان عن موقفهما كما إستهجن رد الفعل الأميريكي العدوان على مصر فأدى هذا الضغط الدولي مجتمعا إلى وقف التغلغل الإنجليزي الفرنسي وقبولهما وقف إطلاق النار بداية من يوم 7 نوفمبر عام 1956م وخضعت الدولتان للأمر الواقع وفي يوم 19 ديسمبر عام 1956م أنزل العلم البريطاني من فوق مبنى هيئة قناة السويس ببورسعيد وتلا ذلك إنسحاب القوات الفرنسية والإنجليزية منها في يوم 22 ديسمبر عام 1956م وفي يوم 23 ديسمبر عام 1956م تسلمت السلطات المصرية مدينة بورسعيد وإستردت قناة السويس وهو التاريخ الذي إتخذته المدينة عيدا قوميا لها أو عيدا للنصر .


وكان من اهم الأعمال الفدائية التي قامت بها قوات المقاومة الشعبية ببورسعيد أثناء العدوان الثلاثي عملية خطف الضابط الإنجليزى مورهاوس إبن عمة ملكة بريطانيا وهي القصة التي ظهرت في أشهر الأفلام السينمائية التي تحدثت عن بطولة بورسعيد في فترة العدوان الثلاثي وهو فيلم بورسعيد بطولة الفنان الكبير فريد شوقي والفنانة الكبيرة هدى سلطان والفنان شكري سرحان والفنانة ليلى فوزي وتتلحض هذه القصة في أنه كان يوم 11 ديسمبر عام 1956م من أكثر الأيام بؤسا التي شهدتها بورسعيد في هذه الفترة حيث قام ضباط وجنود العدوان الثلاثي بعمل غارات مسلحة بشوارع المدينة وإطلاق رصاص عشوائي علي المارة كما هدموا الكثير من المنازل بإستخدام القذائف وقتلوا النساء والأطفال وتحولت بورسعيد بأكملها إلى ثكنة عسكرية ورائحة الدم تنبعث في كل مكان والحزن يخيم على المدينة مما دفع مجموعة من الفدائيين من أبناء بورسعيد وهم محمد حمد الله ومحمد سليمان‏ وأحمد هلال‏ وحسين عثمان وطاهر مسعد وعلى زنجير بإتخاذ قرار بالرد على هذه الأفعال بعمل كبير يثأرون به بجانب ضرورة أسر ضباط إنجليز لإستبدالهم بضباط مصريين أسرى وإجتمع الفدائيون وإتفقوا على خطف الضابط الإنجليزي مور هاوس الذي كان معروفا عنه الغرور والتكبر وكراهية المصريين ليردوا إعتبار المصريين ورصدت مجموعة الفدائيين تحركاته اليومية بالفعل وفي تمام الساعة السابعة صباحا إنتظر الفدائيون مروره بسيارته في شارع رمسيس داخل سيارة سوداء كان رقمها 57 قنال وكلفوا أحد الأبطال من الأطفال والذى كان يقود دراجة بإستدراج الضابط الإنجليزي عند تقاطع شارع رمسيس مع صفية زغلول وبدأ الضابط الإنجليزي في محاولة مطاردة الطفل ليوقفه ويقتله لأن في ذلك الوقت كان الإنجليز قد منعوا ركوب الدراجات بعد أن إستخدمها الفدائيون ‏في رمي القنابل على قوات الإحتلال فجرى الضابط وراء الطفل محاولا الإمساك به وكان الطفل قد وصل إلى أسفل أحد المنازل بشارع جانبي فنزل الضابط محاولا الإمساك به وضربه وبسرعة ظهر الفدائيون حسب الخطة الموضوعة ونجحوا في إقناع الضابط الإنجليزي بأنهم ضباط مصريون وسيأتون بالطفل له في