abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
مدينة السويس
-ج1-
مدينة السويس 
-ج1-
عدد : 08-2019
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


السويس مدينة مصرية قديمة وهي عاصمة محافظة السويس وهي أكبر المدن المصرية المطلة على البحر الأحمر وقد سميت قناة السويس على إسمها وكانت تسمى قديما القلزم وهي تقع شرق دلتا نهر النيل على المدخل الجنوبي لقناة السويس على رأس خليج السويس ويحدها شمالا محافظة الإسماعيلية وشرقا محافظة جنوب سيناء وغربا محافظة القاهرة وتبلغ مساحة محافظة السويس حوالي 255 كيلو متر مربع وبمحافظة السويس 4 موانئ وهي ميناء بور توفيق وميناء الأدبية وميناء الزيتيات وميناء السخنة وتوجد بها مصفاة بترول ومصانع بتروكيماويات ترتبط بالقاهرة ثم بالبحر الأبيض المتوسط عبر خط أنابيب سوميد وقد لقبت السويس بمدينة الغريب نسبة إلى سيدي الغريب والذى كان من أعلام الصوفية كما أنه لابد وأن يحضر في الأذهان اليوم توافد الغرباء عليها من صعايدة وعرب وأبناء المحافظات الأخرى ليستطونوا بها ويقيموا إقامة كاملة فيها وقد ضربت السويس وسكانها القليلون الذين كانوا متواجدين بها أثناء حرب أكتوبر عام 1973م أروع الأمثلة في البطولة والفداء عندما صمدوا أمام القوات المدرعة للجيش الإسرائيلي أثناء حرب أكتوبر عام 1973م التي كان يقودها الجنرال إبراهام أدان والتي حاولت دخول المدينة وإحتلالها في المرحلة الأخيرة من الحرب مما أدى إلي فشل تلك المحاولة وخسارة القوات الإسرائيلية للعديد من الدبابات والضباط والجنود وحيث كان يقود رجال المقاومة الشعبية في السويس الداعية الإسلامي الشهير الشيخ حافظ سلامة والذى كان قد نجح في إقناع قيادة القوات المسلحة المصرية بتنظيم قوافل توعية دينية للضباط والجنود تركز على فضل الجهاد والإستشهاد في سبيل الله وأهمية المعركة القادمة والحاسمة مع إسرائيل عقب هزيمة عام 1967م وفي اثناء مرحلة الإستعداد لحرب عام 1973م وقد نجحت تلك القوافل نجاحا كبيرا فصدر قرار بتعميمها على جميع وحدات الجيش المصري في طول البلاد وعرضها وقد قال عنه اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني في حرب أكتوبر عام 1973م إنه كان صاحب الفضل الأول في رفع الروح المعنوية للجنود على الجبهة لدرجة أن جميع الضباط والجنود كانوا يعدونه أبا روحيا لهم في تلك الأيام العصيبة .


