abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
شاعر الشعراء
شاعر الشعراء
عدد : 08-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


روبندرونات طاغور شاعر ومؤلف مسرحي وروائي هندى ينتمي إلي القسم البنغالي من مدينة كلكتا الهندية التي تقع شرق دولة الهند علي شاطئ خليج البنغال وتعد عاصمة ولاية البنغال القريبة من حدود الهند مع دولة بنجلاديش حاليا وقد مثل تغيرا مهما في الثقافة الهندية السائدة وقفزة نوعية في الإرتقاء بالعادات والتقاليد ضمن المجتمعات الهندية ليصبح أيقونة عالمية ولذا فقد كان يعد واحدا من الشخصيات البارزة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى والنصف الأول من القرن العشرين الماضي من خلال رواياته وقصصه ومسرحياته وبراعته الشعرية مما خلق في عقول قراءه إنطباعا لا يمحى حيث قام بإنتاج أعمال كاملة التألق لها هياكل إستثنائية تسببت في إحداث تغيير كبير في وجه الأدب الهندي لدرجة أنه كان يحظى بالهتافات والتصفيق على كامل مساحة الهند فكانت تهتف له الجماهير قائلة جيوروديف بمعني شاعر الشعراء وقد رشحته أعماله المتميزة لكي ينال جائزة نوبل في الآداب عام 1913م وكان أول شاعر آسيوي يحصل على هذه الجائزة وأول من يحصل عليها من خارج قارة أوروبا وقد قام بإنشاء مدرسة فلسفية معروفة بإسم فيسفا بهاراتي أو الجامعة الهندية للتعليم العالي في عام 1918م في إقليم شانتينيكتان غرب البنغال وقد درس طاغور اللغة الإنجليزية إلي جانب لغته الأم وهي اللغة السنسكريتية وآدابها وهي لغة قديمة في الهند وتعد لغة طقوسية لكل من الديانات الهندوسية والبوذية والجانية ولها مكانة في الهند وجنوب شرق آسيا مشابه للغة اللاتينية واليونانية في أوروبا في القرون الوسطى وقد لاحظ هذا الشبه العالم اللغوي ويليام جونز حيث كان يعمل قاضياً هناك ولهذه اللغة جزء مركزي في التقليد الهندوسي كما أنها إحدى الإثنتين وعشرين لغة رسمية للهند وتدرس هناك كلغة ثانية كما أن بعض البراهمنيين وهم الوعاظ والكهنة من الطبقة العالية يعتبرونها لغتهم الأم ويسمح فقط لهم بإستخدام هذه اللغة في قراءة النصوص السنسكريتية في معابدهم وقد تواجدت في الماضي في الأدب الهندي هذا وكان معروفا عن طاغور نبذه لفكرة التعصب والتي سادت بين كثير من الطوائف والأديان في الهند وتجلى ذلك في روايته جورا التي فضحت التعصب الهندوسى فتسبب ذلك في إستياء أهله فسافر إلى إنجلترا عام 1909م ليصيب شهرة واسعة بعد ترجمة العديد من أعماله للغة الإنجليزية وعرف عنه أيضا محبة الإنسانية جمعاء بدلا من التمسك بالحب الفردى والخاص وكان ذلك بعد فقده لأمه وإنتحار شقيقته وكذلك وفاة زوجته وثلاثة من أطفاله ووالده وقد إختلف مع الزعيم الروحى الهندى المهاتما غاندي الذي إعتمد على بساطة العيش والزهد كسلاح لمقاومة الإستعمار الإنجليزى للهند وهو ما رآه طاغور تسطيحا لقضية المقاومة ضد هذا الإستعمار البغيض وفي واقع الأمر لم يكن طاغور مجرد شاعر أو مبشر هندي حيث بعد عقود من الزمن على وفاته لا يزال هذا الرجل الأشبه بالقديس حيا من خلال أعماله وفي قلوب أهل البنغال والهند عموما الذين لن ينسوا فضله في إثراء تراثهم ولا غرابة في ذلك فقد كان أكثر الشعراء الهنود إثارةً للعجب وصاحب الفضل في تقديم الثقافة الهندية الغنية إلى الغرب الأوروبي .