مكان تجمع معسكر الإحتلال وأنه يجب عليه أن يرحل حتى لا يتجمع الأهالي حوله ويفتكوا به ولأن الضابط الإنجليزي كان مغرورا وبسبب ثقته الزائده قذف ‏الطبنجة الخاصة به في تابلوه السيارة فخطفها أحد أبطال المقاومة وهي مازالت في الهواء ثم قام أبطال المقاومة الشعبية بتقييد حركته ووضعه الفدائيون داخل السيارة السوداء الخاصة بهم وكانت سيارة خدمة المياه وكان مسموحا لها بالمرور في حظر التجوال المفروض في الشوارع في ذلك الوقت وكمموا فمه وبعد ذلك إنطلق الفدائيون مسرعين إلى شارع النهضة ثم شارع عرابي وأثناء سيرهم قابلتهم دورية إنجليزية فإضطروا إلى الدخول إلى بلوكات النظام من الباب الخلفي وأحضروا صندوقا حديديا ووضعوه بداخله حتى يتمكنوا من الهروب به دون أن يعترضهم أحد ولكنهم لم يلاحظوا أن الصندوق مقلوب وإتجهوا به إلى منزل الدكتور أحمد هلالي وهو منزل مواجه لأحد مراكز القيادة البريطانية وكان من المستبعد أن يفكر البريطانيون أن ضابطهم موجود داخل هذا المنزل وبمجرد إختفاء الضابط الإنجليزي مورهاوس فرضت القوات البريطانية حصارا مشددا على المنطقة وقرروا حظر التجوال في الشوارع مما جعل الفدائيون لا يستطيعون الوصول إلى صندوق مورهاوس الذي كان موجودا فيه وبسبب عدم قدرة الضباط الإنجليز علي الوصول لمكان مخبأ مورهاوس جن جنونهم وقاموا بعمل دوريات تفتتيش في كل مكان ببورسعيد كما قاموا بتعذيب الأهالي وعمل حصار بداية من شارع كسرى حتى طرح البحر ومن شارع الأمين حتى شارع محمد وهي منطقة كبيرة جدا ووضعوا الأسلاك الشائكة بها لمدة ثلاثة أيام وحاولت قوات الإحتلال إرغام البورسعيدية على الإفصاح عن مكان مورهاوس بشتى الطرق فعذبوهم بكل وحشية ضاربين بكل المواثيق الدولية عرض الحائط وعلقوا المشانق وفتحوا خراطيم المياه الباردة على المواطنين العرايا وجعلوا المواطنين يحفرون حفرا بأنفسهم ليدفنوا فيها ولكنهم لم يصلوا إلى أى نتيجة فإضطروا إلى الإنسحاب من حي المناخ والعرب إلى حي الإفرنج الذي كان يقطن فيه الأجانب المستعمرون وعندما وصل الفدائيون إلى المنزل المخبأ فيه مورهاوس وفتحوا الصندوق وجدوه ميتا فلم يجدوا مفرا من أن يقرروا دفنه أسفل سلم المنزل وبذلك فقد لفظ مورهاوس أنفاسه الأخيرة بسبب شدة الحصار وعدم قدرة الفدائيين علي دخول العقار المخبأ به بجانب وجوده داخل الصندوق بدون أكل أو شرب ثلاثة أيام كما أن الصندوق كان مقلوبا فلم يستطع الخروج منه وبعد مداولات قررت مجموعة الفدائيين تسليم جثة مورهاوس بعد أن قررت القوات المعتدية وقف إطلاق النيران والإنسحاب من بورسعيد بلا عودة وبالفعل تم تسليم الجثة للقوات الدولية وللجنة التي شكلها مجلس الأمن وعقب ذلك تم محاكمة مورهاوس في إنجلترا بعد وفاته بسبب تخاذله وترك سلاحه ووحدته دون أوامر .