ومن الناحية التاريخية والجغرافية كان من الطبيعي أن تكون لمصر في جميع العصور مدينة عند الطرف الشمالي لخليج السويس ففي العصر الفرعوني كانت هذه المدينة هي سيكوت ومحلها الآن تل المسخوطة على بعد 17 كيلو متر غرب مدينة الإسماعيلية وقد أطلق عليها الإغريق إسم هيروبوليس إو إيرو في العهدين الروماني والبيزنطي وتدل الأبحاث الجيولوجية على أن خليج السويس كان يمتد في العصر الفرعوني حتى بحيرة التمساح ثم إنحسرت مياهه جنوبا إلى البحيرات المرة وأن فرعي النيل البيلوزي والتانيسي كانا يمران بهذه المنطقة ويخترقان برزخ السويس بحيث يمر الأول بالقرب من محطة التينة الحالية على بعد 25 كيلو متر جنوب مدينة بورسعيد الحالية والثاني يمر عند النقطة المعروفة بالكيلو 9 على قناة السويس وكانا يصبان في البحر الأبيض المتوسط الأول عند بيلوز والثاني عند فم أم فرج وكلا المصبين شرقي مدينة بورسعيد وعندما إنحسرت مياه الخليج نحو الجنوب خلفت وراءها سلسلة من الوهاد والبطاح التي كانت تملؤها المياه الضحلة فصارت هيروبوليس من دون ميناء على البحر الأحمر ففقدت جزءا من صفتها التجارية وأهميتها الملاحية ولم تحتفظ إلا بأهميتها الإستراتيجية كجزء من القلاع التي كانت تكون سور مصر الشرقي وتمتد عبر البرزخ شمالي سيناء إلى غزة وفي العصر البطلمي نشأ ميناء جديد على الرأس الجديد لخليج السويس سمى أرسينوي أو كليوباتريس وكان هذا الميناء ناحية السيرابيوم التي تقع شمال البحيرات المرة حاليا ثم إستمر إنحسار خليج السويس نحو الجنوب مرة أخرى وإنفصلت البحيرات المرة عن الخليج فنشأ ميناء البحر الأحمر الجديد الذي سمي كليزما في العصر الروماني وهو الذي حرف العرب إسمه إلى القلزم وسموا به كذلك البحر الأحمر فكان يسمي بحر القلزم وفي القرن العاشر الميلادي نشأت ضاحية جديدة جنوبي القلزم سميت بالسويس ما لبثت أن ضمت إليها القلزم القديمة وحلت محلها وأصبحت ميناء مصر الأول على البحر الأحمر .


وكانت تقطن مدينة السويس قبل الفتح الإسلامي جماعة من الناس تشتغل غالبا بالصيد والقرصنة ولكن السويس لم تلبث أن شهدت نشاطا واسعا وإنتعشت إنتعاشا واضحا في العصر الإسلامي وكان أول ما إشتهرت به السويس في ميدان النشاط الإقتصادي في العصر الإسلامي هو بناء السفن ويظهر أن بناء السفن كان له شأن عظيم في مصر في فجر الإسلام خاصة في العصر الأموي وقد ألقت البرديات شعاعا من النور على صناعة السفن في مصر عندئذ وأظهرت مهارة الملاحين المصريين في ركوب البحر فضلا عن تقدير الحكومة الإسلامية المركزية لتلك المهارة وعملها على إستغلالها والإفادة منها وثمة حقيقة مهمة هي أن البرديات التي إكتشفت حديثا في كوم أشقاو والتي ترجع إلى عهد الخليفة الأموي السادس الوليد بن عبد الملك أشارت صراحة إلى أن صناعة السفن إزدهرت في مصر في ثلاثة مراكز هي الروضة والسويس القلزم والإسكندرية وهذا يعني أن منطقة السويس كان لها أهميتها الكبرى في صناعة السفن إحدى أكبر الصناعات التي عرفتها مصر الإسلامية كما كانت السويس أحد ثلاثة مراكز كبرى في مصر لبناء السفن التجارية وغير التجارية كذلك ظهر لمنطقة السويس أهمية إقتصادية خاصة في العصور الوسطى هي غِنى تلك المنطقة بالثروة المعدنية مثل الذهب والزمرد فضلا عن الأخشاب ومن المعروف أن أشجار السنط كانت تنمو بكثرة في شبه جزيرة سيناء وحول السويس وقد إهتم السلطان صلاح الدين الأيوبي بتلك الأشجار لأهمية أخشابها في بناء السفن في وقت إشتدت فيه الحرب البرية والبحرية ضد الصليبيين في الشام وفي حوض البحر المتوسط وفي عصر المماليك ظلت