abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
البردعي.. مهنة تحتضر بمرور الزمن
البردعي.. مهنة تحتضر بمرور الزمن
عدد : 07-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


مهنة البردعي أو صانع البرادع مهنة قديمة جدا ولكنها مع التطور الذى طال كل شئ في وقتنا الحاضر نجد أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة وفي طريقها للإنقراض في مصر بسبب تراجع الإقبال على إحترافها نظرا لتراجع أهمية المنتج وعدم الحاجة إليه علي نطاق واسع مما أدى إلي أن هجرها الكثير من أبنائها ومن بقى منهم فإنه يعيش على ذكريات زمن العز عندما كانت الخيول والبغال والحمير هي وسيلة النقل الأساسية سواء للبشر أو للبضائع بإستخدام الحناطير والكارتات والعربات الكارو وذلك قبل إنتشار السيارات الخاصة والتاكسيات والتوك توك ووسائل المواصلات الأخرى مثل الأوتوبيسات والترمواى والمترو والمقصود بالبردعة الوسادة التي كانت توضع علي ظهر الدابة وتتكون من بطانة من القماش والقش والصوف لكي يتمكن الإنسان من ركوبها بسهولة وبدون عناء وذلك في الزمن الذى كانت فيه الخيل والبغال والحمير هي وسيلة النقل الأساسية وكانت البردعة من حيث صنعها والمواد التي تدخل في تصنيعها وشكل زينتها تعد مظهرا من مظاهر ثراء الفرد ومكانته الإجتماعية .


وقد إرتبطت مهنة البردعي قديما بمهنة أخرى وهي مهنة المكارى وهو رجل كان يسوق حمارا ويقوم بنقل من يرغب من الناس على الحمار من محطة القطار إلى اي مكان في المدينة أو القرية مقابل قرش صاغ واحد يوميا حيث لم يكن الناس يعرفون التاكسي اوالسيارات أو التوك توك في ذلك الزمان وكانوا يحرصون علي أن تكون البردعة الموضوعة علي ظهر دابته مريحة وجيدة الصنع وشكلها ملفت للنظر حتي يضمن أن يلجأ إليه أكبر عدد من الزبائن ومن ثم يزداد دخله .


وتواجد البردعي بين المصريين الآن بات يقتصر على زاوية صغيرة في أسواق تجارة وبيع الحيوانات في قرى ومدن مصر لاسيما سوق الحمير بقرية البراجيل بمحافظة الجيزة وسوق الجمال والخراف بإمبابة وبرقاش بمحافظة الجيزة أيضا ويقول العاملون القدامي القلائل الذين مازالوا يمارسون هذه المهنة إن أغلبهم قد ورث هذه المهنة أبا عن جد وكانت هذه المهنة تعينهم علي إعالة عائلاتهم المؤلفة من الكثير من الأفراد والذين كان يصل عددهم أحيانا إلي ستة أو سبعة أفراد ولكنها أصبحت الآن تعيش أيامها الأخيرة وقد تستغرق فترة الإحتضار سنوات وسنوات ولكنها بالتأكيد لن تعيش مثلما عاشت من قبل حيث باتت المهنة في تراجع مستمر لأنها لم تعد تجد من يرغب في تعلمها كما أن شباب اليوم يرفضون تعلمها بحجة أنها مهنة زال وقتها ولا تدر أموالا كثيرة علي مزاوليها وما زاد الأمر سوءا هو إنتشار التوك توك كوسيلة نقل في الريف المصري فحل محل الحمير والبغال وبعد أن كانت محلات صناع البردعة لا تخلو يوميا من عشرات الزبائن الذين يفدون إليها لشراء بردعة لحمار أو أخرى لحصان أو ثالثة لجمل ولكن مع إنتشار السيارات والدراجات قل وندر الإعتماد على الدواب كوسيلة ركوب وكوسيلة نقل للبشر ومعها قل الدخل الذى يأتي منها فهجر الكثيرون المهنة التي بات العمل فيها يقتصر على ترميم البرادع القديمة وقد يأتي أحيانا فلاح أو صاحب مزرعة يطلب بردعة لكي يتمكن من ركوب حمار أو حصان في أثناء مروره لتفقد أرضه والإنتقال لمسافة قصيرة إلي مكان بالقرب من بيته لا يستطيع أن يصل بالسيارة إليه كما أن هناك بعض العاملين في مجال السياحة بنزلة السمان ومنطقة الهرم يستخدمونها في تزيين الحمير والأحصنة والجمال التي يركبها زوار الأهرامات كنوع من الفلكلور وأيضا فإنها تلزم لتزيين الجمال التي يستخدمها السياح في رحلات السفارى في سيناء والبحر الأحمر والصحراء الغربية ويمكننا القول إن هذا النشاط هو الذى مايزال يعطي قبلة الحياة لهذه المهنة .