وكان من بطولات أفراد المقاومة الشعبية أيضا في بورسعيد إبان فترة العدوان الثلاثي والتي خلدها التاريخ وسطرتها صفحاته عملية مقتل ضابط المخابرات الإنجليزى جون ويليامز على يد الشاب البورسعيد محمد عسران والذي لم يكن يتجاوز وقتها سن السادسة عشرة من عمره إلا أن بطولته شجعته على قتل هذا الضابط ثأرا لبلده ووطنه حيث وقف الشاب عسران على ناصية الشارع يرتدي بنطلونا وقميصا بالرغم من شدة البرد وفى يده رغيف من الخبز يقضم منه قضمات صغيرة وهو ينظر إلى الشارع فى قلق وفجأة أقبلت من شارع رمسيس سيارة صغيرة كانت تنطلق بسرعة وزجاجها مغلق وفى داخلها ثلاثة رجال كان أحدهم الميجور جون ويليامز ثعلب المخابرات البريطانية والذى كان يستعمل السيارة المدنية الصغيرة فى تنقلاته السريعة وكان دائما يغلق زجاج النوافذ خوفا من قنبلة قد تلقى عليه وخلال سيره بالشارع لمح عسران السيارة وإنتابه الخوف حتى تمالك نفسه بعد ثوان ودس يده فى جيبه ثم أخرجها وفيها ورقة كتبت بها سطور كثيرة باللغة الإنجليزية ولوح بيده لسائق سيارة ويليامز ولكن السائق تخطاه ولم يقف وخلال مرور السيارة شاهد ويليامز الورقة المكتوبة بالإنجليزية فطلب من السائق الوقوف والرجوع إلى الخلف وفتح ويليامز زجاج سيارته بحرص ونظر بعينيه الزرقاوين إلى الشاب الصغير الذي يقضم رغيفا من الخبز وقابل الشاب نظرة ثعلب المخابرات البريطانية بنظرة أخرى ثابتة بريئة وسأل ثعلب المخابرات البريطاني الشاب عسران عن طلبه فقدم له ورقة أسقطها داخل السيارة وحاول ويليامز إلتقاطها من داخل السيارة وخلال بحثه عنها في السيارة ألقى الشاب البورسعيدي الرغيف الذى كان يقضمه وكان بداخله قنبلة صغيرة داخل السيارة وقبل أن يعتدل ويليامز وفى يده الخطاب فوجئ بمساعده الكابتن جرين يفتح باب السيارة بعنف ويحاول الخروج منها ولمح ويليامز الرغيف الذي كان في يد الشاب تحت قدميه فى دواسة السيارة وفي أُثناء ذلك كان الشاب قد إختفى من الشارع وأدرك ويليامز الفخ وحاول فتح باب السيارة محاولا الخروج منها لكن الوقت لم يسعفه فقد دوى صوت إنفجار القنبلة وسقط ويليامز على ارض الشارع وفى يده مسدسه وراح يطلقه بغير حساب فأصيب أربعة من اليونانيين كانوا يسيرون فى الشارع بينهم طفلان ولكن إصابتهم لم تكن قاتلة وجرح سائق سيارة ويليامز وإنكفأ على وجهه بداخل السيارة فوق عجلة القيادة وظل ويليامز راقدا فى مكانه يسبح فى بركة من الدماء و فى يده مسدسه وعيناه الزرقاوان تبحثان فى الشارع عن عسران فهو مصاب بالسكر منذ سنوات والقنبلة مزقت نصفه الأسفل تماما وأقبلت الدوريات البريطانية من كل صوب وحملوه إلى عربة الإسعاف الخاصة بهم ولكنه مات بعد ذلك فوق ظهر الباخرة المستشفى التي نقل إليها بسرعة أما عسران فقد أسرع الى الحي العربي ولم يكن ينفذ العملية وحده بل كان يحرسه من بعيد أفراد مجموعته الأبطال وهي نفس المجموعة التي خطفت مورهاوس وهاجمت مطار بورسعيد في عملية فدائية جريئة .