القوافل تحمل أخشاب شجر السنط بإنتظام بين السويس والقاهرة مما أضفى على منطقة السويس أهمية إقتصادية خاصة وفي عصر المماليك في عام 1505م قاد المعلم حسن شاهبندر تجار القلزم أسطول تجاري لقتال البرتغاليين أمام الساحل الغربي للهند وفي عصر العثمانيين في عام 921 هجرية الموافق عام 1516م أقلعت تجهيزة حملة مصرية عثمانية من السويس تحت إمرة سلمان الرومي وحسين تركي لقتال البرتغاليين وكانت هذه الحملة هي البداية من أجل ضم بلاد اليمن للدولة العثمانية وفي عام 1541م هاجمها أسطول برتغالي بقيادة إستفاو دا جاما الحاكم البرتغالي للهند والإبن الثاني للمكتشف البرتغالي الشهير فاسكو دا جاما ومكتشف طريق رأس الرجاء الصالح وأمام قوة الأسطول العثماني المرابط بالسويس إضطر دا جاما للإنسحاب نحو الجنوب وعرج على ميناء الطور بسيناء حيث دمره ثم قفل عائدا إلى قاعدته الحديثة في مصوع وميناء أرقيقو المجاور لدولة أريتريا المعاصرة اللذين مالبث أن أخلاهما وترك العتاد وعدد 130 مقاتل وعدد 400 من العبيد لإمبراطور الحبشة المحاصر من الدول المسلمة المجاورة لبلاده وأقلع إلى الهند في يوم 9 يوليو عام 1541م .


فالسويس الحديثة إذن هي سليلة القلزم أو كليزما البيزنطية وكليزما وريثة أرسينوي البطلمية وأرسينوي هي الأخرى وريثة هيروبوليس أو سيكوت الفرعونية وتعد مدينة السويس مثالا حيا لهجرة المدن إلى مواقع جديدة تمكنها من أداء وظيفتها التي يؤهلها لها الموقع الجغرافي الذي تحتله وأيا ما كان إسم مدينة السويس فهي ميناء مصر على الطرف الشمالي لخليج السويس لأنها أقرب نقطة إلى البحر الأحمر يسهل الإتصال منها مباشرة بقلب الحياة المصرية النابض في العاصمة القاهرة فالسويس تمتاز عن موانئ البحر الأحمر الجنوبية بأن الطريق من البحر إلى النيل لا يخترق أودية وجبالا بركانية وعرة كما أن مدن قنا وقفط والأقصر تعد مدن داخلية تضرب في أعماق الصعيد وبعيدة نسبيا عن الدلتا التي تزدهر فيها تجارة البحر الأبيض المتوسط والموقع الجغرافي لخليج السويس والنيل يهيئ طرف الخليج لنشأة مدينة ذات وظيفة أساسية هي النشاط التجارى المتجه إلي والقادم من البحر الأحمر وما وراءه سواء كانت بلاد بونت أو بلاد فارس أو بلاد الهند أو بلاد الشرق الأقصى فإذا إستطاعت هذه المدينة أن تتصل بالنيل بطريق مائي تضاعفت أهمية الموقع الجغرافي لها ووظيفته كما عظمت أهمية المدينة إذ تتلاقى عندها تجارة الشرق والغرب ومن ثم فإن موقع مدينة السويس علي مر الأزمنة حددته علاقة اليابسة بالماء أي نقطة إنتهاء الماء من طرف خليج السويس الشمالي ونقطة بدء اليابسة فعندما كان طرف الخليج عند مدخل وادي الطميلات في العصر الفرعوني كانت سيكوت هي الثغر والمخزن التجاري إضافة إلى كونها إحدى قلاع سور مصر الشرقي وكذلك كانت هيروبوليس أو إيرو في العصرين الإغريقي والروماني وعندما إنحسر الخليج نحو الجنوب تغير الموضع فأصبحت أرسينوي عند طرف البحيرات المرة ولما إزداد إنحساره تغير الموضع فأصبح كليزما أو القلزم وأخيرا إستقر الموضع عند السويس الحالية وقد تحالفت عوامل الموقع الجغرافي والموضع والوظيفة على ربط مصير هذه المدينة التي تحركت عبر التاريخ فوق خمسين كيلو متر من قرب الإسماعيلية شمالا حتى السويس الحالية بقناة سيزوستريس الصناعية التي حفرت في عهد الملك سنوسرت الثالث عام 1850 ق.م التي وصلت خليج السويس بالنيل أو أحد فروعه في بعض فترات متفاوتة من تاريخ مصر وكان تتويج ذلك كله إطلاق إسم السويس على القناة التي تصل البحرين المتوسط والأحمر وصولا مباشرا فخلد ذلك إسمها للأبد .