ولد روبندرونات طاغور في مدينة كلكتا غربي الهند في يوم 7 مايو عام 1861م لأسرة ميسورة من طبقة البراهما الكهنوتية وكان والده مصلحا إجتماعيا ودينيا معروفا وسياسيا ومفكرا بارزا وكان يعد واحدا من مؤسسي الحركة الدينية براهمو ساماج التي إستهدفت إصلاح ونهضة الديانة الهندوسية وقد أطلق عليه إسم روبندرونات ويعني الشمس تيمنا بأنه سيشرق كالشمس أما والدته سارادا ديفي فقد أنجبت 12 ولدا وبنتا قبل أن ترزق بطاغور ولعل كثرة البنين والبنات حالت دون أن يحظى طاغور رغم أنه أصغر أشقائه سنا بالدلال الكافي وقد لقب طاغور برابي وكان صغيرا جدا عندما توفيت والدته وبسبب غياب والده معظم الوقت نشأ عند أقاربه المحليين وكانت أسرته معروفة بتراثها ورفعة نسبها حيث كان جد طاغور قد أسس لنفسه إمبراطورية مالية ضخمة كما أن آل طاغور كانوا رواد حركة النهضة البنغالية إذ سعوا إلى الربط بين الثقافة الهندية التقليدية والأفكار والمفاهيم الغربية ولقد أسهم معظم أشقاء طاغور الذين عرفوا بتفوقهم العلمي والأدبي بإثراء الثقافة والأدب والموسيقى البنغالية بشكل أو بآخر وإن كان روبندرونات طاغور هو الذي إكتسب في النهاية شهرة كأديب وإنسان لكونه الأميز والأكثر غزارة وتنوعا وإنتاجا مع أنه لم ينتظم في أي مدرسة حيث تلقى معظم تعليمه في المنزل على أيدي معلمين خصوصين وتحت إشراف مباشر من أسرته التي كانت تولي التعليم والثقافة أهمية كبرى وإطلع طاغور منذ الصغر على العديد من السير ودرس التاريخ والعلوم الحديثة وعلم الفلك واللغة السنسكريتية وآدابها وقرأ الشعر البنغالي وبدأ ينظم الشعر في سن مبكرة جدا عندما بلغ الثامنة من عمره ولما بلغ سن سن الحادية عشرة رافق والده في رحلة عبر الهند وخلال هذه الرحلة قرأ أعمال الكثير من الكتاب والشعراء المشاهير من ضمنهم الشاعر الغنائي الهندى كاليداسا وهو شاعر يعد من رواد الأدب السنسكريتي الكلاسيكي عاش في القرن الخامس الميلادى وقام أبوه خلال هذه الرحلة بغرس المفاهيم البنغالية الأصيلة في أعماقه محركا فيه القيم الروحية منميا نزعة الإستقلال في نفسه وكيفية الإعتمادعلى النفس خاصة وقد كان يتعمد تركه وحيدا يجوب دروب ومسالك جبال الهيمالايا الخطرة وقد كان لهذه الرحلة الفريدة أثر كبير في مسيرته الشعرية حيث عاد منها خاشعا خاضعا لله تعالى خالق الكون عامر القلب بالإيمان ملتصقا بالطبيعة التى صارت صديقة له وأما ثانية يلوذ بها ويهتدى بها فى دروب حياته ويصفها كرؤيا ملأت كيانه فى صفحات ذكرياته وفي سن السابعة عشر من العمر وفي عام 1878م أرسله والده إلى إنجلترا لإستكمال دراسته في الحقوق حيث إلتحق بكلية لندن الجامعية كما بدأ في نفس الوقت الإهتمام بدراسة أعمال الأديب والروائي الإنجليزى الشهير ويليام شكسبير لكنه مالبث أن إنقطع عن الدراسة بعد أن فتر إهتمامه بها وعاد إلى كلكتا عام 1880م دون أن ينال أي شهادة ولكنه تشرب بحضارة إنجلترا وكان يحدوه الأمل في أن يتمكن من المزج بين التقاليد الأوروبية والبنغالية في أعماله الأدبية وفي عام 1882م كتب أول دواوينه الشعرية والذى يعد من أشهر أشعاره والمعروف بإسم أغاني المساء ثم أردفه في العام التالي 1883م بديوانه الثاني أغاني الصباح ونالت أشعاره إعجاب كبار شعراء عصره وتوسموا فيه شاعرا مبدعا على موعد مع النبوغ والشهرة ونال أيضا ترحيبا كبيرا من النقاد والقراء .