ومما يذكر أنه خلال العدوان الثلاثي علي مصر أيضا كان العبء على قواتنا البحرية كبيرا وخاصة أن العدو كان قد حشد فعلا أسطولا ضخما في جزيرتي قبرص ومالطة بالبحر المتوسط وجعلهما مركزا لتجمع قواته وبات متوقعا قيام العدو بعمليات حربية بحرية متتالية ضد مصر وفي مساء يوم 3 نوفمبر عام 1956م خرج سرب من لنشات الطوربيد للقيام بمسح تأميني لسواحلنا المصرية الشمالية داخل مياهنا الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط من القاعدة البحرية بميناء الإسكندرية الشرقى يقوده الرائد بحرى حينذاك جلال الدسوقى وكان هذا السرب يتكون من اللنش طوربيد 227 وقائده النقيب بحرى صبحى إبراهيم نصر واللنش طوربيد رقم 228 وقائده النقيب بحرى إسماعيل فهمى واللنش طوربيد رقم 220 وقائده الملازم أول بحرى على صالح وسار السرب بسرعة نحو 25 عقدة حتى بلغ مشارف بور سعيد في الساعة الثانية والنصف صباح يوم 4 نوفمبر عام 1956م وإستدار لكي يعود إلي ميناء الإسكندرية وعند الفجر وعلى مسافة نحو عشرة أميال شمال شرقى فنار البرلس وكان السرب في تشكيل رأس سهم وفى المقدمة اللنش 227 شاهد أطقم اللنشات تجمعا لعدة وحدات تابعة للأسطولين البحريين لبريطانيا وفرنسا يتكون من حاملة طائرات وطراد وبعض المدمرات فوجه قائد السرب الرائد بحرى جلال الدسوقي اللنشات للهجوم على سفن الأعداء وفي البداية قامت زوارق الطوربيد المصرية الثلاثة بعمل ستار من الدخان لتقترب بسرعة من القطع البحرية المهاجمة في حركة مفاجئة لها وقامت بإطلاق قذائفها في إتجاه البوارج الفرنسية والبريطانية المهاجمة ولتشتعل النيران بإحدى البوارج ثم عادت الزوارق لتدور حول هذه البوارج لتواصل الإغارة عليها حتى نفذت حمولتها من قذائف الطوربيد وكان الهجوم سريعا مفاجئا وجريئا أعقبه إنطلاق اللنشات لكي تعود إلى قاعدتها ولكن أعقب هذا الهجوم قيام أعداد من الطائرات من فوق حاملة الطائرات بمهاجمة اللنشات المصرية بكثافة شديدة بالصواريخ والقنابل والقذائف فإنفجرت الواحدة إثر الأخرى .

ونظرا لعدم التكافؤ في القوة بين القوات المصرية والقوات المهاجمة لها فقد إنتهت معركة البرلس في دقائق وقد أسفرت عن إصابة المدمرة البريطانية والبارجة الفرنسية جان بارت وهي أول سفينة مزودة برادار في العالم وقد إستشهد جميع أفراد السرب وعلي رأسهم قائده الرائد بحرى البطل جلال الدسوقي ولم ينج من هذه المعركة سوى ضابط واحد وسبعة أفراد إنتشلوا من البحر أحياء وقد سميت هذه المعركة بمعركة البرلس البحرية أو معركة برج البرلس وقد قاتل المصريون في هذه المعركة بدون غطاء جوى حتى آخر طوربيد وحتى آخر زورق والذي قاده الشهيد البطل النقيب بحرى مختار الجندى بعد إستشهاد أغلب زملائه فطلب ممن تبقي معه القفز إلى البحر ثم قاد زورقه بسرعة هائلة ليخترق مدمرة أخرى فأصيبت إصابة بالغة وكان مصدر المعلومات عن هذه المعركة بعض الجنود المصريين الناجين من هذه المعركة حيث أفادوا بأن البارجة الفرنسية جان بارت والمدمرة البريطانية قد دمرتا بينما أفاد الجانب المهاجم بأنهما قد أصيبتا فقط وإستمرتا في عملهما وأيا كانت الحقيقة فالنتيجة النهائية لتلك المعركة كانت أن الثلاث زوارق طوربيد المصرية خفيفة التسليح وبدون غطاء جوى تصدت لوحدات ضخمة وثقيلة مهاجمة ومدعومة بغطاء جوى ومنعتها من تحقيق هدفها وبالتالى إستجدت معادلة جديدة في تاريخ المعارك البحرية تم تسجيلها وهي أن زوارق الطوربيد الصغيرة الحجم خفيفة التسليح من الممكن أن تمثل خطرا جسيما علي القطع البحرية الضخمة ثقيلة التسليح كالبوارج والمدمرات وحاملات الطائرات وبتلك المعركة الخالدة سجلت القوات البحرية المصرية إنتصارا هو الأقوى في التاريخ البحرى كله على حساب الأسطول الفرنسي والأسطول البريطانى .