وفي عهد محمد علي باشا تم بناء قصر فخم بالسويس حيث كانت السويس مقرا له ولإبنه القائد إبراهيم باشا للإشراف على إنشاء أول ترسانة بحرية في مصر حيث شهدت السويس تأسيس أول أسطول مصرى فى العصر الحديث فكان لها السبق على الإسكندرية وغيرها من الموانئ المصرية فى هذا المضمار كما كان هذا القصر مقرا للقائد إبراهيم باشا من أجل التخطيط للحملات المصرية إلي السودان والحجاز وأشرف منه على سفر جنود الحملتين وغدت السويس إبان الحروب الوهابية ببلاد الحجاز مابين عام 1811م وعام 1818م قاعدة بحرية لنقل الجنود المشاة والمؤن والعتاد الحربى إلى ينبع ميناء المدينة أو جدة ميناء مكة المكرمة كما أصبحت مركزا لحشود عسكرية متلاحقة بعث بها محمد على إلى شبه الجزيرة العربية أما بحرا من السويس إلى ينبع وجدة وأما برا من السويس فالعقبة فالحجاز وكان محمد على يتابع الحرب بنفسه من هذا القصر وبالفعل إستطاعت هذه الحملة القضاء على الوهابيين ودمرت الدرعية موطن رأس أل سعود ومن بعده قام حفيده عباس باشا الأول بإعادة تأهيل وتعبيد طريق القاهرة السويس وقام بتامينه تأمينا كاملا لسير قوافل التجارة وأصبحت مصر من جديد ممرا تجاريا هاما بين شرق آسيا وخاصة بلاد الهند وبين أوروبا حيث تأتي البضائع من الهند إلى السويس ومنها بالبر إلى القاهرة حيث يتم نقلها عبر نهر النيل إلي الإسكندرية ومنها بحرا إلي موانئ وبلاد أوروبا مما زاد من أهمية مصر من هذه الناحية بالذات بالنسبة إلى بريطانيا كما كانت السويس هي أول مدينة في منطقة القناة وثاني المدن في مصر بعد الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر والتي يصلها خط حديدي يربط بينها وبين العاصمة القاهرة وقد إفتتح خط السويس الحديدي في يوم أول ديسمبر عام 1856م في عهد والي مصر محمد سعيد باشا وقد بلغ طوله 125 كيلو متر وكان الزمن المقرر لقطع هذه المسافة سبع ساعات ولكن كثيرا ما كانت القاطرات تتعطل وسط الصحراء ويمتد التأخير يوما أو بعض يوم وقد أوقف تشغيل هذا الخط عام 1869م في عهد الخديوى إسماعيل بعد أن أكملت الحكومة خط القاهرة الإسماعيلية السويس إذ مدت الحكومة خطا من مدينة الزقازيق إلى مدينة الإسماعيلية عام 1868م ثم مدت في العام نفسه خطا من مدينة الإسماعيلية إلي نفيشة جنوبي الإسماعيلية ثم إلى السويس وظل خط القاهرة السويس الحديدي الصحراوي موقوفا إستخدامه حتى أعيد تشغيله عام 1930م في عهد الملك فؤاد الأول .