وبوجه عام فقد شهدت حقبة الثمانينيات من القرن التاسع عشر الميلادى نضج تجربة طاغور الشعرية إذ نُشر له عدد من الدواوين الشعرية توجها في عام 1890م بمجموعته ماناسي المثالي التي شكلت قفزة نوعية لا في تجربة طاغور فقط وإنما في الشعر البنغالي ككل وفي عام 1891م إنتقل طاغور إلى البنغال الشرقية وهي بنجلاديش حاليا لإدارة ممتلكات العائلة حيث إستقر فيها عشر سنوات وهناك كان طاغور يقضي معظم وقته في مركب معد للسكن يجوب به نهر الجانج المقدس عند الهندوس وكان على إحتكاك مباشر مع القرويين البسطاء ولقد شكلت الأوضاع المعيشية المتردية للفلاحين وتخلفهم الإجتماعي والثقافي موضوعاً متكررا في العديد من كتاباته دون أن يخفي تعاطفه معهم ويعود أروع ماكتب من نثر وقصص قصيرة تحديدا إلى تلك الحقبة الثرية معنويا في حياته وهي قصص تتناول حياة البسطاء وآمالهم وإخفاقاتهم بحس يجمع بين رهافة عالية في إلتقاط الصورة وميل إلى الفكاهة والدعابة الذكية التي ميزت مجمل تجربته النثرية وعموما فقد عشق طاغور الريف البنغالي الساحر وعشق أكثر نهر الجانج الذي وهبه أفقا رحبا لتجربته الشعرية الغنية وأثناء تلك السنوات نشر طاغور العديد من الدواوين الشعرية لعل أميزها سونار تاري أى القارب الذهبي إضافة إلى مسرحيات عدة أبرزها تشيترا وفي عام 1901م ألف نيفديا والتي نشرت في العام نفسه وقي هذا العام أيضا أسس طاغور مدرسة تجريبية في إقليم شانتينكايتان غرب البنغال حيث سعى من خلالها إلى تطبيق نظرياته الجديدة في التربية والتعليم وذلك عبر مزج التقاليد الهندية العريقة بتلك الغربية الحديثة وإستقر طاغور في مدرسته مبدئيا التي تحولت في عام 1921م إلى جامعة فيسفا بهاراتي أو الجامعة الهندية للتعليم العالمي ويعني إسمها المكان الذي يتحد فيه العالم وقد حرص طاغور في هذه المدرسة أن يتلقى الطلبة دروسهم إلى جانب التمتع بالطبيعة والمساهمة في المحافظة عليها والزيادة في تجميلها وقد ألقى طاغور فيها العديد من المحاضرات التي جمعها في كتابه الشهير سادهانا وتعني تحقيق الحياة وكانت الفترة مابين عام 1902م وعام 1907م تمثل لطاغور سنوات من الحزن والأسى جراء موت زوجته وإثنين من أولاده بالإضافة إلي والده وكانت هذه النوائب كفيلة بعزلته وإنكسار روحه تحت وطأة ذلك الهم الثقيل الطافح بالألم لولا أن قلبه المؤمن الممتلئ بطاعة الله والخضوع لمشيئته مكنه من ضبط نفسه الصافية محوّلا نكبته لحافز ينشد به الكمال وقال عن ذلك في ديوانه الهلال إن عاصفة الموت التي إجتاحت داري أضحت لي نعمة ورحمة فقد أشعرتني بنقصي وحفزتني على أن أنشد الكمال وألهمتني أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه وجدير بالذكر أنه كان لهذه الظروف الصعبة التي مر بها طاغور تأثير واضح إنعكس في شعره لاحقا حيث تجلي ذلك بوضوح في رائعته جيتانجيلي أو قربان الأغاني عام 1912م .