وكان ممن إستشهد في هذه المعركة كما ذكرنا الرائد بحرى جلال الدسوقي قائد المعركة والرائد بحرى إسماعيل عبد الرحمن فهمى والرائد بحرى صبحى إبراهيم نصر والنقيب بحرى مختار محمد فهيم الجندى والنقيب بحرى مصطفى محمد طبالة والنقيب بحرى محمد البيومي محمد زكى والنقيب بحرى على صالح والنقيب بحرى محمد رفعت والملازم بحرى جول جمال وهو سورى الجنسية من اللاذقية والرقيب حسني سلامة والجندى جمال رزق الله والجندى إبراهيم الهندي بعد أن ضربوا أروع الأمثلة في البطولة والشجاعة والتضحية والفداء وسطروا أسماءهم بحروف من نور في سجلات الشرف وجدير بالذكر أنه بعد إنتهاء المعركة بدقائق معدودة سارع الصيادون الشجعان أبناء برج البرلس ومعهم جنود البحرية المصرية الذين كانوا في مواقعهم علي الشاطيء بقواربهم الصغيرة إلي موقع المعركة في عرض البحر غير عابئين بالخطر وإنتشلوا جثث الشهداء والناجين من المعركة وأحضروهم إلي شاطيء البرلس وأقاموا لهم مقبرة في مدخل مقابر القرية وأطلقوا أسماءهم علي بعض المدارس والشوارع الرئيسية في برج البرلس ومدينة بلطيم كما أقاموا لهم نصبا تذكاريا في الميدان الرئيسي بقرية برج البرلس حينذاك والذى تم نقله بعد ذلك إلي مدينة بلطيم وأطلقوا أسماءهم علي بعض المدارس والشوارع الرئيسية في برج البرلس والساحل القبلي ومدينة بلطيم ومؤخرا تم البدء في تشييد نصب تذكارى جديد لشهداء معركة البرلس بمدخل مدينة برج البرلس على مساحة كلية تبلغ 1000 متر مربع وبتكلفة إجمالية قدرها 400 ألف جنيه وقام بتصميمه المثال العالمي الدكتور السيد عبده الأستاذ بكلية التربية النوعية بكفر الشيخ علي شاطيء بوغاز البرلس موقع خروج جثث شهداء معركة البرلس البحرية وكان من المخطط له الإنتهاء منه قبل الإحتفال بالعيد القومي لمحافظة كفر الشيخ يوم 4 نوفمبر عام 2016م والذى يوافق ذكرى معركة البرلس .


تابع الجزء الأول من المقال على الرابط التالى
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=41916

تابع الجزء الثالث من المقال على الرابط التالى
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=41943

تابع الجزء الرابع من المقال على الرابط التالى
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=41944
 
 
الصور :
خطف الضابط الإنجليزى مورهاوس فيلم بورسعيد بطولة فريد شوقي