وتحتل مدينة السويس الأصلية رقعة من الأرض تمتد فوق 1700 متر طولا و500 متر عرضا فوق لسان البحر أو شبه جزيرة تقع بين البحر وقمة الخليج الضحلة وتتجمع أكثر أحياء السويس القديمة شمال خط السكة الحديد الذي يصل بين السويس وبور توفيق أما الإمتداد الحديث للمدينة فهو بين هذا الخط والزيتية حيث توجد مصانع تكرير النفط ومصنع السماد على جبهة بحرية تطل على الميناء وتمتاز السويس القديمة بشوارعها الضيقة ومبانيها ذات الطابع المملوكي وهذه المدينة تتميز تماما عن مدينة القلزم ولا سيما في العصر التركي فقد خشي الأتراك من تهديد الأساطيل الأجنبية فأنشأوا أسطولا يحمي السويس ويحمي موانئ البحر الأحمر التركية الأخرى وإعتبرت السويس موقعا حربيا يرابط فيه الجند لحماية مدخل مصر الشرقي وهذا يعيد إلى أذهاننا أهمية سيكوت وهيروبوليس في التاريخ القديم ومن ثم كان بناء الطابية وهي قلعة حصينة فوق أحد التلال وتشرِف على البحر كما أقيم فيها دار للصناعة عبارة عن ترسانة لترميم السفن وبنائها وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادى وبعد مقاومة عنيفة لقوات الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت دخل الفرنسيون المدينة وقاموا بتخريب وتدمير البيوت وسرقة محلات اللبن والبن والدقيق والأخشاب وكل ما فى المدينة وفضل بعض السكان الذهاب الى مدينة الطور بسيناء والبعض الأخر إحتموا ببدو سيناء وبدأ الفرنسيون فى دراسة فكرة عمل قناة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط ولكن لخطأ في الحسابات تصور القائمون علي دراسة هذه الفكرة أن منسوب البحر الأحمر أعلي من منسوب البحر المتوسط وأن حفر قناة تصل بينهما قد يهدد مصر بالغرق فتم إلغاء هذه الفكرة حينذاك كما إتخذ الفرنسيون السويس قاعدة بحرية لهم بحيث تصنع قطع السفن مفككة فى ترسانة السفن بحي بولاق بالقاهرة ثم تنقل للسويس ويتم تجميعها هناك وفى كتاب بونابرت فى مصر جولة كاملة لحملة الفرنسيين ورحلة نابليون فى السويس والبيوت التى نزلها والأشخاص التى قابلها .


وقد ظلت السويس حتي زمن الحملة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادى مدينة صغيرة هادئة تقوم بوظيفة الميناء الذي يربط مصر بالأراضي المقدسة والشرق عموما وكان عدد سكانها عام 1860م يتراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف نسمة وما أن حفرت قناة السويس حتى دخلت المدينة عهدا جديدا من تاريخها الحافل حيث بدأت نهضة السويس الحديثة بشق قناة السويس وإنشاء ميناء بور توفيق وتوسيع حوض الميناء ليستقبل السفن القادمة من الشرق الأقصى وكذلك إنشاء حوض لإصلاح السفن فزاد نمو العمران فيها وإزداد عدد سكانها بمعدلات سريعة وليس أدل على ذلك من تتبع أعداد السكان في المدينة من واقع التعداد الرسمي ودراسة إتجاهات نموها فقد تزايد عدد سكانها على مر الحقب الزمنية فكان في عام 1882م في عهد الخديوى توفيق حوالي 11.316 نسمة وفي عام 1937م في عهد أخيه الملك فؤاد أصبح 49.686 نسمة وفي عام 1960م في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أصبح 120.360 نسمة ومما يذكر أنه كان في مقدمة الأسباب التي أعاقت نمو مدينة السويس ندرة