وفي عام 1912م ذهب طاغور إلى إنجلترا برفقة إبنه وفي الطريق بدأ طاغور يترجم آخر دواوينه جيتانجيلي إلى الإنجليزية وكانت كل أعماله السابقة تقريبا قد كتبت بلغته البنغالية وقرر ترجمة هذا الديوان من باب التسلية ولقتل وقت السفر الطويل بحرا دون أن يبتغي شيئا من ترجمته وعند وصوله إلى إنجلترا علم صديق مقرب منه ويدعى روثنستاين وهو رسام شهير إلتقاه طاغور في الهند بأمر الترجمة وطلب منه الإطلاع عليها ووافق طاغور على ذلك ولم يصدق صديقه الرسام عينيه حيث كانت الأشعار أكثر من رائعة وبدا كما لو أنه وقع على إكتشاف ثمين فإتصل بصديقه الكاتب والشاعر الإنجليزى الشهير حينذاك ويليام بوتلر ييتس الذي دهش بتجربة طاغور فنقح الترجمة وكتب مقدمة لها بنفسه كما تم عرض هذا العمل المترجم أيضا على مجموعة من أشهر الكتاب والأدباء والشعراء في تلك الحقبة كان من ضمنهم إزرا باوند وروبرت بريدجز وإرنست ريز وتوماس ستيرج مور وكان هذا الديوان نقطة تحول كبيرة في مسيرة طاغور حيث تضاعفت شهرته في الدول التي تتكلم باللغة الإنجليزية بعد نشره رائعته جيتانجيلي حيث عكس شعر طاغور في هذا الديوان حضورا روحيا هائلا وحوت كلماته المنتقاة بحساسية فائقة جمالا غير مستهلك فلم يكن أحد قد قرأ شيئا كهذا من قبل ووجد الغربيون أنفسهم أمامهم لمحة موجزة وإن كانت مكثفة للجمال الصوفي الذي تختزنه الثقافة الهندية في أكثر الصور نقاءا وبوحا ودفئا ومن ثم تم ترشيح طاغور للحصول علي جائزة نوبل في الآداب في العام التالي 1913م ونالها بالفعل فكان أول شخص من خارج قارة أوروبا وأول آسيوى يحصل علي هذه الجائزة كما ذكرنا في السطور السابقة كما منحته الهند شهادة الدكتوراة الفخرية وعلاوة علي ذلك فقد منحه الملك جورج الخامس ملك المملكة المتحدة عام 1915م لقب فارس وقد تخلى عنه في يوم 30 مايو عام 1919م كنوع من الإحتجاج علي المجزرة الشهيرة التي وقعت في مدينة أمريتسار بإقليم البنجاب بالهند والتي يقع فيها المعبد الذهبي المقدس لطائفة السيخ الهندية والتي وقعت في يوم 13 من شهر أبريل عام 1919م على يد الإنجليز حيث جاء في هذا اليوم عشرات آلاف الأشخاص إلى هذه المدينة من القرى المجاورة لحضور المعارض التقليدية في المدينة والمهرجان السنوى الذى كان يقام في يوم 14 أبريل من كل عام وكان الكثير منهم يجهلون قرار حظر التجمع المفروض في المدينة من جانب حاكمها البريطاني وقام هؤلاء بالتجمع في أحد الحدائق الكبرى بالمدينة وتحول هذا التجمع إلى مظاهرة قومية تندد بالإحتلال البريطاني للهند فحاصرت القوات البريطانية الحديقة وبدأت بإطلاق النار علي المتظاهرين فجآة دون سابق إنذار مما أسفر عن مقتل المئات وجرح أكثر من ألف شخص وجدير بالذكر أن هذا الحادث قد ظل راسخا في أذهان أبناء الهند وكان من أسباب إندلاع العديد من حركات المقاومة ضد الإستعمار البريطاني حتي نالت الهند إستقلالها فيما بعد .