وبخصوص الأدوات التي يستخدمها البردعي نجد أن هذه المهنة لا تحتاج إلى أدوات كثيرة بقدر إحتياجها إلى مهارة وصبر وإتقان والأدوات المستخدمة التي يتم إستخدامها في صنع البردعة كلها أدوات يدوية تتراوح بين مقص وإبرة كبيرة الحجم تسمى المسلة وأخرى أصغر منها إلى جانب خيوط من صوف وقطن وكف صاج يستخدم في شد الإبرة وتسهيل مرور الخيط وقت العمل في تصنيع البردعة إلى جانب مطرقة خشبية تستخدم للدق على الحشو سواء كان قش الأرز أو ورق صفصاف لتثبيته في مكانه وأيضا لتنعيمه كي يصبح لينا ومريحا وعن مراحل صناعة البردعة فهي تشمل عدة خطوات تبدأ بتشييد هيكل أو فورمة للبردعة وفقا لحجم ظهر الدابة التي يتم تصنيع البردعة لها ومن ثم حشو الهيكل بقش الأرز وهو الغالب وأحيانا يطلب الزبون حشوا خاصا مثل الليف المستخرج من لحاء النخل أو ورق شجر الصفصاف وبعدها ينتقل الصانع إلى مرحلة حياكة أجزاء البردعة بعضها ببعض ثم إختيار الكسوة المناسبة التي تغطيها وأخيرا تأتي مرحلة التطريز والزخرفة وتطعيم ظهر البردعة بخيوط الحرير والصوف وعمل رسوم مختلفة علي سطحها بواسطة الإبرة والخيط لاسيما على جوانبها وكذلك تثبيت شراشيب متعددة الأشكال والألوان وكبسنة الإطار الجلدي الذي يلفها من الأمام إلى الخلف بما لا يسمح بإنزلاق البردعة في حال تعرق جسد الدابة مما قد يؤدى إلي إنزلاق وسقوط الراكب من عليها وإصابته بإصابات قد تكون جسيمة في بعض الأحيان خاصة في حالة السقوط من أعلي ظهر حصان أو جمل ولذا كان الإهتمام ولايزال بمتانة وقوة البردعة كوسيلة أمان وراحة للراكب .


وبخصوص لوازم تزيين البردعة فهي تختلف وفقا لرغبة الزبون فهو من يدفع تكاليفها فهناك من يريد أن تكون الكسوة النهائية للبردعة من قماش الصوف أو الحرير وآخر يريد أن تكون من جلد خروف أو ماعز فروته بحالة جيدة كي تكون مريحة في أثناء الجلوس عليها وهناك من يطلب بأن يكون قماش البردعة الخاصة بحماره أو بحصانه من الحرير الطبيعي الخالص فقد كانت أناقة البردعة دليلا على ثراء ووجاهة صاحبها كما ذكرنا في السطور السابقة وبعض الزبائن كانوا يلجأون إلى ترميم البردعة من حين لآخر لكي لا يدفعوا ثمن الجديدة وهذا الترميم كان يتراوح بين حياكة الممزق من الكسوة الخارجية أو حشو البطانة التي هبطت وتصلبت من كثرة الإستعمال فيتم حينذاك تغيير الحشو وإستبداله بحشو جديد يعيد لراكب البردعة الشعور بالراحة مرة أخرى عند ركوبه دابته ويلاحظ أن بردعة الحمار تتراوح في الطول ما بين 75 إلى 80 سنتيمتر بينما بردعة البغل وكذلك الحصان تزيد فتصل إلى حوالي 110 سنتيمتر وتكون لكل بردعة مقدمة تسمى القربوص ومؤخرة تسمى القدح وهي التي يتكئ عليها الراكب إلى جانب لواحق البردعة مثل المربوط وهو حزام يأتي أسفل الحمار حول بطنه لربط طرفي البردعة معا فلا تسقط على الأرض وهناك أيضا الصرع أو اللجام وهو حبل مصنوع من الليف أو الجلد يشد به الراكب رقبة الحيوان ويقوم بتوجيهه من خلاله .


وصنع البردعة طبقا للمراحل التي تم شرحها يحتاج إلى عمل متواصل على مدار يومين كاملين وأحيانا ثلاثة أيام وذلك من أجل إتمام صنعها حيث تتطلب صناعة البردعة الصبر والأناة والدقة والمهارة فالصانع يصنع ويبدع في حشوها وفي تزيين الكسوة بالنقوش والرسوم المختلفة بإبرته وخيوط الصوف أو الحرير لكي يضفي على البردعة جمالا ولكي يجلب مظهرها للراكب إحترام الناس


كما أن صناعة البردعة تحتاج لفن وإتقان ومهارة فأي خلل بها قد يتسبب في معاناة راكب الحمار أو الحصان فيشعر بآلام حادة في ظهره بصفة خاصة في كل مرة يلجأ للركوب عليها ولذا فقد كان البردعي الشاطر يحظى بسمعة كبيرة ويحضر إليه الناس من مناطق بعيدة وفي ذلك الوقت كان تعلم هذه المهنة أفضل ما يمكن أن يختاره أب يعمل في هذه المهنة لإبن لم يرغب في إستكمال تعليمه بالمدارس وفضل أن يتعلم حرفة البردعي فالمهنة كانت وقتها مزدهرة ومن يتقنها كان يجني مكاسب كبيرة تعينه على تأسيس أسرة والوفاء بإحتياجات بيته اليومية .
 
 
الصور :