المياه العذبة إذ كان الماء ينقَل إليها على ظهور الجمال من عيون موسى التي تقع على مسافة 16 كيلو متر إلى الجنوب الشرقي منها وكانت مكاتب شركات الملاحة البحرية والفنادق الأجنبية في السويس تعتمد في خدمة موظفيها ونزلائها على المكثفات لتحويل ماء البحر إلى ماء عذب ولما أُنشئ الخط الحديدي بين القاهرة والسويس تولت الحكومة المصرية نقل الماء من القاهرة إلى السويس في صهاريج وكانت الحكومة تبيع الماء للأهالي لذلك يعد حفر ترعة السويس الحلوة أحد العوامل المهمة التي أدت إلى تطور المدينة ونمو العمران فيها والواقع أن مشروع حفر هذه الترعة إرتبط إرتباطا وثيقا بمشروع القناة نفسها بل إن شركة قناة السويس رأت أن يكون حفر هذه الترعة سابقا لحفر القناة حتى لا تتعثر عمليات الحفْر كما حدَث في السنوات الأربع الأولى لتنفيذ مشروع حفْر القناة في النصف الشمالي من برزخ السويس بين بورسعيد وبحيرة التمساح وقد عرفت هذه الترعة العذبة بإسم ترعة الإسماعيلية وعدل مخرجها لتنبثق من النيل مباشرة عند شبرا على بعد سبعة كيلومترات شمال القاهرة وتجري بعد ذلك نحو الشمال الشرقي مع حافة الصحراء حتى بلدة العباسة في وادي الطميلات ثم تنحدر شرقا مخترقة هذا الوادي حتى مدينة الإسماعيلية وقبيل مدينة الإسماعيلية تتفرع الترعة إلى فرعين فرع يتجه شمالا إلى بورسعيد والآخر يخترق الصحراء جنوبا إلى مدينة السويس ليغذيها بالمياه العذبة وينتهي إلى خليجها ويبلغ طول ترعة الإسماعيلية من النيل إلى بحيرة التمساح 136 كيلو متر ويقدر طول فرع بورسعيد بنحو 90 كيلو متر أما فرع السويس فيبلغ طوله 87 كيلو متر .



وما أن وصلت مياه النيل العذبة إلى منطقة برزخ السويس وشق خلال البرزخ قناة السويس التي تصِل البحر المتوسط بالبحر الأحمر حتى إنقلبت الحياة البشرية في منطقة البرزخ رأسا على عقب وتحول الهمود والخمول بالمنطقة إلى حياة صاخبة وإن لم تكن هذه الحياة من صنع قناة السويس بقدر ما هي من صنع مياه النيل التي وصلت إلى البرزخ ويصور علي مبارك أهمية ترعة الإسماعيلية وأثرها في تطور مدينة السويس في الخطط التوفيقية بقوله ومن أكبر أسباب عمارة مدينة السويس وصول مياه النيل إليها من ترعة الإسماعيلية التي أنشئت في عهد الخديوي إسماعيل وجعل فمها من بولاق مصر بالقاهرة ومصبها في البحر الأحمر عند مدينة السويس فجرت هناك مياه النيل صيفا وشتاءا فتبدل بذلك جدب تلك المنطقة خصبا وأحيا كثيرا من أراضيها فوجدنا هناك حدائق ذات بهجة فقد زرِع على جانب الترعة القمح والشعير والبرسيم وأنواع كثيرة من الخضر وفي عام 1865م بني في ميناء السويس حوض بور إبراهيم ليحل محل مرفأ السويس القديم الذي كان قد أهمل منذ عهد بعيد حتى أصبح من أشد المرافئ خطرا على السفن والملاحة وكان مرفأ السويس القديم محدودا بالجسر الذي يمر فوقه الخط الحديدي بين السويس وحوض بور إبراهيم وكانت المساحة الواقعة إلى الشرق والمحصورة بين هذا الجسر وقناة السويس أرضا منخفضة تغطيها المياه وقت المد وتنحسر عنها وقت الجزر وتشقها قناة صغيرة قليلة العمق تصل منها المراكب والسفن إلى رصيف مرفأ السويس القديم حيث محطة الحجاج والبضائع القديمة وجمرك السويس القديم ودار الترسانة القديمة .