وبعد ذلك أمضى طاغور الفترة بين شهر مايو عام 1916م وشهر أبريل عام 1917م متنقلًا بين اليابان والولايات المتحدة حيث كان يلقي محاضرات حول القومية وعن الشخصية وعن أشعاره وقصائده وبين عام 1920م وعام 1930م قام برحلات مكثفة حول العالم إلى أمريكا اللاتينية وأوروبا وجنوب شرق آسيا وخلال جولاته المتعددة حصد العديد من المتابعين وعدد لا متناهي من المعجبين ومن جانب آخر فقد كانت النظرة السياسية لطاغور غامضة بعض الشئ وبالرغم من أنه كان ينتقد الإمبريالية إلا أنه كان يؤيد بقاء الإدارة البريطانية للهند وإنتقد حركة سواديشي من قبل المهاتما غاندي في مقالة سماها عبادة الشاكرا والتي نشرت في شهر سبتمبر عام 1925م وقد آمن أن هناك إمكانية للتعايش بين الهنود والبريطانيين وأعلن أن الحكم البريطاني للهند علامة سياسية على أمراضنا الإجتماعية ولم يدعم أبدا فكرة القومية وقد إعتبرها واحدة من أبرز التحديات التي تواجه البشرية حيث قال ذات مرةً إن القومية هي وجهة نظر يتبناها كامل الشعب عندما ينظم من أجل هدف عملي وأحيانا كان يدعم حركة التحرر الهندية وبالعموم فقد كانت وجهة نظره عن تحرر الهند لا تستند إلى التحرر عن الحكم الأجنبي وإنما من خلال التحرر الفكري لأبناء الهند وبالرغم من أن طاغور كان مشهورا كشاعر إلا أنه كتب العديد من القصص القصيرة والروايات بالإضافة إلى المقالات والرسم وقد قدمت قصائده وأشعاره وأغانيه وقصصه ورواياته نظرة عميقة لمجتمعه الذي إنتشرت فيه الأفكار والمبادئ الدينية والإجتماعية كما إنتشرت فيه الممارسات السيئة كزواج الأطفال وقد أدان فكرة وجود مجتمع تهيمن عليه الذكور وذلك من خلال إظهاره لبعض الجوانب الحساسة والخفية في الأنثى التي كانت خاضعة لعدم إكتراث الذكور وعند قراءة أحد أعماله ستجده دائما يمر من خلاله على أحد المواضيع الشائعة مثل الطبيعة حيث نشأ كطفل في أحضان الطبيعة مما أدى إلى تحرير عقله وروحه وجسده من العادات المجتمعية النموذجية السائدة في تلك الفترة وبالرغم من تأثره الشديد بالطبيعة إلا أنه لم يبتعد عن تناول حقائق الحياة القاسية وطبيعة المجتمع من حوله كما وزن وإنتقد العادات السائدة والأعراف الجامدة التي كانت تعاني منها المسيحية الأرثوذوكسية حيث كان إنتقاده لعقائد المجتمع هو الموضوع الأساسي في معظم أعماله وبصفة عامة فقد أثّر طاغور على جيل كامل من الأدباء والكتاب حول العالم حيث أن تأثيره قد تجاوز حدود البنغال والهند كما ترجمت أعماله إلى عدة لغات مثل الإنجليزية والهولندية والألمانية والأسبانية وغيرها .


وإذا أردنا أن نحصر أعمال طاغور المتعددة فسوف نجد أنه قد قدم للتراث الإنساني أكثر من ألف قصيدة شعرية وحوالي 25 مسرحية بين طويلة وقصيرة وثماني مجلدات قصصية وثماني روايات إضافة إلى عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والسياسة والقضايا الإجتماعية وإلى جانب الأدب إتجهت عبقرية طاغور إلى الرسم الذي إحترفه في سن متأخر نسبيا وتحديدا بعد أن تخطي الستين عاما حيث أنتج آلاف اللوحات وأقام عدة معارض ناجحة أحدها في باريس بناءا على نصيحة أحد أصدقائه المقربين ويقول طاغور عن تجربته في مجال الرسم إنه عندما بدأت أرسم لاحظت تغيرا كبيرا في نفسي حيث بدأت أكتشف الأشجار في حضورها البصري وبدأت أرى الأغصان والأوراق من جديد وبدأت أتخيل خلق وإبداع الأنواع المختلفة منها وكأنني لم أر هذه الأشجار مطلقا من قبل فقد كنت فقط أرى الربيع والأزهار تنبثق في كل فرع من فروعها ولكنني الآن بدأت أكتشف هذه الثروات البصرية الهائلة الكامنة في الأشجار والأزهار التي تحيط بالإنسان على مدى إتساع الكون وإلي جانب تلك الإبداعات كانت لطاغور صولات وجولات إبداعية في الموسيقى حيث نجد أنه قد ألف ولحن أكثر من ألفي أغنية كانت معظمها مستقاة من أدبه و قصائده ومسرحياته وقصصه ورواياته وقد أضحت إثنتان منها النشيد الوطني لكل من الهند وبنجلاديش وبالإًضافة إلي كل ماسبق فقد إهتم طاغور بدراسة الأديان وقام بتأليف كتاب إسمه دين الإنسان والذى يعد من أهم الكتب التي صاغها من فكره وقراءاته وفلسفته ويقول طاغور في مقدمته إن كل طفل يولد في عالمنا هذا هو آية حية تقول لنا إن الله لا ييأس من بني الإنسان كما أكد فيه على أن الإسلام هو الدين الذي جعل للاديان التي سبقته قيمة فهو الدين الذي لم ينكر دينا قبله بل تحدث في كتابه الشامل عن الأديان ومستقبل البشر ولم يكن نبي الإسلام محمد صاحب شهوة أو نزوة ولم يؤلف القرآن بل كان مثالا حيا للوفاء والإخلاص لذا لم ينكر قصص الأنبياء قبله وتركها كما أملاها عليه الوحي لتظل شاهدا على صدقه وأمانته ووفائه وإخلاصه لهذا كان الإسلام قوياً وسيظل قويا ما بقى القرآن الذى تعهده الله بالحفظ فهو إذن دين عظيم إستطاع أن يشد إليه الناس في كل مكان لذا فأعداؤه كثيرون لكنه لبساطته القوية سيظل رافعاً راياته كذلك زار طاغور مصر عام 1936م ووقف على أهمية الأزهر في نشر الدعوة الإسلامية وأبدى إعجابه برعايته للإسلام وبالعلماء الذين درسوا الإسلام وقال إن الأزهر قيمة عالمية يجب تقليدها في كل مكان متمنيا أن يكون بالهند أزهر كأزهر مصر .

وعن الحياة الشخصية لطاغور فقد تزوج من مريناليني ديفي عام 1883م وكانت صغيرة في السن وأنجبا خمسة أولاد وقد أحبته زوجته بشدة فغمرت حياتهما سعادة وسرور فخاض معها في أعماق الحب الذي دعا إلى الإيمان القوي به في ديوانه بستاني الحب وفي عام 1902م أصيب بصدمة عندما توفيت زوجته فحزن عليها حزنا شديدا ثم إزداد حزنه بعد خسارته لإثنين من أطفاله هما إبنته رينوكا عام 1903م وإبنه ساميندراناث عام 1907م وخلال حقبتي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين الماضي وعلي الرغم من تنقل طاغور بين العديد من دول العالم في آسيا وأوروبا والأمريكتين فإنه لم ينقطع عن متابعة شئون مدرسته وظل غزير الإنتاج وفي السنوات الأخيرة من عمره أصاب جسده الوهن والضعف ولكن مع ذلك لم يتوقف عن تأليف روائعه الشعرية حتى قبيل ساعات من وفاته حين أملى آخر قصائده لمن حوله وكانت وفاته في يوم 7 من شهر أغسطس عام 1941م وهو في سن الثمانين من العمر في أعقاب عملية جراحية أجريت له في مدينة كلكتا الهندية مسقط رأسه وجدير بالذكر أن منظمة اليونيسكو العالمية للثقافة والعلوم التابعة لمنظمة الأمم المتحدة قد أطلقت إحتفالية كبيرة تحمل إسمه في عام 2011م بمناسبة مرور 150 عاما علي ميلاده كما كان له العديد من الأٌقوال والحكم المأثورة التي ساهمت في تخليد إسمه نذكر منها :-

-- الإيمان هو طائر يشعر بضوء الفجر قبل بزوغه .
-- إن نور الشمس يفتح باب الكون كما أن نور الحب يفتح كنوز العالم.
-- ما أكثر القيود التي تربط الإنسان بالدنيا ولكن أعجبها جميعاً قيد الأمل .
-- أفضل حماية للإنسان كما للحشرة أن يتلون بلون محيطه .
-- الحقيقة مثلها مثل الطائر الذي يشعر بالضوء رغم أن العالم اسفله غارق في الظلام .
-- بعضهم يعبر الحياة كالطفل الذي يقلب صفحات كتاب مقتنعا أنه يقرأ فيه .
-- القناعة هي الإكتفاء بالموجود وترك الشوق إلى المفقود .
-- لا يقاس فكر إنسان بقدر ما لديه من ثقافَة ولكن بما لديه من روح .
-- المسافر عليه أن يطرق كل الأبواب قبل أن يصل إلى بابه .
ثقيلة هي قيودي والحرية كل مناي وأشعر بخجل وأنا أحبو إليها .
-- أصبحت متفائلا بطريقتي الخاصة إذا لم أستطع العبور من أحد الأبواب فسأقصد باباً آخر أو أصنع بابا .
 
 
الصور :
طاغور أثناء دراسته في لندن عام 1879م