وبلا شك فقد إزدادت أهمية السويس بعد إفتتاح قناة السويس عام 1869م وكذاك فقد ضمت الحكومة المصرية زيلع وبربرة إلى أملاك مصر في سنة 1875م وكانتا من أملاك تركيا وتابعتين للواء الحديدة في اليمن وقد صدر الفرمان مؤرخا في أول يوليو عام 1875م من السلطان العثماني عبد الحميد خان إلى خديوي مصر بالتنازل عن زيلع وملحقاتها لمصر مقابل زيادة الجزية السنوية التي تدفعها مصر إلى تركيا وأصبحت بذلك سفن الأسطول المصري في البحر الأحمر تمارس نشاطها في منطقة شاسعة تبدأ من السويس إلى سواحل خليج عدن الشمالية وتزايدت حركة الملاحة في ميناء السويس تدريجيا بعد ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وأوائل القرن العشرين الماضي لا سيما خلال الحرب العالمية الأولى فإزداد عدد السفن القادمة إلى الميناء كما إزدادت حمولتها فأصبح حوض بور إبراهيم عاجزا عن مواجهة هذه الحركة وكانت الشركة المصرية الإنجليزية للنفط قد أنشأت معملا لتكرير البترول في منطقة الزيتية في السويس وكانت سفنها لا تستطيع دخول مرفأ بور إبراهيم لتفريغ شحنتها إلا سفينة عقب أخرى وكثيراً ما كان غاطس هذه السفن يصل إلى أرض الحوض وقت الجزر فيترتب على هذا أخطار جسيمة للميناء وللسفن الموجودة فيه وإتجهت النية إلى تعميق ميناء السويس لكي يصل عمق المياه في أحواضه إلي تسعة أمتار على الأقل وقت الجزر ولكن إتضح أن إجراء أي تعديل لحوض بور إبراهيم من شأنه تقليل المساحة المائية للميناء من دون فائدة تذكر للملاحة فإستقر الرأي على إرجاء تحسين ميناء بور إبراهيم وبناء أحواض جديدة وتوفير كل المستحدثات الفنية المتعلقة بتسهيل الملاحة في الخليج المتسع الواقع إلى الشمال من بور إبراهيم وتقرر إنشاء ميناء السويس الجديد في الخليج الواقع بين مرفأ بور إبراهيم ومنطقة الزيتية ليحده من الشرق الخط الحديدي بين السويس وبور توفيق ويمتد من الشمال الغربي حتى يصل إلى معمل التكرير في الزيتية وبدأ العمل في الميناء الجديد في شهر يوليو عام 1918م وقد مدت مصلحة السكة الحديد خطوطا حديدية من حي الأربعين إلى معمل تكرير الزيتية ومعمل التكرير الحكومي الذي أنشئ فيما بعد وكانت هذه الخطوط تستخدم في نقل مشتقات النفط إلى داخل البلاد وقد إستعيض عن ذلك بخط أنابيب ينقل المشتقات الثقيلة إلى معمل تكرير مسطرد الذي أنشئ لاحقا إلى الشمال من مدينة القاهرة ومع الوقت بـدأت بالسويس نهضة جديدة كان بدايتها إنشاء عدد من الصناعات المهمة ولا سيما صناعات تكرير النفط ومشتقاته وبذلك عادت السويس لتؤدي دورا جديدا في تاريخها وغدت ليست قلعة مصر عند قمة خليج السويس فحسب ولا هي ميناء للعبور فقط بل أصبحت ثغرا كبيرا ودارا للصناعة يشمل إحدى صناعات مصر المهمة وهي الصناعات النفطية ومنطلقا نحو موانئ البحر الأحمر أو البحيرة العربية الكبرى ومبتدأ رحلة الحجاج إلى الأراضي المقدسة .


يمكنك متابعة الجزء الثانى والثالث والرابع من المقال عبر الروابط التالية
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=42089
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=42090
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=42091